Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ غَزْوَاتْ الرَّسَوْاُمَعَ النَّهُوَدْ عناصر الموضوع اليهود في جزيرة العرب ١٠٠ غزوة بني قينقاع ١٠٦ غزوة بني النضير ١١١ غزوة بني قريظة ١٢٢ غزوة يهود خيبر ١٣٣ ١٤٠ الدروس المستفادة المُجَلَدَ الخَامِسْ وَالعشْرُونْ حرف الغين اليهود في جزيرة العرب أسباب وجود اليهود في جزيرة العرب ورد في سبب وجود اليهود في جزيرة العرب عدة أسباب يمكن حصرها في ثلاثة: ١. سبب أمني. حيث انتقلت جماعات من اليهود من الشام إلى شبه الجزيرة العربية، فيما يبدو أنه كان فرارًا من الاضطهاد، وكان انتقالهم يشبه موجات مذعورة، تبحث لنفسها عن شاطئ ومستقر، ولم تتم على دفعة واحدة، كما أنها لم تستقر في مكان واحد. وقد ورد في ذلك عدة روايات: · أن هجرة اليهود كانت في أواخر عهد موسى عليه السلام أي في القرنين الثاني عشر أو الثالث عشر قبل الميلاد، وذلك أن بني إسرائيل كانت تغير عليهم العماليق (١) من أرض الحجاز، وكانت منازل العماليق يثرب والجحفة إلی مکة، فشکت بنو إسرائيل ذلك إلى موسی علیه السلام، فوجه إليهم جيشًا، وأمرهم أن يقتلوهم ولا يبقوا منهم أحدًا، ففعلوا، وتركوا منهم ابن ملك لهم كان غلامًا حسنًا فَرَقُّوا له، ويقال (١) قال ابن إسحاق: سموا ((العماليق))، نسبة إلي أبيهم: عمليق بن لا وذ بن سام بن نوح، جامع البيان، الطبري ٥٠٨/١٢. للملك الأرقم بن أبي الأرقم فيما ذكر الزبير، ثم رجعوا إلى الشام وموسى قد مات، فقالت بنو إسرائيل لهم قد عصيتم وخالفتم فلا نؤويكم فقالوا: نرجع إلى البلاد التي غلبنا عليها فنكون بها، فرجعوا إلى يثرب، فاستوطنوها وتناسلوا بها. قال أبو حيان: كان بنو النضير من الجيش الذين عصوا موسى في كونهم لم يقتلوا الغلام ابن ملك العماليق تركوه لجماله وعقله، وقال موسى عليه السلام: لا تستحيوا منهم أحدًا، فلما رجعوا إلى الشام وجدوا موسى عليه السلام قد مات، فقال لهم بنو إسرائيل: أنتم عصاة الله، والله ما دخلتم علينا بلادنا، فانصرفوا إلى الحجاز(٢). لکن ضعف السهيلي هذه الرواية حيث قال: ولا أحسب هذا صحيحًا لبعد عمر موسى عليه السلام (٣). أن هجرتهم إلى الجزيرة كانت بسبب اضطهاد بختنصر (٤) لهم وعسفه بهم، وهو ما أكده الطبري في تفسيره، قال (٢) البحر المحيط في التفسير ١٠/. (٣) انظر: الروض الأنف ٤/ ١٧٢. (٤) بختنصر: بالتشديد، أصله بوخت ومعناه ابن، ونصر اسم صنم، وكان وجد عند الصنم ولم يعرف له أب فنسب إليه، وذكر التاريخ أنه حكم بابل سنة ٥٦١ - ٥٠٤ ق.م، وخرب بیت المقدس. انظر: القاموس المحيط ص ٤٨٣. ١٠٠ القرآن الكريم غزوات الرسول مع اليهود رحمه الله: وقد قویت شوكته فحارب مع الترك، وقاد جيشًا جرارًا إلى دمشق، ثم قصد بيت المقدس لمحاربة بني إسرائيل، فصالحه ملكهم، ثم نقض الإسرائيليون عهودهم معه، ولما علم بختنصر بنقضهم عاد إلی بیت المقدس، فأثخن فيهم، وهدم بيت المقدس، وأحرق التوراة، وقتل أولاد الأنبياء، واسترق نساءهم، وسبى ذراريهم، ففر کثیر منهم إلى أقطار مختلفة، وفر بنو النضير وبنو قريظة وبنو هدل إلى الحجاز يثرب وغيرها (١). ورجح السهيلي هذا الرأي، حيث قال عقب إيراده للرأي الأول ورده: «والذي قال غيره - أي: غير أبي الفرج الأصفهاني ممن تعرض لأسباب وجود اليهود في الجزيرة -: إن طائفة من بني إسرائيل لحقت بأرض الحجاز حين دوخ بختنصر البابلي في بلادهم، وجاس خلال دیارهم، فحينئذٍ لحق من لحق منهم بالحجاز كقريظة والنضير، وسكنوا خيبر والمدينة، وهذا معنی ما ذکر الطبري، والله أعلم»(٢). (١) جامع البيان، الطبري ١٧/ ٣٧٣. وانظر: تاريخ الرسل والملوك ٥٣٨/١، الروض الأنف، السهيلي ٧٣/٣، الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم والثلاثة الخلفاء، الكلاعي ١/ ٩، السيرة النبوية، ابن كثير ٣١٩/٢. (٢) انظر: الروض الأنف ٢٩٠/٤. إن هجرة اليهود كانت في القرن الأول الميلادي بعد تنكيل الرومان بهم سنة ٧٠ م وخراب القدس، وذلك أنهم ظنوا ألن يعاقبهم الله تعالى بتكذيبهم رسله وقتلهم، قال تعالى ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَقَ بَنِي إِسْرَءِيلَ وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلَّ كُلَّمَا جَآءَ هُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىّ أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُواْ وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ ﴿ وَحَسِبُواْ أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُواْ وَصَنُّواْ ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُواْ كَثِيرٌ مِنْهُمَّ وَاللَّهُ بَصِيْرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٠ - ٧١]. قال أبو جعفر: يقول تعالى: وظن هؤلاء الإسرائيليون أن الله أخذ ميثاقهم، وأنه أرسل إليهم رسلًا، وأنهم كانوا كلما جاءهم رسولٌ بما لا تهوى أنفسهم كذبوا فريقًا وقتلوا فریقًا، أن لا یکون من الله لهم ابتلاء واختبارٌ بالشدائد من العقوبات بما كانوا يفعلون (٣). وكان قتال الرومان لهم أحد هذه العقوبات التي حلت بهم. وقد رجح الدكتور جواد علي، أن هجرة اليهود إلى جزيرة العرب كانت بعد غزو الرومان لهم، حيث قال: أما ما ورد في وانظر: سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد، الصالحي ١/ ١٢٢، بنو إسرائيل ووعد الآخرة، فوزي أبو زيد ص٧٧ . (٣) جامع البيان، الطبري ١٠/ ٤٧٨. www. modoee.com ١٠١ حرفالغين روايات أهل الأخبار عن هجرة بعض اليهود الصلاة والسلام. إلى أطراف يثرب وأعالي الحجاز على أثر ظهور الروم على بلاد الشام وفتكهم بالعبرانيين وتنكيلهم، مما اضطر ذلك بعضهم إلى الفرار إلى تلك الأنحاء البعيدة عن مجالات الروم فإنه يستند إلى أساس تاريخي صحيح (١)، فالذي نعرفه أن فتح الرومان لفلسطين أدى إلى هجرة عدد کبیر من اليهود إلى الخارج، فلا يستبعد أن يكون يهود الحجاز من نسل أولئك المهاجرين(٢). ٢. سبب ديني. وقد دل عليه: ما حكاه ابن النجار أن علماء بني إسرائيل كانوا يجدون صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة، وأنه یهاجر إلى بلد فيه نخل وماء بين حرتين، وكانت هذه الصفة تنطبق على أربعة أماكن في الجزيرة مروا بها تقريبًا (تيماء، وخيبر، وفدك، ويثرب) فأقبلوا من الشام يطلبون الصفة، فلما رأوا تيماء وفيها النخل نزلها طائفة منهم، وظن طائفة أنها خيبر فنزلوها، ومضى أشرفهم وأكثرهم، فلما رأوا يثرب سبخة وحرة وفيها النخل قالوا: هذه البلد التي تكون مهاجر النبي عليه (١) تاريخ ابن خلدون ٢/ ٥٩٤. (٢) المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام، جواد علي ١٢ / ٩٤. وانظر: التفسير الحديث، دروزة ١٦٦/٦، التفسير المنير، الزحيلي ٩/ ٣٤. قال ابن النجار: ((وقال آخرون: بل كان علماؤهم -أي: اليهود- يجدون في التوراة أن نبيًّا یهاجر من العرب إلى بلد فیه نخل بین حرَّتين، فأقبلوا من الشام يطلبون صفة البلد، فنزل طائفة تيماء وتوطنوا نخلًا، ومضى طائفة، فلما رأوا خيبر ظنوا أنها البلدة التي یهاجر إليها، فأقام بعضهم بها، ومضى أكثرهم وأشرفهم، فلما رأوا يثرب سبخةً وحرةً ونخلا قالوا: هذا البلد الذي یکون له مهاجر النبي إليها، فنزلوه))(٣). لکن کثیرًا من علماء بني إسرائيل كانوا يرون أنها يثرب، لذا يلحظ أن كثيرًا من القبائل الإسرائيلية نزلوا يثرب وآثروا العيش فيها، واتخذوها وطنًا، حتى إذا ظهر النبي المبشر به آمنوا به، فلما ظهر لم يؤمن به إلا عدد قليل منهم، وكان إيمانهم على هيئة فردية وليست جماعية، فكان للمعتقد الديني أثره في استقرارهم في الحجاز. ٣. المصادفة والاختيار. حیث ذكرت بعض الروايات أن موسى عليه السلام خرج حاجًّا إلى الكعبة، وفي عودته تخلف بعض اليهود فسكنوا يثرب. ومنها ما أورده الصالحي في سيرته قال: ((وقال أبو المنذر الشرقي بن القطامي: سمعت حدیث تأسیس المدينة من سليمان (٣) الدرة الثمينة في أخبار المدينة ص ٢٧ . ١٠٢ لِلْقُرآن الكَرِيمِ غزوات الرسولمع اليهود بن عبد الله بن حنظلة الغسيل، وسمعت المؤرخون المسلمون، إلا أن قدم تواجدهم لا دليل عليه، فلا يمكن الاستدلال على قدم الوجود اليهودي ما قبل الميلاد فضلاً لزمان موسى عليه السلام؛ لأن اليهود على مر التاريخ لاقوا من الاضطهاد ما لم تلقه أمة أخرى، ولذا فلا يمكن نفي أن اليهود في يثرب قد جاؤوا على فترات متقطعة، ولكن لا یمکن تأکید بحال من الأحوال فترات ما قبل الميلاد، أما ما بعد الميلاد فالثابت هو نزوح بني النضير وقريظة إلى يثرب. أيضًا بعض ذلك من رجل من قريش عن أبي عبيدة بن عبد الله بن عمار بن ياسر، فجمعت حديثهما لكثرة اتفاقه و قلة اختلافه، قالا: ((بلغنا أنه لما حج موسى صلوات الله علیه حج معه أناس من بني إسرائيل، فلما كان في انصرافهم أتوا على المدينة، فرأوا موضعها صفة بلد نبي يجدون وصفه في التوراة بأنه خاتم النبيين، فاشتورت طائفة منهم علی أن یتخلفوا به، فنزلوا في موضع سوق بني قينقاع، ثم تألفت إليهم أناس من العرب فرجعوا إلی دینھم، فكانوا أول من سكن موضع المدينة))(١). إلا أن هذه الرواية مرجوحة بما اتفق علیه أكثر المؤرخين، وهو أن قبائل اليهود في الحجاز هم عبرانیون نازحون من جراء الاضطهاد الروماني، في الفترة مابين عامي ٧٠ م - و١٣٥ م، ولم یکونوا عربًا، أي: إنهم هم الناجون من دمار أورشليم علی ید تيطوس أو الذين تم إجلاؤهم (بني النضير وقريظة) على يد الإمبراطور هادريان. وقد ادعى يهود بني قينقاع أن أصلهم موغل في القدم بيثرب ويعود لزمان موسى في الوجود، كما تدعي الإسرائيليات التي حاول اليهود ترويجها، ونقلها لنا (١) سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد، الصالحي ٢٨١/٣. وتبقى هذه الادعاءات ادعاءات يهودية محضة، ربما عن قصد ألفوها ونشروها بين المسلمين ليكتسبوا شرعية في المكان الذي استقروا فيه، وبرغم أصالة وعبرية تلك القبائل مثل بني النضير وقريظة وبني قينقاع ويهود خيبر وفدك ووادي القرى، إلا أن هناك من قبائل العرب من اعتنق اليهودية أيضًا، وربما كان تقربًا لليهود. والذي يظهر: أن غالبية يهود جزيرة العرب حلوا بها في القرن الأول الميلادي، أي: بعد التدمير الثاني لأورشليم على يد تيطس الروماني، وكان أهم أسباب حلولهم بها هو فرارهم من وجه الرومان حتى يأمنوا من بطشهم وفتکھم بهم. أما عدد قبائلهم وبطونهم فكثيرة، وقد أوصلها بعضهم إلى نيف وعشرين فرعًا، منهم: بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة، www. modoee.com ١٠٣ حرفالغين وبنو هدل، وبنو عكرمة، وبنو ثعلبة، وينو إسرائيلي الحجاز إليها في القرن الخامس بعد الميلاد(٤ محمم، وبنو زعوراء، وبنو القصيص، وغيرهم(١)، وقد اشتهر من هذه القبائل، بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة، وسبب شهر تهم أنهم كانوا ذوي عدد وعدة، ولهم وقائع مع الأوس والخزرج، ثم مع رسول الله صلی الله عليه وسلم بعد هجرته(٢). ثانيًا: أماكن وجودهم: تفرق اليهود في الجزيرة العربية، وسکنوا عدة أماکن منها، وكان أشهرها: المدينة المنورة، وسکنها ثلاث قبائل: بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة. خيبر. بعض المناطق الأخرى المتفرقة، مثل: فدك وتيماء ووادي القرى، وكانت واحات صغيرة، تقطنها جماعات يهودية محدودة العدد، وبالرغم من قلة إلى التشابه الكبير بين طبيعة حياتهم، وحياة يهود المدينة(٣). وما ورد من وجود لليهود باليمن، فالراجح أنه نتيجة تسرب اليهودية من (١) المدينة في العصر الجاهلي، محمد الحظراوي ص ٧٤ . (٢) مرويات تاريخ يهود المدينة، أكرم السندي ص٢٠. (٣) انظر: آثار المدينة المنورة، عبد القدوس الأنصاري ص ٦٥ - ٧٦. ثالثًا: علاقتهم بالأوس والخزرج: ذکر المفسرون أن علاقة اليهود بالأوس والخزرج كانت وطيدة، إذ بنيت على التحالفات فيما بينهم، وبما أنهم كانوا يسكنون مكانًا واحدًا، فمن الطبيعي أن تتولد بينهم علاقات تجمعھم، وقد عکس لنا القرآن الكريم جانباً من جوانب هذه العلاقة، وهو الجانب السياسي، وما ترتب على هذه العلاقة من نتائج، قال تعالى ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءٍ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَرِهِمْ تَظَهَرُونَ عَلَيْهِم بِآلْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ وَإِن يَأْتُوُكُمْ أُسَرَى تُفَدُوهُمْ وَهُوَ تُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ [البقرة: ٨٥]. قال السدي رحمه الله: كانت قريظة حلفاء الأوس، والنضير حلفاء الخزرج، المعلومات عنهم، فإن الدلائل تشير فكانوا يقتتلون في حرب سمير (٥) فيقاتل بنو قريظة مع حلفائها، النضير وحلفاءها، وكانت النضير تقاتل قريظة وحلفاءها، فيغلبونهم، فيخربون بيوتهم، ويخرجونهم منها، فإذا أسر الرجل من الفريقين (٤) انظر: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، جواد علي ٣/ ١٥٠ - ٢٧٣. (٥) حرب سمير: كانت في الجاهلية بين الأوس والخزرج. وسمير رجل من بني عمرو بن عوف. انظر: الكامل في التاريخ، ابن الأثير ٥٨٦/١. جَوَس ◌َد النفسية القرآن الكريم ١٠٤ غزوات الرسولمع اليهود کلیهما، جمعوا له حتی یفدوه، فتعيرهم العرب بذلك، ويقولون: كيف تقاتلونهم وتفدونهم؟ قالوا: إنا أمرنا أن نفديهم، وحرم علينا قتالهم. قالوا: فلم تقاتلونهم؟ قالوا: إنا نستحيي أن تستذل حلفاؤنا، فذلك حين غيرهم جل وعز بقوله: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًامِنكُم مِّن دِيَرِهِمْ تَظَهَرُونَ عَلَيْهِم بِآلْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ﴾ [البقرة: ٨٥](١). وقد انعكست هذه العلاقة على الجانب الاقتصادي فیما بینهم، إذ کان اليهود قد سيطروا على أغلب الجوانب الاقتصادية في المدينة، وكان من أهم الأعمال التي اشتغلوا بها التجارة، حتى صار لبعضهم فيها شهرة كبيرة، كذلك اشتغلوا بالزراعة التي كانت المهنة الرئيسة لسكان القرى منهم. كما اهتموا أيضًا بالصناعة، ومن أهم الصناعات التي برعوا فيها صناعة الصياغة، واشتهر بها بنو قينقاع وصناعة السيوف والدروع وسائر الآلات الحربية، وكانت لديهم ثروات وأموال، وكانت معظم معاملاتهم مع غيرهم تقوم على المراهنات وتعاطي الربا. وقد ترتب على سيطرة اليهود على الجوانب الاقتصادية في المدينة وضواحيها، (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٠٦/٢، البحر المحيط في التفسير، أبو حيان ٤٦٨/١، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣١٨/١. أن قوي نفوذهم المالي وتحكموا في الأسواق فحشًا واحتكارًا لمصلحتهم ومنفعتهم، فكرههم أغلب الناس لأنانيتهم واشتطاطهم في أخذ الربا وسعيهم للثراء بطرق خبيثة يأنفها العربي ويأباها. وقد كانت علاقة اليهود بالأوس والخزرج خاضعةً للمنفعة الشخصية والمكاسب المادية، فكان اليهود يعملون على إثارة الحرب بين الفريقين متى وجدوا في إثارتها فائدة لهم، کما حصل ذلك في كثير من الحروب التي أنهكت الأوس والخزرج؛ لأنهم كانوا يهمهم أن تكون لهم السيطرة المالية على المدينة والسيطرة على صناعة السلاح وجزء كبير من الزراعة ومصادر المياه. أما بالنسبة للجانب الديني، فقد كان اليهود يعدون أنفسهم أعلى مكانةً من الأوس والخزرج؛ لأنهم أهل كتاب، أما الأوس والخزرج فكانوا كفارًا، ولذا فقد كان اليهود يترقبون خروج النبي صلى الله عليه وسلم حتى يتبعوه وتكون لهم السيادة في الأرض، وكانوا يدعون أنه سيكون منهم، وعند بعثته سیتحكمون في غيرهم من الأوس والخزرج دینًا ودنیا (٢). (٢) بنو إسرائيل ووعد الآخرة، فوزي أبو زيد ص٨٠. www. modoee.com ١٠٥ حرف الغين غزوة بني قينقاع حينما استقر النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعد هجرته إليها، وأسلم من أسلم من أهلها، وظل اليهود على ديانتهم، وكانوا قوة لا يستهان بها آنذاك، وكانوا شركاء للمسلمين في سكنى المدينة، عقد النبي صلى الله عليه وسلم عهدًا معهم، أبقاهم فيه على صلاتهم وتحالفهم مع الأوس والخزرج، ومنحهم حرية الدين، وأوجب عليهم مشاركة المسلمين في الدفاع عن المدینة إذا ما تعرضت لأذى، كما أوجب على المسلمين معاونتهم أيضًا إذا تحقق ذلك. ولم يمر على هذا العهد سوى عام ونصف حتى نقضته الطائفة الأولى من اليهود وهو بنو قينقاع(١)، فكانوا أول من نقض العهد من اليهود مع النبي صلى الله عليه وسلم، فتوجه النبي صلى الله عليه وسلم إليهم ليعاقبهم على فعلهم. أولًا: زمان الغزوة ومكانها. أما الزمان: فكانت يوم السبت للنصف من شوال في السنة الثانية من الهجرة، حاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم خمسة (١) قينقاع: بضم النون وقيل بكسرها وقيل بفتحها، فهي مثلثة النون، والضم أشهر. انظر: السيرة الحلبية ٢/ ٢٨٤. عشر يومًا إلى هلال ذي القعدة (٢). وأما المكان: فوقعت الغزوة في ديارهم وكانت في طرف المدينة المنورة (٣)، ومنازلهم عند جسر بطحان مما يلي العالية (٤). ثانيًا: أسباب الغزوة: أورد أهل التفسير أن غزوة بني قينقاع كان لها سببان: الأول: نقضهم للعهد الذي كان بينهم وبین النبي صلى الله عليه وسلم، حيث أظهروا له الحسد بما فتح الله علیه في بدر، وكشفوا عن أخلاقهم الدنيئة. قال محمد بن إسحاق رحمه الله: (کان من أمر بني قينقاع أن رسول الله صلى الله علیه وسلم جمعهم بسوق بني قينقاع، ثم قال: يا معشر اليهود، احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة، وأسلموا فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل، تجدون ذلك في (٢) انظر: دلائل النبوة، البيهقي ١٧٣/٣، عيون الأثر، ابن سيده ١/ ٣٤٣. وقيل: كانت في صفر سنة ثلاث، وجعلها بعضهم بعد غزوة الكدر. انظر: إمتاع الأسماع، المقريزي ١٢٢/١، سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد، الصالحي ٤ /١٧٩. (٣) انظر: جوامع السيرة، ابن حزم ص١٢١، المعالم الأثيرة في السنة والسيرة، محمد شراب ص٢٢٨. (٤) انظر: وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى، السمهودي ١/ ١٣١. ١٠٦ جَوَسُو ◌َر النفسية القرآن الكريمِ غزوات الرسول مع اليهود کتابکم وعهد الله إلیکم، فقالوا: یا محمد إنك ترى أنا كقومك، لا يغرنك أنك لقيت قومًا لا علم لهم بالحرب، فأصبت فيهم فرصة، إنا والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس)(١). الثاني: إثارة الفتنة، بالاعتداء على الأعراض وقتل المسلمين: فعن أبي عون قال: كان من أمر بني قينقاع أن امرأة من العرب قدمت بجلب(٢) لها فباعته بسوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغٍ بها، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوأتها، فضحكوا بها فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، وکان يهوديًّا، وشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود فغضب المسلمون، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع (٣). ولا مانع من تحقق السببين معًا، أو أن يكون فعل اليهود بالمرأة إن صح نتيجة لحقدهم على الإسلام والمسلمين. ثم سار رسول الله صلى الله عليه وسلم (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٢٨/٦، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٧/٢، السيرة النبوية، ابن هشام ٣/ ٥٠. (٢) الجَلَب: كل ما يجلب للبيع. انظر: لسان العرب، ابن منظور ٢٦٨/١. (٣) انظر: السيرة النبوية، ابن هشام ٤٨/٢. إليهم، يحمل لواءه عمه حمزة بن عبد المطلب، وكان أبيض، واستخلف على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر، حتى أتاهم فوجدهم قد تحصنوا بحصنهم، فحاصرهم خمس عشرة ليلة لا يطلع منهم أحد. وكان عدد اليهود يومئذٍ سبعمائة مقاتل، أربعمائة حاسر (٤) وثلاثمائة دارع(٥)، مدرعون بدروع الحديد(٦). ثالثًا: حديث القرآن عن الغزوة: لم يكد يستقر النبي صلى الله عليه وسلم بعد عودته من غزوة بدر ظافرًا منتصرًا، حتى کشف يهود بني قينقاع عن نواياهم الخبيثة، وما تضمره قلوبهم من حسد وبغضاء للنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، فنقضوا العهد الذي وثقه النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبينهم، ولیس هذا ببعید عنهم، فقد كشف القرآن الكريم في مواضع عدة عن مواقفهم الدنيئة التي عكست التعجيز والتشكيك والسخرية واللجاج والدس والتآمر التي اشتهروا بها. ولما لم يستجب يهود بني قينقاع لدعوة (٤) الحاسر: هو الذي لا درع عليه ولا مغفر. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير ٣٨٣/١. (٥) الدارعٌ: هو من له درعٌ. انظر: الدلائل في غريب الحديث، السرقسطي ٨٤٥/٢. (٦) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ٤/ ٨٠، المحرر الوجيز، ابن عطية ٢/ ٢٠٤. www. modoee.com ١٠٧ حرفالغين الحق بدخولهم في الإسلام أو مراعاة العهد الذي بينهم وبين المسلمين، فقد اقتضت حکمة التنزيل توجیه الإنذار لهم، أن یحیق بهم مثل ما حاق بأسلافهم من كفار قريش في بدر. قال تعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُقْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّهُ وَيِفْسَ اَلْمِهَادُ (١) قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ فِ فِئَتَيْنِ الْتَقَتَّا فِئَةٌ تُقَتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْىَ الْعَيْنِّ وَالَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ، مَن يَشَآءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِ الْأَبْصَرِ﴾ [آل عمران ١٢ -١٣]. وقد ذكر أئمة التفسير أن هاتين الآيتين نزلتا في يهود بني قينقاع، وذلك لما جمعهم النبي صلى الله عليه وسلم في سوقهم ووجه إليهم الإنذار لفعلهم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما أنزلت هؤلاء الآيات إلا فیھم، أي: في يهود بني قينقاع(١). وفي تلك الغزوة ظهرت موالاة المنافقين لليهود، حیث قام زعیم المنافقین عبدالله بن أبي بن سلول بمحاولة تخليصھم من خلال شفاعته عند النبي صلى الله عليه وسلم. (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٢٧/٦، مفاتيح الغيب، الرازي ٧/ ١٥٦، تفسير العز بن عبد السلام ١/ ٢٥٣، البحر المحيط في التفسير، أبو حيان ٣/ ٤٣، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ١٧، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤/ ٢٤. روی ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة قال: (حاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا على حكمه، فقام إليه عبد الله بن أبي ابن سلول، حين أمكنه الله منهم، فقال: يا محمد، أحسن في موالي، وكانوا حلفاء الخزرج، قال: فأبطأ عليه رسول الله صلی الله علیه وسلم فقال: يا محمد، أحسن في موالي، قال: فأعرض عنه، فأدخل يده في جيب درع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلني، وغضب رسول الله صلی الله علیه وسلم حتى رئي لوجهه ظلل ثم قال: ويحك أرسلني، قال: لا والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي، أربعمائة حاسر، وثلاثمائة دارع، قد منعوني من الأحمر والأسود، تحصدهم في غداة واحدة؟! إني امرؤ أخشى الدوائر، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هم لك)(٢). من أجل ذلك نهى رب العزة سبحانه وتعالى المؤمنين عن موالاة اليهود والنصارى. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ اَلْيُهُودَ وَالنَّصَرَى أَوْلِيَاءُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍٍّ وَمَنْ يَتَوَلَُّم ◌ِنَكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ النَِّمِينَ فَتَرَى الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضَُّ يُسَرِعُونَ فِهِمْ ٥١ (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٣٤/٣. ١٠٨ جوسين لِلْقُرآن الكَرِيْمِ غزوات الرسولمع اليهود يَقُولُونَ تَخْشَفَ أَنْ تُصِيبَنَا دَآبِرَةٌ فَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ، فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَّا أَسَرُّواْ فِىّ أَنْفُسِهِمْ نَدٍمِينَ﴾ [المائدة: ٥١-٥٢]. وقد ورد في سبب نزول هاتين الآيتين، ما رواه محمد بن إسحاق بسنده عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، قال: ((لما حاربت بنو قينقاع رسول الله صلى الله عليه وسلم تشبث بأمرهم عبدالله بن أبي ابن سلول، وقام دونهم، ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أحد بني عوف، لهم من حلفه مثل الذي لهم من عبدالله بن أبي، فخلعهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبرأ إلى الله عز وجل وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم من حلفهم، وقال: يا رسول الله أتولى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وأبرأ من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم، قال: ففيه وفي عبدالله بن أبي نزلت هذه القصة من المائدة))(١). وذكر أبو حيان في تفسيره، قال الزهري وغيره: سبب نزولها قصة عبد الله بن أُبيِّ واستمساكه بحلف يهود، وتبرؤ عبادة بن الصامت من حلفهم عند انقضاء بدر، في قصةٍ فيها طولٌ هذا ملخصها(٢). وهذا دليل واضح على مشروعية التبرؤ (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٩٧/١٠، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣/ ١٣٣. (٢) البحر المحيط في التفسير ٤ /٢٩١. من اليهود والنصارى، وعدم موالاتهم. وبعد أن أجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن المدينة، جعلهم الله تعالى مضرب المثل، وعبرةً لمن خلفهم من اليهود. فعن ابن عباس رضي الله عنه قال في قوله تعالى ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الحشر: ١٥] يعني: بني قينقاع (٣). رابعًا: علاقة قصة غزوة بني قينقاع بموضوع سورة آل عمران: تدور آيات سورة آل عمران حول ثلاث موضوعات هامة هي: تحديد معنى الدين ومعنى الإسلام. وصف حال المسلمين مع ربهم وموقفهم من تعاليم الدين وتكاليفه. * التحذير المستمر من الثقة بغير المسلمين، وتوضيح ما ينجر للمسلمين من الأخطار والمتاعب إذا والوهم ووثقوا بهم في شؤونهم (٤). وقد جاءت الآيات في بني قينقاع تندرج تحت الموضوع الثالث، وهو تحذير المسلمین من اليهود والكافرين، وأنهم مهما بلغت قوتهم وازداد عددهم، لكن قدرة (٣) جامع البيان، الطبري ٢٩٣/٢٣. (٤) التيسير في أحاديث التفسير، محمد المكي ٢٠١/١. www. modoee.com ١٠٩ حرفالغين الله تعالی أکبر منهم، فهو یعدهم سبحانه بأنهم سيغلبون، وستكون جهنم مهادهم ومصيرهم، ويدلل سبحانه على تحقق ما وعد به من خلال الواقع الملموس وما حاق بکفار قریش رغم کثرة عددهم وعدتهم في مقابلة قلة عدد المسلمين وعتادهم، كي یکون ذلك آية وعبرة لليهود والكافرين، وأن النصر بيد الله سبحانه وتعالي يكتبه لمن يشاء، وقد وعد به المؤمنين قال تعالي ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تَنصُرُواْ اللَّهَ يَنَصُرُّكُمْ وَيُلَيْتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧]. ثم تستمر السورة في التحذير من غير المسلمين ومن موالاتهم وبخاصة اليهود والنصارى، وأن من يخالف أمر الله فإنه منهم، وقد جعل الحق سبحانه وتعالى موالاة اليهود والنصارى علامة من علامات النفاق، حينما أخبر أن المنافقين وهم من في قلوبهم مرض يتوددون إلى اليهود والنصارى ويتقربون منهم، شكًا منهم في وعد الله، مع أن وعده سبحانه لا يتخلف، ونافذ ولو بعد حين، وهذه عقيدة المؤمنین. خامسًا: نتائج الغزوة: كان من أهم نتائج الغزوة: ١. هزيمة اليهود ونزولهم على أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالجلاء من المدينة. ٢. نقض اليهود العهد مع النبي صلى الله عليه وسلم. ٣. كشف الحقد الدفين الذي انطوت عليه طبائع اليهود ضد المسلمين. ٤. تكشف أمر المنافقين بالدفاع عن اليهود، كما حدث من عبد الله بن أبي بن سلول في دفاعه عن اليهود ومؤازرتهم. ٥. براءة المؤمنين من حلف اليهود: وهو ما ظهر من الموقف الإيماني الصحابي الجليل عبادة بن الصامت رضي الله عنه. ٦. إجلاؤهم من المدينة: حيث أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عبادة بن الصامت أن يجليهم، فخرجوا بعد ثلاث، ومضى بهم عبادة حتى بلغوا جبل ذباب(١). (١) ذباب ذكره الحازمي بكسر أوله وباءين، وقيل: بالضم، جبل أو أكمة بالمدينة يفصل بينها وبين جبل سلع ثنية الوداع، وهو علي يمين الخارج من المدينة السالك ثنية الوداع -الشامية للمتجه إلى تبوك- ويكون جبل سلع على يساره، وموقعه الآن في أول شارع عثمان بن عفان العيون المتفرع من شارع سلطانة، وهو الآن مكسو بالعمائر، ويقع في ((حي النصر)) بالمدينة. انظر: معجم البلدان، ياقوت الحموي ٣/٣، مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع، صفي الدين البغدادي ٢/ ٥٨٣، وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى، السمهودي ٤٩/٣، المعالم الأثيرة في السنة والسيرة، محمد ١١٠ جَوَبُو القرآن الكريم غزوات الرسول مع اليهود ٧. الغنائم: عرف عن يهود بني قينقاع الثراء والغنى، وظهر ذلك مما غنمه المسلمون منهم، فقد كانوا صاغةً، ولديهم آلة للصياغة، ووجد المسلمون لدیھم سلاحًا کثیرًا، خص النبي صلى الله عليه وسلم نفسه ببعض منه، قال الواقدي: كان محمد بن مسلمة هو الذي أجلاهم وقبض أموالهم، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من سلاحهم ثلاث قسي، قوس تدعى الکتوم کسرت بأحد، وقوس تدعى الروحاء، وقوس تدعى البيضاء، وأخذ درعين من سلاحهم، درعًا يقال لها السغدية(١) وأخرى فضة، وثلاثة أسياف، سيف قلعي، وسيف يقال له بتار وسيف آخر - لم يسم - وثلاثة أرماح، ووجدوا في حصونهم سلاحًا كثيرًا وآلة للصياغة وكانوا صاغةً(٢). شراب ص ١٢٠. (١) السغدية: بسين مهملة وغين معجمة، نسبة الى سغد بلد تعمل فيه الدروع. انظر: تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس، الدياربكري ١٨٩/٢، عيون الأثر، ابن سيده ٢/ ٣٨٦، مستعذب الإخبار بأطيب الأخبار، أبو مدين الفاسي ص ٣٧٤، تاريخ الإسلام، الذهبي ١/ ٥١٣. (٢) انظر: مغازي الواقدي ١٧٨/١. غزوة بني النضير يهود بني النضير هم الطائفة الثانية من اليهود الذين سكنوا المدينة، وهم داخلون في العهد الذي أبرمه النبي صلى الله عليه وسلم مع اليهود بطوائفهم الثلاث، وقد أثبتت الحقائق التاريخية أنهم لم يرعوا هذا العهد، بل كانوا يتحينون الفرص لنقضه، حتى إذا سنحت لهم الفرصة بادروا إلى النکوث والعودة فيه. فهم أهل خيانة وغدر، ودلت أفعالهم الدنيئة من انتهاكهم لحرمات المسلمين، وإثارتهم للفتن والقلاقل أنهم لا يرجون أمانًا، ولا يطلبون سلامًا. وبالرغم مما حاق بأسلافهم من بني قينقاع، إلا أنهم لا يعتبرون، قد أعمى بصائرهم وأبصارهم حقدهم وبغضهم للإسلام والمسلمين. أولًا: زمان ومكان الغزوة: فأما الزمان: فقد تعددت الروايات في زمنها (٣)، مما أدى إلى اختلاف أهل التفسير والسير والتاريخ في تحديد وقتها إلى أربعة أقوال: الأول: أنها كانت بعد بدر بستة أشهر وقبل (٣) انظر في غزوة بني النضير: مغازي الواقدي ٣٥٣/١، الطبقات الكبري، ابن سعد ٢/ ٥٧، تاريخ الأمم والملوك، الطبري ٢/ ٥٥٠، السيرة النبوية، ابن هشام ٣/ ١٤٢. www. modoee.com ١١١ حرفالغين شهيدًا، فدل على أن الخمر كانت إذ ذاك أحد، روي ذلك عن عروة والزهري وابن إسحاق والبخاري والبيهقي وغيرهم(١). حلالًا، وإنما حرمت بعد ذلك فتبين ما قلناه من أن قصة بني النضير بعد وقعة أحد والله عن عروة: ((كانت على رأس ستة أشهرٍ من أعلم)) (٦). قال البخاري رحمه الله: قال الزهري وقعة بدر قبل أحد))(٢). أحد من السنة الرابعة للهجرة، وهذا رأي ابن إسحاق والمحققين من المؤرخين، قال ابن كثير رحمه الله: ((ذكر البيهقي والبخاري قبله خبر بني النضير قبل وقعة أحد، والصواب إيرادها بعد ذلك، کما ذکر ذلك محمد بن إسحاق(٣) وغيره من أئمة المغازي (٤)، وبرهانه أن الخمر حرمت ليالي حصار بني النضير، وثبت في الصحيح(٥) أنه اصطبح الخمر جماعة ممن قتل يوم أحد (١) انظر: التفسير الوسيط، الواحدي ٢٧٦/٤، اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٦٠٤/١٨. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه معلقًا، كتاب المغازي، باب حديث بني النضير ومخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم في دية الرجلين وما أرادوا من الغدر برسول الله، ٨٨/٥. (٣) انظر سيرة ابن هشام ٢١٩/٣. (٤) وقد ذهب إلي ذلك جل أهل المغازي، انظر: مغازي الواقدي ٣٦٣/١، السيرة النبوية، ابن هشام ٣١٩/٣، دلائل النبوة، البيهقي ١٨٠/٣. (٥) جاء ذلك في حديث جابرٍ رضي الله عنه قال: (اصطبح الخمر يوم أحد ناس، ثم قتلوا شهداء). أخرجه البخاري في صحيحه، کتاب المغازي، باب غزوة أحد، ٥/ ٩٥، رقم ٤٠٤٤. الثالث: أن غزوة بني قينقاع وبني النضير الثاني: أنها كانت في ربيع الأول بعد كانتا في زمن واحد، وهذا رأي الحاكم، قال مغلطاي: قال الحاكم: غزوة بني قينقاع وبني النضير واحدة فربما اشتبهتا على من لا يتأمل. وقد رد الحافظ ابن حجر على هذا القول بعد أن ذکر أن یھود بني قينقاع أول من نقض العهد فغزاهم النبي صلی الله عليه وسلم ثم بني النضير، فقال رحمه الله: وأغرب الحاكم فزعم أن إجلاء بني قينقاع وإجلاء بني النضير كان في زمن واحد، ولم يوافق على ذلك لأن إجلاء بني النضير كان بعد بدر بستة أشهر على قول عروة، أو بعد ذلك بمدة طويلة على قول ابن إسحاق. (٧) الرابع: التوقف، وهو ما ذهب إليه الحافظ ابن حجر، فلم يجزم برأي قاطع، وعلق التسليم برأي ابن إسحاق بثبوت تعلق الغزوة بقصة القتيلين العامريين. قال رحمه الله معلقًا على رواية الزهري: (٦) البداية والنهاية ٤ / ٩. (٧) انظر: فتح الباري ٧/ ٣٣٢، شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية ٣٥٠/٢، تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس ١/ ٤٠٩. صَوْسُو القرآن الكريم ١١٢ غزوات الرسولمع اليهود فهذا أقوى مما ذكر ابن إسحاق من أن سبب غزوة بني النضير طلبه صلی الله عليه وسلم أن یعینوه في دية الرجلین، لکن وافق ابن إسحاق جل أهل المغازي فالله أعلم، وإذا ثبت أن سبب إجلاء بني النضير ما ذكر من همهم بالغدر به صلی الله عليه وسلم وهو إنما وقع عندما جاء إليهم ليستعين بهم في دية قتيلي عمرو بن أمية، تعين ما قال ابن إسحاق؛ لأن بئر معونة کانت بعد أحد بالاتفاق(١). والذي تطمئن إليه النفس ما ذهب إليه ابن إسحاق وابن کثیر وابن القيم وغيرهم، من أن غزوة بني النضير كانت بعد أحد، لأن إباحة شرب الخمر في أحد، وتحريمه في غزوة بني النضير يؤيد ذلك، ولأن الثقات من أهل المغازي كابن كثير وابن القيم عندما رتبوا الغزوات حسب الزمن وضعوا غزوة بني النضير بعد غزوة أحد، والله أعلم. وأكد ذلك الإمام ابن القيم رحمه الله ورد على أصحاب الرأي الأول بقوله: وزعم محمد بن شهاب الزهري، أن غزوة بني النضير كانت بعد بدر بستة أشهر، وهذا وهم منه أو غلط عليه، بل الذي لا شك فيه أنها كانت بعد أحد والتي بعد بدر بستة أشهر: هي غزوة بني قينقاع. ثم قال: والصحيح الذي عليه أهل السير: أنها بعد (١) فتح الباري ٣٣٢/٧. غزوة أحد، وللنبي صلى الله عليه وسلم مع اليهود أربع غزوات: أولها: غزوة قينقاع بعد بدر، والثانية: غزوة بني النضير بعد أحد، والثالثة: غزوة بني قريظة، بعد الخندق، والرابعة: خيبر، بعد الحديبية (٢). وإلى هذا القول ذهب ابن العربي (٣). وأما المكان: فوقعت الغزوة في ديار يهود بني النضير، وكان موقعها العوالي في الجنوب الشرقي للمدينة المنورة عند وادي مذينيب -وهو فرع لبطحان- على مسافة ميل أو ميلين منها في أواخر منطقة قربان حاليًّا، وتبعد عن المسجد النبوي مسافة ٤کم تقريبًا، ولم ییق من آثارهم غير بعض أطلال حصن کعب ابن الأشرف (٤). ثانيًا: أسباب الغزوة: هناك عدة أسباب حملت النبي صلى الله عليه وسلم على غزو بني النضير وإجلائهم، ومن أهمها: الأول: نقض بني النضير عهدهم مع النبي صلى الله عليه وسلم والذي يحتم عليهم ألا يؤووا عدوًا للمسلمين، ولم یکتفوا بهذا النقض، بل أرشدوا الأعداء إلى مواطن الضعف في المدينة. (٢) زاد المعاد ٢٢٣/٣. (٣) أحكام القرآن، ابن العربي ٤ / ١٧٦٥. (٤) انظر: دلائل النبوة، البيهقي ١٧٦/٣، آثار المدينة المنورة ص ٦٥ - ٧٦. www. modoee.com ١١٣ حرفالغين وقد حصل ذلك في غزوة السويق حيث نذر أبو سفيان بن حرب حين عاد بقافلته إلی مکة، ألا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو المدينة، فلما خرج في مائتي راكب قاصدًا المدينة قام سيد بني النضير سلام بن مشکم بالوقوف معه وضیافته وأبطن له خبر الناس، ولم تكن مخابرات المدينة غافلة عن ذلك(١). قال موسى بن عقبة: ((كانت بنو النضير قد دسوا إلى قريش وحثوهم على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم ودلوهم على العورة»(٢). الثاني: محاولة اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم حينما خرج في نفر من أصحابه إلى ديار بني النضير يستعينهم في دية القتيلين العامريين (٣). وكان سببه ما رواه محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر قالا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني النضير ليستعينهم على دية العامريين اللذين قتلهما عمرو بن أمية (١) انظر: تاريخ الأمم والملوك، الطبري ٢٨٤/٢، تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٤ / ٧٩. (٢) انظر: عيون الأثر، ابن سيده ٢٧٠، فتح الباري، ابن حجر ٣٣٢/٧. (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥٨/٨، السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث، الصلابي ص ٥٤٩. الضمري (٤)، فلما جاءهم خلا بعضهم (٤) جاء في قصة قتل العامريين ما رواه المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وغيرهم من أهل العلم قالوا: قدم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنة على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فعرض علیه الإسلام و دعاہ إلیه فلم يسلم ولم يبعد من الإسلام، فقال: يا محمد لو بعثت رجالًا من أصحابك إلي أهل نجد فدعوهم إلي الإيمان رجوت أن يستجيبوا لك، فابعثهم فليدعوا الناس إلى أمرك، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المنذر بن عمرو أخا بني ساعدة بن كعبٍ بن الخزرج المعنق ليموت في أربعين رجلاً من المسلمين من خيارهم منهم الحارث بن الصمة وحرام بن ملحان أخو بني عدي بن النجار، وعروة بن أسماء بن الصلت السلمي ونافع بن بديل بن ورقاء الخزاعي، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر، ورجال مسمون من خيار المسلمين، فساروا حتى نزلوا بئر معونة - وهي بين أرض بني عامر وحرة بني سليم كلا البلدين منها قريب وهي من سليم أقرب- فلما نزلوها بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عامر بن الطفيل، فلما أتاهم لم ينظر في كتابه إلى أن عدا على الرجل فقتله، ثم استصرخ عليهم بني عامر فأبوا أن يجيبوه إلى ما دعاهم، وقالوا: لن نخفر أبا براء وقد عقد لهم عقدًا وجوارًا، فاستصِرخ عليهم قبائل بني سليم: عصية، ورعلًا، وذكوانًا، فأجابوه إلى ذلك فخرجوا حتى غشوا القوم، فأحاطوا بهم في رحالهم، فلما رأوهم أخذوا أسيافهم ثم قاتلوهم حتى قتلوا عن آخرهم، إلا كعب بن زيد أخا بني دينار بن النجار، فإنهم تركوه فيه رمق، فارتث من بين القتلى فعاش حتى قتل يوم الخندق، فكان في سرح القوم عمرو بن أمية الضمري، ورجل من الأنصار - أحد بني عمرو بن عوف- فلم مَوَسُولَةُ التقييم الْقُرآن الكَرِيمِ ١١٤ غزوات الرسول مع اليهود عنهم، فأنزل الله عز وجل فيهم ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمُ أَن يَبْسُطُوْاْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ بن جحاش بن كعب: أنا، فأتى رسول الله أَيْدِيَهُمْ عَنكُمٌ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَّكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [المائدة: ١١] (١). ببعض فقالوا: إنكم لن تجدوا محمدًا أقرب منه الآن، فمن رجل يظهر على هذا البيت فيطرح عليه صخرة فیریحنا منه؟ فقال عمرو صلى الله عليه وسلم الخبر، وانصرف ينبئهما بمصاب إخوتهما إلا الطير تحوم على المعسكر، فقال - أي: عمرو ابن أمية -: والله إن لهذه الطير لشأنًا، فأقبلا لينظرا فإذا القوم في دمائهم، وإذا الخيل التي أصابتهم واقفة، فقّال الأنصاري لعمرو بن أمية: ما ترى؟ قال: أرى أن نلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبره الخبر، فقال الأنصاري: لكني ما كنت أرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو، وما كنت لتخبرني عنه الرجال، ثم قاتل القوم حتى قتل، وأخذ عمرو بن أمية أسيرًا، فلما أخبرهم أنه من مضر أطلقه عامر بن الطفيل وجز ناصيته، واعتقه عن رقبة زعم أنها كانت على أمه، فخرج عمرو بن أمية حتى إذا كان بالقرقرة من صدر قناة، أقبل رجلان من بني عامر حتى نزلا معه في ظل هو فيه، وكان للعامريين عقد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوار، فلم يعلم به عمرو بن أمية وقد سألهما حين نزلا: ممن أنتما؟ فقالا: من بني عامر، فأمهلهما حتى إذا ناما عدا عليهما فقتلهما وهو يرى أنه أصاب بهما ثأره من بني عامر لما أصابوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قدم عمرو بن أمية على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبره الخبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لئن قتلت قتيلين لأدينهما)، وجعل حسان بن ثابت يحرض ربيعة بن عامر على عامر بن الطفيل حتى طعن ربيعة عامرًا. أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ٢٠ / ٣٥٧. قال الهيثمى في مجمع الزوائد ١٢٩/٦: رجاله ثقات إلا ابن إسحاق. ثالثًا: حديث القرآن عن الغزوة: لم يجن اليهود من وراء نقضهم العهد إلا لعنة الله تعالى لهم وطردهم من رحمته، فصارت قلوبهم قاسية تجانبها الرحمة، ويبعد عنها الوفاء. قال تعالى في وصفهم: ﴿فَيِمَا نَقْضِهِمِ مِيثَقَهُمْ لَعَنَّهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَسِيَةً يُحَرِفُونَ الْكَلِمَ عَن مَوَاضِعِهِ، وَنَسُواْ حَظًا مِّمَا ذُكِرُواْ بٍِّ، وَلَا نَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَبِنَةِ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمَّ فَأَعْفُ عَنْهُمْ وَأَصْفَحَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [المائدة: ١٣]. ورجح الطبري أن هذه الآية نزلت في يهود بني النضير، قال رحمه الله: ((والصواب من القول أن الله عنى بهذه الآية يهود بني النضير الذين هموا بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إذ أتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعينهم في دية العامریین، فأطلعه الله على ما قد هموا به»(٢). (١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٠١/١٠، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦٣/٣. (٢) جامع البيان، الطبري ١٠/ ١٣٣. www. modoee.com ١١٥ حرف الغين وهذا يدل على خبث نواياهم، وسوء قال: قلت: سورة الأنفال؟ قال: نزلت في بدرٍ، قال: قلت: سورة الحشر؟ قال: نزلت في بني النضير (٤). طبائعهم، ولأهمية هذه الغزوة فقد خصها الله تعالي بسورة كاملة في القرآن، سماها سورة الحشر. روی الطبري بسندہ إلی یزید بن رومان قال: نزل في بني النضير سورة الحشر بأسرها، یذکر فیها ما أصابهم الله به من نقمته، وما سلط عليهم به رسوله صلی الله عليه وسلم وما عمل به فيهم(١). وسمی حبر الأمة عبد الله بن عباس سورة الحشر بسورة بني النضير، فعن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: سورة الحشر؟ قال: قل سورة النضير (٢). قال الداوودي: كأن ابن عباس كره تسميتها سورة الحشر لئلا يظن أن المراد بالحشر يوم القيامة، أو لكونه مجملًا فكره النسبة إلى غير معلوم (٣). وعن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: سورة التوبة؟ قال: التوبة هي الفاضحة ما زالت تنزل ومنهم ومنهم حتى ظنوا أنها لن تبقي أحدًا منهم إلا ذكر فيها، (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٦٣/٢٣، السيرة النبوية، ابن هشام ١٩٢/٢. (٢) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٥١/٥، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٨ / ٥٦. والحديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب حديث بني النضير ٨٨/٥، رقم ٤٠٢٩. (٣) فتح الباري، ابن حجر ٣٣٢/٧. وقد تناولت السورة أهم جوانب الغزوة، ففيها إشارة إلى أن الوضع المادي الذي كان عليه بنو النضير من المال والسلاح والحصون کان یوحي إليهم بأنهم في عز ومنعة، فلا يستطيع أحد أن یطاولهم، فضلًا عن أن ينتصر عليهم، كما أن هذا الوضع نفسه يوحي إلى المسلمين بأن الاستيلاء علیھم یحتاج إلی تضحیات جسام، إن لم يكن في حكم المتعذر بالمرة، لكن الله عز وجل وهو القادر على كل شيء، ألقى في قلوبهم الخوف والهلع والجزع، لما خالفوا أمر الله ورسوله، وأعد المسلمون لهم عدتهم. قال تعالى: ﴿هُوَالَّذِىّ أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِن دِيَّرِجْ لِأَوَّلِ الْحَشِّرِّ مَا ظَنَنتُمْ أَنْ يَخْرُجُواْ وَظَنُّوْ أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَنَمُهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِ قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِهِمْ وَأَبْدِى الْمُؤْمِنِينَ فَأَعْتَبِرُوا يَتَأُوْلِ الْأَبْصَرِ ) وَلَوْلَآ أَنْ كَتَبَ اللَّهُ (٤) انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ١٠/ ٣، الدر