Indexed OCR Text

Pages 81-100

العلاقات الدولية
الإعلان العام بالبيان وبالحركة مجتمعين، وذلك بتلقي الشرائع منه وحده، ثم ليعتنق
كل فرد - في ظل هذا النظام العام- ما يعتنقه
وأن يوجه الضربات للقوى السياسية التي
تعبد الناس لغير الله -أي: تحكمهم بغير
شريعة الله وسلطانه- والتي تحول بينهم
وبين الاستماع إلى البيان واعتناق العقيدة
بحرية لا يتعرض لها السلطان.
من عقيدة، وبهذا يكون الدين كله لله. أي:
تكون الدينونة والخضوع والاتباع والعبودية
كلها لله، إن مدلول الدين أشمل من مدلول
العقيدة، إن الدين هو المنهج والنظام الذي
یحکم الحياة. وهو في الإسلام يعتمد على
العقيدة، ولكنه في عمومه أشمل من العقيدة
وفي الإسلام يمكن أن تخضع جماعات
متنوعة لمنهجه العام الذي يقوم على أساس
العبودية لله وحده ولو لم يعتنق بعض هذه
الجماعات عقيدة الإسلام(١) كما تقدم في
مقومات الدولة.
ثم لكي یقیم نظاما اجتماعيا واقتصاديا
وسياسيا يسمح لحركة التحرر بالانطلاق
الفعلي - بعد إزالة القوة المسيطرة - سواء
كانت سياسية بحتة، أو متلبسة بالعنصرية أو
الطبقية داخل العنصر الواحد، إنه لم يكن من
قصد الإسلام قط أن یکره الناس على اعتناق
عقيدته، ولكن الإسلام ليس مجرد عقيدة.
إن الإسلام -كما قلنا- إعلان عام
لتحرير الإنسان من العبودية للعباد، فهو
يهدف ابتداء إلى إزالة الأنظمة والحكومات
التي تقوم على أساس حاكمية البشر للبشر،
وعبودية الإنسان للإنسان، ثم يطلق الأفراد
بعد ذلك أحرارًا - بالفعل - في اختيار العقيدة
التي يريدونها بمحض اختيارهم بعد رفع
الضغط السياسي عنهم وبعد البيان المنير
لأرواحهم وعقولهم، ولكن هذه الحرية
ليس معناها أن يجعلوا إلههم هواهم، أو
أن يختاروا بأنفسهم أن يكونوا عبيدا للعباد،
وأن يتخذ بعضهم بعضا أربابًا من دون الله.
إن النظام الذي يحكم البشر في الأرض
يجب أن تكون قاعدته العبودية لله وحده،
رابعًا: إطلاق طاقات الأمة:
إن الدولة الإسلامية -وهي التي تقوم
بأعباء الخلافة والعمران والإبداع المادي
في الأرض، الذي جعله الإسلام نوعًا من
أنواع العبادة لله تعالى، ومظهرًا لتحقيق
العبودية له سبحانه- دولة إيجابية فاعلة،
ومن وظيفتها إطلاق طاقات الأمة وتحفيزها
للعمل والإيجابية المؤثرة في الحياة. وتنبثق
هذه الإيجابية الفاعلة من إيجابية العقيدة
الإسلامية والإيمان بالله تعالى.
وإن استقرار هذه الحقيقة في ضمير
الجماعة المسلمة الأولى هو الذي أنشأ
(١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ١٤٣٤/٣-
١٤٣٥.
www. modoee.com
٢٦٩

حرف العين
هذه المجموعة الفريدة الممتازة في تاريخ يعيش في عالم الضمير قانعًا بوجوده هناك
في صورة مثالية نظرية، أو تصوفية روحانية،
إنما هو تصمیم لواقع مطلوب إنشاؤه وفق
هذا التصميم. وطالما هذا الواقع لم يوجد
فلا قيمة لذلك التصميم في ذاته إلا باعتباره
حافزًا لا يهدأ لتحقق ذاته.
البشرية كله على الإطلاق، وبدون استثناء.
فقد عاشوا هذه الحقيقة. عاشوها حية في
نفوسهم. عاشوها ليل نهار، وصباح مساء.
عاشوها كما يعيشون حياتهم اليومية الواقعة.
عاشوا مع الله ومن ثَمَّ کانوا هذا الذي کانوا
من الحساسية والطمأنينة معًا، ومن اليقظة
والراحة معًا، ومن التوكل والفاعلية معًا،
ومن الخوف والطمع معًا، ومن التواضع
والعزة معًا -التواضع لله والعزة بالله-،
ومن الخضوع والاستعلاء معًا - الخضوع
لله والاستعلاء على أعداء الله-، ومن ثم
صنع الله بهم في هذه الأرض ما صنع من
الصلاح والعمار، ومن الرفعة والطهارة مما
لم يسبق ولم يلحق في تاريخ بني الإنسان.
وحيثما ذكر الإيمان في القرآن أو ذكر
المؤمنون ذكر العمل، الذي هو الترجمة
الواقعية للإيمان، فليس الأمر مجرد مشاعر،
إنما هو مشاعر تفرغ في حركة لإنشاء واقع،
وفق التصميم الإسلامي للحياة، أو وفق
التصور الإسلامي للحياة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِلَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ
وَجَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ
أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥].
﴿وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ الْأَرْضِ كَمَا
أُسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّلَهُمْ دِينَهٍُ
الَّذِى أَرْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَيِّلَهُ مِنْ بَعْدٍ خَوْفِهِمْ أَمْنَّأَ
يَعْبُدُونَنِ لَا يُشْرِكُونَ بِ شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ
ذَلِكَ فَأْلَكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥].
﴿فَأَسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِى لَآ أُضِيعُ عَمَلَ
عَمِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْقٌ بَعْضُّكُمْ مِنُ بَعْضٍ
فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأَخْرِجُوا مِن دِيَدِهِمْ وَأُوذُواْ فِى
سَبِيلِ وَقَتَلُواْ وَقُتِلُواْ لَأُكَفِّرَنَّعَنْهُمْ سَيْئَاتِهِمْ
وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّتٍ تَّجْرِى مِن ◌َّحْتِهَا الْأَنْهَرُ
إِن التصور الإسلامي ليس تصورًا سلبيًا تَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَاَللَّهُ عِندَهُ، حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ [آل
ولذلك كانت الصورة الأخرى للإيجابية
وإطلاقات طاقات الأمة للعمل في كل
المجالات والميادين هي إيجابية الإنسان
في الكون. وإيجابية المؤمن بهذه العقيدة
في واقع الحياة على وجه خاص.
إن هذا التصور ما يكاد يستقر في
الضمير؛ حتى يتحرك ليحقق مدلوله في
صورة عملية، وليترجم ذاته في حالة واقعية.
والمؤمن بهذا الدين ما يكاد الإيمان يستقر
في ضميره حتى يحس أنه قوة فاعلة مؤثرة.
فاعلة في ذات نفسه، وفي الكون من حوله.
جَوَسُـ
القرآن الكريمِ
٢٧٠

