Indexed OCR Text
Pages 61-80
العلاقات الدولية مخالفة للشروط المتفق عليها -كما الله صلى الله عليه وسلم، قصدهم رسول سيأتي - فإن المسلمين عندئذ في حلَّ الله صلى الله عليه وسلم من غير نبذٍ إليهم، من الالتزام بها والوفاء لها؛ لأنها لم تعد قائمة فعلًا. وبهذا يضع الفقه الإسلامي قيدًا على الوفاء بالعهد، ويعاملهم بالمثل فيما هو سائغ جائز لنا. وهذا ما يفهم من قولهم آنفًا: ((إن شرطوا أن لا نأسر منهم أحدًا، فليس ينبغي لنا أن نأسرهم أو نقتلهم إلا أن تظهر الخيانة منهم، بأن کانوا التزموا أن لا یقتلوا منا أحدًا، ولا يأسروا منا أحدًا، ثم فعلوا ذلك، فحينئذ يكون هذا منهم نقضًا للعهد، فلا بأس بأن نقتل أسراهم وأن نأسرهم، كما كان لنا ذلك قبل العهد))(١). والأصل في هذا قوله تعالى: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ عَهَدُثُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُطَهِّرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَنِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مَُّّتِهِمَّ إِنَّاللَّهَ يُحِبُّ الْمُنَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤]. وقوله تعالى: ﴿فَمَا أُسْتَقَمُواْ لَكُمْ فَأَسْتَقِيمُواْ لَهُمَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُثَّقِينَ﴾ [التوبة: ٧]. كما يدل على ذلك أيضًا أن أهل مكة لما نقضوا العهد مع النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية بمساعدتهم بني بكرٍ على خزاعة، وكانت خزاعة حلفاء رسول (١) السير الكبير ٣٠٣/١ - ٣٠٤. وسأل الله تعالى أن يعمي عليهم الأخبار حتى يأتيهم بغتة (٢). واتفق الفقهاء على أنه ينبغي على المسلمين أن يفوا بكل ما في المعاهدة من شرط صحيح، طالما أنها لا تزال قائمة لم تنتقض(٣). قال ابن حزم: ((اتفق الفقهاء على أن الوفاء بالعهود التي نص القرآن على جوازها ووجوبها وذكرت فيه بصفاتها وأسمائها، وذكرت في السنة كذلك، وأجمعت الأمة على وجوبها أو جوازها، فإن الوفاء بها فرض، وإعطاؤها جائز. واختلفوا في الوفاء بكل عهد كان بخلاف ما ذكرنا، أيحرم إعطاؤه ويبطل إن عقد أم ينفذ؟))(٤). هذا، وبالمقارنة نجد البون شاسعًا بين تأكيد الإسلام على الوفاء بالعهد وشروطه ومنع الغدر، حتى غدا ذلك أصلًا عظيمًا في العلاقات الدولية والاجتماعية، وبين واقع غير المسلمين في القديم والحديث، وتعاملهم مع المسلمين بالغدر وعدم (٢) انظر: السيرة النبوية، ابن هشام ٣٩٤/٢- ٣٩٥، زاد المعاد، ابن القيم ٣٩٤/٣. (٣) انظر: عقد الجواهر الثمينة، ابن شاس ٤٩٨/١، روضة الطالبين، النووي ٣٣٧/١٠، المغني، ابن قدامة ١٠/ ٥١٣. (٤) مراتب الإجماع، ابن حزم، ص ١٢٣. www. modoee.com ٢٤٩ حرف العین الوفاء، حتى اعترف بذلك كتابهم، ومنهم ثالثًا: الدولة الإسلامية وجنوح العدو إلى السلم: «فوشیه» الذي يقرر أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أوصى أتباعه بمراعاة المعاهدات وتنفيذ نصوصها، قبل أن تظهر في الغرب قاعدة احترام المعاهدات (١). بل في وقت كان الغرب يغط فيه في دياجير الجهالة والظلمة، ولم يكن فيه أي احترام لذمةٍ أو عهد أو ميثاق، وإنما كانت القاعدة هي الكذب والخديعة والغدر، حتى إن الكنيسة الكاثوليكية في القرن السابع عشر قد قامت بإعفاء الأمراء الكاثوليك من الالتزام بالمعاهدات التي أبرموها مع الكفار وغير المؤمنين بالكاثوليكية، ومنها المعاهدات المبرمة مع البروتستانت (٢). فكان ذلك شهادة لا يرقى إليها الشك؛ إذ هي شهادة من الأعداء، تدل على عظمة الإسلام وأحكامه وسمو مبادئه التي تقوم على الحق والعدل اللذين قامت بهما السموات والأرض (٣). (١) نقلاً عن آثار المعاهدات بالنسبة للدول غير الأطراف، محمد مجدي مرجان، ص ٢٣. (٢) تاريخ القانون الدولي، لوران، ٤٣٢/١٠ - ٤٣٩ نقلًا من المصدر السابق. (٣) انظر: حضارة العرب، غوستاف لوبون، ترجمة عادل زعيتر، ص ٣٣٠ - ٣٣١، الشرع الدولي في الإسلام، أرمنازي، ص ٤٠ - ٤١، منهج الإسلام في الحرب والسلام، عثمان