Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ العَقْلَةُ عناصر الموضوع مفهوم الغفلة ٣٤٠ الغفلة في الاستعمال القرآني ٣٤١ الألفاظ ذات الصلة ٣٤٢ نفي الغفلة عن الله سبحانه ٣٤٤ ٣٤٦ أنواع الغفلة ٣٥٥ إسناد الغفلة للرسول الكريم ٣٥٨ أسباب الغفلة ٣٦٣ الآثار المترتبة على الغفلة ٣٦٦ منهج القرآن الكريم في علاج الغفلة المُجَلَدَ الخَامِسْ وَالعشْرُونْ حرف الغين مفهوم الغفلة أولًا: المعنى اللغوي: ((الغين والفاء واللام، أصل صحيح يدل على ترك الشيء سهوًا، وربما كان عن عمد))(١). وعلى هذا فإن الغفلة تعني في اللغة: الترك والسهو، فيقال: ((غَفَلَ عَنْهُ يَغْفُلُ غُفولًا وغَفْلَةً، وأَغْفَلَهُ عَنْهُ غَيْرُهُ وأَغْفَلَهُ: تركه وسها عنه))(٢). وقال الراغب الأصفهاني: ((وأرض غفلٌ: لا منار بها، ورجل غفلٌ: لم تسمه التجارب، وإغفال الکتاب تر کە غیر معجم»(٣). ويتضح مما سبق أن مادة غفل تدور حول معنى: ترك الشيء سهوًا، وإذا أضيفت إليها الهمزة لتصبح أغفل، فإنها تكون بمعنى ترك الشيء عمدًا. ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: عرفها الراغب الأصفهاني بأنها: ((سهو يعتري الإنسان من قلة التحفظ والتيقظ)) (٤). وعرفها الجرجاني بأنها: ((متابعة النفس على ما تشتهيه))(٥)، ثم ذكر تعريفًا ثانيًا لأحد السلف الصالح، بقوله: ((الغفلة: إبطال الوقت بالبطالة)) (٦). وعرفها المناوي بأنها: ((فقد الشعور بما حقه أن يشعر به))(٧). (١) مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٨٦/٤. (٢) لسان العرب، ابن منظور ١١ / ٤٩٧. (٣) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٦٠٩. (٤) المصدر السابق. (٥) التعريفات، الجرجاني ص١٦٢. (٦) المصدر السابق. (٧) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص٢٥٢. ٣٤٠ جَوَيُ القرآن الكريمِ الغفلة الغفلة في الاستعمال القرآني وردت مادة (غفل) في القرآن الكريم (٣٥) مرة (١). والصيغ التي وردت، هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل الماضي ١٨ ﴿وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ, عَن ذِكْرِنَا﴾ [الكهف: ٢٨] الفعل المضارع ١ ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِّكُمْ وَأَمْتِعَتِّكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] اسم الفاعل ٢٨ ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ()﴾ [البقرة: ٧٤] ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِ غَفْلَةِ مُعْرِضُونَ مصدر ٥ * [الأنبياء: ١] وجاءت الغفلة في القرآن بمعناها في اللغة، وهي مصدر غفل، أي: ترك الشيء سهوًا، وربما كان عن عمد (٢). (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٥٠٣. (٢) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ٣٨٦/٤. www. modoee.com ٣٤١ حرف الغين الألفاظ ذات الصلة السهو: ١ السهو لغةً: هو النسيان والغفلة، وحملت المرأة ولدها سهوًا، أي: على حيض، والسهو: السكون، والمساهاة: حسن المخالفة (١). السهو اصطلاحًا: ((ذهول عن المعلوم إن خطر على البال، ويتنبه صاحبه بأدنى تنبيه))(٢). الصلة بين السهو والغفلة: من خلال التعريفين: اللغوي، والاصطلاحي للسهو يتبين صحة ما ذهب إليه الأحمد نكري بأن السهو حالة متوسطة بين الإدراك والنسيان(٣)، أما الغفلة فقد تكون عن إدراك أو نسيان أو حالة متوسطة بينهما، وعلى هذا فإن الغفلة أشمل من السهو. النسيان: ٢ النسيان لغة: ترك الإنسان ضبط ما استودع؛ إما لضعف قلبه، وإما عن غفلة، وإما عن قصدٍ؛ حتى ينحذف عن القلب ذكره(٤). فالنسيان ضد الذكر والحفظ، والنسيان: الترك والتضييع والتفريط (٥). النسيان اصطلاحًا: لا يخرج عن معناه اللغوي. الصلة بين النسيان والغفلة: من خلال التعريفين اللغوي والاصطلاحي للنسيان يتبين أن النسيان هو الغفلة عن الذي لا يأثم عليه المسلم، ولا يثاب على تركه أيضًا، أما الغفلة فقد تكون عن إدراك أو نسيان أو حالة متوسطة بينهما، وعلى هذا فإن الغفلة أشمل من النسيان. (١) انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص ١٢٩٨، مجمل اللغة، ابن فارس ص ٤٧٥. (٢) مقاليد العلوم، السيوطي ص ٦٥. (٣) انظر: جامع العلوم في اصطلاحات الفنون ١٣٩/٢. (٤) المفردات ٢ / ٦٣٤. (٥) انظر: جامع البيان، الطبري ١٥٥/٥، إصلاح الوجوه والنظائر ص ٤٥٤ -٤٥٥، نزهة الأعين النواظر ص ٥٧٩ - ٥٨٠. ٣٤٢ جوسين القرآن الكريم الغفلة الذكر: ٣ الذكر لغة: ((ضد النسيان، ذَكَرْتُ الشَّيءَ أَذْكُرُهُ ذِكْرًا وذُكْرًا، وهُوَ مِنِّي عَلَى ذِكْرٍ وعَلَى ذُكْرٍ، والضم أعلى، وذكرته ذكرًا حسنًا. وذكَّرتُكَ الله أن تفعل كذا وكذا كالقسم))(١). الذكر اصطلاحًا: استحضار الله تعالى في سكنة من السكنات، أو في حركة من الحركات. الصلة بين الذكر والغفلة: من خلال التعريفين اللغوي والاصطلاحي للذكر يتبين أنه مرتبط بالغفلة، من حيث إن من ترك الذكر فقد دخل في وحل الغفلة، التي هي محل ترك معية الله تعالى ونصرته، أما الغفلة فهي متابعة النفس على ما تشتهيه، فلا يتداخل الذكر مع الغفلة، فهما نقيضان. السمد: ٤ السمد لغةً: اللهو، فالسامد هو اللاهي؛ لأن اللاهي يمضي في أمره غير معرجٍ ولا متمكثٍ(٢). السمد اصطلاحًا: لهوٌ يعترض من يمضي في طريقه غير متريث ولا عالم بما يريد، ولا ما سيحل له. الصلة بين السمد والغفلة: من خلال التعريفين اللغوي والاصطلاحي للسمد تبين أنه يفيد اللهو بسبب عدم معرفة الواقع، وعدم معرفة عواقب الأمور، أما الغفلة فقد تكون عن إدراك أو نسيان، أو حالة متوسطة بينهما، وعلى