Indexed OCR Text

Pages 21-38

غزوة بدر
تعالی:
ويَعِا
هـ
الشَّيْطَانُ إِلََّ غُرُورًا﴾ [النساء: ١٢٠].
وَمَا يَعِدَهَمَ
◌ْ وَيَمَنِيهِم
ولكن كيد الشيطان ضعيف، لا يقوى
على مقابلة أمر الله سبحانه وتعالى،
وهذا هو الفارق بين جند الشيطان كيف
يوسوسون للمشركين ويضللونهم، وبين
الملائكة الذين هم جند الرحمن يثبتون
المؤمنين ويؤيدونهم ويعدونهم بنصر الله
دون خذلان.
ثامنًا: مشهد المنافقين:
لقد قال المنافقون بالمدينة وأصحاب
القلوب المريضة المليئة بالشهوات
والشبهات والشكوك، ضعفاء الاعتقاد
والايمان: إن المسلمين اغتروا بدينهم،
وإنهم خرجوا مع قلتهم يقاتلون الجمع
الکثیر توهمًا أنھم ینصرون بسبب دینھم.
وقد وضح موقفهم هذا قول الله تعالى:
﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم
مَّرَضُّ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُ وَمَن يَتَوَ كَّلْ عَلَى اللّهِ
فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٤٩](١).
((إن هؤلاء الموصوفين بالنفاق ومرض
القلوب إنما هم من أهل عسكر الكفار، لما
أشرفوا على المسلمين ورأوا قلة عددهم
قالوا مشيرين إلى المسلمين: غر هؤلاء
دينهم، أي: اغتروا فأدخلوا أنفسهم فيما لا
(١) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ٣١/١٠.
طاقة لهم به، وكنى بالقلوب عن العقائد،
والمرض أعم من النفاق؛ إذ يطلق مرض
القلب على الكفر))(٢).
إن المنافقين وكذلك أصحاب القلوب
المريضة وضعيفي الاعتقاد، من أسباب
هدم بنيان المسلم بأراجيفهم وخداعهم،
وما ينجي العبد منهم هو التوكل على الله،
لذلك رد الله عليهم في الآية السابقة: ﴿وَمَن
يَتَوَ كَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
[الأنفال: ٤٩].
((أي: ومن يكل أمره إلى الله ويؤمن
إيمان اطمئنان بأنه ناصره ومعينه، وأنه لا
يعجزه شيء ولا يمتنع عليه شيء أراده، یکفه
ما يهمه وينصره على أعدائه وإن کثر عددهم
وعظم استعدادهم؛ لأنه العزيز الغالب على
أمره، الحکیم الذي يضع كل أمر في موضعه
بمقتضى سنته في نظام العالم، ومن ذلك أن
ينصر الحق على الباطل)»(٣).
((ما أشبه موقف المنافقين بموقف
الشيطان، إنه موقف المتخاذل المتفرج،
المحرض على الشر، ثم المتخلي عن
المؤازرة وقت الشدة والمحنة، أما الشيطان:
فيوسوس بالباطل لأعوانه، ثم يحجم عن
الشيء الذي زين به، وحبب فيه، وأغرى
الناس عليه. فالواجب على العاقل الحذر
(٢) البحر المحيط في التفسير، أبو حيان
الأندلسي، ٣٣٢/٥.
(٣) تفسير المراغي، ١٤/١٠.
www. modoee.com
٢٤٥

حرفالغين
يقول سيد قطب: ((والمنافقون والذين
منه، والتفكير في عواقب الأمور، وعدم
الانسياق في تيار الأهواء والوساوس في قلوبهم مرض لا يدركون حقيقة
أسباب النصر وأسباب الهزيمة فهم يرون
الشيطانية، فمن انجرف في سيل الشيطان
فإن الله يعاقبه أشد العقاب.
ظواهر الأمور، دون أن تهديهم بصيرة إلى
بواطنها ودون أن يشعروا بالقوة الكامنة في
العقيدة، والثقة في الله، والتوكل عليه، إن
الواقع المادي الظاهر لا يختلف من ناحية
مظهره عند القلوب المؤمنة وعند القلوب
الخاوية من الإيمان، ولكن الذي يختلف هو
التقدير والتقويم لهذا الواقع المادي الظاهر
فالقلوب الخاوية تراه ولا ترى شيئًا وراءه،
والقلوب المؤمنة ترى ما وراءه من ((الواقع»
الحقيقي!
وأما المنافقون -الذين أظهروا الإيمان
وأبطنوا الكفر- والذين في قلوبهم مرض
فيصطادون عادة في الماء العكر، وينتهزون
الفرص، ويوقعون الفتنة، وينتظرون الانحياز
للغالب، ويشككون في قوة المؤمنين،
ويتهمونهم بالتهور والطيش؛ لقلتهم عددًا
وعددًا أمام الكثرة في العدد والعدد. وقد
خيب الله الفريقين: الشيطان والمنافقين،
فنصر الفئة المؤمنة القليلة على الفئة الكافرة
الكثيرة، والله يؤيد بنصره من يشاء؛ لأن
من يتوكل على الله، ويفوض أمره إليه،
ويثق به، ويلجأ إليه، فإن الله حسبه وناصره
ومؤیده))(١).
إن نظرة الكافرين والمنافقين دائمًا نظرة
مادية لا روحية، فما قاله المنافقون هو تقدير
التكافؤ في أنظار الناس وفي موازين القوى
العسكرية، ولکنه في میزان الله مختلف قال
تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً
كَثِيرَةٌ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّبِينَ﴾ [البقرة:
٢٤٩].
المقياس الحقيقي هو الإيمان والتوكل
علی الله.
(١) التفسير المنير، الزحيلي، ٣٥/١٠.
صَوَسُو ◌َرُ النَّفِي
القرآن الكريمِ
الواقع الذي یشمل جميع القوى، ویوازن
بينها موازنة صحيحة ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى
اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ هذا ما
تدركه القلوب المؤمنة و تطمئن إليه وما هو
محجوب عن القلوب الخاوية فلا تحسب
حسابه!
وهذا ما يرجح الكفة، ويقرر النتيجة،
ويفصل في القضية في نهاية المطاف في كل
زمان وفي کل مکان إنهم لا یدرکون الأمور
ببصيرة المؤمن، ولا يزنون النتائج كذلك
بميزان الإيمان إنها في حس المؤمن وميزانه
صفقة رابحة دائمًا، فهي مؤدية إلى إحدى
الحسنيين: النصر والغلب، أو الشهادة
والجنة.
٢٤٦