ضميرية، ص ٥٤ - ٥٥، المعاهدات الدولية، أحمد أبو الوفا ص ١٢٤ - ١٢٥، آثار المعاهدات بالنسبة للدول غير الأطراف، قال الله تعالى: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا اُسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ، عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمَّ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَنَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا أُ وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلِّ فَاجْنَحْ لَّمَا تُظْلَمُونَ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) وَإِن يُرِيدُواْ أَنْ يَخْدَهُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اَللَّهُ هُوَ الَّذِىّ أَيَّكَ بِنَصْرِهِ، وَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٠ - ٦٢]. قال الإمام أبو جعفر الطبري: ((يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه ﴿ وَإِمَّا تَّخَفَنَ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةٌ﴾ وسلم: ﴿فَنَبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَآءِ﴾ وآذنهم وغدرًا، بالحرب ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَمَا﴾ وإن مالوا إلى مسالمتك ومتارکتك الحرب؛ إما بالدخول في الإسلام، وإما بإعطاء الجزية، وإما بموادعة، ونحو ذلك من أسباب السلم والصلح ﴿فَأَجْنَحْ لَمَا﴾، يقول: فمل إليها، وابذل لهم ما مالوا إليه من ذلك وسألوكه))(٤) . ويقول الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله: يقول تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُوا﴾ أي: محمد مجدي مرجان، ص ٢٣. (٤) جامع البيان ١٤/ ٤٠. ٢٥٠ مَوَسُو القرآن الكريمِ العلاقات الدولية الكفار المحاربون، أي: مالوا ﴿لِلسَّلْمِ﴾ أي: الصلح وترك القتال ﴿فَجْنَحْ لَهَا وَتَوَّكَلْ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: أجبهم إلى ما طلبوا متوكلا على ربك، فإن في ذلك فوائد كثيرة: منها: أن طلب العافية مطلوب كل وقت، فإذا كانوا هم المبتدئين في ذلك، کان أولی لإجابتهم. ومنها: أن في ذلك إجماما لقواكم، واستعدادا منكم لقتالهم في وقت آخر، إن احتيج لذلك. ومنها: أنكم إذا أصلحتم وأمن بعضكم بعضا، وتمكن كل من معرفة ما عليه الآخر، فإن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، فكل من له عقل وبصيرة إذا كان معه إنصاف فلا بد أن يؤثره على غيره من الأدیان، لحسنه في أوامره ونواهيه، وحسنه في معاملته للخلق والعدل فیھم، وأنه لا جور فیه ولا ظلم بوجه، فحينئذ یکثر الراغبون فيه والمتبعون له. فصار هذا السلم عونًا للمسلمين على الكافرين، ولا يخاف من السلم إلا خصلة واحدة، وهي أن يكون الكفار قصدهم بذلك خدع المسلمين، وانتهاز الفرصة فيهم، فأخبرهم الله أنه حسبهم و کافیهم خداعهم، وأن ذلك يعود عليهم ضرره (١). وفي ظلال هذه الآية الكريمة يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله: ((والتعبير عن (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٣٢٥. الميل إلى السلم بالجنوح تعبيرٌ لطيف، يلقي ظل الدعة الرقيق. فهي حركة جناح يميل إلی جانب السلم، ویرخي ريشه في وداعة! كما أن الأمر بالجنوح إلى السلم مصحوب بالتوكل على الله السميع العليم الذي يسمع ما يقال ويعلم ما وراءه من مخبآت السرائر. وفي التوكل عليه الكفاية والأمان. وبالعودة إلى تلخيص ابن القيم لطوائف الكفار ومواقفهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وموقفه کذلك منهم، أول العهد بالمدينة إلى يوم بدر ونزول هذا الحكم(٢). يتبين أن هذا النص يتعلق بالفريق الذي اعتزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقاتله وجنح إلى السلم ولم يظهر العداء والمقاومة للدعوة الإسلامية، ولا للدولة المسلمة. وقد أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يترك هذا الفريق، وأن يقبل مهادنته ومسالمته «وذلك حتى نزلت براءة ونزل فيها