العلاقات الدولية
عمران: ١٩٥].
﴿وَالْعَصْرِ )) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِىِ خُسْرٍ ))
إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَتَوَاصَوْاْ
بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ -٣].
ثم يحس المسلم من وحي تصوره
الإسلامي أنه مطالب بأداء شهادة لهذا
الدین، لا یستریح ضمیره، ولا یطمئن باله،
ولا يستشعر أنه أدى حق نعمة الله عليه
بالإسلام. وأنه يطمع من ثم في النجاة من
عذاب الله في الدنيا والآخرة إلا أن يؤدي
هذه الشهادة كاملة، بكل تكاليفها في النفس
والجهد والمال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً
وَسَطَّا لِنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى أَلنَّاسِ وَيَكُونَ
الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣].
وهو يؤدي هذه الشهادة أولًا في ذات
نفسه: بأن يطابق بين واقع حياته الشخصية،
في كل جزئية من جزئيات نشاطه، وبين
مقتضيات التصور الذي يقوم عليه اعتقاده.
وهو يؤديها ثانية في دعوة الآخرين
إلى هذا المنهج وبيانه لهم. مسوقًا في هذه
الدعوة وهذا البيان بدوافع كثيرة:
أولها: دافع أداء الشهادة لینجو من الله،
وليؤدي حق نعمته علیه بهدايته إلى الإسلام.
وثانيها: حب الخير للناس، وهدايتهم
إلى هذا الخير الذي هدي هو إليه، والذي
لا یحتجنه لنفسه، ولا لأسرته، ولا لعشیرته،
ولا لقومه، ولا لجنسه؛ لأنه يتعلم من هذا
التصور ذاته أن البشر كلهم إخوة.
وثالثها: شعوره بأن تبعة ضلال الناس
- إذا ضلوا- إنما تقع على عاتقه هو، ما لم
يبين لهم -بعد ما عرف وتبين- وهي تبعة
ثقيلة تنوء بضميره، وتنوء بکاهله، وقد علم
أنها تبعة الرسل - صلوات الله وسلامه
علیهم- وأنه هو مستخلف فيها عن الرسل،
ومسؤول عنها بعدهم.
وهو يؤديها -أخيرًا- بالعمل على تحقيق
منهج الله في حياة الناس، وإقامة النظام الذي
ينبثق من ذلك التصور، وإقامة حياة الجماعة
الإنسانية على أساس هذا النظام. باعتبار أن
هذا التصور هو ((تصميم)) لعالم واقعي، يراد
إخراجه وتحقيقه؛ ليتحقق وجود الإسلام
في الأرض؛ ولتخلص الألوهية لله، إذ لا
وجود للإسلام بدون قيام مجتمع يعيش
بهذا النظام، ويعترف لله وحده بالألوهية،
فلا يتلقى في منهج حياته الأساسي إلا من
الله. ثم ليستحق المسلمون نصر الله وتأييده
الذي وعدهم إياه. وشرط له شرطًا واضحًا
لا عوج فيه: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللّهُ مَن يَنصُرُهُ:
&
إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُّ عَزِرُ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَهُمْ
فِي الْأَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتَوْ الزَّكَوَةَ
وَأَمَرُواْ بِلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنْكِّرِّ وَلِلَّهِ
عَقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١]
بهذا کله یستشعر المسلم أن وجوده علی
الأرض ليس فلتة عابرة، إنما هو قدر مقدور،
www. modoee.com
٢٧١

حرف العين
مرسوم له طريقه ووجهته وغاية وجوده، وأن
وجودہ علی الأرض يقتضيه حرکة وعملًا
إيجابيًّا في ذات نفسه. وفي الآخرين من
حوله. وفي هذه الأرض التي هو مستخلف
فيها، وفي هذا الكون المحسوب حسابه في
تصميمه، وأنه لا يبلغ شكر نعمة الله عليه
بالوجود، ونعمة الله عليه بالإيمان، ولا
يطمع في النجاة من حساب الله وعذابه، إلا
بأن يؤدي دوره الإيجابي في خلافة الأرض،
وفق شرط الله ومنهجه، وتطبيق هذا المنهج
في حياته وفي حياة غيره، والجهاد لدفع
الفساد عن هذه الأرض التي هو قيم عليها،
والفساد في الأرض إنما ينشأ عن عدم تطبيق
منهج الله في عالم الواقع، ودنيا الناس، حياة
الجماعات - وأن وزر هذا الفساد -حين
يقع - واقع على عاتقه هو، ما لم يؤد الشهادة
لله في نفسه وفي غيره، وفي الأرض كلها
من حوله.
وتصور المسلم للأمر على هذا النحو، لا
جرم يرفع من قيمته في نظر نفسه، كما يرفع
من اهتماماته بقدر ما يشعره بضخامة التبعة
الملقاة على عاتقه، وبثقل العبء الذي
یحمله، ویکدح فيه حتى يلاقي الله ربه،
وقد أدى الأمانة، وأدى الشهادة، ووفی بحق
النعمة - فيما يملك من الطاقة - وطمع في
النجاة من عذاب الله، وزحزح عن النار(١).
و الواقع التاريخي للأمة المسلمة منذ
عهد النبي صلى الله عليه وسلم شاهد
صادق على هذه الإيجابية، وعلى إطلاقات
طاقات الأمة الكامنة في أفرادها، حتى صار
ذلك واقعًا ملموسًا نشاهده رأي العين،
فالذين حملوا الدعوة الأولى و تحركوا
بها ونشروها بعد جهد وجهاد وصبر
ومصابرة، والذین کان النبي صلى الله عليه
وسلم يستشيرهم ويأخذ برأيهم، ويقول
لأحدهم: إنما أنت فرد فخذل عنا، والذين
يقومون بمهمة في الجهاد والدفاع والحماية
للمسلمين، والذين كانوا أصحاب مشورة
عمر رضي الله عنه، والذين قادوا الجيوش
في الفتوحات، والذين ارتادوا للبشرية
طريق الهداية وطريق العلم والصناعة
والاكتشافات الجغرافية مثلًا، والذين حملوا
مشاعل الحضارة والعرفان فأناروا طريق
البشرية كل هؤلاء وأمثالهم.
إنما هم أمثلة حية وشواهد صادقة
على هذه الطاقات التي أطلقها الإسلام،
وعلى هذه التربية الراقية التي وضع أسسها
وطرائقها فأثمرت ثمراتها التي ننعم بها
و تنعم بها البشرية اليوم على الرغم من
جحود الجاحدين وإنكار المستكبرين.
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ
لَ يَعْلَمُونَ ﴾ [يوسف: ٢١].
(١) انظر: خصائص التصور الإسلامي ومقوماته،
سيد قطب، ص ١٦٩ - ١٧٠.
٢٧٢
جوُو عَرَ النَّفْسِيَة
القرآن الكريمِ

