Indexed OCR Text

Pages 1-20

جَوْمُهُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الكَرِّيْمِ
عِدَةً أُخْدٌ
عناصر الموضوع
التعريف بغزوة أحد
١٤٦
أسباب الغزوة
١٤٩
الإعداد للغزوة
١٥١
مشاهد من غزوة أحد
١٥٧
التوجيهات القرآنية بعد نهاية الغزوة
١٧٩
١٨٨
القيادة النبوية في الغزوة
١٩٣
الدروس المستفادة من غزوة أحد
المُجَلَدَ الخَامِسْ وَالعشْرُونْ

حرف الغين
التعريف بغزوة أحد
أولًا: تسميتها وزمانها ومكانها:
سمیت غزوة أحد بهذا الاسم؛ لوقوعها عند جبل أحد، وأُخُدٌ -بضم أوله وثانيه معًا -:
اسم الجبل الذي كانت عنده غزوة أحد، وهو علمٌ مرتجل لهذا الجبل وهو جبل أحمر، وبينه
وبين المدينة قرابة ميل في شماليها (١).
قيل: إنما (سمي أحدًا؛ لتوحده وانقطاعه عن جبل آخر هناك، أو لِمَا وقع من أهله من نصرة
التوحيد، ولا أحسن من اسم مشتق من الأحدية، وقد سمى الله تعالى هذا الجبل بهذا الاسم
تقدمة لما أراده سبحانه وتعالى من مشاكلة اسمه لمعناه؛ إذ أهله -وهم الأنصار - نصروا
التوحيد والمبعوث بدين التوحيد، عنده استقر حيا وميتا، وكان من عادته صلى الله عليه
وسلم أن يستعمل الوتر ويحبه في شأنه إشعارا للأحدية، فقد وافق اسم هذا الجبل لأغراضه
-صلى الله عليه وسلم- ومقاصده في الأسماء، فقد بدل كثيرا من الأسماء؛ استقباحا لها من
أسماء البقاع وأسماء الناس؛ لمنافاتها للتوحيد، فاسم هذا الجبل من أوفق الأسماء له، ومع
أنه مشتق من الأَحَدِيَّة فحركات حروفه الرفع، وذلك يشعر بارتفاع دين الأحد وعُلُوِّه، فتعلق
الحب من النبي -صلى الله عليه وسلم - به اسمًا ومسمى)) (٢).
وقد وقعت هذه الغزوة يوم السبت للنصف من شوال في السنة الثالثة للهجرة (٣).
ثانيًا: حكمة ورودها في سورة آل عمران:
ليس في القرآن الكريم ذكر غزوة أحد صراحة، ولكن ورد ذكرها ضمنًا، في سورة آل
عمران، فقد نزلت ثمان وخمسون آية من سورة آل عمران، تتحدث عن هذه الغزوة، ابتدأت
بذكر أول مرحلة من مراحل الإعداد للمعركة في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ
اَلْمُؤْمِنِينَ مَقَعِدَ لِلْقِتَالُ وَاَللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٢١].
وانتهت بالتعليق الجامع على نتائج المعركة، والحِكَمِ التي أرادها الله منها فقال سبحانه:
◌َمَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ أَلْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيْثَ مِنَ الطَّيِّبُّ وَمَا كَانَ اللّه ◌ِيُظْلِمَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ
وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِ مِن رُّسُلِ، مَن يَشَاءٍ فَامِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلٍِ، وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَبْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل
(١) انظر: معجم البلدان، الحموي، ١٠٩/١.
(٢) سبل الهدى والرشاد، الصالحي، ٢٤٣/٤.
(٣) مغازي الواقدي، ١٩٩/١.
١٤٦
جوسي
القرآن الكريمِ

غزوة أحد
عمران: ١٧٩].
لقد وصفت هذه الآيات المعركة وصفًا دقيقًا، وكان فيها تربية للجماعة المسلمة،
ودروس لهم في كل زمان ومكان.
روى أبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم عن المسور بن مخرمة قال: قلت لعبد الرحمن
ابن عوف: يا خال، أخبرني عن قصتكم يوم أحد، قال: اقرأ بعد العشرين ومائة من آل عمران
تجد قصتنا، أي من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ اَلْمُؤْمِنِينَ مَقَعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل
عمران: ١٢١](١).
وذكر الطاهر ابن عاشور سبب ورود آيات غزوة أحد في هذه السورة فقال: ((ومناسبة ذكر
هذه الوقعة عقب ما تقدم أنها من أوضح مظاهر كيد المخالفين في الدين؛ المنافقين، ولمَّا
كان شأنُ المنافقين من اليهود وأهل يثرب واحدًا ودخيلتهما سواء، وكانوا يعملون على ما
تدبره اليهود، جمع الله مكائد الفريقين بذكر غزوة أحد، وكان نزول هذه السورة عقب غزوة
أحد)) (٢)
ومن خلال ما سبق يتبين لنا أن المسلمين كانوا يعانون من التكافل بين اليهود والمنافقين،
فاليهود يخططون والمنافقون ينفذون، ولذلك كان من منهج القرآن أن يجمع بينهم في
التحذير منهم.
وقال الرازي: ((اعلم أنه تعالى لما قال: ﴿وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾
[آل عمران: ١٢٠] أتبعه بما يَدُلّهم على سنة الله تعالى فيهم في باب النصرة والمعونة ودفع
مضار العدو إذا هم صبروا واتقوا، وخلاف ذلك فيهم إذا لم يصبروا فقال: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ
أَهْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٢١] يعني: أنهم يوم أحد كانوا كثيرين للقتال، فلما خالفوا أمر الرسول
انهزموا، ويوم بدر كانوا قليلين غير مستعدين للقتال، فلما أطاعوا أمر الرسول غلبوا واستولوا
على خصومهم))(٣).
فالرازي يرى أنَّ المناسبة هي بيان سبب الهزيمة، وأنها نتيجة حتمية عند التخلي عن
الصبر والتقوى.
ويقول أبو حيان عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٢١].
إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَنَزَلَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤].
(١) سبل الهدى والرشاد، الصالحي ٢٣١/٤.
(٢) التحرير والتنوير ٤ / ٦٩.
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ١٧٨/٨ - ١٧٩.
www. modoee.com
١٤٧

حرفالغين
ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه لما نهاهم عن اتخاذ بطانةٍ من الكفار ووعدهم أنهم إن
صبروا واتقوافـ﴿لَا يَضُّكُمْ كَيْدُهُمْ﴾. ذكرهم بحالة اتفق فيها بَعْضٌ طَواعيةً، واتباعٌ لبعض
المنافقین، وهو ما جری یوم أُحُدٍ لعبد الله بن أبي بن سلول حین انخذل عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم، واتبعه في الانخذال ثلاثمائة رجل من المنافقين وغيرهم من المؤمنين(١).
فيرى أبو حيان أن ذكر هذه الآيات هنا هي للتذكير بما قام به بعض المؤمنين من اتباع
المنافقين يوم أحد، وفي ذلك اقتراف لما حذر منه الله سبحانه في قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّنِ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّواْ مَاعَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا
تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرٌ قَدْ بَيَّنَا لَكُمُ الْآَيَتِّ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [عمران: ١١٨].
والظاهر أن جميع ما ذكر يصلح أن يكون مناسبا لورود آيات غزوة أحد في سورة آل
عمران، لكن قول ابن عاشور هو الأرجح -والله أعلم- وذلك؛ لأن الآيات السابقة لقصة
أُحُدٍ جاء فيها التحذير الشديد من اليهود، ثم جاءت آيات غزوة أحد وتحدثت عما حصل من
المنافقين بقيادة عبد الله بن أبي بن سلول، ويكون بذكر قصة هذه الغزوة في سورة آل عمران
قد اكتمل الحلف بين اليهود والمنافقين.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى أن نزول سورة آل عمران كان بعد سورة الأنفال(٢)،
والمتأمل لموضوع السورتين يجد أن كُلَّا منهما جاء فيه الحديث المفصل عن غزوتي بدر
وأحد، وكان من ضمن مفاهيم السورتين: مفهوم أسباب النصر وأسباب الهزيمة، ومفهوم
النفاق، ومفهوم النعمة والظفر، والابتلاء والتمحيص.
فاكتمل بذلك المشهد بما ورد في سورة آل عمران من ذکر غزوة أحد.
(١) البحر المحيط في التفسير، أبو حيان ٣٢٦/٣.
(٢) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٦/ ٣١٠، التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٤٤/٣.
١٤٨
جَوَبُو ◌َرَ النَّفِيَة
القرآن الكريم