إمهال من لم یکن له عهد، أو کان له عهد غیر موقت، مدة أربعة أشهر، یکون له بعدها حکم آخر بحسب موقفه»، ومن ثم فھو لیس حكمًا نهائيًا على إطلاقه الذي يؤخذ من نصه مجردًا عن هذه الملابسات، ومجردًا كذلك عن النصوص التالية له في الزمن، وعن التصرفات الواقعية بعده لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ولكن النص كان له (٢) انظر: زاد المعاد، ابن القيم ١٦٠/٣. www. modoee.com ٢٥١ حرف العين نوع من العموم في الحكم في حينه. فقد رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميرًا على سرية أو عمل رسول الله صلی الله عليه وسلم به حتى نزلت سورة براءة، ومن عمله به كان صلح الحديبية في السنة السادسة للهجرة .. جیش أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله، وبمن معه من المسلمين خيرًا، وقال: (اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلی إحدی ثلاث خصال أو خلال، فأيتهن أجابوك إليها فاقبل منهم، وكف عنهم؛ ادعهم إلى الإسلام. فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأعلمهم إن فعلوا ذلك أن لهم ما للمهاجرين وأن عليهم ما على المهاجرين. فإن أبوا واختاروا دارهم فأعلمهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة نصيب، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين. فإن أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوا فاقبل منهم وكف عنهم. فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم))(١). ولقد اتجه بعض الفقهاء إلى اعتبار الحكم نهائيًّا ودائمًا، ففسروا الجنوح إلى السلم بقبول أداء الجزية ولكن هذا لا يتفق مع الواقع التاريخي، فإن أحكام الجزية نزلت في سورة براءة بعد السنة الثامنة للهجرة، وهذه الآية نزلت في السنة الثانية بعد بدر ولم تكن أحكام الجزية موجودة. والأقرب إلى الصحة بمراجعة الأحداث وتواريخ النزول والطبيعة الحركية للمنهج الإسلامي، أن يقال: إن هذا الحكم ليس نهائيًّا، وأنه عدل أخيرًا بالأحكام النهائية التي نزلت في سورة براءة ((التوبة)) والتي انتهى بها الناس إلى أن يكونوا مع الإسلام: إما محاربين يحاربون، وإما مسلمين تحکمهم شريعة الله، وإما أهل ذمة يؤدون الجزية وهم على عهدهم ما استقاموا، وهذه هي الأحكام النهائية التي تنتهي إليها حركة الجهاد الإسلامي. والمشكل في هذا الحديث هو ذكر الهجرة ودار المهاجرين، مع ذكر الجزية، الفتح لم تعد هجرة ((بالقياس إلى الجماعة المسلمة الأولى التي انتهت إلى دار إسلام وكل ما عداها هو حالات واقعية يسعى والجزية لم تفرض إلا بعد الفتح، وبعد الإسلام إلى تغييرها حتى تنتهي إلى هذه الأوضاع الثلاثة التي تمثل العلاقات النهائية، وهي العلاقات التي يمثلها الحديث الذي أخرجه مسلم عن بريدة الأسلمي (١) أخرجه مسلم في صحيحه، الجهاد، باب تأمیر الإمام الأمراء على البعوث ١٣٥٧/٣. ٢٥٢ القرآن الكريم العلاقات الدولية وفتح وتمكن))، والثابت أن الجزية لم تفرض إلا بعد السنة الثامنة، وأنها من ثم لم تؤخذ من المشركين العرب؛ لأنهم أسلموا قبل نزول الجزية، فقبلت بعد ذلك من أمثالهم من المشركين المجوس، وهم مثلهم في الشرك، ولو نزلت أحكام الجزية وفي الجزيرة مشركون لقبلت منهم كما يقرر الإمام ابن القيم. وهو - فيما ذكر - قول أبي حنيفة وأحد قولي الإمام أحمد، أما القرطبي فقد روى هذا القول عن الأوزاعي ومالك، وروى غيره عن أبي حنيفة (١). وعلى أية حال فالذي ننتهي إليه، أن قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَّكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنفال: ٦١]. لا یتضمن حکمًا مطلقًا نهائيًّا في الباب، وأن الأحكام النهائية نزلت فيما بعد في سورة براءة، إنما أمر الله رسوله أن يقبل مسالمة وموادعة ذلك الفريق الذي اعتزله فلم یقاتله، سواء كان قد تعاهد، أو لم يتعاهد معه حتى ذلك الحين، وأنه ظل يقبل السلم من الكفار وأهل الكتاب حتى نزلت أحكام سورة براءة. فلم يعد يقبل إلا الإسلام أو الجزية، أو هو القتال ما استطاع