العلاقات الدولية
خامسًا: إعداد القوة المادية والمعنوية:
من مزايا الدولة الإسلامية أن تقوم
بإعداد القوة بكل أنواعها؛ لأن الله تعالى
يأمر بإعداد القوة والاستعداد بدرجة
قصوى؛ ليكون ذلك الإعداد والاستعداد
سببًا لردع الأعداء وإرهابهم قبل وقوع
الحرب والقتال. ونظرية الردع هذه مفتاح
الاستراتيجية المعاصرة التي وصل إليها
الفكر العسكري العالمي بعد معاناة قاسية
وطويلة في حروب طاحنة اكتوى العالم
بنارها خلال الحربين العالميتين، ثم وجد
أخيرًا الوسيلة لمنع وقوع مثل هذه المآسي،
وهي استراتيجية الردع(١).
وهي أول نظرية حربية في الإسلام منذ
خمسة عشر قرنًا، أرساها القرآن الكريم
وأوضح معانيها النبي صلى الله عليه وسلم
في كثير من الأحاديث. وتناولها العلماء
بالبحث بأسلوب يتفق مع العصر الذي
يعيشون فيه.
(١) انظر: العسكرية الإسلامية ونهضتنا
الحضارية، ص ٩٨، الجانب العسكري من
حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، للواء
الركن محمد جمال الدين محفوظ، ص
٥١٨ - ٥١٩ ضمن الجزء الرابع من البحوث
والدراسات المقدمة للمؤتمر العالمي الثالث
للسيرة النبوية، قطر، ١٤٠١ هـ ((اقتباس النظام
العسكري)» ص ١١٨-١١٩ وهو يشمل ثلاث
بحوث للواء محمود شيت خطاب، واللواء
جمال محفوظ، وعبداللطيف زاید.
وأما الاستعداد والإعداد الذي أشارت
إليه الآية الكريمة وأمرت به: ﴿وَأَعِدُواْ
لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ
تُرْهِبُونَ بِهِ، عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ
مِن دُونِهِمْ لَا نَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمَّ وَمَا تُنفِقُواْ
مِن شَىْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَنَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا
تُظْلَمُونَ ﴾ [الأنفال: ٦٠].
فإنه یشمل جوانب متعددة يتضمن كل
ما يمكن أن يساعد على الظفر والنصر في
المعركة والتهيؤ لها قبل وقوعها.
إن الإعداد القوي يشمل أنواعًا كثيرة
دينية وأدبية وعلمية وخلقية ومادية وإدارية
وفنية ومالية.
فأما الإعداد العلمي فهو يشمل الفكرة
والمبدأ والعقيدة. والإسلام حريص - رغم
حرصه على السلام- على تنشئة فكرة القوة
في نفوس المسلمين تنشئة عادلة كريمة،
وعلى توجيهها من أول أمرها توجيهًا
إسلاميًا نزيها وإنسانيا عالميًا، وجعلها من
أسمى العبادات المفروضة لحفظ العقيدة
وحرية الحياة وبناء الأمة وإرهاب العدو،
لا للعدوان والظلم والإفساد والسيطرة،
وجعلها آخر ما يلجأ إليه المسلمون من
أدوات التفاهم مع المعتدين. وفي هذا المقام
تتجلی عزة الإسلام وروعته وحکمته، حیث
جعل الجهاد في سبيل الله تعالى أسمى
الأعمال وأفضلها، وجعل المجاهدين في
www. modoee.com
٢٧٣

حرف العين
أعلى الدرجات.
فقال الله تعالى: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ
اَلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ وَالْمُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ
بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمَّ فَضَّلَ اَللَّهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَلِهِمْ
وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَعِدِينَ دَرَجَةُ وَكُلَّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىّ
وَفَضَّلَ اَللَّهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى الْقَعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾
[النساء: ٩٥].
القيادة وآداب الجندية. وفي ذلك جاء
الاهتمام بالصفات الخلقية والآداب
الضرورية، فيجب على القائد أن يكون
عالمًا بكتاب الله، وملما بسنة رسول الله
صلى الله عليه وسلم، وأن يكون عارفًا
بالحروب ومعداتها، وأن یکون قویًا حائزًا
لثقة أتباعه واحترامهم، هادئ الأعصاب،
ثابت الجنان، کثیر الاختبار لجنوده، سريع
الحركة بينهم، عاقلًا وحكيمًا وحازمًا في
اتخاذ القرارات، وأن يكون عادلاً ولو مع
الأعداء، رحيمًا بجنوده متفقدًا لأحوالهم،
وأن يخرج في كل موقف أو معركة بفوائد
جلیلة لدینه وأمته.
وأما الجنود وهم الآلة الحية المنفذة
واليد العاملة والقوة الفاعلة، فإنهم يتصفون
-کذلك- بصفات وآداب هي روح المؤمنین
وسر حياتهم. ومن أخلاقهم السامية التي
لا بد أن يتربوا عليها: الإيمان بالفكرة
والإخلاص لها، والاستعداد للتضحية
في سبيلها، والوفاء بالوعد، و الصدق،
والسمع والطاعة في المعروف، والثبات
عند اللقاء، واستشعار الرضا بقضاء الله و
التسليم لقدره، وعدم التنازع، والتحرز عن
المعاصي، والترفع عن الطمع، والإيمان بأن
النصر من عند الله تعالى.
وإن الإدارة أمر خطير، يتوقف على
وأما الإعداد الأدبي فهو يشمل آداب حسن نظامها وتجهيزها التصرف في
المواقف؛ لذلك عني الإسلام بالإعداد
الإداري للقيادة ولهيئة أركان الحرب ولقلم
المخابرات الذي يستطلع ويعرف أخبار
العدو ومخططاته؛ لمواجهتها بالأساليب
والأدوات المكافئة، وفي كل قسم من
هذه الأمور الثلاثة آداب وأحكام لا مجال
لتفصيلها، فحسبنا هذه الإشارة الموجزة
إليها.
وأما الإعداد الفنى: وهو الخطوة العملية
الأولى في الإعداد الأدبي باعتبارها حقيقة
واقعة في ميدان الجهاد، وهو المظهر
الحسي للقوة المعنوية الكامنة في نفوس
المجاهدين. وهذا الإعداد قسمان: إعداد
عمليٌّ وآخر خلقيٌّ.
وهما يسيران جنبا إلى جنب، لا يمكن
فصل أحدهما عن الآخر. فالعملي يتركز في
النظافة والنظام والرياضة البدنية والتدريبات
العسكرية بأنواعها. والخلقي يتمثل في
الرياضة الروحية والعقلية، وفي التعرف
٢٧٤
مَةُ النَّسَيد
جوب
الْقُرْآن الكَرِيمِ

العلاقات الدولية
على واجبات الجندية والقيادة والتخلق حكيم قال: ذكرت القوس عند رسول الله
صلى الله عليه وسلم فقال: (ما سبقها سلاحٌ
قط إلی خیرٍ)(١).
بها، وتحديد المسؤوليات والتعاون علیھا،
وتوضيح الصلة بين كل من الجندي والقائد،
وأساليب المعاملة بينهما ويتبنيان مبدأ
الجزاء وقوانينه.
وأما الإعداد المالي: وذلك لأن الإنفاق
هو شطر الجهاد الأول، وبدونه لا قيام
الشطر الثاني. و الإنفاق مبدأ من مبادئ
الإسلام القويمة التي لا يقبل الإسلام
التقصیر فیها مع القدرة، والتقصير نکوص
وإلقاء بالنفس إلى التهلكة.
وروي عنه أيضًا عن النبي صلى الله عليه
وقد قال الله تعالى في ذلك: ﴿وَأَنفِقُواْفِى وسلم قال: (إن الله يدخل بالسهم الواحد
الجنة ثلاثة: صانعه الذي يحتسب به، ومنبله،
والرامي به)(٣).
سَبِيلِ اللَّهِ وَلَ تُلْقُوَّ بِأَيْدِيَكُمْإِلى النَّهُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ
يُحِبُّالْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥].
والواقع التاريخي يثبت لنا حسن تمثل
الصحابة رضوان الله عليهم في زمن النبي
صلى الله عليه وسلم لهذا المبدأ وتطبيقه.
والأمثلة في ذلك كثيرة تعز على الحصر،
ومن ذلك ما هو معروف من مواقف أبي
بكر، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان
وغیرهم -رضي الله عنهم أجمعين- حتى
ممن كان في قلةٍ من ذات اليد، فإنهم أيضًا
لم يبخلوا بالقليل الذي كان عندهم، وقد
سجل الله تعالى لهم مواقفهم الطيبة تلك.
وأما الإعداد المادي: ويشمل الإعداد
للرجال والعتاد بكل أنواعه، ففي إعداد القوة
والسلاح والفروسية روي عن عتبة بن أبي
يعني أنها أقوى آلات الجهاد.
وفي هذا حثٌ للمجاهدين على تعلم
الرمي، وفي ذلك جاءت أحاديث وآثار منها
حديث عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه
وسلم قال في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا
أَسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾: (ألا إن القوة الرمي)
قالها ثلاثًا(٢).
وعن عمر رضي الله عنه أنه قال: ((علموا
أولادكم السباحة والفروسية، ومروهم
بالاحتفاء بين الأغراض)) (٤).
(١) أخرجه الديلمي عن ابن عباس قال: ما
مد الناس أيديهم إلى شيء من السلاح إلا
وللقوس عليه فضل. انظر: «كنز العمال)):
٤/ ٣٥٥، وأشار السيوطي إلى ضعفه.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة،
باب فضل الرمي، ١٥٢٢/٣، رقم ١٩١٧.
(٣) أخرجه أحمد في مسنده، ٥٣٢/٢٨، رقم
١٧٣٠٠، والترمذي في سننه، أبواب فضائل
الجهاد، باب ما جاء في فضل الرمي،
١٦٣٧،٢٠٥/٥.
قال الترمذي: (حدیث حسن)).
وضعفه الألباني في ضعيف الجامع،
ص٢٥٩، رقم ١٧٣٢ ..
(٤) أخرجه القراب في فضائل الرمي، رقم
www. modoee.com
٢٧٥