غزوة أحد
أسباب الغزوة
عندما نتحدث عن غزوة أُحُد نجد أن
أسباب هذه الغزوة عبارة عن تراكمات كثيرة
وسلسلة من الأحداث التي امتدت لفترة
طويلة بدأت منذ زمن، فبعد بعثة النبي - صلى
الله عليه وسلم- بدأت قريش في العمل
المستمر في الصد عن دين الله تعالى، ومنع
الناس من الدخول في الإسلام، والقضاء
على المسلمين وعلى دولتهم الإسلامية.
قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنْفِقُونَ
أَمْوَلَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِّ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ
تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَُ وَالَّذِينَ
كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٦].
((فغرض هؤلاء الكفار في إنفاق أموالهم
هو الصد عن سبيل الحق بمحاربة رسول الله
-صلى الله عليه وسلم - وجمع الجيوش
لذلك، وإنفاق أموالهم عليها، وذلك كما
وقع من کفار قریش یوم بدر ویوم أحد ویوم
الأحزاب؛ فإن الرؤساء كانوا ينفقون أموالهم
على الجيش ثم أخبر الله سبحانه عن الغيب
على وجه الإعجاز، فقال: ﴿فَسَيُنفِقُونَهَا﴾،
أي: سيقع منهم هذا الإنفاق ثم تكون عاقبة
ذلك أن يكون إنفاقهم حسرة عليهم، وكأن
ذات الأموال تنقلب حسرة وتصير ندما، ثم
آخر الأمر يغلبون، ثم قال: ﴿وَاُلَّذِينَ كَفَرُّوَا
إِلَ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾، أي: استمروا على
الكفر؛ لأن من هؤلاء الكفار المذكورين
سابقا من أسلم وحسن إسلامه)) (١).
فكان من أهم أسباب غزوة أحد هو الصد
عن سبيل الله، واتباع طريق الحق، ومنع
الناس من الدخول في الإسلام، ومحاربة
النبي صلى الله عليه وسلم والقضاء على
الدعوة الإسلامية.
لا سيما وقد حصل للمشركين في غزوة
بدر هزيمة كبيرة، وقتل الأشراف من قريش،
وقد ذهبت سيادة قريش بعد غزوة بدر،
وكانت العرب تُقَيِّمُ للانتصار في الحرب
قیمته، وتعتبر الهزيمة مذلة، وتبذل قصارى
جهدها في غسلها عنها، فلا بد لقريش من
رد اعتبارها والحفاظ على زعامتها مهما
كلفها الأمر من جهود ومال وتضحيات.
فلما رجع أبو سفيان بعير هم فأوقفها بدار
الندوة، و کذلك کانوا یصنعون فلم یحر کها
ولا فرقها، فطابت أنفس أشرافهم أن يجهزوا
منها جيشا لقتال رسول الله صلى الله
عليه وسلم، فمشى عبد الله بن أبي ربيعة،
وعكرمة بن أبي جهل، والحارث بن هشام،
وحويطب بن عبد العزى، وصفوان بن أمية
في رجال ممن أصيب آباؤهم وأبناؤهم
وإخوانهم يوم بدر، فكلموا أبا سفيان ومن
كانت له في تلك العير تجارة من قريش،
فقالوا: إن محمدا قد وتركم وقتل خياركم
(١) فتح القدير، الشوكاني، ٣٥٠/٢.
www. modoee.com
١٤٩

حرفالغين
فأعينونا بهذا المال على حربه، لعلنا ندرك يدلهم على الطريق، وبعث النبي -صلى
منه ثأرنا بمن أصاب منا، فقال أبو سفيان: أنا الله عليه وسلم - زيد بن حارثة -رضي الله
أول من أجاب إلى ذلك(١).
ومن أسباب خروج قریش في هذه
الغزوة: حركة السرايا التي يقوم بها
المسلمون التي أثرت على تجارة قريش،
وفرضت عليهم حصارا قويا، وكانت تجارة
قريش قائمة على رحلة الشتاء إلی الیمن،
ورحلة الصيف إلى الشام، ويشير إلى هذا
قول صفوان بن أُميّة: إن محمدًا وأصحابه
قد عوروا علينا متاجرنا، فما ندري كيف
نصنع بأصحابه، وهم لا يبرحون الساحل،
قد وادعهم، ودخل عامتهم معه؟ فما ندري
أین نسلك؟ وإن أقمنا ناکل رؤوس أموالنا
ونحن في ديارنا هذه، ما لنا بها بقاء، وإنما
نزلناها على التجارة إلى الشام في الصيف
وفي الشتاء إلى الحبشة(٢).
وبعث رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- زید بن حارثة -رضي الله عنه- إلی
القردة، و کان من حديثها أن قریشًا کانت قد
أخفت طريقها التي تسلك إلى الشام حين
كان من وقعة بدر ما كان، فسلكوا طريق
العراق، وخرج منهم تجار، فيهم أبو سفيان
بن حرب معه فضة كثيرة، واستأجروا من بني
بكر بن وائل رجلًا يقال له: فُرَاتُ بن حَيَّان
(١) انظر: مغازي الواقدي ٢٠١/١ - ٢٠٢، سبل
الهدى والرشاد، الصالحي ٤ /١٨٢.
(٢) مغازي الواقدي ١/ ١٩٧.
عنه- فلقيهم على ذلك الماء، فأصاب تلك
العير وما فيها، وأعجزه الرجال فقدم بها
على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان
ذلك في مستهل جمادى الأولى على رأس
ثمانية وعشرين شهرا من الهجرة(٣)، أي:
بعد ستة أشهر من غزوة بدر الكبرى.
فهذه السرية كانت خسارة فادحة لقريش
قصمت فقار اقتصادها، وزودها من الحزن
والهم ما لا یقادر قدره، وحينئذ زادت سرعة
قريش في استعدادها للخوض في معركة
تفصل بينهم وبين المسلمين، وبذل قصارى
جهدها وطاقتها ومحاولة إحكام خطتها
في سبیل حشد جيش كبير تقضي به على
المسلمين ودعوتهم، وللأخذ بثأر قتلاها
يوم بدر، ومحاولة لرد اعتبارها، والحد
من قوة المسلمين وسراياهم التي تحكم
الحصار من حولهم.
(٣) البداية والنهاية، ابن كثير ٤ / ٦.
١٥٠
جوسين
القرآن الكريمِ