هذا فإن الغفلة أشمل من السمد. (١) جمهرة اللغة، ابن دريد ٢/ ٦٩٤. (٢) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣/ ١٠٠. www. modoee.com ٣٤٣ حرف الغين نفي الغفلة عن الله سبحانه نزه الله تعالى نفسه الكريمة عن الغفلة في كتابه، وسوف نتناول ذلك بالبيان فيما یآتي: أولًا: حفظ الله لأعمال العباد: ورد في القرآن الكريم ما فيه تنزيه لله تعالى عن غفلة أعمال العباد في الدنيا، من ذلك قوله تعالى: ﴿أَمْ نَقُولُونَ إِنَّ إِنَّهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُواْ هُودًّا أَوْ نَصَرَىُّ قُلْ ءَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَدَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا ◌َللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٠]. فقد زعمت اليهود والنصارى أن هؤلاء الأنبياء -عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام- كانوا هودا أو نصارى، فيخاطب الله تعالی نبیه محمدًا صلی الله عليه وسلم؛ ليقول لهم: هل أنتم أعلم بهؤلاء الأنبياء أم الله تعالى المنزه عن كل نقص. ثم تبين الآية الكريمة - بصيغة الاستفهام التقريري- أنه ليس هناك أظلم ممن كتم الإسلام وهو يعلم أنه دين الله تعالى، وكتم محمدًا صلى الله عليه وسلم وهو يعلم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاليهود والنصارى يجدون ذلك مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، ومع ذلك يتبعون الأهواء (١)، وجاءت الفاصلة في الآية الكريمة بالنفي المحض للغفلة في حق الذات العلية المنزه عن أية منقصة، ولعل السبب في التذييل بنفي الغفلة عن عملهم أنهم لم يكتفوا بالقول والكتم في القلب؛ بل إن ذلك الافتراء منهم تعدى إلى جوارحهم، والله أعلم. وقد وردت آیة کریمة تبین أن الله تعالى قد جعل درجات لعمل الخلق، وأنه ليس بغافل عنهم، وهي قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍ دَرَجَتٌ مِّمَا عَمِلُواْ وَمَا رَبُّكَ بِفَفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٢]. والمعنى: إن الآية السابقة بينت أن الله تعالى لا يهلك أمة بظلم فعلته وهم غافلون، وليس ربك الله المالك المتصرف في شؤون خلقه بغافل عما يعمل خلقه من الثقلين: الإنس والجن، فيجزي من استحق النار بالنار، ويثيب من استحق الجنة بالجنة رحمةً منه -تبارك وتعالى-، والدليل على أن الجن لهم ثواب وعقاب الإنس نفسه هو قوله تعالى: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ اَلْقَوْلُ فِيَّ أُمَّرِ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ لَئِنَّ وَالْإِنِّ إِنَّهُمْ كَانُوْ خَسِرِينَ ﴿ وَلِكُلِّ دَرَحَتُ بِمَّ عَمِلُواْ وَلِيُوَفِيَهُمْ أَعْمَلَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأحقاف: ١٨-١٩] (٢) . (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم ٢٤٦/١. (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٤٤ جوب القرآن الكريم الغفلة وقوله: ﴿يَعْمَلُونَ﴾، حيث قرأ ابن وقد وردت في سياق شهادة هؤلاء اليهود عامر وحده: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ على الخطاب، وقرأ الباقون: ﴿يَعْمَلُونَ﴾، وحجة كافة القراء عدا ابن عامر أن الآية السابقة في سياق الغيبة(١). ثانيًا: توفية الجزاء من الله لعباده: وقد ورد في القرآن الكريم ما يثبت أن الله تعالى يوفي الجزاء لعباده على جميع الأعمال خيرها وشرها، ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءٍ تَقْخُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَهَرُونَ عَلَيْهِم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ وَإِن يَأْتُكُمْ أُسَكَرَىِ تُفَدُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمُ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِنَبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضِّ فَمَا جَزَّآءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِىٌ فِى الْحَيَوْةِ الدُّنْيَاً وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٨٥]. فإن هذه الآية الكريمة وردت في سياق الحدیث عن بني إسرائيل، حيث أخذ الله عليهم العهد الموثق بالأيمان ألا يسفك بعضهم دماء بعض، وألا يخرجوا أنفسهم من ديارهم، ثم أقروا على أنفسهم، وحال يهود عصر الرسول محمد صلى الله عليه وسلم أنهم يشهدون على هذا الإقرار، ٧/ ٨٧، لباب التأويل، الخازن ١٥٩/٢. (١) انظر: حجة القراءات، ابن زنجلة ص٢٧٢. في عصر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على هذا الميثاق الذي أخذ على أسلافهم، تأنيبًا لهم على تضييع أحكام ما في أيديهم من التوراة التي کانوا یقرون بحكمها، ثم هم أمام هذا العهد الموثق بالأيمان (الميثاق) ينقضونه بطريقة سيئة، ولا يلتزمون بأي من بنوده، وليس الأمر إلى هذا الحد، بل إنهم يعلقون هذا الإخلال بأنه -زعمًا منهم- حكم التوراة، والله تعالى يسألهم؛ تأنيبًا لضمائرهم: أفتؤمنون ببعض التوراة، وتكفرون بالبعض الآخر، فتؤمنون بمفاداة الأسرى التي في التوراة، ولكن في التوراة أيضًا عدم القتل لأنفسهم، وعدم الإخراج من الديار، من يشرك بالله تعالى، ويعبد الأوثان من دونه ابتغاء عرض من عرض الدنیا، فبهذا كله يكفر اليهود رغم أنه في التوراة أيضًا، وهم يعلمون ذلك(٢). ويبين الله تعالى أن من يفعل فعلة بني إسرائيل القدامى، كما فعل اليهود في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم حينما غدروا ونكثوا عهودهم، فإن