غزوة بدر
ثم إن حساب القوى في نفسه يختلف
فهناك الله وهذا ما لا يدخل في حساب
المنافقين والذين في قلوبهم مرض!
والعصبة المسلمة في كل مكان وفي كل
زمان مدعوة إلى أن تزن بميزان الإيمان
والعقيدة، وأن تدرك بصيرة المؤمن وقلبه،
وأن ترى بنور الله وهداه، وألا تتعاظمها
قوى الطاغوت الظاهرة، وألا تستهين بقوتها
ووزنها فإن معها الله، وأن تلقي بالها دائمًا
إلى تعليم الله سبحانه وتعالى للمؤمنين:
﴿وَمَن يَتَوَ كَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ
حَكِيمٌ﴾))(١).
تاسعًا: مشهد الأسرى والغنائم:
لقد نزلت الآيات معاتبةً للمسلمين في
شأن الأسرى والغنائم.
قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيِّ أَنْ يَكُونَ لَهُر
أَسْرَى حَتَّى يُشْخِنَ فِ الْأَرْضِّ تُرِيدُونَ عَرَضَ
الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةٌ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
لَوْلًا كِتَبُ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ
أَخَذْ تُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَلًا
طَيِّبَأْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ))
يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِّمَنْ فِيَّ أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَىّ
إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْيِّكُمْ خَيْرَاً مِمَّاً
أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾
[الأنفال: ٦٧ - ٧٠].
(١) في ظلال القرآن، ١١/ ١٥٣٢، باختصار.
حیث استشار النبي صلى الله عليه وسلم
أصحابه في أمر الأسرى، فأشار عليه عمر
بن الخطاب رضي الله عنه بقتلهم ضمانا
لقوة الدولة الإسلامية، حيث إنهم يشكلون
عامل تحد وخطورة، ولأنهم أئمة الكفر
وصناديد مكة، وأشار أبو بكر الصديق رضي
الله عنه بأخذ الفدية منهم؛ إذ کان یری أن في
ذلك قوة للمسلمین علی الکفار، و کان یامل
أن يهديهم الله تعالى للإسلام.
وقد أخذ النبي صلى الله عليه وسلم
برأي أبي بكر، وقد تباین فداء الأسری، فمن
كان ذا مال أخذ فداؤه، وتتناقص الأموال
المأخوذة منهم بعد ذلك تبعًا لكفاءتهم
المالية، وقد حفظت لنا المصادر نماذج
منها، فمن ذلك أنه استوفى من العباس
بن عبد المطلب مائة أوقية من الذهب
فداء عنه، ومن عقيل بن أبي طالب ثمانين
أوقية، واستوفى من آخرين أربعين أوقية
(٢)
لكل منهم (٢).
((لقد كانت معاملة النبي صلى الله عليه
وسلم للأسرى تحفها الرحمة، والعدل،
والحزم، والأهداف الدعوية، ولذلك
تعددت أسالیبه، وتنوعت طرق تعامله صلى
الله عليه وسلم، فهناك من قتله، وبعضهم
قبل فيهم الفداء، والبعض الآخر من عليهم،
(٢) انظر: نضرة النعيم، مجموعة مؤلفين،
٢٩٢/١.
www. modoee.com
٢٤٧

حرفالغين
وآخرون اشترط عليهم تعليم عشرة من أبناء - شجرةٍ قريبةٍ من نبي الله صلى الله عليه
المسلمين مقابل المن عليهم)» (١).
وقد بین حديث ابن عباس ما دار في
شأن الأسرى: قال ابن عباسٍ: (فلما أسروا
الأسارى، قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم لأبي بكرٍ، وعمر: (ما ترون في هؤلاء
الأسارى؟) فقال أبو بكرٍ: يا نبي الله، هم
بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدیةً
فتكون لنا قوةً على الكفار، فعسى الله أن
يهديهم للإسلام، فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (ما ترى يا ابن الخطاب؟)
قلت: لا والله يا رسول الله، ما أرى الذي
رأى أبو بكرٍ، ولكني أرى أن تمكنا فنضرب
أعناقهم، فتمكن عليًا من عقيلٍ فيضرب
عنقه، و تمكني من فلانٍ نسیبًا لعمر، فأضرب
عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها،
فهوي رسول الله صلی الله عليه وسلم ما
قال أبو بكرٍ، ولم یھو ما قلت، فلما كان من
الغد جئت، فإذا رسول الله صلى الله عليه
وسلم وأبو بكرٍ قاعدین یبکیان، قلت: يا
رسول الله، أخبرني من أي شيءٍ تبكي أنت
وصاحبك؟ فإن وجدت بکاءً بکیت، وإن لم
أجد بکاءً تباکیت لبکائکما، فقال رسول الله
صلی الله عليه وسلم: (أبکي للذي عرض
علي أصحابك من أخذهم الفداء، لقد
عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة)
(١) السيرة النبوية، الصلابي، ٤٩/٢.
وسلم - وأنزل الله عز وجل: ﴿مَاكَانَ لِنَبِيِّ
أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِىِ الْأَرْضِّ
[الأنفال: ٦٧]. إلى قوله: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَنِّمْتُمْ
حَلَلَا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩]. فأحل الله الغنيمة
لهم)(٢).
لقد نزل القرآن الكريم موافقًا لرأي
عمر بن الخطاب رضي الله عنه في شأن
الأسرى، ومعاتبًا للمسلمين في شأن
الأسرى والغنائم، فهذه الآيات عتاب من
الله سبحانه وتعالى للرسول صلى الله عليه
وسلم وأصحابه رضي الله عنهم أنه ما كان
ينبغي لكم أن تفعلوا هذا الفعل الذي أوجب
أن یکون للنبي صلی الله عليه وسلم أسرى
قبل الإثخان، أي: القتل والتخويف الشديد.
وما كان ينبغي للصحابة رضي الله عنهم
أن يأخذوا الغنائم ويتنافسوا عليها وهي من
عرض الدنيا قبل أن يعلموا حکم الله فيها،
والله دائما يريد للمؤمنين الغلبة والعزة في
الدنيا، ويريد لهم الآخرة بالأجر والثواب
والجنة.
لنبىّ
مَا كَانَ
فالآيتان الكريمتان:
أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَقَّى يُثْخِنَ فِى الْأَرْضِّ
تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةُ وَاللَّهُ
عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿ لَوْلَا كِنَبٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، رقم ١٧٦٣،
كتاب الجهاد، باب الامداد بالملائكة في
غزوة بدر وإباحة الغنائم، ١٣٨٣/٣.
العضو
جوية
القرآن الكريمِ
٢٤٨