غزوة أحد
الإعداد للغزوة
أولًا: إعداد المشركين:
بعد هزيمة بدر اتخذت قريش صورًا
عملية مباشرة، فقد نشطوا في الإعداد
لقتال النبي صلی الله عليه وسلم وصحبه،
وسعوا جادين إلى تكثير جنودهم بالتأثير
على العشائر، وكان من أهم إعداداتهم: أن
بدأت قريش عقب غزوة بدر بجمع الأموال
الطائلة، وبذلوا جهدهم في إزالة هذا العار
الذي نزل بهم.
فلما رجع أبو سفيان بعیرهم أوقفها بدار
الندوة، فلم یحر کها ولا فرقها، فطابت أنفس
أشراف قريش أن يجهزوا منها جيشًا لقتال
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمشى
عبد الله بن ربيعة، وعكرمة بن أبي جهل،
والحارث بن هشام، وحويطب بن عبد
العزى، وصفوان بن أمية في رجال ممن
أصیب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانھم یوم بدر،
فكلموا أبا سفيان ومن كانت له في تلك
العیر تجارة من قریش، فقالوا: إن محمدًا قد
وترکم، وقتل خیارکم، فأعينونا بهذا المال
علی حربه، لعلنا ندرك منه ثأرنا بمن أصاب
منها، فقال أبو سفيان: أنا أول من أجاب إلى
ذلك.
فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنْفِقُونَ
أَمْوَلَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِّ فَسَيُّنْفِقُونَهَا ثُمَّ
تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُقْلَبُونَُ وَالَّذِينَ
[الأنفال:
كَفَرُواْ إِلَ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾
٣٦] (١) .
يقول الطبري رحمه الله: ((إن الذين كفروا
بالله ورسوله ينفقون أموالهم، فيعطونها
أمثالهم من المشركين؛ ليتقووا بها على قتال
رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين
به؛ ليصدوا المؤمنين بالله ورسوله عن
الإيمان بالله ورسوله، فسينفقون أموالهم
في ذلك، ثم تكون نفقتهم تلك عليهم
حسرة، يقول: تصير ندامة عليهم؛ لأن
أموالهم تذهب، ولا يظفرون بما يأملون
ويطمعون فيه من إطفاء نور الله، وإعلاء
كلمة الكفر على كلمة الله؛ لأن الله معلي
كلمته، وجاعل كلمة الكفر السفلى، ثم
یغلبهم المؤمنون، ويحشر الله الذين كفروا
به وبرسوله إلی جهنم، فیعذبون فيها.
فأعظم بها حسرة وندامة لمن عاش منهم
ومن هلك! أما الحي، فحرب ماله وذهب
باطلا في غير درك نفع، ورجع مغلوبًا
مقهورًا محروبًا مسلوبًا. وأما الهالك، فقتل
وسلب، وعجل به إلی نار الله يخلد فيها،
نعوذ بالله من غضبه. وكان الذي تولى النفقة
التي ذكرها الله في هذه الآية فیما ذکر، أبا
سفیان»(٢).
(١) انظر: السيرة النبوية، ابن هشام ٢ / ٦٠.
(٢) جامع البيان ٥٢٩/١٣.
www. modoee.com
١٥١

حرف الغين
وقالوا: يا أبا سفيان، انظر هذه العير التي
قدمت بها فاحتبسها، فقد عرفت أنها أموال
أهل مكة ولطيمة قريش، وهم طيبو الأنفس،
یجهزون بهذه العیر جیشًا إلی محمد، وقد
تری من قتل من آبائنا، وأبنائنا، وعشائرنا.
قال أبو سفيان: وقد طابت أنفس قريش
بذلك؟ قالوا: نعم. قال: فأنا أول من أجاب
إلى ذلك وبنو عبد مناف معي، فأنا والله
الموتور الثائر، قد قتل ابني حنظلة ببدر
وأشراف قومي. فلم تزل العیر موقوفة حتی
تجهزوا للخروج إلى أحد، فباعوها وصارت
ذهبا عینا، فوقف عند أبي سفيان.
ويقال: «إنما قالوا: يا أبا سفيان، بع العير
ثم اعزل أرباحها. وكانت العير ألف بعير،
وكان المال خمسين ألف دينار، وكانوا
يربحون في تجارتهم)»(١).
وقال مقاتل والكلبي: نزلت في
المطعمین یوم بدر، وكانوا اثني عشر رجلا
أبو جهل بن هشام وعتبة وشيبة ابنا ربيعة
ونبيه ومنبه ابنا حجاج وأبو البخترى بن
هشام والنضر بن الحارث وحكيم بن حزام
وأبي بن خلف وزمعة بن الأسود والحارث
بن عامر بن نوفل والعباس بن عبد المطلب،
وكلهم من قریش، وکان یطعم كل واحد
منهم کل یوم عشر جزائر.
وقال سعيد بن جبير وابن أبزى: نزلت
(١) مغازي الواقدي ١٩٩/١ -٢٠٠.
جوبيبو
القرآن الكريمِ
في أبي سفيان بن حرب، استأجر یوم «أحد»
ألفين من الأحابيش يقاتل بهم النبي صلى
الله عليه وسلم سوى من استجاب له من
العرب.
وقال الحكم بن عتيبة: أنفق أبو سفيان
على المشركين يوم ((أحد)) أربعين أوقية من
الذهب، فنزلت فيه هذه الآية(٢).
قال ابن كثير رحمه الله: ((وعلى كل
تقدير، فهي عامة. وإن كان سبب نزولها
خاصا، فقد أخبر تعالى أن الكفار ينفقون
أموالهم؛ ليصدوا عن اتباع طريق الحق،
فسيفعلون ذلك، ثم تذهب أموالهم»(٣).
وعبأت جيشها المكون من ثلاثة آلاف
مقاتل مصطحبين معهم النساء والعبيد، ومن
تبعها من القبائل العربية المجاورة، فخرجت
قريش بحدها وحديدها وأحابيشها ومن
تبعها من كنانة وأهل تهامة (٤).
ولما استكملت قريش قواها في يوم
السبت لسبع خلون من شوال من السنة
الثالثة من الهجرة (٥)، وخرجوا بالطعن؛ لئلا
يفروا، فخرج أبو سفيان، وهو قائد الناس
بهند بنت عتبة بن ربيعة، وخرج صفوان
(٢) أسباب نزول القرآن، الواحدي، ص ٢٣٦-
٢٣٧.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥٣/٤.
(٤) السير والمغازي، محمد بن إسحاق ص
٣٢٣.
(٥) دلائل النبوة، البيهقي ٣٩٧/٣.
١٥٢