حرف العين
وأما المرابطة بالنفس وبالخيل ونحوها عن الجهاد معتمدين على أنهم جيران بيت
الله وسکان حرمه.
فإنها كذلك من أهم مظاهر القوة والإعداد
والاستعداد للجهاد: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَأَتَّقُواْ اللَّهُ
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠].
وأما درجة الاستعداد القصوى بالحث
على الجهاد والاستنفار الدائم له والتأهب
على أقصى درجات التأهب، والاستعداد
للحركة والانطلاق نحو الخطر، فقد روي
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان
يهتف بأهل مكة فیقول: «يا أهل مكة، يا أهل
البلدة، ألا التمسوا الأضعاف المضاعفة في
الجنود المجندة والجيوش السائرة. ألا وإن
لكم العشر ولهم الأضعاف المضاعفة)).
وهذه خطبة الاستنفار لتحريض الناس
على الجهاد والاستعداد له، وقد فعله النبي
صلى الله عليه وسلم في مواطن، كما قال
تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ حَرْضِ الْمُؤْمِنِينَ
عَلَى الْقِتَالَّ إِن يَكُن مِّنْكُمْ عِشْرُونَ صَبِرُونَ
يَفْلِبُواْ مِاتَنَِّنَّ وَإِن يَكُنْ مِّنكُم مِّأْئَةٌ
يَغْلِيُوْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا
يَفْقَهُونَ﴾ [الأنفال: ٦٥].
ثم اقتدى به عمر رضي الله عنه في
تحريضه أهل مكة، فحثهم على الجهاد
وتحصيل أعلى الدرجات؛ لكي لا يتخلفوا
١٥ دون قوله: ومروهم بالاحتفاء. وانظر:
التعليق الممجد على موطاً محمد ٤٢٣/٣،
الفروسية، ابن القيم، ص ٩ - ١٠.
وعن عثمان بن عفان رضي اللهعنه أنه قال:
(يا أهل المدينة خذوا بحظكم من الجهاد في
سبيل الله، ألا ترون إلى إخوانكم من أهل
الشام وأهل مصر وأهل العراق، فوالله ليوم
یعمله أحدكم في سبيل الله خير له من ألف
یوم یعمله في بيته صائمًا قائمًا لا يفطر ولا
يفتر))(١).
وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله
عنه أنه قال: ((خير الناس هو رجلٌ من أهل
البادية، صاحب صرمة إبل أو غنم (٢)، قدم
بإبله أو غنمه إلى مصرٍ من الأمصار فباعها
ثم أنفقها في سبيل الله، فكان مسلحة
بين المسلمين وبين عدوهم. فذاك خير
الناس»(٣).
وفي أصول التربية على القوة والتحذير
من التنعم والترف، روي عن عمر رضي
الله عنه أنه قال: ((لا تزال هذه الأمة على
شرعة من الإسلام حسنة، هم فيها لعدوهم
قاهرون وعليه ظاهرون ما لم يصبغوا الشعر
ويلبسوا المعصفر ويشاركوا الذين كفروا
(١) المصدر السابق، ص ١٥ - ١٦.
(٢) الصرمة - بالكسر - القطعة من الإبل ما
بين العشرين إلى الثلاثين أو إلى الخمسين
والأربعين، أو ما بين العشرة والأربعين.
انظر: ترتيب القاموس المحيط ٨١٨/٢.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٣٣٤/٥.
جَوَنُوالَهُ النَّقِينَ
القرآن الكريم
٢٧٦

العلاقات الدولية
في صغارهم. فإن فعلوا ذلك كانوا قمنا أن خَسِرِينَ ﴾ [آل عمران: ١٤٩].
ینتصف منهم عدوهم»(١).
و کتب عمر إلى خليفته بالشام: ((انظر من
قبلك فمرهم فلينتعلوا وليحتفوا وليأتزروا
وليرتدوا ولیؤدبوا الخیل، ولا يظهر صلیب،
ولا يجاورنهم الخنازير، ولا يقعدون على
مائدة یشرب عليها الخمر، وإیاکم وأخلاق
الأعاجم))(٢) يعني: في التنعم وإظهار
التجبر. وفي هذا وذاك بيان النصرة لهذه
الأمة ما داموا مشتغلین بالجهاد، فإذا انشغلوا
بالدنيا واتبعوا اللذات والشهوات وأعرضوا
عن الجهاد يظفر عليهم عدوهم(٣).
ولذلك جاء التحذير من الانشغال عن
الجهاد والتقاعس عنه بسبب الانشغال
بالدنيا ومتاعها؛ إذ إن ذلك سبب في ضعف
الأمة أمام أعدائها يطمعهم فيها وينزع هيبتها
من صدورهم، فيكون ذلك طريقًا إلى الذلة.
وفي هذا روى الإمام محمد عن معبدٍ قال:
((إذا زرعت هذه الأمة نزع منهم النصر
وقذف في قلوبهم الرعب)».
و عن محمد بن كعب قال: قيل لعلي بن
أبي طالب رضي الله عنه في قوله تعالى:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ
كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَيِكُمْ فَتَنْقَلِبُواْ
(١) السير الكبير، الشيباني ١٣/١ - ١٤.
(٢) أخرجه عبد الرزاق والبيهقي. انظر: كنز العمال
٤/ ٤٦٧.
(٣) السير الكبير، ص ١٣ - ١٤ و ٥٦ - ٥٧.
أهو التعرب -الإقامة بالبادية وترك
الهجرة-؟! قال: لا، ولکنه الزرع(٤).
وروي عن ابن عمر موقوفًا: «إذا تبايعتم
بالعينة ، واتبعتم أذناب البقر، وكرهتم
الجهاد، ذللتم حتی یطمع فیکم عدوكم)» (٥).
وعنه أيضًا قال: سمعت رسول الله صلى
الله عليه وسلم يقول: (إذا تبايعتم بالعينة،
وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع،
وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه
حتى ترجعوا إلى دينكم) (٦).
ولا يقتصر الاستعداد للحرب البرية
فقط، بل يشمل الحرب البحرية. فقد روي
عن مجاهد عن تبيع -وهو ابن امرأة کعب
- عن كعبٍ قال: ((إذا وضع الرجل رجله في
السفينة خرج من خطاياه كيوم ولدته أمه،
والمائد فیه کالمتشحط بدمه في سبيل الله،
والغريق فيه له مثل أجر شهيدين، والصابر
فيه كالملك على رأسه التاج))(٧)(٨).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٢/ ٥٩٦.
(٥) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٣١٧/٥.
(٦) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب البيوع، باب
في النهي عن العينة، ٩٩/٥ - ١٠١.
وصححه ابن القطان وضعفه آخرون. وله
شواهد یتقوی بها.
انظر: نصب الراية ٤ /١٦، التلخيص الحبير
١٩/٣، الجوهر النقي، التركماني ٣١٧/٥.
(٧) أخرجه سعيد بن منصور عن تبيع عن كعب
مرفوعًا و موقوفًا، ١٥٤/٢ و ١٥٥.
(٨) انظر: القتال في الإسلام، أحمد نار، ص ٣٠،
www. modoee.com
٢٧٧