غزوة بدر
لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْ تُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٧
- ٦٨].
تبين أن الحكم المؤقت في غزوة بدر
بالنسبة للأسرى كان قتلهم، بما يتناسب
مع واقع الدولة الإسلامية آنذاك، وهذه
قاعدة هامة في بناء الدولة، فحينما تكون
ناشئة وفي مرحلة التكوين والإعداد، ينبغي
ألا تظهر بمظهر اللين، حتى ترهب من قبل
أعدائها(١).
((فإنه ليس من سنة الأنبياء، ولا مما
ينبغي لأحد منهم أن یکون له أسرى يفاديهم
أو يمن عليهم إلا بعد أن يكون له الغلب
والسلطان على أعدائه وأعداء الله الكافرين؛
لئلا يفضي أخذه فداء الأسرى إلى ضعف
المؤمنين وقوة أعدائهم وجرأتهم عليهم،
وما فعله المؤمنون من مفاداة أسرى بدر
بالمال كان ذنبًا سببه إرادة جمهورهم عرض
الحياة الدنيا قبل الإثخان الذي تقتضيه
الحكمة بإعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى،
وجعل كلمة الذين كفروا السفلى، ولولا
كتاب من الله سبق من عدم عقابهم على
ذنب أخذ الفداء -قبل إذنه سبحانه وتعالى
وعلى خلاف سنته- لمسهم عذاب عظيم
في أخذهم ذلك)»(٢)، فالله قضى وقدر
وسبق إثباته في اللوح المحفوظ لأهل
بدر أنه قد أحل لهم الغنائم والفداء، ورفع
عنهم العذاب فلا يعاقب المخطئ على
اجتهاده (٣).
وحكم الأسرى الذي استقرت عليه
الشريعة أنه مفوض للإمام أن يختار الحكم
الذي فيه المصلحة، إما بقتلهم أو إطلاق
سراحهم، أو أخذ الفدية منهم، كما جاء في
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيْتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ الرِّقَابِ
حَّ إِذَا أَنْخَتُهُوهُمْ فَشُدُواْ الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنَّأَ بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءُ
حَّى تَضَعَ الْمَرْبُ أَوْزَارَهَاْ ذَلِكَ وَلَّوْ بَشَآءُ اللّهُ لَأَنْنَصَرٌ
مِنْهُمْ وَلَكِن ◌ِبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضِ وَالَّذِينَ قُلُواْ فِ
سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَلَهُمْ﴾ [محمد: ٤].
((ولأن كل خصلة من هذه الخصال
قد تكون أصلح في بعض الأسرى، فإن
منهم من له قوة ونكاية في المسلمين،
وبقاؤه ضرر عليهم، فقتله أصلح، ومنهم
الضعيف الذي له مال كثير، ففداؤه أصلح،
ومنهم حسن الرأي في المسلمين، يرجى
إسلامه بالمن عليه، أو معونته للمسلمين
بتخليص أسراهم، والدفع عنهم، فالمن
علیه أصلح)) (٤).
(١) انظر: السيرة النبوية، الصلابي، ٤٩/٢،
دراسات في السيرة، عدد من علماء الجامعة
الاسلامية غزة، ص٢٩٩.
وانظر: التفسير الواضح، حجازي، ٨٥٤/١،
التفسير المنير، الزحيلي، ٧٤/١٠.
(٢) تفسير المراغي، ٣٧/١٠.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري، ٦٤/١٤، إرشاد
العقل السليم، أبو السعود، ٣٦/٤، تيسير
الكريم الرحمن، السعدي ص٣٢٦.
(٤) المغني، ابن قدامة المقدسي، ٢٢١/٩.
www. modoee.com
٢٤٩

حرفالغين
وبعد أن عاتب الله سبحانه وتعالى
المسلمين على أخذ الفداء والغنيمة؛ لأنهم
بفعلهم هذا یریدون عرض الدنیا؛ إذ ليس فيه
مصلحة للدين.
قال تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَلًا
طِيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩].
أباح لهم الفداء وجعله من جملة الغنائم
المباحة التي أبيحت لهم في مطلع السورة،
فالمعنى أي: أبحت لكم الغنائم فكلوا مما
غنمتم من الفدية، حال كونه حلاًا لکم، طيبًا
بنفسه لا حرمة فيه، أو كلوه أكلا حلالاً لا
شبهة فيه، والفائدة إزاحة ما وقع في نفوسهم
من أكل الفداء بسبب تلك المعاتبة، أو حرمة
الغنائم على الأولين من الأمم السابقة، ففي
هذه الآية بيان للطف الله سبحانه وتعالى
بهذه الأمة بأن أحل لها الغنائم(١).
وبعد أن أخذ النبي صلى الله عليه
وسلم الفداء من الأسرى، وشق عليهم
أخذ أموالهم منهم، أنزل الله هذه الآية:
﴿وَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِّمَنْ فِيَّ أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَىّ
إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًّا يُؤْيِّكُمْ خَيْرَ مِمَّاً
أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
[الأنفال: ٧٠]؛ لبيان الهدف من الأسر، وهو
الاستمالة لهم، والترغيب لهم في الإسلام،
وتهديدًا وإنذارًا لهم إذا بقوا على الكفر،
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٣٢٦، التفسير المنير، الزحيلي، ١٠/ ٧٣.
جوسى
القرآن الكريمِ
ففي هذه الآية يأمر الله سبحانه وتعالى نبيه
صلی الله عليه وسلم أن يقول لمن وقع في
أيديهم من الأسرى الذين أخذ منهم الفداء:
إن يعلم الله في قلوبكم الآن أو في المستقبل
إيمانًا وإخلاصًا وحسن نية وعزمًا على طاعة
الله ورسوله، والتوبة عن الكفر، وعن جميع
المعاصي، ومنها العزم على نصرة الرسول
والتوبة عن محاربته، يؤتكم خيرًا مما أخذ
منكم من الفداء، ويغفر لكم ما كان منكم
من الشرك والسيئات، والله غفور لمن تاب
عن المعاصي، رحيم بالمؤمنين، فهو يمدهم
بعنايته وتوفيقه وإسعاده (٢).
إن هدف إسلامنا العظيم بأخذ الأسرى
إنما ليلمس في قلوبهم مكامن الخير
والرجاء والصلاح، وليوقظ في فطرتهم
أجهزة الاستقبال والتلقي والتأثر والاستجابة
للهدى، ولترغيبهم بالإسلام لا ليستذلهم
انتقامًا، ولا ليسخرهم استغلالًا كما كانت
تتجه فتوحات الرومان وغيرهم(٣).
عاشرًا: نهاية الغزوة:
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَّكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ
أَزِلَّةٌ فَأَتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾[آل عمران:
١٢٣].
(٢) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ٧٤/١٠،
تفسير المراغي، ٣٨/١٠.
(٣) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب،
١٥٥٣/٣.
٢٥٠