غزوة أحد
بن أمية بن خلف ببرزة بنت مسعود الثقفية، وذلك الذي أراده أبو سفيان(٣).
وخرج عكرمة بن أبي جهل بأم حكيم
بنت الحارث بن هشام بن المغيرة، وخرج
الحارث بن هشام بن المغيرة بفاطمة بنت
الوليد بن المغيرة(١).
وكان لهؤلاء النسوة دور بارز خلال
المعركة، فكن ينشدن الشعر، ويحمسن
الرجال، ويخوفنهم من عار الهزيمة وذل
القتال یوم أحد.
ودعا جُبيرَ بن مُطعِم غلامًا له حبشيًّا يقال
له: وحشي، يقذف بحربة له قذف الحبشة
قلّما يُخطئ لها، فقال: اخرج مع الناس فإن
أنت قتلت حمزةً عَمَّ محمد بعمي طعيمة بن
عدي، فأنت عتیق(٢).
وقد أخذ أبو سفيان يحرض رجاله
كذلك على الثبات والقتال بوسائل ماكرة،
فقال لأصحاب اللواء من بني عبد الدار: یا
بني عبد الدار، إنكم قد وُلُِّم لواءنا يوم بدر،
فأصابنا ما قد رأیتم، وإنما یؤتی الناس من
قبل رایاتهم، إذا زالت زالوا، فإما أن تکفونا
لواءنا وإما أن تخلوا بيننا وبينه فنكفيكموه،
فهموا به وتواعدوه، وقالوا: نحن نُسَلِّمُ إليك
لواءنا، ستعلم غدًا إذا التقينا كيف نصنع!
(١) السير والمغازي، محمد بن إسحاق ص
٣٢٣.
(٢) السيرة النبوية، ابن هشام، ٢/ ٦١.
وأدى اصطحاب النسوة إلى بعث روح
الحماس في جیش قریش، فقد کن یُوَلْوِلْن
ويُذَكِّرْنَ بقتلى بدر ويَدُرْنَ على المقاتلين
محرضات حتی لا یضعفوا.
فقد قامت هند بنت عتبة في النسوة
اللاتي معها، وأخذن الدفوف یضربن بها
خلف الرجال، ويحرضنهم على القتال،
الانكسار، الأمر الذي ظهر أثره في سير فقالت هند فيما تقول (٤).
وَيْهًا بني عبد الدار
وَيْهًا حُمَاةَ الأدبار
ضَرْبًا بکل بتار
وتقول:
ونفرش النمارق
إِن تُقْبِلوا نعانق
فراق غير وامق
أو تُذْبِروا نفارق
و((قبيل نشوب المعركة حاولت
قريش إيقاع الفرقة والنزاع داخل صفوف
المسلمين، فقد أرسل أبو سفيان إلى
الأنصار یقول لهم: خلوا بيننا وبين ابن عمنا
فننصرف عنكم، فلا حاجة لنا إلى قتالكم!
ولكن أين هذه المحاولة أمام الإيمان الذي
لا تقوم له الجبال، فقد رد عليه الأنصار ردا
عنفا، وأسمعوه ما یکره)»(٥).
واقتربت ساعة الصفر، وتدانت الفئتان،
(٣) المصدر السابق ٢ / ٦٧ .
(٤) المصدر السابق ٢/ ٦٧ - ٦٨ .
(٥) الرحيق المختوم، صفي الرحمن المباركفوري
ص ٢٣٣.
www. modoee.com
١٥٣

حرفالغين
فقامت قريش بمحاولة أخرى؛ لنفس مجنبتان مائتا فرس، وجعلوا على الخيل
صفوان بن أمية -ويقال: عمرو بن العاص -
وعلى الرماة عبد الله بن أبي ربيعة، وكانوا
مائة رام. ودفعوا اللواء إلى طلحة بن أبي
طلحة (٢).
الغرض، فقد خرج إليهم عميل خائن
يُسمَّى أبا عامر الفاسق، واسمه عبد عمرو
بن صيفي، وكان يسمى الراهب، فسماه
رسول الله صلی الله عليه وسلم: الفاسق،
وكان رأس الأوس في الجاهلية، فلما جاء
الإسلام شرق به، وجاهر رسول الله صلى
الله عليه وسلم بالعداوة، فخرج من المدينة،
وذهب إلى قريش يؤلبهم على رسول الله
صلی الله عليه وسلم وبحضهم على قتاله،
ووعدهم بأن قومه إذا رأوه أطاعوه ومالوا
معه، فكان أول من خرج إلى المسلمين في
الأحابيش وعبدان أهل مكة، فنادى قومه
وتعرف عليهم، وقال: يا معشر الأوس،
أنا أبو عامر فقالوا: لا أنعم الله بك عینا یا
فاسق. فقال: لقد أصاب قومي بعدي شَرِّ
وقاتلهم قتالًا شديدًا ورماهم بالحجارة(١).
وهكذا فشلت قريش في محاولتها
الثانية؛ للتفريق بين صفوف أهل الإيمان،
مما جعلهم يزدادون خوفًا من المسلمين،
ويمتلئون هيبة من لقائهم.
وكان عدد المشركين يوم أحد ثلاثة
آلاف مقاتل، وأقبلوا وقد صفوا صفوفهم،
واستعملوا على الميمنة خالد بن الوليد،
وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل. ولهم
(١) السير والمغازي، محمد بن إسحاق، ص
٣٢٧.
ثانيًا: إعداد المؤمنين:
لما تأهبت قريش لقتال المسلمين
وأعدت العدة للمواجهة، أرسل العباس عمّ
النبي صلی الله عليه وسلم رسالة مع رجل
من بني غفار إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم يخبره بما عزم عليه، فَقَدِمَ عليه الرجل
وهو في قباء، فقرأه عليه أُبيُّ بن كعب، فطلب
النبي صلى الله عليه وسلم من أُبيِّ أن يكتم
الخبر. وقال له: (لا تُطلع عليه أحدًا).
ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم
على سعد بن الربيع فأخبره بكتاب العباس.
فقال: والله إني لأرجو أن يكون في ذلك
خير(٣).
وقدم عمرو بن سالم الخزاعي في نفر،
وقد فارقوا قریشا من ذي طوی، فأخبر النبي
صلى الله عليه وسلم الخبر وانصرفوا (٤).
وبعث رسول الله صلی الله عليه وسلم
أَنسًا ومؤنسًا ابني فضالة ليلة الخميس
(٢) مغازي الواقدي ١/ ٢٢٠، دلائل النبوة،
البيهقي ٣/ ٢٢٠.
(٣) مغازي الواقدي ٢٠٤/١.
(٤) إمتاع الأسماع، المقريزي ١/ ١٣٢.
جُوَسُولَةُ النَّقتـ
القرآن الكريم
١٥٤

غزوة أحد
النبي صلى الله عليه وسلم فأخبراه وبعث
رسول الله صلى الله عليه وسلم الحباب
بن المنذر بن الجموح فنظر إليهم وعاد، وقد
حرز عددهم وما معهم، فقال صلى الله عليه
وسلم: (لا تذکروا من شأنهم حرفا، حسبنا
الله ونعم الوكيل، اللهم بك أجول وبك
أصول)(١).
عينين، فاعترضا لقريش بالعقيق، وعادا إلى ابن مالك بن ثعلبة، في طائفة من الأنصار:
إنا نخشى يا رسول الله أن يظن عدونا
أنا كرهنا الخروج إليهم جُبْنًا عن لقائهم،
فيكون هذا جرأة منهم علينا، وقد كنت يوم
بدر في ثلاثمائة رجل فظفرك الله عليهم،
ونحن الیوم بشر کثیر، قد کنا نتمنی هذا اليوم
وندعو الله به، فساقه الله إلينا في ساحتنا(٢).
وقال حمزة: والذي أنزل عليك الكتاب
وامتثالًا لمبدأ الشورى الذي أمر الله لا أطعم اليوم طعامًا حتى أجالدهم بسيفي
خارجًا من المدينة.
تعالی به في كتابه، في قوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِی
وتكلم مالك بن سنان والد أبي سعيد
الخدري، والنعمان بن مالك بن ثعلبة،
وإياس بن أوس بن عتيك ورأوا الخروج
للقتال.
الأَمِْ﴾ [آل عمران: ١٥٩] شاور النبي صلى
الله عليه وسلم أصحابه في الخروج لملاقاة
العدو أو البقاء في المدينة، و کان رأيه صلی
الله عليه وسلم ألا يخرج من المدينة،
فلما رأی صلی الله عليه وسلم ذلك،
وأشار الكثيرون بالخروج من المدينة،
ولم ينزل وحي محدد في هذا الأمر صلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة
بالناس فوعظهم، وأمرهم بالجد والجهاد،
وأخبرهم أن النصر لهم ما صبروا، ففرح
الناس بالخروج من المدينة لقتال عدوهم،
وكره صلى الله عليه وسلم ذلك المخرج إلا
أنه وافقهم ونزل علی رأيهم ما دام لم ينزل
فیه وحي من الله تعالى(٣).
ووافقه عبد الله بن أُبَيِّ والأكابر من الصحابة
مهاجرهم وأنصارهم. وقال صلى الله
عليه وسلم: (امكثوا في المدينة، واجعلوا
النساء والذراري في الآطام فإن دخلوا علينا
قاتلناهم في الأزقة، فنحن أعلم بها منهم،
ونرميهم من فوق الصياصي والآطام) وكان
هذا هو الرأي وبخاصة أن الصحابة قد
شبكوا المدينة بالبنيان من كل ناحية حتى
صارت كالحصن. وقال فتيان أحداث لم
يشهدوا بدرًا وطلبوا الشهادة وأحبوا لقاء
((وظلت المدينة في حالة استنفار عام لا
العدو: اخرج بنا إلى عدونا.
وقال حمزة، وسعد بن عبادة والنعمان
(١) إمتاع الأسماع، المقريزي، ١٣٢/١.
(٢) مغازي الواقدي ١/ ٢١٠.
(٣) إمتاع الأسماع، المقريزي، ١/ ١٣٤.
www. modoee.com
١٥٥