لهم عقوبة الخزي في الحياة الدنيا، كإخراج بني النضير إلى الشام، وقتل بني قريظة، وقتل مقاتلتهم وسبي ذراريهم، والأمر الأصعب هو أن (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٠٣/٢، تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين ١/ ١٥٧. www. modoee.com ٣٤٥ حرفالغين الذي أصابهم في الدنيا من الخزي والعقوبة لم يكن كفارة لذنوبهم ولكنهم: ﴿وَيَوْمَ اَلْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ ولا يخفى على الله تعالى من أعمالهم شيء، فيجازون بأعمالهم. ثم تستأنف الآية التالية لها ببيان صفاتهم، ومن ثم حالهم، بقوله: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَشْتَرَوْاْ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ﴾ يعني: اختاروا الدنيا على الآخرة؛ ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْيُنصَرُونَ﴾، أي: ليس لهم مانع يمنعهم من عذاب الله تعالى في الآخرة(١). أنواع الغفلة ذكر القرآن الكريم نوعين من الغفلة: الغفلة الممدوحة، والغفلة المذمومة، وسوف نتناولهما بالبيان فيما يأتي: أولًا: الغفلة الممدوحة: الغفلة إذا أطلقت فإنها تعني تلك الصفة المذمومة التي هي السهو والنسيان وقلة من التحفظ والتذكر، لكن القرآن الكريم بين أن الطهارة والعفة هما بمثابة غفلة عن الحرام وغضب الله تعالى، كما ورد ذلك في شأن المؤمنات الطاهرات اللاتي يقع عليهن الإيذاء من الأفاكين الذين يشيعون الفحشاء والمنكر. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَتِ الْفَهِلَتِ الْمُؤْمِنَتِ لُعِنُواْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ٢٣]. وهذه الآية تأتي في سياق بيان طهارة أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهما، فبعد أن ذكرت الآية السابقة تحبيب العفو والصفح من أبي بكر الصديق رضي الله عنه على مسطح؛ رجاء مغفرة الله تعالى ورحمته، وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يكرمه بما أعطاه الله، وحينما قذف ابنته زوج رسول الله صلی الله عليه وسلم أمنا عائشة رضي الله عنها، وأقيم علیه حد القذف، منعه أبو بكر الصديق رضي الله عنه (١) انظر: تفسير السمرقندي ٧١/١، تفسير القرآن، السمعاني ١/ ١٠٤. ٣٤٦ جَوَسُورَةُ النَّقسيمة القرآن الكريم الغفلة من عطاء الله الذي آتاه، فلما نزلت الآية ومكان، ومن هذه المبادئ: الثانية والعشرون من السورة قال: بلى أحب أن يغفر الله لي، ورجع إلى وصل مسطح، ثم تأتي الآية التالية؛ لتبين أن من يقذف الطاهرات العفيفة كأم عبد الله عائشة رضي الله عنها فعليه لعنة في الدنيا والآخرة، ويضاف إلى اللعنة ﴿عَذَابٌ﴾، وصفته الآية بأنه ﴿عَظِيمٌ﴾ ورغم أن هذه الآية الكريمة نزلت في حق أمنا عائشة رضي الله عنها، إلا أنها عامة في حق كل غافلة عن الفواحش، وعقاب من یقذفهن(١)؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ابتلي هذا الابتلاء العظيم في أهل بيته؛ لتترسخ في شريعتنا مبادئ الغفلة المحمودة، الدالة على سماحة الإسلام الحنيف، فرسول الله صلى الله عليه وسلم يتهم في عرضه، فعائشة رضي الله عنها زوجه، وأبوها الصديق، ومن اتهمت فيه لم یعهد علیه إلا كل خيرٍ، والصحابة رضي الله عنهم في حيرة من أمرهم، والوحي انقطع عن رسول الله صلی الله علیه وسلم شهرًا. إن كل أحداث ذلك الابتلاء إنما كان لأجل ترسيخ المبادئ العامة للغفلة المحمودة، التي تظل فاعلةً في كل زمان (١) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ٨١/٧، الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب ٨/ ٥٠٥٢، إرشاد العقل السليم، أبو السعود ١٦٥/٦. ١. أن يترسخ في القلوب والأذهان بأن ذلك الابتلاء هو عین الخیر. تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُو بِآلْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُوْ لَا تَّْسَبُوهُ شَرَّا لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمَّ يِكُلِّ أَمْرِيٍ مِّنْهُم مَّا أَكْتسَبَ مِنَ الْإِثْمِّ وَالَّذِى تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَّهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١١]. فقد سمي من هؤلاء الذين جاؤوا بالإفك: حسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش (١). ومع ذلك فإن هؤلاء الصحابة استمروا على إيمانهم، ويوصفون بأنهم الرعيل الأول، وهذا يعلم الأمة جميعًا أن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وأنه ليس بأفضل من طاعة الله تعالى فيمن عصى الله في ذلك المطيع، كما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم مع من رموا أم المؤمنين رضي الله عنها وصفوان بن المعطل رضي الله عنه، وكما كان من أبي بكر الصديق رضي الله عنه في التعامل الطيب الكريم مع مسطح بن أثاثة بعد الخطاب القرآني: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُواْ أُوْلِ الْقُرْبَ وَالْمَسْكِينَ وَالْمُهَجِرِينَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَحْفُواْ وَلْيَصْفَحُوْاْ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ ﴾ [النور: ٢٢](٣) . (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١١٩/١٩. (٣) انظر: فتح البيان، صديق خان ١٨٩/٩. www. modoee.com ٣٤٧ حرفالغين وإن مثل هذا الخلق الرفيع من رسول الله صلی الله عليه وسلم وأبي بكر الصديق رضي الله عنه إنما له صفة التغافل في القلب واللسان لمصلحة الدعوة الإسلامية، وهو جزء لا يتجزأ من الغفلة المحمودة. وإظهار