غزوةبدر
لقد انتهت غزوة بدر بنصر كبير وأسر سبعون (١)، ومن بقي سارع إلى
الهرب، وقد قدم المسلمون يومئذ أربعة
عشر شهيدًا: (٢) منهم ستة من المهاجرين،
وثمانية من الأنصار(٣).
للمؤمنين، أعز الله فيه الإسلام والمسلمين،
وأذل فيه الكفر والكافرین، فكانت غزوة بدر
من المعارك الفاصلة في تاريخ الإسلام،
وكان لها أثر كبير في إعلاء شأن الإسلام،
وانتصار العقيدة، كما كانت أصداء انتصار
المسلمين شديدة على أعداء الإسلام من
يهود ومشرکین.
قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ فِ فِئَنَِ
الْتَقَتَّا فِئَةٌ تُقَتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى
كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْىَ اَلْعَيْنِّ وَاللّهُ
يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ، مَن يَشَآءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةٌ
لِأُوْلِ الْأَبْصَرِ﴾ [آل عمران: ١٣].
لقد أظهر المسلمون في المعركة
بطولات فائقة، حيث كانوا يقاتلون وهم
يؤملون إحدى الحسنيين النصر أو الشهادة،
وعرفت الدنيا أن القوى الروحية لا تقهرها
القوى المادية، وأن النفس البشرية إذا
امتلأت بالإيمان وحب الشهادة تضاءلت
أمامها شم الجبال الراسيات، والله هو
القوي القاهر يمد عباده المؤمنين بنصر من
عنده إذا صدقوا الإيمان، وأخلصوا له في
الجهاد، وانتصروا على شهواتهم وأنفسهم،
واتقوا الله حق تقواه نعم لقد انجلت المعركة
عن نصر حاسم للمسلمين، وهزيمة منكرة
للمشركين، فقتل سبعون من صنادیدهم،
وإن من نتائج غزوة بدر أن قويت شوكة
المسلمين، وأصبحوا مرهوبين في المدينة
وما جاورها، وتعززت مكانة الرسول
صلى الله عليه وسلم في المدينة، وارتفع
نجم الإسلام فيها، ولم يعد المتشككون
في المدينة يتجرؤون على إظهار كفرهم
وعداوتهم للإسلام، وكذلك ازدادت ثقة
المسلمين بالله سبحانه وتعالى وبرسوله
صلى الله عليه وسلم، واشتد ساعدهم،
ودخل عدد كبير من مشركي قريش في
الإسلام، وإلى جانب ذلك کسب المسلمون
من المعركة مهارات عسكرية، وأساليب
جديدة في الحرب، وانتعش حال المسلمين
المادي والاقتصادي بما أفاء الله عليهم من
غنائم.
أما قريش فكانت خسارتها فادحة،
فإضافة إلى مقتل أبي جهل وأمية بن خلف
وعتبة بن ربيعة وغيرهم من زعماء الكفر،
(١) انظر: حديث عمر بن الخطاب الذي أخرجه
مسلم في صحيحه، ١٧٦٣، كتاب الجهاد
والسير، باب الامداد بالملائكة، ٣/ ١٣٨٣.
(٢) انظر: السيرة النبوية، ابن هشام، ١/ ٧٠٦.
(٣) انظر: السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة،
أبو شهبة، ٢/ ١٤٢.
www. modoee.com
٢٥١

حرفالغين
وأسر عدد كبير منهم، فقد كانت المعركة
خسارة معنوية عليهم، أما اليهود فقد هالهم
أن ينتصر المسلمون في المعركة، وأن تقوى
شوکتهم، فأخذوا يدبرون المكائد وينقضون
العهود(١).
((أراد الله للعصبة المسلمة أن تصبح
أمة، وأن تصبح دولة، وأن يصبح لها قوة
وسلطان، وأراد لها أن تقيس قوتها الحقيقية
إلى قوة أعدائها، فترجح ببعض قوتها على
قوة أعدائها! وأن تعلم أن النصر ليس بالعدد
وليس بالعدة، وليس بالمال والخيل والزاد
إنما هو بمقدار اتصال القلوب بقوة الله التي
لا تقف لها قوة العباد. وأن يكون هذا كله عن
تجربة واقعية، لا عن مجرد تصور واعتقاد
قلبي، ذلك؛ لتتزود العصبة المسلمة من هذه
التجربة الواقعية لمستقبلها كله، ولتوقن كل
عصبة مسلمة أنها تملك في كل زمان وفي
كل مكان أن تغلب خصومها وأعداءها،
مهما تكن هي من القلة، ويكن عدوها من
الكثرة، ومهما تكن هي من ضعف العدة
المادية، ويكن عدوها من الاستعداد والعتاد
وما كانت هذه الحقيقة لتستقر في القلوب
كما استقرت بالمعركة الفاصلة بين قوة
الإيمان وقوة الطغيان))(٢).
التوجيهات القرآنية بعد نهاية الغزوة
أولًا: إصلاح ذات البين:
إن من التوجيهات القرآنية العظيمة بغزوة
بدر، أن من أسباب النصر تآلف القلوب
وترابطها وتراحمها، فقوة الترابط هي القوة
الثانية بعد قوة الإيمان.
لقد بينت الآيات القرآنية أن إصلاح
ذات البين، ووحدة الكلمة على منهج الله
سبحانه وتعالى أعظم عند الله من الدنيا
والغنائم والأموال والمتاع، لذلك لما
اختلف الصحابة وتنافسوا وتخاصموا في
شأن الغنائم نزعها الله من أیدیھم و جعلها
لله ورسوله يحكمان فيها، وأنزل الله الآية
الكريمة: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ آلْأَنْفَالِ قُلِ آلْأَنفَالُ لِلَّهِ
وَالرَّسُولِ فَأَتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ
وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: إِن كُنْتُم ◌ُؤْمِنِينَ﴾
[الأنفال: ١].
ومعنى الآية، أي: وإذا كان أمر الغنائم
لله سبحانه وتعالى ورسوله صلی الله عليه
وسلم فاتقوا الله سبحانه وتعالى في أقوالكم
وأفعالكم، واجتنبوا ما كنتم فيه من التنازع
والاختلاف فيها، الموجب لسخط الله
وغضبه، والموقع في الفرقة والعداوة الضارة
بكم حال الحرب وغيرها، فلا تظالموا ولا
تخاصموا ولا تشاجروا وأصلحوا ذات
بينكم، حتى تتأكد الرابطة الإسلامية بين
(١) انظر: السيرة النبوية، علي الصلابي، ٥٩/١.
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب، ١٤٨١/٣.
٢٥٢
القرآن الكريمِ