حرف العين
أسس العلاقات الدولية في الإسلام
تقوم العلاقات الدولية في الإسلام على
مجموعة من القواعد العقدية والأخلاقية
والتشريعية، وهي أسس عامة تبنى عليها
أحكام هذه العلاقات، وهذا يؤدي إلى تميز
هذه الأحكام في الإسلام عن العلاقات
الدولية في النظم الوضعية؛ ولذلك نعقد
هذا الموضع لبيان هذه الأسس التي تتميز
بها، وذلك فيما سيأتي.
المقصود بالأسس: مجموعة الأحكام
والقواعد العقدية والتشريعية التي تقوم
عليها العلاقات الدولية في الإسلام، وتؤثر
فيها. وقد تناول البحث بعض الأسس
التشريعية فيما سبق عن مزايا الدولة، مثل
تحقيق العدل والوفاء بالعهود والمواثيق؛
ولذلك نكتفي في هذا الموضع بإشارات
سريعة إلى أهم الأسس العقدية والأخلاقية
في فقرتین.
أولًا: الأسس العقدية:
عني القرآن الكريم كما عنيت السنة
النبوية بالعقيدة التي تقوم على أساس
الإيمان بالله تعالى ربًا متفردًا بالخلق، وإلهًا
متفردًا بالأمر والنهي، فلا عبودية إلا له،
وبذلك يتحرر الإنسان من كل عبودية لغير
منهج الإسلام في الحرب والسلام، عثمان
ضمیریة، ص ٩٠ - ٩٤.
الله، يتحرر وجدانه وعقله حريةً حقيقية.
فالدولة الإسلامية والأمة المسلمة لها مثالية
لم تنعم بها أي دولة کبری سبقتها أو جاءت
بعدها، وهذه المثالية التي هي دعامة الدولة
الإسلامية، هي عقيدة التوحيد(١).
والتوحيد له أيضًا أثر سياسيٌ وقانونيٌ،
لم يفطن له الكثيرون، فالتوحيد وقاية من
طغيان الفرد وظلم الإنسان للإنسان. وهل
هناك تحرر من طغيان البشر أروع من
الإيمان بأن الله هو خالق الكون، وأن القوة
لله جميعًا، وأن السلطة لله وحده، وأن الخير
بيده سبحانه وإليه المصير؟! هذا المعنى رد
للفرد شعوره بشخصيته ويكرامته، وبأن له
حرمةً في نظر القانون، وأنه لا توجد قوة
في الأرض تستطيع أن تجرده من حقوقه
كإنسان، وإن حاولت فهو مطالب بالدفاع
عن تلك الحقوق، وإن مات دونها فهو
شهيد(٢).
وإذا كانت العقيدة هي الموضوع
الرئيس الأساس في السور المكية، فإنها
(١) انظر: العبودية، ابن تيمية، ص ١١٠ - ١١٨،
العدالة الاجتماعية، سيد قطب، ص ٤٠ -
٥٥، وله أيضًا ((مقومات التصور الإسلامي))،
ص ٨١.
(٢) انظر: الإسلام والعلاقات الدولية، مصطفى
الحفناوي، مجلة المسلمون، ص ٥١ - ٥٢
العدد الثالث، ١٣٧٣ هـ القاهرة، خصائص
التصور الإسلامي، سيد قطب، ص ٢٣١ -
٢٣٦.
٢٧٨
القرآن الكريم

العلاقات الدولية
كذلك موضوع رئيسي في السور المدنية - كغيرها من جوانب الفقه الإسلامي - ذات
اعتبارين: قضائي ودياني. فالقضائي يحاكم
العمل بحسب الظاهر، أما الدياني فإنما
تحكم بحسب الحقيقة والواقع. فالأمر أو
العمل الواحد قد يختلف حكمه في القضاء
عنه في الديانة. ولذلك نجد الفقهاء يميزون
بين ما ينفذ من الأحكام ظاهرًا وباطنًا وبين
ما ينفذ ظاهرًا؛ تأسيسًا على هذا التفريق(١).
التي تنزلت لتعالج قضايا تشريعية دولية مثل
الدعوة إلى السلم، واستنقاذ المستضعفين،
والوفاء بالعهد، والعدل والمعاملة بالمثل
وغير ذلك من المبادئ والأحكام التي
عرضت من خلال هذه العقيدة ومقتضى
الإيمان بالله تعالى والإيمان باليوم الآخر،
مرتبطةً بصفات الله تعالى من أنه حكيم
عليم، سميع بصير، حكم عدل؛ ولذلك
نجد هذه الآيات الكريمة وأمثالها:
﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلى الله
إِنَُّد ◌ُهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنفال: ٦١].
﴿وَمَا لَكُرْ لَا نُقَكِّلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ
وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَدِ وَالْوِلْدَنِ الَّذِينَ
يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا
وَأَجْعَل لَنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَأَجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ
نَصِيرًا﴾ [النساء: ٧٥].
إِلَّا الَّذِينَ عَهَدُثُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ ◌َّ
يَنْقُصُوَكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَنِمُّوَّا
إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مَُّتِهِمَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُنَّقِينَ﴾
[التوبة: ٤].
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَِّينَ لِلَّهِ
شُهَدَاءُ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِ مَنَّكُمْ شَتَكَانُ
قَوْمٍ عَلَى أَلََّ تَعْدِلُواْ أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىّ
وَأَتَّقُواْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾
[المائدة: ٨].
ومن هنا كانت أحكام العلاقات الدولية
وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى
هذا المعنى فيما روته أم المؤمنين أم سلمة
رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم أنه سمع خصومة بباب حجرته، فخرج
إليهم فقال: (إنكم تختصمون إلي، ولعل
بعضكم أن یکون ألحن بحجته من بعض،
فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له
بحق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة
من النار، فلیأخذها أو لیتر کها)(٢).
ثانيًا: الأسس الأخلاقية والقيم العليا:
تمتزج العقيدة بالأخلاق، فتهذب النفس
وتربي الضمير، فتجعل منه محكمة داخلية
في نفس المسلم، ينصف من نفسه قبل أن
ينتصف هو من الآخرين، وتحمله على
الامتثال والالتزام بالأحكام عن طواعية
(١) انظر: حاشية ابن عابدين ٤٠٥/٥ - ٤٠٦.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأحكام،
باب موعظة الإمام الخصوم، ٩/ ٦٩، رقم
٧٢٦٨، ومسلم في صحيحه، كتاب الأقضية،
باب الحكم بالظاهر، ١٣٣٧/٣، رقم ١٧١٣.
www. modoee.com
٢٧٩