الخير، كما أن القرآن الكريم يبين أن المؤمنین بسبب سلبیتهم و غفلتهم عن ذلك الدور المنوط بهم، فقد وقعوا في الحرج في أخص خصوص الدين، وهو عرض الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وهذا ٢. حسن الظن برسول الله صلى الله يعلم المؤمنين جميعًا على اختلاف أزمانهم وأماكنهم أن يقوموا بواجبهم في الدفاع عن عليه وسلم، وأهل بيته، والمؤمنين بعضهم لبعض. الدين، وليس بردود الأفعال التي قد تكون ملاحقة لخيوط الشر، ومن ثم الوقوع في فخوخه. قال تعالى: ﴿أَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرٌ وَقَالُوْ هَذَآ إِفْكٌ مُّبِينٌ﴾ [النور: ١٢]. وهي معاتبة إلهية لأولئك المؤمنين؛ لأنهم لم يتحركوا التحرك الذي ينشر حسن الظن برسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته والمؤمنين جميعًا، فلو أنهم بمجرد سماعهم لهذا الخبر أحسنوا الظن بإخوانهم كلهم خيرًا، وبينوا أن هذا الحدث إنما هو كذبٌ بين، ويبين الله تعالى أن ذلك التصرف الذي كان يتوجب على المؤمنين بدهيٌّ ولا يحتاج إلى مزيد كلفة من التفكير؛ فلا يوجد أربعة شهداء، فإذا لم يوجد شهداء فمن قذف هو الكاذب(١). ولا شك أن هذا الأمر هو من أهم مبادئ وأسس الغفلة المحمودة، فإحقاق الحق وإبطال الباطل إنما ذلك إغفال للشر، (١) انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين ٢٢٥/٣. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩/ ١٣٣. ٣٤٨ جَوْنُوبَةُ النَّقِبـ القرآن الكريمِ يعظكم الله أن وأما تفسير قوله تعالى: تَعُودُ واْ لِمِثْلِ أَبَدًا إِنَ كُمْ مُؤْمِينَ﴾ [النور: ١٧]. فقد ذكر القرآن الكريم أن من وقفوا موقف الحدیث بغير علم والتكلم باللسان دون التفكير بالقلب تجاه هذا الانتهاك الصارخ تجاه عرض الرسول محمد صلى الله علیه وسلم، بأنهم یذکرهم الله تعالی بآيات الكتاب المبين؛ حتى لا يعودوا لمثل الفعل الذي فعلوه، ثم تذيل الآية بأسلوب الإلهاب والإغراء لصفة الإيمان، فيقول تعالى: ﴿إِن كُمْ مُؤْمِينَ﴾، أي: إن كنتم تعتبرون وتتعظون بعظات الله تعالى، وتأتمرون لأمره، وتنتهون عن نهيه(٢). فإن كنتم كذلك فلا تعودوا لما وقعتم به. وعدم الشعور الصادق بحجم مصاب المسلمین هو بحد ذاته غفلة؛ ولذلك وجد الغفلة من الصحابة من تحرك تجاه هذا المصاب الأليم، وهذه بعض مواقف منهم: الموقف الأول: شهادة أسامة بن زيد رضي الله عنه بأنه لم يعلم عنها إلا كل خير، فقد جاء في صحيح البخاري: (فأما أسامة فقال: أهلك ولا نعلم إلا خيرًا)(١). الموقف الثاني: موقف الجارية بريرة، وذلك فيما روت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، حيث قالت: (وقالت بريرة: إن رأيت عليها أمرًا أغمصه أكثر من أنها جاريةٌ حديثة السن، تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن، فتأكله)(٢). الموقف الثالث: قول الرسول صلى الله عليه وسلم عمن آذاه في أهل بيته، وردة فعل الصحابة رضي الله عنهم، حيث قال عليه السلام: (من يعذرنا في رجلٍ بلغني أذاه في أهل بيتي، فوالله ما علمت من أهلي إلا خیرًا، ولقد ذکروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرًا)(٣). إن كل ما حدث في هذه الحادثة الصعبة (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشهادات، باب إذا عدل رجل أحدًا، فقال: لا نعلم إلا خيرًا، أو قال: ما علمت إلا خيرًا ١٦٧/٣، رقم ٢٦٣٧. (٢) المصدر السابق. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشهادات، باب إذا عدّل رجل أحدًا، فقال: لا نعلم إلا خيرًا، أو قال: ما علمت إلا خيرًا ١٦٧/٣، رقم ٢٦٣٧. على المسلمين عامة، إنما كانت بتقدير الله تعالى وعلمه؛ حتى تترسخ في الأذهان والقلوب وجوب الذب عن الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، ومن ثم التقدير والتبجيل والاحترام لهم في شتى المنابر، ومن أعظم أنواع الاحترام لهم السير على نهجهم، فهم السلف الصالح، وهم خير القرون، وإن اتباع هذا المنهج، والانسلاخ عن منهج الباطل والإغفال عنه، هو قمة الالتزام بشرع الله تعالى . ثانيًا: الغفلة المذمومة: سبقت الإشارة أن الغفلة في السياق القرآني -غالبًا- تکون مذمومة، باستثناء ما ذكر في ذلك الكلام السابق، وسيتم التركيز - إن شاء الله تعالى- فيما سيأتي على أنواع الغفلة المذمومة، وذلك كالآتي: ٣. الغفلة عن التفكر في آيات الله الكونية والشرعية. ورد ذلك في آيات، منها: قوله تعالى: فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْتَهُمْ فِ اَلْيَمِ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِشَايَدِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَفِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٦]. والمعنى: رغم كل الآيات الكونية والشرعية التي نزلت إلى فرعون وقومه، بما من شأن أي إنسان يراها ويلمسها أن يؤمن بالله تعالى، إلا أنهم بارزوا الله تعالى بالكفر، www. modoee.com ٣٤٩ حرفالغين ونكث العهود لمرات عديدة، فاستحقوا النكال، بانتقام الله تعالى منهم انتقامًا ليس کذلك الذي کان الله تعالی یؤذیهم به، بل انتقام إهلاك؛ لأنهم وصلوا إلى محض العناد، وهذا الانتقام هو الإغراق في البحر؛ بسبب أنهم كذبوا بآيات الله تعالى الشرعية والكونية، على ما لها من العظمة بما عرف من صحة نسبتها إلى الله تعالى، ودل سبحانه علی أنھم کذبوا بغیر شبهةٍ عرضت لهم، بل عنادًا بقوله: ﴿وَكَانُواْ﴾ أي: جبلةً وطبعًا عن هذه الآيات ﴿فَفِينَ ﴾، فحالهم بعد هذه الآيات التي نزلت، كحالهم قبلها؛ فکان ھذہ الآيات لم تأتهم أصلا، فاستحقوا الأخذ بالعقاب(١). ٤. الغفلة عن الآخرة وما فيها من أورده أبو سعيد الخدري رضي الله عنه، عن حساب وجزاء. ورد ذلك في آيات، منها: ما ورد في كتاب الله تعالى ما يبين أن الكفار يقتصر فهمهم على ظاهر الحياة الدنيا، وأن الآخرة ليست في حسابات هؤلاء الكفار، فهم عنها غافلون، وهذه الآية هي قوله تعالى: ﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَوَةِ الدُّنْيَاوَهُمْ عَنِ اَلْأَخِرَوْهُمْ غَفِلُونَ﴾ [الروم: ٧]. فقد بين الله تعالى في الآيات السابقة أنه وعد المؤمنين بنصر الله، وأن وعد الله لا خلف فيه، ولكن أكثر الناس لا يعلمون (١) انظر: نظم الدرر، البقاعي ٤٣/٨. حقيقة هذا الوعد، وتبين هذه الآية سبب عدم علمهم بوعد الله تعالى، وهو أن «علمهم منحصرٌ في الدنيا، وأيضًا لا يعلمون الدنيا كما هى، وإنما يعلمون ظاهرها، وهي ملاذها وملاعبها، ولا يعلمون باطنها، وهي مضارها ومتاعبها، ويعلمون وجودها الظاهر، ولا يعلمون فناءها))(٢)، وهم عن الدار الآخرة غافلون غفلةً هم سببها؛ إذ إن جميع جوانب الهداية حاصلة عندهم، وفي ذاکرتهم، ومع ذلك فإنهم قد آثروا أن يكونوا في غفلةٍ عن الخير؛ بدافع أهوائهم (٣). وقوله تعالى: ﴿وَأَنَذِرْهُمْ يَوْمَ اْحَسْرَةِ إِذْ قُضِىَ اَلْأَمْرُ وَهُمْ فِ غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩]. ورد في تفسیرها حدیث شریف، وهو ما رسول الله صلی الله عليه وسلم قال: (يؤتى بالموت کھیئة کبش أملح، فينادي منادٍ: یا أهل الجنة، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، ثم ينادي: يا أهل النار، فيشرئبون وينظرون، فيقول: وهل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، فیذبح ثم يقول: يا أهل الجنة خلودٌ فلا موت، و یا أهل النار خلود فلا موت، ثم قرأ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ اْحَسْرَةِ إِذْ قُضِىَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِ (٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٥/ ٨١. (٣) انظر: المصدر السابق. ٣٥٠ القرآن الكريمِ الغفلة غَفْلَةٍ﴾ [مريم: ٣٩]. وهؤلاء في غفلة أهل الدنيا ﴿وَهُمْلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩])(١). وفي رواية مسلم: (وأشار بيده إلى النار)(٢). وهذا التفسير يبين خطر الغفلة التي تحل على من يقضي حياته في غير الإيمان بالله، بل ولربما يكذب ويحارب هذا الغافل دين الله تعالى، فربط الغفلة بالآخرة أمر مهم؛ حتى يذكر هذا الغافل بالله تعالى، وأنه سيبعث بعد موته لهذه الدار الآخرة: إما إلی جنة أو إلی نار، وعندما يذبح الموت، ويخلد من استقر في النعيم على ما هو عليه، فلا موت لنعیمه فضلًا عن حياته، وهكذا أهل النار يخلدون فيها، فلا موت لتعذبهم فضلا عن حياتهم. وقد ورد في القرآن الكريم ما يبين اقتراب الوعد الحق الذي هو القيامة، مع بيان طبيعة حال الكافرين يومئذٍ وتحسرهم؛ لأنهم كانوا في غفلة من ذلك اليوم، واعترافهم الواضح بأنهم كانوا ظالمين لأنفسهم، ومتجاوزين لكل الحدود، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِىَ شَخِصَةُ (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب قوله: (وأنذرهم يوم الحسرة)، ٦/ ٩٣، رقم ٤٧٣٠. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء، رقم ٢١٨٨/٤،٢٨٤٩. أَبْصَدُ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَنَوَيْلَنَا قَدْكُنَّافِ غَفْلَةٍ مِنْ هَذَابَلْ كُتَّاظَلِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٧]. يا ويلنا قد كنا نغفل عن ذلك اليوم رغم أنه الحق، بل إننا كنا ظالمين لأنفسنا بمعاصينا، ووضعنا العبادة في غير مواضعها(٣). ومن المعلوم أن هذه الآية ذكرت في سياق بيان حكمة الله تعالى في خلقه الكافرين الذين حق عليهم الهلاك، فهم لا رجعة لهم إلى الدنيا، ثم بيان بعض علامات الساعة، ومنها يأجوج ومأجوج الذين هم من كل حدب ينسلون، فإن هذه الشواهد وغيرها مما ذكر سابقًا في الآية المذكورة يدلل على مدى الغفلة التي وقع فيها أولئك الكافرون، فلم يملكوا إلا الاعتراف الصريح بغفلتهم وعدم انتباههم لكل الإشارات التحذيرية التي كانت تساق إليهم؛ لعلهم يرجعون عن ظلمهم وتجاوزهم للحدود. وأما قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كُنتَ فِ غَفْلَةٍمِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢]. فهذه الآية توضح أن الإنسان الكافر بعد أن يرى بعضًا من أهوال يوم القيامة يخاطبه الله تعالى بقوله: «لقد كنت في غفلة من هذا الذي عاينت اليوم - أيها الإنسان- من الأهوال والشدائد، ﴿فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ﴾ (٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٤٢/١١، روح المعاني، الألوسي ٨٨/٩. www. modoee.com ٣٥١ حرفالغين يقول: فجلينا ذلك لك، وأظهرناه لعينيك، حتى رأيته وعاينته، فزالت الغفلة عنك))(١). ٥. الغفلة عن الذكر وتدبر كتاب الله تعالى. وقد ورد في القرآن الكريم ما يبين خطر الغفلة عن الدعاء الذي هو العبادة والذكر في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَلَيْهِمْ غَفِلُونَ﴾ [الأحقاف: ٥]. فلا أحد أشد ضلالة من الذي يدعو من دون الله تعالی «حجرًا لا یستجيب له إذا يعبدونها غافلة عن دعاء هؤلاء الكفار، لا تعقل ولا تفهم»(٢). إن هذه الآية الكريمة بينت وحذرت أولئك الغافلین بأن ما يعبدون من دون الله تعالى هي أصلًا غافلة عما يدعو هؤلاء الكفار، فإنهم قد فعلوا ما ينكره العقل