حرفالغين
يفارق رجالها السلاح حتى وَهُم في الصلاة،
استعدادًا للطوارئ.
وقامت مفرزة من الأنصار فیهم سعد
بن معاذ، وأسيد بن حضير، وسعد بن عبادة
بحراسة رسول الله صلی الله علیه وسلم،
فكانوا يبيتون على بابه وعليهم السلاح.
وقامت على مداخل المدينة وأنقابها
مفرزات تحرسها؛ خوفًا من أن يُؤخذوا على
غِرَّة.
ثم لبس النبي صلی الله عليه وسلم لأمته
وذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصلاة،
ثم خرج عليهم وقد ندم الناس، وقالوا:
استکرهنا رسول الله صلی الله عليه وسلم،
ولم یکن لنا ذلك. فلما خرج عليهم رسول
الله صلی الله علیه وسلم، قالوا: يا رسول
الله: استكرهناك ولم يكن ذلك لنا، فإن
شئت فاقعد صلی الله علیك، فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: (ما ينبغي لنبي
إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل)، فخرج
رسول الله صلى الله عليه وسلم في ألف من
أصحابه(٢).
(١) الرحيق المختوم، المباركفوري، ص ٢٢٦ .
(٢) السيرة النبوية، ابن هشام ٢ / ٦٣ .
جَوَسُولَةُ النَّفِي
القرآن الكريمِ
ثم قسم النبي صلى الله عليه وسلم جيشه
إلى ثلاث كتائب:
١. كتيبة المهاجرين، وأعطى لواءها
مصعب بن عمير.
٢. كتيبة الأوس من الأنصار، وأعطى
لواءها أسید بن حضیر.
٣. كتيبة الخزرج من الأنصار، وأعطى
لواءها الحباب بن المنذر.
وكان الجيش متألفا من ألف مقاتل، فيهم
وقامت دوريات من المسلمين؛ مائة دارع وخمسون فارسا، وقيل: لم يكن
لاكتشاف تحركات العدو تتجول حول من الفرسان أحد، واستعمل على المدينة
الطرق التي يحتمل أن يسلكها المشركون ابن أم مكتوم على الصلاة بمن بقي في
المدينة، وأذن بالرحيل، فتحرك الجيش نحو
للإغارة على المسلمين)) (١).
الشمال، وخرج السعدان أمام النبي صلى
الله علیه وسلم یعدوان دارعين (٣).
وحرض أصحابه على القتال، وحضهم
على المصابرة والجلاد عند اللقاء، وأخذ
ينفث روح الحماسة والبسالة في أصحابه،
حتى جرد سيفًا، وقال: (من يأخذ هذا
السيف؟) فأخذه قوم فجعلوا ينظرون إليه،
فقال: (من يأخذه بحقه؟) فأحجم القوم،
فقال أبو دجانة سِمَاك: أنا آخذه بحقه، فأخذه
ففلق هام المشركين (٤).
(٣) الرحيق المختوم، المباركفوري، ص ٢٢٨ .
(٤) السير والمغازي، ابن إسحاق، ص ٣٢٦،
وأخرجه أحمد ٢٦٥/١٩، رقم ١٢٢٣٥.
١٥٦

غزوة أحد
مشاهد من غزوة أحد
أولًا: موقف المنافقين في الغزوة:
كانت غزوة أحد فرصة للمنافقين
لیمکروا بأهل الإيمان، لا سيما والنبي صلى
الله عليه وسلم لم يأخذ برأي رأسهم عبد
الله بن أبي، فاتخذها عَدُوُّ الله ذريعة لفعلته،
وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حين
شاور أصحابه في الخروج من المدينة للقاء
عدوهم أو البقاء فيها ومقاتلتهم داخلها،
وكان رأي ابنٍ أُبيِّ هو البقاء في المدينة
موافقًا في ذلك رأي النبي صلى الله عليه
وسلم، ولکن النبي صلى الله عليه وسلم
نزل عند رأي الأغلبية، ولو كان ابن أُبَيِّ
مؤمنًا لتابع النبي صلى الله عليه وسلم كما
تابعه أصحابه وشعروا بالندم؛ أنهم أکرهوا
رسول الله صلی الله علیه وسلم، ولكنه كان
له هو وأصحابه موقفان:
الأول: رجوعه إلى المدينة مع أصحابه
بعد أن خرج مع الرسول صلى الله عليه
وسلم، فقد بلغ مكانا يقال له الشوط، رجع
بثلث الجيش وقال: أطاعهم وعصاني، ما
ندري علام نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس،
فرجع بمن اتبعه من قومه من أهل النفاق
والریب، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام
أخو بني سلمة، يقول: يا قوم أذكركم الله ألا
تخذلوا قومکم ونبیکم، عند ما حضر من
عدوهم، فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لما
أسلمناکم، ولکنا لا نرى أنه یکون قتال، فلما
استعصوا عليه وأبوا إلا الانصراف عنهم،
قال: أبعدكم الله أعداء الله فسيغني الله
عنکم نبيه(١).
وبالرغم من خطورة الموقف وحاجة
المسلمين لهذا العدد؛ لقلة جيش المسلمين،
وكثرة جیش قریش إلا أن الرسول صلى الله
عليه وسلم ترکهم وشأنهم ولم يعرهم أي
اهتمام، واكتفى بفضح أمرهم أمام الناس.
وقد بين الله تعالى حال المنافقين
ودورهم في هذه الغزوة فقال: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ
نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِأَوِ آَدْ فَعُواْ
قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لََّ تَّبَعْنَكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ
يَوْمَيِدٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَنِّ يَقُولُونَ بِأَفْوَهِهِم
مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُونَ
الَّذِينَ قَالُواْ لِإِخْوَنِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُواْ
قُلْ فَأَدْرَهُواْ عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ
صَدِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٧ - ١٦٨].
يقول الطبري: ((يعني تعالى ذكره بذلك
عبد الله بن أبي بن سلول المنافق وأصحابه،
الذين رجعوا عن رسول الله صلى الله
علیه وسلم وعن أصحابه، حین سار نبي
الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين
بأحد لقتالهم، فقال لهم المسلمون: تعالوا
قاتلوا المشركين معنا، أو ادفعوا عنا العدو
(١) السيرة النبوية، ابن هشام ٤ / ١٠.
www. modoee.com
١٥٧