غزوة بدر
بعضكم، وتشيع المحبة والمودة والوفاق عرض دنیا زائل، بل كانوا صفًا واحدًا لهدف
واحد، هو نصرة الدين والعقيدة، ورفع راية
والوئام بين صفوفكم، فإنكم إنما ترزقون
وتنصرون بترابطکم، فلتجتمع کلمتکم،
وليشتد أمركم، وليقو أزركم فتقدروا على
إقامة الدین وقمع المفسدين(١).
الحق، وقد ألف الله بينهم، وجعلهم أمة
واحدة، متعاونة ومتناصرة، فكان التأييد
الرباني.
إن إصلاح ذات البين وتوحيد الصف
ورفع الخصومة من أولى مقومات النصر،
والتفرق من أسباب الهزيمة، لذلك أمر
الله المسلمين بالطاعة، ونهاهم عن التنازع
قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَا تَشَزَعُوا
فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَأَصْبِرُوَاْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ
الصَّبِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦].
أي: أطيعوا الله في كل ما أمر به ونهى،
وكذا رسوله الكريم، وإياكم والنزاع فإنه
مدعاة للفرقة وأساس الهزيمة، وإنما أهلك
من كان قبلكم اختلافهم وكثرة اعتراضهم،
فالنزاع أداة الهلاك، ومعول الهدم والشقاء،
به تذهب الدولة، وتفنى القوة، وعليكم
بالصبر، فهو سلاح المؤمن الذي لا يفل (٢).
لذلك عندما استجاب المسلمون لأمر
الله سبحانه وتعالى، وأصلحوا بینھم، و کانوا
يدا واحدة بلا عصبية قبلية جاهلية، أو تفرقة
بین لون أو جنسية أو عشيرة، ولا تنافس على
(١) انظر: جامع البيان، الطبري، ٣٨٣/١٣،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ١٠/٤،
التفسير المنير، الزحيلي، ٢٤٥/٩، نظم
الدرر، البقاعي، ٢١٩/٨.
(٢) انظر: التفسير الواضح، حجازي، ٨٣٤/١.
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَيََّكَ بِنَصْرِهِ.
وَبِالْمُؤْمِنِينَ ﴿ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمَّ لَوْ
أَنْفَقْتَ مَا فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ
قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ
حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٢ -٦٣].
هذا دليل واضح على أن من أهم أسباب
النصر هو التآلف واتحاد الكلمة، فالله
جمعهم وألف بين قلوبهم، وقد كانوا في
الجاهلية أصحاب حروب وفتن وعداوات
وعصبيات وحب للانتقام وإثارة الحروب
لأتفه الأسباب، ومع أنك لو أنفقت ما في
الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم، ولكن
الله القوى القادر الحكيم العليم ألف بين
قلوبهم، وجمعهم على صراط سوي، وأزال
كل تلك الخلافات بنور الإيمان(٣).
ثانيًا: تقسيم الغنائم:
اختلف الصحابة في شأن الغنائم،
وتنافسوا علیھا، ولم یکن حكمها قد نزل
حتى ذلك الوقت، حتى نزل قول الله
سبحانه وتعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ
(٣) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ١٠/ ٥٧.
www. modoee.com
٢٥٣

حرفالغين
قُلِ آلْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ
ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: إِن كُنْتُم
مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١].
فأصبحت الغنائم لله ولرسوله، ثم بين
الله سبحانه وتعالى إحلال الغنائم (وهي:
المال المأخوذ من الكفار في المعركة)،
وبين كيف توزع الغنائم.
قال تعالى: ﴿وَأَعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ
فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ، وَلِلَرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَمى
وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَبِيلِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم
بِاللَّهِ وَمَآ أَنَزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ
الْنَقَى الْجَمْعَانُ وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾
[الأنفال: ٤١].
فكانت هذه الآية تفصيلًا للغنيمة التي
أجمل حکمها في بدء السورة، والتي اختص
الله هذه الأمة بإحلالها، فبينت الآية أنها
تقسم أخماسا، حيث يجعل الخمس لمن
ذكرتهم الآية، والأربعة الأخماس الباقية
للغانمین الذین شهدوا المعركة، بدلیل بیان
هذا الخمس والسكوت عن الباقي، وبدلیل
﴿غَنِمْتُم﴾ حیث
قوله سبحانه وتعالى:
بين القرطبي أن إضافة الغنيمة للغانمين،
ثم تعيين الخمس لمن سمى في كتابه،
والسكوت عن الأربعة الأخماس، دل على
أنها ملك للغانمين(١).
(١) انظر: جامع البيان، الطبري، ٥٥٢/١٣،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي،
٣/٨، التفسير المنير، الزحيلي، ٦/١٠.
أما الخمس الذي عينته الآية فأكثر
المفسرين والفقهاء أن قوله سبحانه وتعالى:
﴿اللَّهِ خُمُسَهُ﴾ فهو على سبيل التبرك؛ لأن
الدنيا والآخرة كلها لله، فيكون الخمس
الباقي للخمسة أصناف التي ذكرت في
الآية (٢) وهي: سهم الرسول صلى الله عليه
وسلم يضعه حيث شاء، وسهم ذوي القربى
أي: قرابة الرسول صلی الله عليه وسلم،
وسهم اليتامى وهم أطفال المسلمين الذي
هلك آباؤهم، والمساكين وهم أهل الحاجة
من المسلمين، وابن السبيل وهو: المجتاز
سفرا قد انقطع به(٣).
أما التوجيه الدائم بعد ذلك، فهو ما
تضمنه شطر الآية الأخير: ﴿إِن كُتُمْ ءَامَنتُم
بِاللَّهِ﴾ أن للإيمان أمارات تدل عليه، والله
سبحانه وتعالى يعلق الاعتراف لأهل بدر
بأنهم آمنوا بالله، وبما أنزله على عبده يوم
الفرقان يوم التقى الجمعان على قبولهم
لما شرع الله لهم في أمر الغنائم في صدر
الآية، فیجعل هذا شرطًا لاعتبارهم عنده قد
آمنوا بالله، وبما أنزله على عبده من القرآن،
کما يجعله مقتضی لإعلانهم الإیمان، فدین
الله واضح جازم، لا تميع فيه ولا غلو،
بأن الإيمان ليس بالتمني، ولكن ما وقر في
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري، ٥٢٢/١٣، لباب
التأويل، الخازن، ٣١٢/٢، تفسير القرآن
العظیم، ابن کثیر، ٤/ ٥٩.
(٣) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ٦/١٠.
٢٥٤
جوبيبو
القرآن الكريمِ