حرف العين
واختيار في كل معاملاته على مستوى الخاصية ومكانتها، حيث إن الإسلام بوصفه
منهجًا للحياة، فإنه يشدد على أهمية المبادئ
الأفراد والجماعة والأمة، وفي العلاقات مع
الأمم الأخرى (١).
الخلقية في العلاقات الدولية، التي دفعت
المسلمين لاتخاذ موقفٍ رائع من التسامح
ومن الواضح أن القانون الإسلامي يعلق
أهمية غير قليلة على القيمة الأخلاقية.
وقد ألمحنا آنفًا إلى بعض الآيات القرآنية
الكريمة التي توجب الالتزام بقانون الأخلاق
الإسلامية في العلاقات الدولية، تمامًا كما
هي ملزمة في العلاقات الفردية.
نحو غير المسلمين، والتحلي بمبادئ
إنسانية، يعكسها لنا مضمون الأحكام التي
استنبطوها لحالة الحرب ولسير المعارك
مع الأعداء. والواقع التاريخي الإسلامي -
وهذا یصدق على البشر أجمعين - يظهر لنا
أن أي نظام اجتماعي على الصعيد الدولي،
يفقد معناه إذا خلا كليًا من المبادئ الأخلاقية
والقيم العليا الفاضلة.
وقد جاءت السنة النبوية وأعمال الخلفاء
الراشدين وسيرتهم في الجهاد والعلاقات
الدولية تطبيقًا عمليًا لذلك، ثم بنى الفقهاء
كثيرًا من أحكامهم في العلاقات الدولية
والجهاد على هذا الأصل العظيم.
ومن ذلك: الحفاظ على الكرامة
الإنسانية، وإعلاء مكانة الجوانب الشعورية
والنفسية، ووجوب الوفاء بالعهد، والتحرز
عن الغدر حتى ولو غدروا بنا، وتحريم
المثلة بالأعداء في الجهاد، وتحريم قتل غیر
المقاتلين، وتحريم استعمال آلاتٍ وأدواتٍ
يعم ضررها، وغيرها من المبادئ الأخلاقية
التي ستأتي - إن شاء الله تعالى - في
مواضعها.
وقد أدرك بعض الكتاب في القانون
الدولي - من غير المسلمين- قيمة هذه
(١) انظر: دراسات إسلامية، محمد عبدالله دراز،
ص ٦٦ - ٦٨.
وهذ الارتباط بين الأخلاق والتشريعات
أفاض على الأحكام هيبة واحترامًا في عقول
المخاطبين بالتشريع، وأورثها سلطانًا على
النفوس، كان به الفقه الإسلامي شريعة
مدنية ووازعًا أخلاقيًا في وقت معًا؛ لما
فيه من قدسية المصدر القرآني الآمر، ومن
الزاجر الديني الباطن إلى جانب القضاء
الظاهر، فلا يحتاج الإنسان إلى قوة مصلتة
عليه دائمًا؛ لتلزمه الخضوع لإيجابه، ولا
يجد في الإفلات من سلطان حكمه غنيمة
-إن استطاع الإفلات- سواء كان عظيمًا أو
ضعيفًا(٢).
كما ترتب على هذا أيضًا: أن يكون
(٢) انظر: المدخل الفقهي العام، مصطفى الزرقا
٢١٩/١-٢٢٠.
٢٨٠
جوسين
القرآن الكريمِ

العلاقات الدولية
لمخالفة الحكم الشرعي جزاء يتحمله
المخالف، وهو يشمل الثواب عند الطاعة
والعقاب أو الضمان عند المخالفة.
والجزاء قد یکون دنيويًا يتولاه الحاكم،
أي: السلطة العامة في الدولة، وقد يكون
جزاء أخرويًّا عند الله تعالى يوم القيامة،
ولكن للتوبة أثر في سقوط العقاب عند الله
تعالى، ولها أثر في سقوط بعض العقوبات
في الدنيا (١).
وأما في القوانين الوضعية فلا نجد
لذلك مثيلًا، حيث إن القانون الوضعي
لا يلتفت إلى الأحكام الأخلاقية، ولا
يعاقب على مخالفتها. فإن شراح القانون
الدولي يميزون بين قواعد القانون الدولي
العام وبين الأخلاق الدولية والمجاملات
الدولية، فيجعلون الأولى لها صفة الإلزام
بينما الأخيرة ليس لها هذه الصفة، كما أنه
لا يترتب على مخالفتها أو تجاهلها تحمل
المسؤولية الدولية، ولا تعد مخالفتها
مخالفة دولية، وإن كانت قد تتحول إلى
قواعد قانونية عندما تتكرر وتتعارف عليها
الدول(٢).
(١) انظر: بدائع الصنائع، الكاساني ٤٢٩٥/٩-
٤٢٩٦، الأم، الشافعي ١٣٣/٤ - ١٣٤،
المغني، ابن قدامة ٣٠٨/١٠ - ٣١١،
التشريع الجنائي الإسلامي، عبد القادر عودة
١/ ٣٢٥ - ٣٥٥، العقوبة في الفقه الإسلامي،
محمد أبو زهرة ٢٤١ - ٢٥٥.
(٢) انظر: الأصول الجديدة للقانون الدولي،
خصائص العلاقات الدولية في الإسلام
تتميز أحكام العلاقات الدولية في
الإسلام بمجموعة من الخصائص التي
تفردها عن غيرها من الأنظمة القانونية.
فأحكامها في الإسلام ليست قواعد
وضعية يمكن أن تتناول أصولها يد البشر
بالتعديل والتبديل كلما عَنَّ لهم ذلك. بل
هي أحكام شرعية تكون جزءًا لا يتجزأ من
الشريعة السمحاء، التي تنظم كل جوانب
الحياة، مستقاة من آيات الله البينات وسنة
رسوله صلی الله عليه وسلم، فأول مصادرها
الكتاب الكريم ثم السنة المطهرة، دون أن
نغفل أهمية المصادر الأخرى باعتبارها کلها
مصادر مكملة أو تابعة. وعلى هذا يمكن أن
نبرز - بإيجاز - أهم الخصائص التي تتميز
بها أحكام العلاقات الدولية في الإسلام:
١. مرجعها الوحي.
وهذه الخاصية هي أهم الخصائص،
وعنها تنبثق سائر الخصائص، فالإسلام
دين رباني، ومنهج إلهي كامل مترابط،
ينظم الحياة ويحكم كافة جوانبها. وبما أن
العلاقات الدولية جزء من الفقه الإسلامي
الذي يقوم على الشريعة كتابًا وسنة فإنه
محمد حافظ غانم، ص ٢٨ - ٣٠، القانون
الدولي العام وقت السلم، حامد سلطان،
ص ١٨ - ١٩، القانون الدولي العام، جنينة،
ص١٧ - ١٨.
www. modoee.com
٢٨١

حرف العين
يقوم على الوحي الإلهي. هذا الوحي والإيجاد والملك، فهو إذن المتفرد كذلك
الذي نجده في كتاب الله الكريم، وسنة بالحكم والأمر والتشريع فقال سبحانه:
﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضَ فِي سِنَّةٍ أَيَّامٍ ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ
يُغْشِى الَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ، حَشِيئًا وَالشَّمْسَ وَاَلْقَمَرَ
وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَتٍِ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمُّْ
تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤].
رسوله العظیم، الذي لا ينطق عن الهوى.
ففي هذين المصدرين نجد جماع الأحكام
الشرعية في كل جوانب الحياة، بما في
ذلك أحكام العلاقات الدولية. وكل فقيه
مقيد في استنباطہ للأحكام بنصوص هذين
المصدرين أو الأصلين الأساسيين عندما
تسعفه النصوص بذلك، وإلا فهو مقيد
باستلهام روح الشريعة ومقاصدها وأصولها.
وينص الله تعالى في كتابه الكريم على
أن هذا الدین کله وحي منه سبحانه لهداية
البشرية، ورحمة منه لها، وأن وظيفة الرسول
عليه الصلاة والسلام هي البلاغ والبيان، فقد
قال سبحانه وتعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ
رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِى مَا الْكِتَبُ وَلَا الْإِيمَانُ
وَلَكِن جَعَلْنَهُ نُورًّا نَّهْدِى بِهِ، مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَاْ
وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) صِرَطِ اللَّهِ
الَّذِى لَهُ, مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ أَلَّ إِلَى اللَّهِ
تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾
[الشورى: ٥٢ - ٥٣].
وقال سبحانه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا
ضَلَ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىْ ل وَمَا يَنطِقُ عَنِ اَلْهَوَّ
(٢) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى﴾ [النجم: ١ -٤].
وتقوم الأدلة القاطعة من القرآن الكريم
على بيان هذه الخاصية وتأكيدها وإبرازها،
فقد تواردت آیات الکتاب الکریم تؤكد
بأن الله سبحانه وتعالى هو المتفرد بالخلق
وهذه الخاصية تميز أحكام العلاقات
الدولية في الإسلام عن سائر الأنظمة
والقوانين الوضعية التي يضعها الناس
لأنفسهم في القديم والحديث؛ لذلك لا نجد
لها من الهيبة والاحترام ما نجده للتشريع
الإلهي الذي يقوم على الوحي المنزل الذي
لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه،
وهو الوحي الذي تكفل الله تعالى بحفظه.
وهي كذلك ضمانة لتوحيد كلمة الأمة
کلها على منهج واحد، ونظام واحد، عندما
تلتقي على هذا الوحي بما فيه من موازين
لا تضطرب، ولا تتأرجح، ولا تتأثر بالهوى
والعصبية والدوافع الذاتية. فالإسلام دينٌ
ربانيٌّ، ومنهج إلهيٌّ كامل مترابط، ينظم
الحياة ويحكم كافة جوانبها. وبما أن
العلاقات الدولية جزء من الفقه الإسلامي
الذي يقوم على مصادر الشريعة الأصلية
كتابًا وسنة فإنه بذلك يقوم على الوحي
الإلهي. ففي هذين المصدرين نجد جماع
الأحكام الشرعية في كل جوانب الحياة، بما
٢٨٢
جَوَمُ
القرآن الكريمِ