ابتداءً فضلا عن عدم تلبيتهم نداء ربهم، فإن هؤلاء الكفار قد دخلوا في وحل الغفلة من أوسع أبوابها، فاستحقوا أن يوصفوا بأنهم أشد الخلق ضلالةً. ٦. الغفلة عن عهد الله تعالی ومیثاقه. وقد ورد ذلك جليًّا في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِيّ ءَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِْ (١) جامع البيان، الطبري ٣٥٠/٢٢. (٢) الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب ٦٨١٣/١١. ذُرِّيََّهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَنْ شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَفِلِينَ (١) أَوْ نَقُولُواْ إِنَّا أَشْرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّاذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَتِ وَلَعَلَّهُمْ ١٧٣ اَلْمُبْطِلُونَ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٢ - ١٧٤]. فإن هذه الآيات الكريمة تبين الميثاق الأول الذي أخذ على بني آدم، وهم في عالم الذر، فيقول الله تعالى: واذكر يا محمد صلی الله عليه وسلم حین (استخرج ولد آدم من أصلاب آبائهم، فقررهم بتوحيده، دعاه أبدًا، ولا ينفعهم، وتلك الحجارة التي وأشهد بعضهم على بعض شهادتهم بذلك، وإقرارهم به» (٣). فقال الله تعالى لهم: ألست بربكم الذي يستحق العبادة وحده؟ فقالوا جمیعًا: بلى، شهد بعضنا على بعض، فأقروه بذلك والتزموا، ثم يذكر الله تعالى عذرين باطلين لهما، الأول: القول من المقرين بوحدانية الله تعالى إنا كنا لا نعلم ذلك، وكنا في عدم انتباه من ذلك، فهذا باطل؛ لأنهم مشهود عليهم بما أقروه وهم في عالم الذر؛ فهم مولودون على هذه الفطرة، ولا مجال لهم للتذرع بالغفلة. والعذر الآخر قول هؤلاء المقرين في عالم الذر بوحدانية الله تعالى: إنما ولدنا فوجدنا آباءنا مشرکین، فاتبعنا منهاجهم، أفتهلكنا يا ربنا بإشراك من أشرك (٣) جامع البيان، الطبري ٢٢٢/١٣. ٣٥٢ الْقُرآن الكَرِيمِ الغفلة من آبائنا، واتباعنا منهاجهم على جهل منا فأخذوا السلاح، قال: فصففنا خلفه صفین. بالحق؟!(١). ٧. الغفلة عن تربص الأعداء. وَإِذَا وقد ورد ذلك فى قوله تعالى: كُنْتَ فِيهِمْ فَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَوَةَ فَلْنَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوَاْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآبِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةُ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُ واْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً وَاحِدَةٌ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذَى مِّنِ مَّطَرٍ أَوْ كُنْتُمِ مَّرْضَى أَنْ تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٠٢]. أخرج أحمد، وأبو داود، والنسائي عن أبي عياش الزرقي قال: (كنا مع رسول الله صلی الله عليه وسلم بعسفان، فاستقبلنا المشركون، عليهم خالد بن الوليد، وهم بيننا وبين القبلة، فصلی بنا النبي صلى الله عليه وسلم الظهر، فقالوا: قد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم، ثم قالوا: تأتي عليهم الآن صلاةٌ هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم. قال: فنزل جبريل عليه السلام بهذه الآيات بين الظهر والعصر: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَوَةَ ﴾ قال: فحضرت، فأمرهم رسول الله صلی الله عليه وسلم، (١) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٢١٨/٥. قال: ثم ركع وركعنا جميعًا، ثم رفع، فرفعنا جمیعًا، ثم سجد النبي صلى الله عليه وسلم بالصف الذي يليه، والآخرون قيام يحرسونهم، فلما سجدوا وقاموا، جلس الآخرون، فسجدوا في مكانهم، ثم تقدم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، وجاء هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، قال: ثم رکع، فرکعوا جمیعًا، ثم رفع، فرفعوا جميعًا، ثم سجد النبي صلى الله عليه وسلم والصف الذي يليه، والآخرون قيام يحرسونهم، فلما جلس، جلس الآخرون فسجدوا ثم سلم عليهم، ثم انصرف، قال: فصلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين: مرة بعسفان، ومرة بأرض بني سليم) (٢) (٣). ومن الآية وسبب نزولها تعرف كيفية صلاة الخوف، ویتبین أيضًا أن من أساسيات الالتزام بالدين ألا يغفل المؤمن عن تربص الأعداء؛ ولذا شرعت صلاة الخوف لأهداف عظيمة، منها: اغتنام فرصة وجود (٢) أخرجه الإمام في مسنده، ٢٧/ ١٢٠، رقم ١٦٥٨٠، وأبو داود في سننه، كتاب الصلاة، تفريع صلاة المسافر، باب صلاة الخوف، ١١/٢، رقم ١٢٣٦، والنسائي في سننه، كتاب صلاة الخوف، ١٧٦/٣ رقم ١٥٤٩. قال محقق المسند: ((إسناده صحيح، رجاله ثقات، رجال الشيخين، غير أن صحابيه لم يخرج له سوى أبي داود والنسائي)). (٣) المحرر في أسباب نزول القرآن، خالد المزيني ٤٣٤/١ . www. modoee.com ٣٥٣ حرفالغين النبي محمد صلى الله عليه وسلم في من أعظم ما دل على ذلك قوله تعالى عن ﴿نِالْيَوْمَ نُنَجِّكَ بِبَدَنِكَ فرعون وجثته: المعركة، ومن ثم الفوز بالجماعة خلفه، ومن الأهداف: بيان أهمية الجماعة حتى في المعارك، ولكن في حالة الخوف، بكيفية تضمن - بعد توفيق الله تعالى - عدم ميل الأعداء على المؤمنین میلةً واحدةً، ومن هنا يتبين أن الغفلة عن تربص الأعداء مذمومة بكل المقاييس، وليس أدل على هذا من تذييل الآية بقوله: ﴿وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ﴾ ثم بیان أن الله تعالی أعد وهیاً للكافرين عذابا سيهينهم بإذنه تعالى (١). إن أعداء الله تعالى قد دأبوا على النيل من الموحدین، فهم يسعون لإضعاف المؤمنین، والاجتهاد في نزع سلاح المجاهدین، الذین هم تحت راية الإمام، والذين هم يدافعون عن دين الله تعالى؛ ولذا فإن الله تعالى شرع صلاة الخوف، وبين خطر الغفلة عن السلاح؛ حتى لا يقع المسلمون فريسةً سهلة للكفار. يقول تعالى: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً وَحِدَةً ﴾. ٨. الغفلة عن الاعتبار من سير السابقين. والمشكلة فيهم، هي أنهم یشهدون على إن قصص القرآن وكذلك أمثاله وأقسامه ذلك الصد والافتراء؛ ولذلك حسن أن تكون الخاتمة بتنزيه الله تعالى عن الغفلة؛ دلت باستفاضة على وجوب الاتعاظ، وإن (١) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ١/ ٤٦١. لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةٌ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ ءَايَئِنَا لَغَفِلُونَ﴾ [يونس: ٩٢]. حيث إن هذه الآية دلت على أن غالبية الناس يغفلون عن آيات الله تعالى التي هي مدعاة للحجر والشجر أن يصدع لها من خشية الله تعالى، رغم أن قصة فرعون وبقاء جثته خير دليلٍ وآيةٍ على قدرة الله تعالى. ٩. الغفلة عن حسن التعامل مع الخلق. وقد ورد ذلك جليًّا في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَتَأَهْلَ اُلْكِنَبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِفَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ٩٩]. حيث يأمر الله تعالى نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم بأن يستفهم من أهل الكتاب من اليهود والنصارى؛ لغرض الزجر والاتعاظ: فلم هؤلاء يصدون الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا سئلوا عنه، قالوا: لا نجده، كذبًا منهم وصدودًا، وهم يرجون بمكة غير الإسلام؛ بل يريدون لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم هلاكًا؟!(٢). (٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم ٧١٧/٣. ٣٥٤ القرآن الكريمِ الغفلة لأن أهل الكتاب غارقون في الغفلة، غير منتبهين لما سيؤولون إليه من العناء والشدة، إن هم أصروا على إجرامهم. إسناد الغفلة للرسول الكريم تنبغي الإشارة إلى أن الغفلة المنسوبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ليست تلك التي يحاسب المرء عليها، أو التي هي منقصة تحل بالمرء إن وصف بها، فهي خارجة عن إرادة البشر ومعرفتهم عمومًا؛ إذ إنها مرتبطة بالفطرة من جهة، وبما حدث قبل ولادته صلى الله عليه وسلم من جهة أخرى. وسنذكر -إن شاء الله- آيات الغفلة المنسوبة إلى رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، من خلال ثلاث نقاط، وذلك فيما يأتي: ١. الغفلة قبل إرساله صلى الله عليه وسلم وإنزال القرآن عليه. وقد ورد ذلك جليًّا في قوله تعالى: ﴿ فَحْنُ نَقُصُ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَاً إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ، لَمِنَ الْفَفِلِينَ﴾ [يوسف: ٣]. فإن سورة يوسف عليه السلام من أولها إلى نهايتها تتحدث عن قصة ذلك النبي الذي خلد القرآن الكريم ذكره في اسم هذه السورة، فإن هذه الآية تذكر أن الله تعالى القدوس يقص على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ومن ثم على أمته أحسن القصص من خلال هذا القرآن الكريم الموحى إليه، www. modoee.com ٣٥٥ حرفالغين ثم تأتي الفاصلة ببيان أن هذه القصص الفضلى في حسنها وإحکام دلائلها وعبرها، ما كان النبى محمد صلى الله عليه وسلم لينتبه إليها، أو أن يعلمها إلا بعد ذكرها في القرآن الكريم (١)، فإن هذه الآية الكريمة تبين أن الغفلة مفهوم دقیق، ينتسب إليه كل الخلق، ولو نجا منه أحدٌ لكان الأولى بذلك نبينا محمد صلی الله عليه وسلم، مع التذكير بأن غفلة الرسول صلی الله عليه وسلم مما لا یحاسب علیه الخلق، ولا ینسب عيبًا. وقد بينت آية أخرى أن مما غفل عنه الرسول صلى الله عليه وسلم معرفة دقائق ما ذكره القرآن الكريم قبل إنزاله؛ لبيان عجز الخلق، وأنه ما علا شأن مخلوق فإنه يبقى بحاجة إلى خالقه. فقد قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ نَّدْرِى مَا الْكِتَبُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَهُ نُورًا تَّهْدِى بِهِ، مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَاً وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]. وتبين هذه الآية الكريمة أن أعظم طرق الوصول إلى الله هو التمسك بذلك القرآن الکریم الذي هو روح من لدن رب العالمین، فهو الهادي للتي هي أقوم، فقد كان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم غافلًا عن ذلك القرآن وذلك الإسلام، ولكنه ضياء من (١) انظر: تفسير السمر قندي ١٧٨/٢. الظلمات بشتى صورها؛ ولأنه صلى الله علیه وسلم ملتزم بتبليغ دعوة الله تعالی بما في ذلك النور الذي يشع من القرآن الكريم، فقد وصف صلی الله عليه وسلم بأنه يرشد إلى الاستقامة(٢). ٢. نهيه عليه السلام ومن تبعه عن الغفلة. وقد ورد في القرآن الكريم ما يدلل على أن الله تعالى نهى سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم عن الغفلة بشتى صورها، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُ رَبَّكَ فِ نَفْسِكَ تَضَرُّهَا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ اَلْفَفِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]. حيث أمرت الآية السابقة المؤمنين كافة أن يحسنوا الاستماع والإنصات للقرآن الکریم إذا قرئت