غزوة بدر
القلب وصدقه العمل، فلا بد لقيامه من قبول
ما شرعه الله، وتحقيقه في واقع الحياة (١).
ثالثًا: توجيهات عامة للمؤمنين:
١. النصر بيد الله.
لقد جاءت الآيات القرآنية ترسخ هذه
القاعدة الربانية، وتبين أن الله سبحانه وتعالى
هو الذي نصر المؤمنين في بدر، وهذا درس
للمؤمنین بأن یثقوا بالله، ویتو كلوا عليه؛ لأنه
صانع النصر، قال تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ
عِندِ اللَّهِ.﴾ [الأنفال: ١٠].
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَّكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ
أَزِلَّةٌ ﴾ [آل عمران: ١٢٣].
فلا نصر على العدو إلا بنصر الله وتأییده،
لا بشدة بأس أو قوة أو سواها من الأسباب،
فهو سبحانه الفاعل للنصر والمسخر له
كتسخيره للأسباب الحسية والمعنوية (٢).
إن المتأمل في أحداث غزوة بدر يجد
رعاية الله وحفظه للمؤمنين، بل يتضح
له أنها کلها من تدبیر الله سبحانه وتعالى،
فالترتيب للمعركة كان من الله.
ودلت على ذلك الآيات: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ
رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ
لَكَرِهُونَ ﴾ يُجَدِلُونَكَ فِى أَلْحَقِّ بَعْدَ مَا
(١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب،
١٥٢٠/٣.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري، ٤١٨/١٣،
تفسير المراغي، ٩/ ١٧٤.
◌َبِيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ
﴿ وَإِذْ يَعِدُّكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّيِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ
وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ
لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَتِهِ، وَيَقْطَعَ
دَابِرَ اَلْكَفِرِينَ ، لِيُحِقَّ الْحَقِّ وَبُبْطِلَ اَلْبَاطِلَ
وَلَوْكَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الأنفال: ٥-٨].
وكذلك الإعداد النفسي للمعركة من
خلال مشهد النعاس، وإنزال المطر، ورؤية
الفريقين لبعضهما، ودلت عليه الآيات
﴿ إِذْيُغَشِيَكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيَزِّلُ عَلَيْكُمْ
مِّنَ السَّمَاءِ مَآءَ لِيَطَهِّرَكُمْ بِهِ، وَيُذْهِبَ عَنْكُرْ
رِجْزَ الشَّيْطَنِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ
الْأَقْدَامَ ﴾ [الأنفال: ١١].
وقال تعالى: ﴿وَإِذْيُرِيكُمُوهُمْ إِذْ اُلْتَقَيْتُمْ
فِيَّ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِّ أَعْيُنِهِمْ
لِيَقْضِىَ اَللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولَاً وَإِلَى اللَّهِ
تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [الأنفال: ٤٤].
ونزول الملائكة قال تعالى:
﴿إِذْ
تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَأُسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّ
مُمِدُكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَتَبِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾
[الأنفال: ٩].
وقال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلَِكَةِ
أَّ مَعَكُمْ فَتَبِتُواْ أَلَّذِينَ ءَامَنُواْ سَأُلِّقِى فِ
قُلُوبٍ أَلَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ فَضْرِبُواْ
فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَأَضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانِ ﴾
[الأنفال: ١٢].
وأيضًا فإن موعد ومكان المعركة كان
www. modoee.com
٢٥٥

حرفالغين
بترتيب الله قال تعالى: ﴿إِذْأَنتُم بِالْعُذْوَةِ
الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ
مِنكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَآَخْتَلَفْتُمْ فِ الْمِيعَةِ
وَلَكِن لِيَقْضِىَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَنْعُولًا
لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيْنَةٍ وَيَحْبِى مَنْ حَىَ
عَنْ بَيْنَةٌ وَإِنَّ اللّهَ لَسَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال:
٤٢]
لقد هيأ الله الأسباب وسخرها لنصر
المسلمين في المعركة؛ ليكون النصر من
عنده سبحانه، وفي هذا تعليم للمؤمنين
الاعتماد على الله وحده، وتفويض أمورهم
إلیه؛ لأن النصر من عند الله وحده، ولیس
من الملائكة ولا غيرها، فالأسباب يجب
أن يؤخذ بها، لکن یجب ألا يغتروا بها، بل
الاعتماد على خالق الأسباب، فھو الناصر
سبحانه، وقد أمر الله المسلمین أن یتذکروا
نعمته عليهم، نعمة النصر بعد أن كانوا
مستضعفين.
قال تعالى: ﴿وَأَذْكُرُواْ إِذْ أَنْتُمْ قَلِلٌ
◌ُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطّفَكُمُ
النَّاسُ فَشَاوَنَكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ، وَرَزَقَّكُمْ
مِنَ الَطِّبَتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾
[الأنفال:
٤٤](١) .
٢. القتل والإصابة من الله.
فكما أن النصر من عند الله سبحانه
وتعالى لمن أخذ بالأسباب، كذلك قتل
(١) انظر: السيرة النبوية، الصلابي، ٦٧/٢.
الکافرین کان بإرادته سبحانه وتعالى، ووقع
هذا القتل بيد المؤمنين، والله هو المميت
والمقدر ذلك، فالمؤمن یضرب بالسيف،
وينجرح العدو وينزف، لكن ألم تر جريحًا
لم يمت، وألم تر غير مجروح يموت؟ إذن
فالقتل هو من الله.
قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ
قَثَلَهُمْ وَمَا رَمَيْنَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ
رَمَّ﴾ [الأنفال: ١٧].
وتدل الآية أن الله هو الذي يصيب
الهدف، والعبد إنما يشارك بتكسبه وقصده،
فالنبي صلى الله عليه وسلم هو الذي رمی
حفنة التراب على وجوه المشركين، ولكن
الله هو الذي أعانه وأظفره وصنع له،
فأصابت الرمية المشركين بقوته وقدرته
سبحانه وتعالى، ففي الآية أضاف الرمي
إلى نبي الله، ثم نفاه عنه، وأخبر عن نفسه
أنه الرامي، فيكون المعنى: وما أصبت إذ
رميت، ولكن الله سبحانه وتعالى هو الذي
أصاب(٢).
ففي هذا درس هام للمؤمنين في الأخذ
بالأسباب، وترك النتائج على الله، ولكن
لابد من اليقين وحسن التوكل على الله، ثم
لا بد ألا يفتخر العبد بأنه فعل كذا وكذا، أو
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري، ٤٤٢/١٣،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٧/ ٣٨٤،
محاسن التأويل، القاسمي، ٢٦٩/٥، تفسير
الشعراوي، ٤٦١٥/٨.
٢٥٦
جَوَسُولَرُ النَّة
القرآن الكريم