العلاقات الدولية
في ذلك أحكام العلاقات الدولية. وهذا يسبغ
عليها صفة الكمال ويعطيها الثقة والاحترام،
ويضمن لها الالتزام والامتثال(١).
٢. تشمل الفرد والدولة.
إن الشريعة الإسلامية خطاب عام
للمكلفين، أفرادًا وجماعاتٍ، وهم محل
للتكليف بوصفهم أفرادًا وبوصفهم
جماعات.
وقد قال الله تعالى: ﴿يَأَيّا النَّاسُ إِنَّا
خَلَقْتَكُمٍ مِّن ذَكَرٍ وَأُنْتَى وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ
لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَ مَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَّكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمُ
خَبِيرٌ ﴾ [الحجرات: ١٣].
وفي كثير من الآيات القرآنية الكريمة
يتوجه الخطاب مباشرة إلى الإنسان الفرد
كما يتوجه إلى الجماعة والأمة، وهذا أمر
واضح في القرآن الكريم.
قال الله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِغْ مَ أُنزِلَ
إِلَيْكَ مِن رَّيٌِّ وَإِن لَّمْ تَفْعَلٌ فَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ.
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسُِّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ
اُلْكَفِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٧].
فالخطاب هنا موجه للفرد، ثم يتوجه إلى
الجماعة بمثل قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنْكُمْ
أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْغَرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ
الْمُنكَرِّ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:
١٠٤].
(١) انظر: أصول العلاقات الدولية في فقه الإمام
الشيباني، عثمان ضميرية ٢٥٥/١ -٢٦٠.
وينبني على ذلك: أنه إذا أخذنا الخطاب
المباشر معيارًا للشخصية القانونية وجب
علينا أن نرتب على ذلك نتيجةً حتميةً، وهي
أن الإنسان بوصفه إنسانًا هو محل التكليف
في الشريعة الإسلامية؛ لأن النصوص
الشرعية تخاطبه خطابًا مباشرًا، فتلزمه
بالتكليف وتكسبه الحقوق، وتبشره بالثواب
وتوقع عليه الجزاء بطريق مباشر. فليست
أحكام العلاقات الدولية قاصرة على الدول،
بل هي مفتوحة عامة شاملة تقوم أصلًا على
الكيان الفردي، سواء كان الفرد منفردًا أو في
جماعة أو في تشکیل سياسي باسم دولة.
بينما يثير مركز الفرد في القانون الدولي
الوضعي جدلًا كبيرًا، حيث يصر الشراح
التقليديون على أن القانون الدولي هو قانون
الدول فحسب، ولا يرتبون للفرد حقوقًا أو
واجبات دولية بصفة مباشرة، وإنما اعتبروه
مجرد محل لهذه القواعد. أما الإسلام فقد
اعترف للفرد بالشخصية القانونية الدولية
منذ خمسة عشر قرنًا، دون تفريق بين الرجال
والنساء ودون تمييز بسبب الجنس أو اللغة
أو الإقليم (٢).
٣. جزء من الأحكام الإسلامية.
جاء الإسلام ليكون دينًا عالميًا للناس
(٢) انظر: المصدر السابق، ص ٢٦٩-٢٧٣،
قانون السلام في الإسلام، محمد طلعت
الغنيمي، ص ٣١٧ - ٣١٨.
www. modoee.com
٢٨٣

حرفالعین
التكليف بين الفرد والجماعة على اختلاف
صورها؛ لأن الخطاب في الإسلام صادر
من رب العالمين وموجه إلى بني البشر
جمیعًا - کما رأینا - وشريعة الإسلام تهدف
إلى تنظيم الأفراد والجماعات والشعوب
والأمم في منظمة عالمية، متحدة في العقيدة
وفي المبادئ والأصول الكلية التي تحكم
العلاقات. والشريعة الإسلامية تنتظم كافة
العلاقات الإنسانية، فردية كانت أم جماعية،
سواء فيما بين الأفراد والجماعات داخل
المجتمع الإسلامي ذاته، أو بين المجتمع
الإسلامي بوصفه وحدة قائمة بذاتها وبين
المجتمعات الأخرى المختلفة معها في
العقيدة في وقت السلم ووقت الحرب على
حد سواء.
وإذا أردنا استعمال المصطلحات القانونية
الحديثة فإنه ينبني على هذا: أنه يجتمع في
الشريعة الإسلامية كل أحكام العلاقات
الدولية وكل أحكام القانون الداخلي
بفروعه المختلفة، أو بتعبير آخر: إن الشريعة
الإسلامية نظام واحد يشمل النظام الدولي
والداخلي معًا، وينتظمهما في وحدة قانونية
أو في نظام واحد. فالقانون الدولي والقانون
الداخلي هما - في الشريعة الإسلامية -
فرعان لنظام واحد، دون أن یکون لأحدهما
الصدارة على الآخر من حيث القوة القانونية،
جميعًا؛ لذلك لم يفرق الإسلام في خطاب فكلاهما يتساوى مع الآخر؛ لأن طبيعة
أحكامهما واحدة، ولأن مصدر كلٍ منهما
واحد، وهدف كل منهما واحد؛ والشريعة
لیست نظامًا قانونيًا داخليًا فحسب أدمجت
فيه الأحكام والقواعد الدولية، وليست
نظامًا دوليًا فحسب أدمجت فيه الأحكام
والقواعد القانونية الداخلية. وإنما هي نظام
وشريعة عالمية تنتظم العلاقات الداخلية
والدولية معًا، ويسري الفرع الداخلي منها في
النطاق الإقليمي للدولة الإسلامية العالمية،
بينما تسري أحكام الفرع الدولي منها على
العلاقات ما بين الدولة الإسلامية، وبين
غيرها من الدول الأخرى.
ويذهب الدكتور حسني جابر إلى أن
الشريعة الإسلامية قد قررت قاعدة أن القانون
الدولي له الأولوية على القانون الداخلي عند
التعارض، والأصل في ذلك قوله تعالى:
﴿وَإِنِ اسْتَصَرُوَكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ
النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَينَهُمْ مِيثَقْ وَاللّهُ بِمَا
تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٢].
فمناصرة الأقليات الإسلامية في الدول
غير الإسلامية إذا تعرضوا لاضطهاد
ديني هو واجب، بناء على تشريع داخلي
إسلامي يندرج في عموميات الجهاد، إلا
أن ذلك يمتنع إذا كان بين الدولة الإسلامية
وبين إحدى تلك الدول معاهدة لا تمكن
المسلمين من تلك المناصرة كمعاهدة عدم
جَوَسُوع
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
٢٨٤