آیاته المتلوة، وبینت أنذلك سبب الرحمة الواسعة من الله تعالى، وتأمر هذه الآية الكريمة الرسول محمدًا صلى الله عليه وسلم ومن ثم جميع أمته أن يستحضروا الله تعالى في أحوالهم وأقوالهم وأفعالهم، وأن تكون حال ذلك الاستحضار بتضرع وخيفة، وأيضًا تكون القراءة غير مجهور بها في فترة الغدو والآصال، ثم تذيل الآية بنهي الرسول صلى الله عليه وسلم ومن ثم أمته (٢) انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين ٤/ ٠١٧٤ جَوْسُورَةُ النفسية القرآن الكريم ٣٥٦ الغفلة عن الغفلة، فإن ترك الذکر غفلةٌ(١)، والنهي للرسول صلى الله عليه وسلم عن الغفلة لا يقتضي أنه صلی الله عليه وسلم قد وقع بها؛ وإنما يأتي التحذير لبيان أن القدوة الحسنة المعصوم إذا كان منهيًّا عن تلك الغفلة، فمن باب أولى أن تنتهوا أيها الناس عمومًا عنها. ٣. نهيه عليه السلام ومن تبعه عن اتباع الغافلين. ورد ذلك في قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْبَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ، وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبُهُ،عَن ذِكْرِنَا وَأَتَّبَعَ هَوَنُهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرْطًا﴾ [الكهف: ٢٨]. وقد ورد في سبب نزول هذه الآية والتي قبلها، عن سلمان الفارسي رضي الله عنه، قال: جاء المؤلفة قلوبهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنهم عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس وأهاليهم، فقالوا: يا رسول الله، إنك لو جلست في صدر المجلس، ونحيت عنا هؤلاء وأرواح جبابهم - يعنون سلمان، وأبا ذر، وفقراء المسلمين، وكانت عليهم جباب الصوف لم يكن عليهم غيرها- جلسنا إليك وحادثناك وأخذنا عنك، فأنزل الله تعالى هذه الآية، (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم ٠١٦٤٧/٥ والتي قبلها، والتي بعدها(٢)، وعلى هذا فإن الآية تأمر رسولنا محمدًا صلى الله عليه وسلم، بأن يحبس نفسه مع هؤلاء الفقراء الداعين إلى الله تعالى حبس ملازمة لهم، فهم الذين لا ينفكون عن الدعاء إلى الله تعالی ليلا ونهارًا، يبتغون وجه الله تعالى، ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ أي: لا تعرض عنهم، ولو بأن تنتبه إلى غيرهم تريد زينة زائفة من هؤلاء المستكبرين الكفار(٣). يقول ابن عاشور: ((وهذا الكلام تعريض بحماقة سادة المشركين الذين جعلوا همهم وعنايتهم بالأمور الظاهرة، وأهملوا الاعتبار بالحقائق والمكارم النفسية، فاستكبروا عن مجالسة أهل الفضل والعقول الراجحة والقلوب النيرة، وجعلوا همهم الصور الظاهرة» (٤). ثم يذكر القرآن الكريم في آية قرآنية أخرى ما يحصن هؤلاء المستضعفين، وبقاءهم في حصن الدعوة، وذلك بأسلوب النهي عن طردهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطَرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ وَمَا مِنْ حِسَائِكَ عَلَيْهِم مِّن شَىْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٢]. (٢) انظر: أسباب النزول، الواحدي ص٢٩٧، لباب النقول، السيوطي ص ١٣٠. (٣) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٢٦٣/٣. (٤) التحرير والتنوير ٣٠٥/١٥. www. modoee.com ٣٥٧ حرفالغين حيث تنهى هذه الآية الكريمة نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يطرد الفقراء المسلمين الداعين إلى الله تعالى صباح مساء مبتغين وجه الله تعالى عن مجالسته، فكلٌّ له حسابه عند الله تعالى، ولست من يحاسبهم، أو يحاسب عنهم، فإن طردتهم فإنك ساعتها تكون من الظالمين(١). ولا شك أن هذه الألفاظ صعبةٌ على النبي محمدٍ صلى الله عليه وسلم لمجرد أن نفسه حدثته بمجاملة سادة قریش طمعًا في إسلامهم، ومن هنا يتبين أن الغفلة باب واسع، قد يقع به خير الناس إن اجتهد في خدمة الدعوة وأعمل عقله لحظةً، وجامل من لا يستحق المجاملة، أو انفك عمن يؤمر الداعية بملازمته من أولئك الداعين إلی الله تعالی، الغیورین علی دینه؛ ولذلك فإن كلمات الآية حاسمة في وجوب الانفكاك عمن أغفل الله تعالى قلبه عن ذكر الله تعالى، وكان أسير هواه، وكان أمره ضياءًا(٢). (١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٢٥٧ . (٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم ٢٣٥٨/٧. أسباب الغفلة سبقت الإشارة إلى أن الغفلة في عمومها مذمومة، وأنها نقيض ذكر الله تعالى، وينجم عنها كثير من المتاعب وإحلال غضب الله تعالى، ومن ثم عقابه، وسنستعرض -إن شاء الله تعالى- الأسباب التي تؤدي إلى الغفلة؛ حتى ينتبه لها، ويحذر منها، وهي تتلخص في سبعة أسباب: ١. الكفر. وقد ورد في القرآن الكريم ما يدلل على ذلك صراحةً، في قوله تعالى: ﴿لِنُنذِرَقَوْمًا مَّا أُنْذِرَ ءَابَاؤُهُمْ فَهُمْ غَفِلُونَ﴾ [يس: ٦]. فقد ذكرت الآيات السابقة أن الله تعالى خاطب نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم مقررًا أنه من المرسلين، وأنه على صراط مستقیم، فهو الهادي إليه بإذن ربه تعالى؛ لأن هذا الصراط المستقيم الذي هو منهاج ودين، إنما هو منزلٌ من الله العزيز الرحيم؛ ثم تبين هذه الآية الكريمة أن هذا المنهاج المنزل من العزيز الرحيم إنما هو ليحذر العرب الذين لم يأت إليهم من ينذرهم ويحذرهم مما هم فيه من غرق في الكفر، من عبادة الأصنام والأوثان وعدم وجود شريعة الله تعالى بينهم(٣)، والظلم: وضع الشيء في غير موضعه، وفي الشريعة: عبارة (٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٥٦٣. ٣٥٨ جَوَسُولَةُ النَّضية القرآن الكريمِ