غزوة بدر
قتل وضرب ورمی، فعلى المسلم ألا یعجب
بعمله، بل يتواضع ويحتسب أجره عند الله؛
لأن التوفیق کله من الله، هو المسدد سبحانه
وتعالى.
٣. الابتلاء بالنصر بعد القتال لشكر عما نهى، هو القوة الحقيقية والسلاح
النعمة.
بعد أن بین الله سبحانه وتعالى أن النصر
والتوفيق من عنده، بين أنه قادر على نصر
المؤمنين من دون مباشرة قتال؛ ولكن الله
أراد أن يمتحن المؤمنین، ویوصلهم بالجهاد
إلى أعلى الدرجات، وأرفع المقامات،
ويعطيهم أجرًا حسنًا وثوابًا جزيلا، وليعرفوا
نعمه عليهم في إظهارهم على عدوهم مع
كثرتهم وقلة عدد المؤمنين، فيعرفوا بذلك
حقه ويشكروه على نعمته (١).
قال تعالى: ﴿وَلِسُبْلِىَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَآءَ
حَسَنَاْ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ١٧].
وقد ذكر البقاعي الحكمة من ابتلاء
المؤمنين بالجهاد، والظفر في المعركة
مع أنه قادر على نصرهم بدون قتال، فذکر
أن الله أراد أن يخالط المؤمنين من ذلك
ما يكون لهم من مزاولته عاقبة حسنة، بل
أحسن من الراحة؛ لأنه يفضي بهم إلى راحة
دائمة، والدعة تفضي الى تعب طويل(٢).
(١) انظر: جامع البيان، الطبري، ١٣ /٤٤٨، تيسير
الكريم الرحمن، السعدي ص٣١٧.
(٢) انظر: نظم الدرر، البقاعي، ٨/ ٢٤٤.
٤. قوة الإيمان هي السلاح الأقوى
والأنفع.
إن الإيمان الصادق والتسليم لله وقوة
الاتصال به والالتزام بأوامره والانتهاء
في المعركة، وهو الذي يجلب رعاية الله
وكرامته ونصره، وقد أمر الله بإعداد القوة.
قال تعالى: ﴿وَأَعِدُوا لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم
مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ
عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَّرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا
نَّعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَّمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠].
وأعظم قوة هي قوة الإيمان الصادق.
ونحن نتحدث عن غزوة بدر الکبری إنما
لنستشعر معاني الإيمان الذي فقد، ومعاني
الرجولة التي انصرفنا عنها، ومعاني الجهاد
الذي نكسنا عنه، ومعاني الإقبال على الله
الذي أعرضنا عنه، نستشعر هذه المعاني
کلها؛ لنحييها فينا، وفي أمة رسول الله صلى
الله عليه وسلم، فلا يمكن أن ننتصر اليوم
في معاركنا الداخلية ضد الفساد والاستبداد،
والخارجية ضد اليهود والاستكبار العالمي،
كما انتصر أهل بدر في معركتهم، إن لم
تکن مؤمنین کما کانوا، ورجالًا کما کانوا،
ومجاهدین كما كانوا، وأبطالًا كما كانوا،
نسأل الله أن یعید للأمة عزها و کرامتها، وأن
ينصرها على أعدائها.
www. modoee.com
٢٥٧

حرف الغين
القيادة النبوية في الغزوة
کان الرسول صلى الله عليه وسلم هو
القائد العام للمسلمين في معركة بدر، وقد
خاض المعركة بنفسه، ونعم القائد هو،
إنه القدوة الكاملة، والقائد الرباني، كيف
لا وهو أعرف الناس بالله سبحانه وتعالى
وأتقاهم له، وأخشاهم، ويملك من القوة
الإيمانية ما يملأ قلوب من معه من الصحابة
إيمانًا وتقوى بمجرد نظرة منه أو جلسة
معه. وكان له من الإرادة الجهادية ما يدفع
الصحابة إلى الجهاد والاستشهاد لدرجة
التسابق والمسارعة بمجرد إشارة أو نداء،
فما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
واعظ منبر وكفى، لا أميرًا فقط، وإنما كان
المجاهد الكامل، والقائد القدوة، ومن
أهم ما تميز به النبي صلى الله عليه وسلم
في المعركة، وكان له الأثر الكبير على
المسلمين المقاتلين، وكان عاملا أساسيًا
من عوامل النصر في المعركة، ما يأتي:
١. تشجيع الرسول صلى الله
عليه وسلم للصحابة رضي الله عنهم
وتبشير الجنود وبث الثقة.
لقد شجع الرسول صلی الله عليه وسلم
أصحابه وحرضهم قبل القتال وأثناءه، وقوى
عزائمهم ورفع معنوياتهم، حتی لا یکترثوا
بتفوق المشرکین علیهم بالعدة والعدد؛ وقد
أثر ذلك على معنويات الكبار الذين مارسوا
الحرب وعرفوها من المسلمين وكذلك
على الأحداث الصغار الذين لم يمارسوا
حربا ولا قتالًا(١)، وهذا امتثال لأمر الله
بالتحريض على القتال، قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا
النَِّىُّ حَرْضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالَّ إِن يَكُن
مِّنْكُمْ عِشْرُونَ صَيِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاتَنَيْنَّ وَإِن يَكُنْ
مِنكُم مِّنْتَةٌ يَغْلِيُواْ أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ
بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [الأنفال: ٦٥].
لقد كان النبي یبشر الجنود وییث فيهم
الثقة بقوله لهم: (سيروا وأبشروا)(٢)، وكان
يخطب فيهم حاًّا لهم على الجهاد، جاء في
حديث أنس بن مالك أنه لما دنا المشركون
یوم بدر قال رسول الله صلی الله عليه وسلم
للصحابة: (قوموا إلى جنة عرضها السموات
والأرض)(٣).
٢. استشارة الجند من الصحابة.
لقد شاور النبي صلى الله عليه وسلم
أصحابه حین بلغه خبر خروج قریش،
وسمع رأي المهاجرين والأنصار في لقاء
المشركين، وقبل مشورة الحباب في تبدیل
معسکره في بدر حین نزل بأدنى ماء منها،
فانتقل بالمسلمين الى حيث أشار الحباب،
(١) انظر: الرسول القائد، محمود شيت خطاب،
١١٩/١.
(٢) انظر: السيرة النبوية، ابن هشام، ٦١٥/١.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، رقم ١٩٠١،
كتاب الجهاد، باب ثبوت الجنة، ١٥٠٩/٣.
٢٥٨
جَوَبُو
القرآن الكريمِ

غزوة بدر
وبنى حوضًا على القليب الذي أتاه؛ الصفوف الأمامية من المسلحين بالرماح؛
واستشار المسلمين في أمر الأسرى بعد
المعركة، وعمل بالرأي الذي أبداه أبو بكر
الصديق رضي الله عنه(١).
لصد هجمات الفرسان، وتكون الصفوف
المتعاقبة الأخرى من المسلحين بالنبال؛
لتسديدها على المهاجمين من الأعداء، وإن
تطبيق الرسول صلى الله عليه وسلم لهذا
٣. المشاركة في القتال وبناء
العريش.
الأسلوب القتالي في معركة بدر، كان عاملاً
مهمًا من عوامل انتصاره على المشركين (٤).
هذه مزايا القائد القدوة في كل زمان
ومكان، والتي جعلت المسلمين يقاتلون
كرجل واحد، لغاية واحدة، بقيادة قائد واحد
وهذا عامل مهم من عوامل النصر في كل
حرب.
لقد شارك النبي صلی الله عليه وسلم في
القتال واتخذ مقرًا يسيطر منه على المعركة،
فبنى العريش فوق رابية مشرفة على ساحة
المعركة(٢)، حیث روي عن ابن عباس: أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من
العريش يوم بدر وهو يثب في الدرع ويقول:
سَيُّهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبْرَ﴾ [القمر: ٤٥](٣).
٤. ابتكار الصفوف في القتال
بالمعركة.
ابتکر النبي صلی الله عليه وسلم نظام
الصفوف في القتال؛ امتثالًا لقوله تعالى:
﴿إِنَّاللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِ سَبِيلِهِ،
صَفَّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَنٌ مَّرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤].
والقتال بأسلوب الصفوف، يكون
بترتيب المقاتلين صفين أو ثلاثة صفوف
أو أكثر على حسب عددهم، وتكون
(١) انظر: الرسول القائد، محمود شيت خطاب،
١/ ١١٥.
(٢) انظر: السيرة النبوية، الصلابي، ٢/ ١٧.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، رقم ٤٨٧٥،
كتاب تفسير القرآن، باب قوله: سيهزم
الجمع، ١٤٣/٦.
(٤) انظر: الرسول القائد، محمود شيت خطاب،
١١٤/١.
www. modoee.com
٢٥٩