العلاقات الدولية
اعتداء أو نحوها(١).
إلا أننا نلاحظ -حتى في هذه الحالة- أن
ذلك لا يعني أولوية في قانون ثنائي، وإنما هو
سريان لحكم شرعي في العلاقات الدولية
بين المسلمين وغيرهم في الفرع الدولي من
القانون أو الفقه الإسلامي (٢).
٤. مبنية على الالتزام الذاتي.
يقوم النظام الإسلامي على الالتزام
الذاتي بقواعد العلاقات الدولية؛ لأنه جزء
من قانونه الداخلي، أي: ولو بدون معاهدة
أو عرف دولي، وبصرف النظر عن قوة
الدولة الإسلامية وسيادتها وقدرتها على
الدول الأخرى، فالقانون الدولي الإسلامي
يستند إلى إرادة الدولة الإسلامية - شأنه في
ذلك شأن أي قانون إسلامي آخر في البلاد،
وحتى الالتزامات المفروضة بمقتضى
معاهدات ثنائية أو متعددة الأطراف دولية
فإن لها نفس الأساس. فهو التزام ذاتي سببه
التكليف الشرعي باعتبار أن أحكام الشريعة
الإسلامية خطاب ملزم للمسلم في ذاته، فهو
يطبق أحكام وقواعد السير في مجالها، كما
تطبق أي قاعدة شرعية أخرى في مجالها.
وكلها على وجه الالتزام وعلى وجه حكمها
(١) انظر: القانون الدولي، حسني جابر، ص ٣٩.
(٢) انظر: أصول العلاقات الدولية، عثمان
ضميرية ٢٧٣/١-٢٨١، أحكام القانون
الدولي في الشريعة الإسلامية، حامد سلطان،
ص ١٨٢ - ١٨٣.
الشرعي من الوجوب أو الندب أو الإباحة أو
الكراهة أو التحريم. فإنه - على سبيل المثال
- إذا طلب العدو الأمان أو الذمة، فيجب
إجابته إلى ذلك فرضًا بنص القرآن الكريم
على ذلك: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
أُسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ
مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦].
وفي الحديث الصحيح عن سليمان بن
بريدة عن أبيه في الدعوة إلى الإسلام قبل
القتال (فإن هم أبوا الإسلام فسلهم الجزية،
فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم)(٣).
وكذلك اعتبار عقد الأمان ملزمًا لنا
وحدنا دون من یعقد معهم من المشركين،
وكذلك لا ننتهز فرصة ضعف للإجهاز عليه،
ولا يجوز للمسلمين قتل الصبي أو المرأة في
الحرب - إلا في أحوال خاصة كما سيأتي-
ولا يجوز الغدر بهم حتى ولو غدروا.
وهذا الالتزام الخاص منشؤه أننا
الشريعة دونهم، وهم
مخاطبون بأحكام
ليسوا مخاطبين بفروعها ولا يلتزمونها (٤)،
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجهاد
والسير، باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث
ووصيته إياهم، ١٣٥٧/٣ -١٣٥٨.
(٤) أجمع العلماء على أن الكفار مخاطبون
بالإيمان وأصول الدين، واختلفوا في
تكليفهم بالفروع على مذاهب، فمنهم من
قال: هم مخاطبون بها، ومنهم من نفى
ذلك، ومنهم من فرق بين الأوامر والنواهي
فقال: يخاطب بالنواهي دون الأوامر. انظر
بالتفصيل هذا الخلاف وما يترتب عليه في
www. modoee.com
٢٨٥

حرف العين
فالتزامنا بها التزام أصيل وناشئ عن خضوعنا تعيشه أوربا في تلك العصور (٢).
لله تعالى في كل أعمالنا. وقد كانت الدولة
الإسلامية في أوج قوتها وعنفوان سيادتها
تلزم نفسها بأدق آداب الإسلام في القتال
والمعاهدات، ولو لم يلتزمها من تحاربهم،
إلا إذا ساغ في الشرع رد العدوان بمثله(١).
وأساس الإلزام بهذه الأحكام -وسائر
الأحكام- أنها أوامر الله سبحانه وتعالى
لعباده، فهو وحده الحاكم الآمر الواجب
الطاعة، وهو مقتضى الإيمان بالله وتوحيده
وعبادته.
أما في القانون الدولي، فقد نشأت
مدارس متعددة لتفسير طبيعة القانون
الدولي ومصادره وأساس الإلزام بقواعده.
وبالمقارنة نلمح شبهًا بين نظرية القانون
الطبيعي والأصول التي تقوم عليها الشريعة
الإسلامية، نتيجة التأثير الإسلامي في
أصحاب هذا الاتجاه الذين درسوا الثقافة
الإسلامية وعلوم الإسلام، ونشؤوا في بيئة
إسلامية الثقافة، وإن كانوا يخفون مصادر
تأثرهم؛ خشية الإرهاب الديني الذي كانت
((أصول السرخسي)): ١/ ٧٣ - ٧٨، ((البرهان
في أصول الفقه)) لإمام الحرمين الجويني:
١٠٧/١ - ١١٠، ((شرح تنقيح الفصول)
للقرافي، ص ١٦٦ - ١٦٧.
(١) انظر: مصنفة النظم الإسلامية، ص ٢٨٢ -
٣٢١، المشروعية في النظام الإسلامي،
مصطفی کمال وصفي، ص ٥١ - ٥٢.
٥. مقيدة بالشرع.
تتقيد جميع الأحكام بالمشروعية
الإسلامية، التي تتضمن التضامن في تنفيذ
ما أمرالله به وفي منع ما نهى عنه(٣).
فقد قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى أَلْبِرِ
وَالنَّقْوَىٌّ وَلَا نَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِّ وَأَتَّقُواْ
اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢].
ومن هنا تتميز أحكام العلاقات الدولية
والتنظيم الدولي الإسلامي عن القانون
الدولي الحديث، حيث تقوم في الإسلام
على هذا التضامن، فإن وحدة الأمة
الإسلامية التي تسكن دار الإسلام إنما
تظهر فيها أحكام الشريعة الإسلامية، وهذه
الوحدة المتماسكة لا يجوز أن يقوم بينها
وبين غيرها علاقة الحرب إلا لأجل إعلاء
كلمة الله تعالى، فلا يجوز أن تشن على
سائر البلاد حربًا بقصد الاغتناء الاقتصادي
أو فتح الأسواق أو تأمين المواصلات أو
غير ذلك، وإنما الهدف الوحيد الذي يسوغ
الحرب هو الجهاد لإعلاء كلمة الله تعالی؛
ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم وقد سئل عن الرجل يقاتل حمية
(٢) انظر: قواعد العلاقات الدولية، جعفر عبد
السلام، ص ٩١، الشخصية الدولية، محمد
كامل ياقوت، ص ٢٧١ - ٢٧٣.
(٣) انظر: المشروعية الإسلامية العليا، مصطفى
كمال وصفي، ص ١٩.
٢٨٦
جوب
القرآن الكريمِ

العلاقات الدولية
ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال:
(من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في
سبيل الله)(١).
موضوعات ذات صلة:
الاقتصاد، الحرب، السلم، السياسة،
العلاقات الاجتماعية
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد،
باب من قاتل لتكون كلمة الله العليا، ٢٠/٤،
رقم ٢٨١٠، ومسلم في صحيحه، كتاب
الإمارة، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي
العليا، ١٥١٢/٣ - ١٥١٣، رقم ١٩٠٤.
www. modoee.com
٢٨٧