حرفالغين
بتكثيركم سوادنا! فقالوا: لو نعلم أنكم
تقاتلون لسرنا معكم إليهم، ولكنا معكم
علیهم، ولكن لا نرى أنه یکون بینکم وبین
القوم قتالٌ! فأبدوا من نفاق أنفسهم ما كانوا
يكتمونه، وأبدوا بألسنتهم بقولهم: ﴿لَوْنَعْلَم
قِتَالًا لَّأَتَّبَعْنَكُمْ﴾ غير ما كانوا يكتمونه
ويخفونه من عداوة رسول الله صلى الله
عليه وسلم وأهل الإيمان به))(١).
ثم بين الله حال إيمانهم بقوله: ﴿مُمْ
لِلْكُفْرِ يَوْمَيِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ ﴾ (يعني
أنهم قبل ذلك الیوم کانوا یتظاهرون بالإيمان
وما ظهرت منهم أمارة تؤذن بكفرهم، فلما
انخذلوا عن عسكر المؤمنين وقالوا ما قالوا،
تباعدوا بذلك عن الإيمان المظنون بهم
واقتربوا من الكفر))(٢).
فهم غير صادقین في احتجاجهم بأنهم
يرجعون؛ لأنهم لا يعلمون أن هناك قتالًاً
سيكون بين المسلمين والمشركين. فلم
يكن هذا هو السبب في حقيقة الأمر، وإنما
هم: ﴿يَقُولُونَ يَأَفْوَهِهِم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمٌ﴾
فقد كان في قلوبهم النفاق، الذي لا يجعلها
خالصة للعقيدة، وإنما يجعل أشخاصهم
واعتباراتها فوق العقيدة واعتباراتها(٣).
ولما حصل من ما حصل من جراحات
وشهداء في صفوف أهل الإيمان، أخذ
(١) جامع البيان، الطبري ٣٧٨/٧ .
(٢) الكشاف، الزمخشري ١/ ٤٣٧.
(٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ٥١٥/١.
المنافقون يبرئون أنفسهم من أن يكونوا
سببا فيما أصاب المسلمين من آلام، وأن
الذين تسببوا في ذلك هم غيرهم، قال
طَابِفَةٌ
تعالى مبينا حال هذه الطائفة:
قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ
ظَنَّ الْجَهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن
شَىْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِى أَنْفُسِهِم مَّا
لَا يُبْدُونَ لَكٌ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَىْءٌ
مَّا قُتِلْنَا هَذَهُنَّأْ قُل لَّوْ كُمْ فِ يُوتِكُمْ لَبَرَزَّ الَّذِينَ
كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِىَ اللَّهُ مَا
فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِ قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ
عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤].
ومعنى ﴿أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ ﴾ أي: حدثتهم
أنفسهم بما يدخل عليهم الهم، وذلك بعدم
رضاهم بقدر الله، وبشدة تلهفهم على ما
أصابهم وتحسرهم على ما فاتهم مما يظنونه
منجیا لهم لو عملوه أي: من الندم على ما
فات، وإذا كانوا كذلك كانت نفوسهم في
اضطراب وتحرق يمنعهم من الاطمئنان
ومن المنام، وهذا كقوله الآتي: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ
ذَلِكَ حَسْرَةً فِ قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٦] (٤).
((وهؤلاء لم تكتمل في نفوسهم حقيقة
الإيمان، ومن هؤلاء كانت تلك الطائفة
الأخرى التي يتحدث عنها القرآن في هذا
الموضع، طائفة الذين شغلتهم أنفسهم
وأهمتهم، فهم في قلق وفي أرجحة،
(٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤/ ١٣٤.
١٥٨
الْقُرآن الكَرِيمِ

غزوة أحد
يحسون أنهم مضيعون في أمر غير واضح
في تصورهم، ويرون أنهم دفعوا إلى
المعركة دفعًا ولا إرادة لهم فيها، وهم مع
ذلك يتعرضون للبلاء المرير، ويؤدون
الثمن فادحًا من القتل والقرح والألم وهم
لا يعرفون الله علی حقیقته، فهم يظنون بالله
غير الحق، كما تظن الجاهلية. ومن الظن
غير الحق بالله: أن يتصوروا أنه سبحانه
مضیعھم في هذه المعركة، التي ليس لهم من
أمرها شيء، وإنما دفعوا إليها دفعًا؛ ليموتوا
ويجرحوا، والله لا ينصرهم ولا ينقذهم إنما
یدعهم فريسة لأعدائهم»(١).
﴿يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَىْءٍ﴾
الاستفهام؛ للإنكار بمعنى: النفي، وهم
يريدون بهذا القول تبرئة أنفسهم من أن
يكونوا سببا فيما أصاب المسلمين من آلام
يوم أحد، وأن الذين تسببوا في ذلك هم
غيرهم، فأساؤوا الظن بربهم وبدينه وبنبيه،
وظنوا أن الله لا يتم أمر رسوله، وأن هذه
الهزيمة هي الفيصلة والقاضية على دين
الله. وذلك أن عبد الله بن أبي لما استشاره
النبي صلى الله عليه وسلم في شأن الخروج
لقتال المشرکین في أحد أشار عليه بأن لا
يخرج من المدینة، إلا أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم خرج لقتال المشركين بناء
على إلحاح بعض الصحابة فلما أخبر ابن
(١) في ظلال القرآن، ١ / ٤٩٦ .
أُبيِّ بمن قتل من الخزرج قال: هل لنا من
الأمر من شيء؟ يعني: أن النبي صلى الله
عليه وسلم لم يقبل قوله حين أشار عليه
بعدم الخروج من المدينة (٢).
وقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه
وسلم أن يرد على هؤلاء المنافقين الظانين
بالله ظن الجاهلية بقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ
كُلَّهُ لِلّهِ﴾، أي: ليس لكم ولا لعدوكم منه
شيء، فالنصر بيده والظفر منه(٣).
وبين الله حال المنافقين أنهم: ﴿يُخْفُونَ
فِيّ أَنْفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾ أي: يخفون في
أنفسهم ما لا يستطيعون إظهاره أمامك.
وفي الذي أخفوه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه قولهم: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْآَمْرِ
شَىْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَهُنَا﴾.
الثاني: أنه إسرارهم الكفر، والشك في
أمر الله.
الثالث: الندم على حضورهم مع
المسلمين بأحد (٤).
فهم يريدون تبرئة أنفسهم مما نزل
بالمسلمين من ابتلاء في غزوة أحد، وأنهم
لو كان لهم رأي مطاع لبقوا في المدينة ولم
يخرجوا منها لقتال المشركين.
وأن التبعة في كل ما جرى في هذه
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٣٩٥/٩،
اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٦١٦/٥.
(٣) فتح القدير، الشوكاني ١/ ٤٤٩.
(٤) زاد المسير، ابن الجوزي ٣٣٨/١.
www. modoee.com
١٥٩