المنثور، السيوطي ٨٨/٨. والحديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، سورة الحشر ٦/ ١٤٧، رقم ٤٨٨٢، ومسلم في صحيحه، كتاب التفسير، باب في سورة براءة والأنفال والحشر ٤/ ٢٣٢٢، رقم ٣٠٣١ واللفظ له . ١١٦ القرآن الكريمِ غزوات الرسولمع اليهود عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِ الدُّنْيَّا وَلَهُمْ فِ اَلْآَخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآَقُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. وَمَن يُشَآَقِّ اللّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [الحشر: ٢- ٤]. ولما رأى النبي صلى الله عليه وسلم عنادهم وعدم نزولهم على رأيه، وطال حصارهم عمد النبي صلى الله عليه وسلم إلى خطة بارعة ليلقي الخوف في قلوبهم وينزلوا على أمره، فأمر بحرق نخيلهم، وقضى بذلك على أسباب تعلقهم بأموالهم وزروعهم، وضعفت حماستهم للقتال، وجزعوا وتصایحوا: یا محمد قد کنت تنھی عن الفساد وتعيبه على من يفعله، فما بال قطع النخيل وتخريبها؟ روی الطبري بسنده عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم حرق نخل بني النضير)(١). وفي رواية قال: (حرق رسول الله صلى الله عليه وسلم نخل بني النضير وقطع، وهي البويرة، فنزلت: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةِ (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٧٢/٢٣. والحديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب حديث بني النضير ومخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم في دية الرجلين وما أرادوا من الغدر برسول الله صلى الله عليه وسلم ٨٨/٥، رقم ٤٠٣٢ ومسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب جواز قطع أشجار الكفار وتحريقها ١٣٦٥/٣، رقم ١٧٤٦. أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبَإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْرِىَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: ٥])(٢). ثم بين الله عز وجل مال الفيء وصفته وحکمه، وهو ما أخذ من الكفار من مال من غیر قتال ولا إِیجاف خیل ولا رکاب، وجعل الله عز وجل أمر الفيء خاصًّا للنبي صلى الله عليه وسلم فرده على المسلمين في وجوه البر ومصالحهم روى الثعلبي بسنده إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصةً، وكان ينفق على أهله نفقة سنته، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله)(٣). (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٧٢/٢٣، معالم التنزيل، البغوي ٥/ ٥٤، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٨ / ٦٢. والحديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب حديث بني النضير ومخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم في دية الرجلين وما أرادوا من الغدر برسول الله صلى الله عليه وسلم ٨٨/٥، رقم ٤٠٢٨، ومسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب جواز قطع أشجار الكفار وتحريقها، ١٣٦٥/٣، رقم ١٧٤٦. (٣) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ٩/ ٢٧٢. والحديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب المحن ومن يترس بترس صاحبه، ٣٨/٤، رقم ٢٩٠٤، ومسلم www. modoee.com ١١٧ حرفالغين قال تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلِ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ, عَلَى مَن يَشَلَهُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحشر: ٦]. قال المفسرون: إن بني النضير لما جلوا عن أوطانهم، وترکوا رباعهم وضياعهم، طلب المسلمون من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخمسها بينهم، كما فعل بغنائم بدر، فأنزل الله تعالی هذه الآية، یبین أنها فيء إذا لم يوجف المسلمون علیه خيلا ولا ركابًا، ولم يقطعوا إليه مسافة، فجعل الله تعالى أموال بني النضير لرسوله خاصة، يفعل فيها ما يشاء، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين، ولم يعط الأنصار شيئا منها، إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة وهم: أبو دجانة، وسهل بن حنيف، والحارث بن الصمة (١). ثم أخبر الله عز وجل أن حكم فيء بني النضير لا يقتصر على هذه الواقعة، ولكنه عام في كل ما يفتح بهذه الطريقة، ثم بين وجوه صرفها. قال تعالى: ﴿مَّ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَ وَاَلْيَتَنَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ كَ لَا يَكُنَ دُولَةٌ بَيْنَ اَلْأَغْنِيَآءِ مِنَكُمْ وَمَآ ءَاتَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب حكم الفي ء، ٣/ ١٣٧٦، رقم ١٧٥٧. (١) التفسير الوسيط، الواحدي ٤/ ٢٧٢. وَمَا تَهَنَّكُمْ عَنْهُ فَانَهُواْ وَأَنَّقُواْ اللّهِ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدٌ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧]. ثم كشف الله عز وجل عن العلاقة التي تجمع بين المنافقين واليهود، وذلك من خلال تضامنهم، ووحدة هدفهم في القضاء على الإسلام والمسلمين، وهو ما وقع من المنافقين ووعدهم اليهود بمآزرتهم، ثم خلفهم لهذا الوعد، قال الطبري رحمه الله: ذكر أن الذين نافقوا عبد الله بن أبي ابن سلول، ووديعة ومالك ابنا نوفل، وسويد، و داعس، بعثوا إلى بني النضير حین نزل بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم للحرب أن اثبتوا وتمنعوا، فإنا لن نسلمكم، وإن قوتلتم قاتلنا معکم، وإن أُخرجتم خرجنا معكم، فتربصوا لذلك من نصرهم، فلم يفعلوا، وقذف الله في قلوبهم الرعب، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجليهم ويكف عن دمائهم، على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الحلقة (٢). قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لِإِخْوَيِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ لَبِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيَكُ أَحَدًا أَبَدًّا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنَصُرَنَّكُمْ وَاَللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ ﴿ لَيِنْ أُخْرِجُواْ لَا يَخْرُونَ مَعَهُمْ وَلَيْن قُوتِلُواْ لَا يَنصُرُونَهُمْ وَلَيْنِ نَّصَرُوهُمْ لَيْوَلُنَّ اَلْأَدْبَرَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ﴾ [الحشر: ١١-١٢]. (٢) جامع البيان، الطبري ٢٨٩/٢٣. ١١٨ جوبي القرآن الكريمِ