حرف الغين
فضل من حضر بدرًا
لقد جعل الله سبحانه وتعالى لأهل بدر
من المنزلة والمكانة في الدنيا والآخرة ما
ليس لغيرهم، حتى صار من المآثر والمفاخر
أن يقال: فلان بدري، روي عن معاذ بن
رفاعة بن رافع الزرقي، عن أبيه - وكان أبوه
من أهل بدر- قال: جاء جبريل إلى النبي
صلى الله عليه وسلم، فقال: (ما تعدون
أهل بدر فيكم، قال: من أفضل المسلمين أو
كلمة نحوها، قال: وكذلك من شهد بدرًا من
الملائكة)(١).
وروى الشيخان في صحيحيهما قصة
حاطب بن أبي بلتعة، وبعثه الكتاب إلى أهل
مکة عام الفتح يخبرهم فيه بعزم رسول الله
علی قصد مكة، وأن عمر استأذن رسول الله
صلى الله عليه وسلم في ضرب عنقه، فقال
له الرسول صلى الله عليه وسلم: (اليس من
أهل بدر؟ لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال:
اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) فدمعت
عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم)(٢).
وروى البخاري في صحيحه عن حميد
قال: سمعت أنس بن مالك يقول: (أصيب
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، رقم ٣٩٩٢،
كتاب المغازي، باب شهود الملائكة بدرا،
٨٠/٥.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، ٢٤٩٤، كتاب
فضائل الصحابة، باب فضائل أهل بدر،
١٩٤١/٤.
حارثة يوم بدر وهو غلام، فجاءت أمه إلى
النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول
الله قد عرفت منزلة حارثة مني، فإن يكن في
الجنة أصبر وأحتسب، وإن تكن الأخرى
تری ما أصنع، فقال: (ویحك، أو هبلت أو
جنة واحدة هي؟ إنها جنان كثيرة، وإنه في
جنة الفردوس)(٣).
وفي رواية: (إن ابنك أصاب الفردوس
لأعلى)(٤).
قال الحافظ ابن كثير بعد ذكره هذا
الحديث: ((وفي هذا تنبيه عظيم على فضل
أهل بدر، فإن هذا لم يكن في حومة الوغى،
بل كان من النظارة من بعيد، وإنما أصابه
سهم غرب، وهو يشرب من الحوض، ومع
هذا أصاب بهذا الموقف الفردوس، التي
هي أعلى الجنان، وأوسط الجنة، ومنه تفجر
أنهار الجنة، التي أمر الشارع أمته إذا سألوا
الله الجنة أن يسألوه إياها، فإذا كان هذا
حال هذا، فما ظنك بمن كان واقفًا في نحر
العدو؟!))(٥).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، ٣٩٨٢، كتاب
المغازي، باب فضل من شهد بدر، ٧٧/٥.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، ٦٥٥٠، كتاب
الرقاق، باب صفة الجنة والنار، ٨/ ١١٤.
(٥) البداية والنهاية، ٣٩٨/٣.
٢٦٠
جَوَسُورَةُ النَّفِيـ
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

غزوة بدر
الدروس المستفادة من غزوة بدر
لقد کان لغزوة بدر حکم ودروس کثیرة،
نذكر بعضها فيما يأتي:
١. نصرة الدين والتمكين للمنهج أعظم من
الدنيا وما فيها، قال تعالى: ﴿ وَإِذْیَعِدُكُمُ
اللَّهُ إِحْدَى الطَّيِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ
أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ
وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَتِهِ، وَيَقْطَعَ
دَابِرَ الْكَفِرِينَ ) لِيُحِقَّ أَلْحَقَّ وَبُبْطِلَ
الْبَطِلَ وَلَوْكَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الأنفال:
٧ - ٨]. فالنفس تميل للراحة والدنيا،
والجهاد فيه المشقة، ولكن المكروه قد
يأتي بالمحبوب، والمحبوب قد يأتي
بالمکروه، والله يعلم ما لا نعلمه.
٢. النصر يكون بالطاعة والتسليم لله،
والاستجابة لرسوله صلى الله عليه
وسلم: قال تعالى: ﴿يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَا تَوَلَّوْاْ عَنْهُ
وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢٠]. وقال
تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَسْتَجِيبُوا
لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْبِيكُمْ
وَأَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ اَلْمَرْءِ
وَقَلْبِهِ، وَأَنَّهُ، إِلَيْهِ مُحْشَرُونَ ﴾ [الأنفال:
٢٤ ]. فإن ما يقدره الله هو الخير، وما
يدعو إليه الرسول هو العزة والسعادة.
٣. النصر بالثبات واستحضار عظمة
الله وذكر الله عند المواجهة، فمن
صفات المؤمنين الكمل، والمجاهدين
الخلص ما بينه سبحانه وتعالى:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ أَلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ
وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ.
زَادَتْهُمْ إِيمَنَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّكَّلُونَ ﴾
[الأنفال: ٢]. وأوضح ذلك قوله تعالى:
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً
فَتْبُتُواْ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥].
٤. القتال بحاجة إلى صبر وشدة
بأس ووحدة كلمة وإعداد قال تعالى:
﴿وَأَصْبِرُوَاْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّبِرِينَ
[الأنفال: ٤٦]. وقال تعالى: ﴿وَأَعِدُواْ
لَهُم مَّا أُسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ
الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ
وَءَخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا نَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ
يَعْلَمُهُمَّ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْءٍ فِي سَبِيلِ
اَللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا نُظْلَمُونَ
[الأنفال: ٦٠].
٥. من عوامل النصر عدم التنازع
والاختلاف قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ
اَللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَا تَشَزَعُواْ فَنَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ
رِيحُكُمْ وَأَصْبِرُوَّاْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّبِينَ﴾
[الأنفال: ٤٦].
٦. الدعاء من أقوى أسلحة المؤمن
في مواجهة مكر الأعداء وكيدهم
www. modoee.com
٢٦١

حرفالغين
وعدوانهم، وهذا ظاهر في مناشدة
رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه
والتضرع إلى الله: (اللهم أنجز لي ما
وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة
فلن تعبد في الأرض)(١)، قال تعالى:
﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَأَسْتَابَ
لَكُمْ أَنِّ مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَتِكَةِ
مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩].
موضوعات ذات صلة:
غزوات الرسول مع اليهود، غزوة أحد،
غزوة الأحزاب، غزوة تبوك
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، رقم ١٧٦٣،
كتاب الجهاد والسير، باب الامداد بالملائكة
في غزوة بدر، ٣/ ١٣٨٣.
٢٦٢
القرآن الكريمِ