حرفالغين
الغزوة يتحملها النبي صلى الله عليه وسلم بقاؤهم داخل جيش المسلمين عامل من
عوامل تحطيمه؛ إذ لا يبعد أن يميلوا على
وأصحابه، الذين كانوا هم السبب وألحوا
عليه في الخروج لقتال المشركين، خارج
المدينة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم
وأصحابه لو كانوا على الحق لانتصروا.
المسلمين ساعة احتدام المعركة، ويعلنوا
انضمامهم لجيش المشركين، فمن فضل
الله تعالی ورحمته بأوليائه أن کشف نوايا
أهل النفاق وهم في منتصف الطريق، فكان
رجعوهم بمثابة التصفية للجيش الإسلامي،
وتطهيره من عناصر الخذلان والنفاق؛ ليلقى
المسلمون عدوهم وهم وحدة متماسكة
کالبنيان المرصوص.
فرد الله عليهم بقوله: ﴿قُل لَّؤْكُمْفِی
بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى
مَضَاجِعِهِمْ﴾ أي: لو كنتم قاعدين في بيوتكم
لم يكن بد من خروج من كتب عليه القتل
إلى هذه المصارع التي صرعوا فيها، فإن
قضاء الله لا يرد (١).
وقوله: ﴿وَلِيَبْتَلِىَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ
وَلِيُمَحِّصَ مَا فِ قُلُوبِكُمْ﴾ أي: يختبركم بما
جرى عليكم، وليميز الخبيث من الطيب،
ويظهر أمر المؤمن والمنافق للناس في
الأقوال والأفعال، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ
الصُّدُورِ ﴾ أي: بما يختلج في الصدور من
السرائر والضمائر(٢).
وهكذا افتضح المنافقون في هذه
الغزوة، فإنهم قبل أحد لم يفتضحوا، ولم
ينكشف نفاقهم بهذه الصورة من قبل، ولو
بقي هؤلاء في صف المسلمين، لكانت
النكبة بهم أعظم، والمصاب أشد، ولكن
أراد الله برحمته تخليص صفوف المؤمنين
من هؤلاء قبل المعركة الذين قد يكون
ثانيًا: موقف الطائفتين اللتين همتا
بالفشل:
في أثناء سير الجيش الإسلامي انسحب
زعيم المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول
بثلث الجيش، فأثر ذلك في نفسية بعض
المسلمين، وراود قلوبهم الفشل والضعف،
وبين الله تعالى ذلك بقوله: ﴿إِذْ هَمَّت
◌َّيِفَتَانِ مِنكُمْ أَنْ تَفْسَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَاً وَعَلَ اللَّهِ
فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢].
قال الطبري رحمه الله: ((ولا خلاف بين
أهل التأويل أنه عنى بالطائفتين: بنو سلمة
وبنو حارثة، ولا خلاف بين أهل السير
والمعرفة بمغازي رسول الله صلى الله عليه
وسلم، أن الذي ذکر الله من أمرهما إنما كان
يوم أحد)»(٣).
(١) فتح القدير، الشوكاني ١/ ٤٤٩ .
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ١٤٦/٢.
(٣) جامع البيان، الطبري ٧/ ١٦١.
١٦٠
القرآن الكريم

غزوة أحد
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وليهما وناصرهما على أعدائهما من الكفار،
ومعنى قوله: ﴿أَنْ تَفْشَلَا﴾، أي: هما أن
يضعفا ويجبنا عن لقاء عدوهما(٣).
قال: (فينا نزلت: ﴿إِذَّ هَمَّت ◌َطَّابِفَتَانِ
مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ بنو سلمة
وبنو حارثة، وما نحب أنها لم تنزل؛ لقول
الله عز وجل: ﴿وَاَللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾﴾(١).
قال ابن حجر رحمه الله: (قوله: نزلت
هذه الآية فينا، أي: في قومه بني سلمة، وهم
من الخزرج، وفي أقاربهم بني حارثة، وهم
من الأوس، قوله: وما أحب أنها لم تنزل،
والله يقول: ﴿وَاَللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾، أي: إِن الآية
وإن كان في ظاهرها غض منهم لكن في
آخرها غایة الشرف لهم»(٢).
وكان همهما الذي هما به من الفشل،
الانصراف عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم والمؤمنين حين انصرف عنهم عبد
الله بن أبي بن سلول بمن معه؛ جبنًا منھم،
من غير شك منهم في الإسلام ولا نفاق،
فعصمهم الله مما هموا به من ذلك، ومضوا
مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لوجهه
الذي مضى له، وتركوا عبد الله بن أبي بن
سلول والمنافقين معه، فأثنى الله عز وجل
عليهما بثبوتهما على الحق، وأخبر أنه
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير
القرآن، باب (إذ همت طائفتان منكم أن
تفشلا)، ٣٨/٦، رقم ٤٥٥٨، ومسلم في
صحيحه، كتاب فضائل الصحابة رضي الله
تعالى عنهم، باب من فضائل الأنصار رضي
الله تعالى عنهم ١٩٤٨/٤، رقم ٢٥٠٥.
(٢) فتح الباري، ابن حجر ٣٥٧/٧.
فتولی الله أمرهما، وحفظهما مما كانا قد
هما به، وهو الانصراف عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين يوم
أحد، وأن ذلك الهم لم يخرجهما من ولاية
الله لهما.
قال الزمخشري: ((والظاهر أنها ما كانت
إلا همة وحديث نفس، وكما لا تخلو
النفس عند الشدة من بعض الهلع، ثم يردها
صاحبها إلى الثبات والصبر ويوطنها على
احتمال المكروه ولو كانت عزيمة لما ثبتت
معها الولاية)» (٤).
قال: ﴿وَاللّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ أي: بولايته
الخاصة، التي هي لطفه بأوليائه، وتوفيقهم
لما فيه صلاحهم وعصمتهم عما فيه
مضرتهم، فمن توليه لهما أنهما لما هما
بهذه المعصية العظيمة وهي: الفشل والفرار
عن رسول الله عصمهما، لما معهما من
الإيمان كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِىُّ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة:
٢٥٧](٥).
وهذه الآية تربية لأهل الإيمان، فقد
بينت لهم أن الله مطلع على أعمالهم أثناء
(٣) جامع البيان، الطبري، ١٦٨/٧.
(٤) الكشاف، الزمخشري، ١/ ٤٠٩ - ٤١٠.
(٥) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٤٥.
www. modoee.com
١٦١

حرفالغين
خروجهم إلى غزوة أحد، كما أرشدهم وقضائي لكم بذلك، وتسليطي إياكم
عليهم .
سبحانه إلى التوكل عليه، فدخول أرض
المعركة ليس بالأمر الهين، بل يحتاج إلى
صبر ومصابرة، وقوة وعزيمة وتوكل على
الله سبحانه.
ثالثًا: موقف المؤمنين في الغزوة:
بين الله سبحانه ما حدث للمؤمنين في
غزوة أحد، وذكر انتصارهم على عدوهم في
بداية المعركة، ثم ذكر إصابتهم بالجراحات
بسبب فشلهم وتنازعهم ومعصيتهم
لرسولهم صلی الله علیه وسلم.
قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ
اللَّهُ وَعْدَهُ: إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ"ٌ حَتَّى إِذَا
فَشِلْتُمْ وَتَنَزَعْتُمْ فِى الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم
مِنْ بَعْدِ مَآ أَرَكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُمْ
مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُمْ مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ
ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا
عَنكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل
عمران: ١٥٢].
أي: (ولقد وفی الله لكم، أيها المؤمنون
من أصحاب رسول الله صلى الله عليه
وسلم، بما وعدكم من النصر على عدوكم
بأحد، حين ﴿تَحُسُونَهُم﴾، يعني: حين
تقتلونهم» (١).
وقوله: ﴿پإِذْنِهِ﴾، فإنه يعني: بحکمي
(١) جامع البيان، الطبري ٢٨٧/٧ .
جُوبُورٌ
القرآن الكريمِ
قال محمد بن كعب القرظي: ((لما رجع
رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة
وقد أصيبوا بما أصيبوا يوم أحد، قال ناس
من أصحابه: من أين أصابنا هذا وقد وعدنا
الله النصر؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ
صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ الآية إلى قوله:
﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ يعني: الرماة
الذين فعلوا ما فعلوا يوم أحد))(٣).
ولما تحول الموقف في المعركة فر الكثير
من المسلمين من ميدان القتال، وانتحى
بعضهم جانبا فجلس دون قتال، في حين
آثر آخرون الموت بعد أن شاع خبر مقتل
النبي صلى الله عليه وسلم، منهم أنس بن
النضر رضي الله عنه، قال: (اللهم إني أعتذر
إليك مما صنع هؤلاء - يعني أصحابه- وأبرأ
إليك مما صنع هؤلاء، -يعني المشركين-
ثم تقدم)، فاستقبله سعد بن معاذ، فقال:
(يا سعد بن معاذ، الجنة ورب النضر إني
أجد ريحها من دون أحد)، قال سعد: فما
استطعت يا رسول الله ما صنع، قال أنس:
فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بالسيف
أو طعنة برمح، أو رمیة بسهم ووجدناه قد
قتل وقد مثل به المشركون، فما عرفه أحد
(٢) المصدر السابق ٢٨٨/٧.
(٣) أسباب نزول القرآن، الواحدي، ص ١٢٦ .
١٦٢

غزوة أحد
إلا أخته بينانه قال أنس: (كنا نرى أو نظن
أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: ﴿مِّنَ
اَلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾
[الأحزاب: ٢٣] إلى آخر الآية)(١).
ودعا النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه
إلى الالتفاف حوله، وقد سجل القرآن
الكريم ذلك في قوله: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ
وَلَا تَلْوُنَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ
يَدْعُوكُمْ فِيَ أُخْرَنَكُمْ فَأَتَبَكُمْ غَمَّاً
بِغَمٍ لِكَيْلَا تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ
وَلَا مَآ أَصَبَكُمْ وَاَللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا
تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٣].
والإصعاد: السير في مستوٍ من الأرض
وبطون الأودية والشعاب. والصعود:
الارتفاع على الجبال والسطوح والسلاليم
والدرج(٢).
عن السدي قال: لما شد المشركون على
المسلمين بأحد فهزموهم، دخل بعضهم
المدينة، وانطلق بعضهم فوق الجبل إلى
الصخرة فقاموا عليها، وجعل رسول الله
صلی الله علیه وسلم يدعو الناس: (إليَّ
عباد الله، إليَّ عباد الله!) فذكر الله صعودهم
على الجبل، ثم ذکر دعاء نبي الله صلى الله
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد
والسير، باب قول الله تعالى: (من المؤمنين
رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه)، ٤ / ١٩،
رقم ٢٨٠٥.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٣٩/٤.
عليه وسلم إياهم، فقال: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ
وَلَا تَلْؤُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ
يَدْعُوكُمْ فِيَ أُخْرَانِكُمْ﴾(٣).
قال سيد سابق رحمه الله: ((والعبارة
ترسم صورة حركتهم الحسية وحركتهم
النفسية في ألفاظ قلائل فهم مصعدون في
الجبل هربًا، في اضطراب ورعب ودهش،
لا يلتفت أحد منهم إلى أحد! ولا يجيب
أحد منهم داعي أحد! والرسول صلى الله
عليه وسلم يدعوهم؛ ليطمئنهم على حياته
بعد ما صاح صائح: إن محمدًا قد قتل،
فزلزل ذلك قلوبهم وأقدامهم إنه مشهد
كامل في ألفاظ قلائل)»(٤).
وقوله: ﴿فَأَثَبَكُمْ غَمَّا بِنَرٍ﴾
الضمير المستتر في قوله: ﴿فَأَثَبَكُمْ﴾
ضمير اسم الجلالة، وهذا هو الموافق لقوله
بعده: ﴿ثُمَّ أَنَزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ اَلْغَمِّ﴾ [آل
عمران: ١٥٤].
قال القرطبي رحمه الله: ((الغم في اللغة:
التغطية. غممت الشيء غطيته. ويوم غم
وليلة غمة إذا كانا مظلمين. ومنه غم الهلال:
إذا لم ير، وغمني الأمر يغمني. قال مجاهد
وقتادة وغيرهما: الغم الأول القتل والجراح،
والغم الثاني: الإرجاف بقتل النبي صلى الله
عليه وسلم، إذ صاح به الشيطان. وقيل: الغم
(٣) جامع البيان، الطبري ٣٠١/٧.
(٤) في ظلال القرآن، سيد قطب، ١ / ٤٩٥ .
www. modoee.com
١٦٣

حرفالغين
الأول ما فاتهم من الظفر والغنيمة، والثاني:
ما أصابهم من القتل والهزيمة. وقيل: الغم
الأول الهزيمة، والثاني: إشراف أبي سفيان
وخالد عليهم في الجبل، فلما نظر إليهم
المسلمون غمهم ذلك، وظنوا أنهم يميلون
عليهم فيقتلونهم فأنساهم هذا ما نالهم، فعند
ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم
لا يعلن علينا). والباء في ﴿يغَرٍ ﴾ بمعنى:
على. وقيل: هي على بابها، والمعنى أنهم
غموا النبي صلى الله عليه وسلم بمخالفتهم
إياه، فأثابهم بذلك غمهم بمن أصيب
منهم))(١).
وقوله: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُواْ عَلَى مَا
فَاتَكُمْ وَلَا مَآ أَصَبَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ
بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٣].
تعليل لقوله: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمْ﴾ [البقرة:
٥٢](٢).
وخلص بعض المشركين إلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم وهو في سبعة من
الأنصار، ورجلين من قريش، فلما رهقوه،
قال: (من يردهم عنا وله الجنة؟)، فتقدم
رجل من الأنصار، فقاتل حتى قتل، ثم رهقوه
أيضًا، فقال: (من يردهم عنا وله الجنة؟)،
فتقدم رجل من الأنصار، فقاتل حتى قتل،
فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة (٣).
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤/ ٢٤٠ .
(٢) المصدر السابق ٢٤١/٤.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجهاد
جوب
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
ثم قاتل عنه طلحة بن عبيد الله، فعن
قیس، قال: (رأیت ید طلحة شلاء وقی بها
النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد)(٤).
وقاتل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه
بین یدي رسول الله صلی الله علیه وسلم،
وهو يناوله السهام، ويقول: (ارم فداك أبي
وأمي)(٥).
ودافع أبو طلحة الأنصاري عن رسول
الله صلى الله عليه وسلم، وكان راميا، فكان
النبي صلى الله عليه وسلم يشرف على
القتال، فيقول له أبو طلحة: يا نبي الله، بأبي
أنت وأمي، لا تشرف یصیبك سهم من سهام
القوم، نحري دون نحرك (٦).
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم
يقول للرجل معه جعبة السهام: (انثرها لأبي
والسير، باب غزوة أحد ١٤١٥/٣، رقم
١٧٨٩ .
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
المغازي، باب (إذ همت طائفتان منكم أن
تفشلا)، ٥/ ٩٧، رقم ٤٠٦٣.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي،
باب (إذ همت طائفتان منكم أن تفشلاً)،
٥/ ٩٧، رقم ٤٠٦٤، ومسلم في صحيحه،
كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم،
باب في فضل سعد بن أبي وقاص رضي الله
عنه ٤ / ١٨٧٦، رقم ٢٤١١.
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب،
باب مناقب أبي طلحة رضي الله عنه ٣٧/٥،
رقم ٣٨١١، ومسلم في صحيحه، كتاب
الجهاد والسير، باب غزوة النساء مع الرجال
١٤٤٣/٣، رقم ١٨١١.
١٦٤