المسلمون هذا؛ لیکون الدین کله لله(٢). (١) انظر: أصول العلاقات الدولية في فقه الإمام محمد بن الحسن الشيباني، عثمان جمعة ضميرية ١ / ٤٦٤ - ٤٨٧. (٢) الظلال، سيد قطب ١٥٤٥/٣- ١٥٤٦. مزايا الدولة الإسلامية مزايا الدولة الإسلامية هي مجموعة من الخصائص والقابليات التي تفردها عن الأمم الأخرى، وتجعل لها كيانها المتكامل الفريد وشخصيتها الذاتية (٣). وهي خصائص ومزايا كثيرة، ومنها: أولًا: التمكين في الأرض: التمكين هو: التوثيق، وأصله إقرار الشيء في مكان. وهو مستعمل فيما يأتي من الآيات الكريمة في التسليط والتمليك. وتمكين المؤمنين الذي تتميز به الدولة المسلمة هو تسليطهم على شيء من الأرض فیکون ذلك شأنھم فیما هو من ملکھم وما بسطت فيه أيديهم. قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ الَهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْمِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ اْأَرْضِ ڪَمَا أُسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَكُمْ دِينَهُمُ الَّذِ آَرْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنَا يَعْبُدُونَِّ لَا يُشْرِكُونَ بِى شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَوْلَيْكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥]. وهذا وعدٌ من وعود الله الصادقة، التي شوهد تأويلها ومخبرها، فإنه وعد من قام (٣) انظر: تميز الأمة الإسلامية إسحاق عبدالله السعدي: ٥١/١-٦٨ ففيه بيان لمفهوم التميز والمزايا في اللغة العربية وفي النصوص الشرعية. www. modoee.com ٢٥٣ حرفالعین بالإيمان والعمل الصالح من هذه الأمة، أن الصالح، فلا بد أن يوجد ما وعدهم الله، وإنما يسلط عليهم الكفار والمنافقين، ويديلهم في بعض الأحيان، بسبب إخلال المسلمين بالإيمان والعمل الصالح (١). يستخلفهم في الأرض، یکونون هم الخلفاء فيها، المتصرفین في تدبيرها، وأنه يمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وهو دين الإسلام، الذي فاق الأديان كلها، ارتضاه لهذه الأمة؛ لفضلها وشرفها، ونعمته عليها بأن يتمكنوا من إقامته، وإقامة شرائعه الظاهرة والباطنة في أنفسهم وفي غيرهم؛ لكون غيرهم من أهل الأدیان وسائر الكفار مغلوبین ذلیلین، وأنه يبدلهم من بعد خوفهم الذي كان الواحد منهم لا یتمکن من إظهار دينه، وما هو علیه إلا بأذی کثیر من الكفار، وکون جماعة المسلمين قليلين جدًّا بالنسبة إلى غيرهم، وقد رماهم أهل الأرض عن قوس واحدة. فوعدهم الله هذه الأمور وقت نزول الآية، وهي لم تشاهد الاستخلاف في الأرض والتمكين فيها، والتمكين من إقامة الدين الإسلامي، والأمن التام، بحيث يعبدون الله ولا يشركون به شيئًا، ولا يخافون أحدًا إلا الله، فقام صدر هذه الأمة، من الإيمان والعمل الصالح، بما يفوقون على غيرهم، فمكنهم من البلاد والعباد، وفتحت مشارق الأرض ومغاربها، وحصل الأمن التام والتمكين التام. فهذا من آيات الله العجيبة الباهرة، ولا يزال الأمر إلى قيام الساعة، مهما قاموا بالإيمان والعمل وفي ظلال هذه الآية الكريمة يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله: «ذلك وعد الله للذين آمنوا وعملوا الصالحات من أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن يستخلفهم في الأرض، وأن يمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وأن يبدلهم من بعد خوفهم أمنًا ذلك وعد الله، ووعد الله حق، ووعد الله واقع، ولن يخلف الله وعده، فما حقيقة ذلك الإيمان؟ وما حقيقة هذا الاستخلاف؟ إن حقيقة الإيمان التي يتحقق بها وعد الله حقيقة ضخمة تستغرق النشاط الإنساني کله، وتوجه النشاط الإنساني کله، فما تكاد تستقر في القلب حتى تعلن عن نفسها في صورة عمل ونشاط وبناء وإنشاء موجه كله إلی الله، لا يبتغي به صاحبه إلا وجه الله، وهي طاعة لله واستسلام لأمره في الصغيرة والكبيرة، لا یبقی معها هوی في النفس، ولا شهوة في القلب، ولا ميل في الفطرة إلا وهو تبع لما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند الله. فهو الإيمان الذي يستغرق الإنسان کله، بخواطر نفسه، وخلجات قلبه. وأشواق (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٥٧٣. ٢٥٤ جَوَسُوع القرآن الكريم العلاقات الدولية روحه، وميول فطرته، وحركات جسمه، ولفتات جوارحه، وسلوكه مع ربه في أهله ومع الناس جميعا، ويتوجه بهذا كله إلى الله. يتمثل هذا في قول الله سبحانه في الآية نفسها تعليلاً للاستخلاف والتمكين والأمن: ﴿يَعْبُدُونَنِ لَا يُشْرِكُونَ بِ شَيْئًا﴾. والشرك مداخل وألوان، والتوجه إلى غير الله بعمل أو شعور هو لونٌ من ألوان الشرك بالله. ذلك الإیمان منهج حياة کامل، يتضمن کل ما أمر الله به، ويدخل فيما أمر الله به توفير الأسباب، وإعداد العدة، والأخذ بالوسائل، والتهيؤ لحمل الأمانة الكبرى في الأرض أمانة الاستخلاف .. فما حقيقة الاستخلاف في الأرض؟ إنها ليست مجرد الملك والقهر والغلبة والحكم، إنما هي هذا كله على شرط استخدامه في الإصلاح والتعمير والبناء، وتحقيق المنهج الذي رسمه الله للبشرية كي تسير عليه، وتصل عن طريقه إلى مستوى الكمال المقدر لها في الأرض، اللائق بخلیقة أکرمها الله. بالنفس البشرية والنظام البشري، لا على الانحدار بالفرد والجماعة إلى مدارج الحيوان! وهذا الاستخلاف هو الذي وعده الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات وعدهم الله أن يستخلفهم في الأرض كما استخلف المؤمنين الصالحين قبلهم؛ ليحققوا النهج الذي أراده الله، ويقرروا العدل الذي أراده الله ويسيروا بالبشرية خطوات في طريق الكمال المقدر لها يوم أنشأها الله، فأما الذين يملكون فيفسدون في الأرض، وينشرون فيها البغي والجور، وينحدرون بها إلى مدارج الحيوان، فهؤلاء ليسوا مستخلفين في الأرض. إنما هم مبتلون بما هم فيه، أو مبتلى بهم غيرهم، ممن يسلطون عليهم؛ لحكمة يقدرها الله، آية هذا الفهم لحقيقة الاستخلاف قوله تعالى بعده: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَكُمْ دِينَهُمُ الَّذِى آْتَضَى لَهُمْ﴾ وتمكين الدين يتم بتمكينه في القلوب، کما یتم بتمکینه في تصریف الحياة وتدبيرها. فقد وعدهم الله إذن أن يستخلفهم في الأرض، وأن يجعل دينهم الذي ارتضى لهم هو الذي يهيمن على الأرض. ودينهم يأمر بالإصلاح، ويأمر بالعدل، ويأمر بالاستعلاء على شهوات الأرض، ويأمر بعمارة هذه إن الاستخلاف في الأرض قدرة على العمارة والإصلاح، لا على الهدم والإفساد، وقدرة على تحقيق العدل والطمأنينة، لا الأرض، والانتفاع بكل ما أودعها الله من ثروة، ومن رصيد، ومن طاقة، مع التوجه على الظلم والقهر، وقدرة على الارتفاع بكل نشاط فيها إلى الله. ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ www. modoee.com ٢٥٥ حرف العين خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ ولقد كانوا خائفين، لا يأمنون، فاتخذوا الحجزة والشرط، وغيروا فغير بهم. ولا يضعون سلاحهم أبدًا حتى بعد هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قاعدة الإسلام الأولى بالمدينة. قال الربيع بن أنس عن أبي العالية في هذه الآية: (كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بمكة نحوًا من عشر سنين يدعون إلى الله وحده، وإلى عبادته وحده بلا شريك له، سرًّا وهم خائفون لا يؤمرون بالقتال حتى أمروا بَعْدُ الهِجْرَةَ إلى المدينة، فقدموها، فأمرهم الله بالقتال، فکانوا بها خائفين، يمسون في السلاح ويصبحون في السلاح، فصبروا على ذلك ما شاء الله. ثم إن رجلا من الصحابة قال: يا رسول الله أبد الدهر نحن خائفون هكذا؟ أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع عنَّا السلاح؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لن تصبروا إلا يسيرًا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم لیست فیه حدیدة) وأنزل الله هذه الآية)(١). فأظهر الله نبيه على جزيرة العرب، فآمنوا ووضعوا السلاح. ثم إن الله قبض نبيه صلى الله عليه وسلم فكانوا كذلك آمنين في إمارة أبي بكر وعمر وعثمان. حتى وقعوا فيما وقعوا فيه، فأدخل الله عليهم الخوف، (١) أخرجه الطبري في تفسيره ١٥٩/١٨ - ١٦٠، ووصله الحاكم في المستدرك: ٤٠١/٢. قال الهيثمي في المجمع ٧/ ٨٣: أخرجه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات. ﴿وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَوْلَكَ هُمُ اٌلْفَسِقُونَ﴾ الخارجون على شرط الله، ووعد الله، وعهد الله. لقد تحقق وعد الله مرة، وظل متحققًا وواقعًا ما قام المسلمون على شرط الله: ﴿يَعْبُدُونَنِ لَا يُشْرِكُنَ بِ شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥] لا من الآلهة ولا من الشهوات. ويؤمنون -من الإیمان- ويعملون صالحًا. ووعد الله مذخورٌ لكل من يقوم على الشرط من هذه الأمة إلى يوم القيامة، إنما يبطؤ النصر والاستخلاف والتمكين والأمن؛ لتخلف شرط الله في جانب من جوانبه الفسيحة أو في تكليف من تكاليفه الضخمة، حتى إذا انتفعت الأمة بالبلاء، وجازت الابتلاء، وخافت فطلبت الأمن، وذلت فطلبت العزة، وتخلفت فطلبت الاستخلاف، کل ذلك بوسائله التي أرادها الله، وبشروطه التي قررها الله تحقق وعد الله الذي لا يتخلف، ولا تقف في طريقه قوة من قوى الأرض جميعا (٢). وقال سبحانه وتعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِّمُواْ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ﴿ الَّذِينَ أُخْرِحُواْ مِن دِيَرِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلََّ أَنْ يَقُولُواْ رَبُّنَا اَللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ (٢) في ظلال القرآن ٢٥٢٨/٤- ٢٥٣٠. ٢٥٦ القرآن الكريم العلاقات الدولية بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّدِّمَتْ صَوَِّعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَتٌ وَمَسَجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا أَسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ، إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُّ عَزِيزٌ ﴿ الَّذِينَ إِن مَكَّنَّهُمْ فِ الْأَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنكَرِّ وَلِلَّهِ عَقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٣٩ - ٤١]. والكلام هنا في الآيات الكريمة مسوقٌ للتنبيه على الشكر على نعمة النصر بأن يأتوا بما أمر الله به من أصول الإسلام، فإن بذلك دوام نصرهم، وانتظام عقد جماعتهم، والسلامة من اختلال أمرهم، فإن حادوا عن ذلك فقد فرطوا في ضمان نصرهم وأمرهم إلى الله. فأما إقامة الصلاة فلدلالتها على القيام بالدين وتجديد لمفعوله في النفوس، وأما إيتاء الزكاة فهو ليكون أفراد الأمة متقاربين في نظام معاشهم، وأما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلتنفيذ قوانين الإسلام بين سائر الأمة من تلقاء أنفسهم»(١). وقد جاء هذا المعنى في آيات أخرى كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّكُمْ فِى الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَنِسَنُ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٠]. وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِّنَا مَن نَّشَآءُ (١) التنوير والتحرير، ابن عاشور ٢٨٠-٢٨١. وَلَا تُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٦]. ثانيًا: تحقيق العدل: تقوم الدولة الإسلامية على العدل الحقيقي، بل تهدف إلى تحقيق أعدل سيرة ممكنة للحاكم المسلم في هذا المجال، وتتنزه عن اعتبارات الأنانية والظلم والصراع على المصالح الذاتية؛ فإن الله تعالى ما بعث الرسل وأنزل عليهم الكتب والشرائع إلا ليقوم الناس بالحق والعدل والقسط. و العدل: هو المساواة بين الناس في تطبيق الأحكام وإعطاء الحقوق لأصحابها، وعدم التمييز بينهم في المعاملة تبعًا للهوى والمصلحة الذاتية. وقد أعلى الإسلام من قيمة العدل فجعله الغاية من إرسال الرسل -عليهم الصلاة والسلام- وإنزال الشرائع والكتب. قال سبحانه وتعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَّيِّنَتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَبَ وَاَلْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اَللَّهُ مَن يَنصُرُهُ. وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبٍ إِنَّ اللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥]. وبالعدل والحق قامت السماوات والأرض. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلَّا بِالْحَقُِّّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَنِيَّةٌ فَاصْفَجِ الصَّفْحَ الْجِيلَ﴾ www. modoee.com ٢٥٧ حرف العين [الحجر: ٨٥]. وقال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَنَفَكَّرُواْفِىَّ أَنْفُسِهِمْ مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَتَّىٌّ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَآٍ رَبِّهِمْ لَكَفِرُونَ﴾ [الروم: ٨]. وقال أيضًا: ﴿ مَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَنَّىَّ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّاً أُنْذِرُواْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف: ٣]. وبالعدل يطمئن الناس على حقوقهم، وتتطهر قلوبهم ونفوسهم من الأحقاد والخصومات والضغائن، وعندئذ تسودهم السعادة وينتشر بينهم السلام، ويترقون في مدارج الحضارة والعلم والرقي (١). والإسلام يسير في إقرار العدل والدعوة إليه بخطوات متدرجة، فيبدأ بالعدل مع النفس: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّمِينَ بَاَلْقِسْطِ شُهَدَآهُ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥]. ثم العدل مع الأهل والأسرة: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِي الْيَ فَأَنْكِحُوْمَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَآَ مَثْفَ وَثُلَثَ وَرُبَعٌ فَإِنْ خِقْتُمْ أَلَّا نَعْدِلُواْ فَوَتِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَتَكُمْ ذَلِكَ أَدْنَ أَلَّ تَعُولُواْ﴾ [النساء: ٣ ]. والعدل مع القرابة: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَأَعْدِلُواْ (١) انظر: فلسفة التربية الإسلامية، ماجد عرسان الكيلاني، ص ١٤٣- ١٤٨، القرآن العظيم في هدايته وإعجازه، محمد الصادق عرجون، ص ٣١ -٣٨. وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبٌ ﴾ [الأنعام: ١٥٢]. والعدل مع هؤلاء جميعا في دائرة واحدة: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَِّمِينَ بَلْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ اَلْوَلِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِنَّ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيْرًا فَللَّهُ أَوْلَى بِهِمَّاً فَلَا تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥ ]. والعدل بين المتخاصمين والمتقاتلين من المؤمنين: ﴿وَإِن طَيِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَاْ فَإِنَّ بَغَتْ إِحْدَدُهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَائِلُواْ الَّتِى تَبْغِ حَّى تَفِىَِّ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَآَمَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُواْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩]. ثم ينتهي بالعدل مع الأمم الأخرى، فيشمل البشرية كلها بعدله ورحمته: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ أَلْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدَّلِّ إِنَّ اللّهَ نِمَا يَعِظُكُمْ بِّهِ إِنَّاللَّهَ كَانَ سَمِيعً بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨]. وقد تضافرت الأدلة الشرعية والعقلية والواقع التاريخي العملي على تقرير هذا المبدأ والدعوة إليه بوسائل متعددة: فمن القرآن الكريم: أرست الآيات القرآنية هذا الأصل الكبير، وجعلته قاعدة عامة مطلقة، لا تختص بأمر من الأمور ولا قوم من الأقوام. فقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ وَإِيتَآَيٍ ذِى الْقُرْبَ ٢٥٨ جوسين القرآن الكريم العلاقات الدولية وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغِيَّ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]. وقال تعالى في الحكم بما أنزل الله، و هو الحق والعدل: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِآلْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيّدٍ مِنَ الْكِتَبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءُ هُمْ عَمَّا جَآءَلَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجَأْ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَحِدَةٌ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَّكُمْ فِي مَآ ءَاتَنَكُمْ فَاسْتَبِقُواْ اُلْخَيْرَتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [المائدة: ٤٢]. وفي المعاملة مع الأعداء؛ لا يجوز أن تحملنا العداوة لهم والبغضاء على أن نَنْتَكِبَ جادة العدل؛ فإن شريعة الله تعالى هي شرعة الحق والعدل المطلق. قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُواْ قَوَِّينَ ◌ِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِ مَنَّكُمْ شَنَكَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُواْ أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَأَتَّقُواْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ خَبِيْرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨]. كما حكت الآيات القرآنية واقعة عملية؛ حيث نزلت لتبرئ ساحة يهودي اتهم بالسرقة، بل نزلت لتقيم ميزان العدالة الذي لا يميل مع الهوى ولا مع العصبية، ولا يتأرجح مع المودة والشنآن أيًّا كانت الملابسات والأحوال، وأمرت النبي صلى الله عليه وسلم ألا يجادل عن الذين اتهموا اليهودي بذلك؛ لأنهم يختانون أنفسهم(١). (١) القصة التي رويت من عدة مصادر في سبب نزول هذه الآيات أن نفرًا من الأنصار - قتادة بن النعمان وعمه رفاعة - غزوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته. فسرقت درع لأحدهم -رفاعة- فحامت الشبهة حول رجل من الأنصار من أهل بيت يقال لهم: بنو أبيرق. فأتى صاحب الدرع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن طعمة بن أبيرق سرق درعي. فلما رأى السارق ذلك عمد إلى الدرع فألقاها في بيت رجل يهودي اسمه زيد بن السمين، وقال لنفر من عشيرته: إني غيبت الدرع، وألقيتها في بيت فلان. وستوجد عنده. فانطلقوا إلى رسول الله صلی الله علیه وسلم فقالوا: یا نبي الله: إن صاحبنا بريء، وإن الذي سرق الدرع فلان. وقد أحطنا بذلك علمًا، فاعذر صاحبنا على رؤوس الناس، وجادل عنه، فإنه إن لم يعصمه الله بك يهلك .. ولما عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الدرع وجدت في بيت اليهودي، قام فبرأ ابن أبيرق وعذره على رؤوس الناس. وكان أهله قد قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم قبل ظهور الدرع في بيت اليهودي: إن قتادة بن النعمان وعمه عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت! قال قتادة: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمته. فقال: [عمدت إلى أهل بيت يذكر منهم إسلام وصلاح وترميهم بالسرقة على غير ثبت ولا بينة؟] قال: فرجعت، ولوددت أني خرجت من بعض مالي ولم أكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك. فأتاني عمي رفاعة فقال: يا ابن أخي ما صنعت؟ فأخبرته بما قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: الله المستعان، فلم نلبث أن نزلت ﴿إِنَّ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ www. modoee.com ٢٥٩ حرف العین ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَآ أَرَكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَلَيِنِينَ خَصِيمًا ﴿ وَأَسْتَغْفِرِ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ وَلَا تُجَدِّلْ عَنِ الَّذِينَ غَفُورًا رَّحِيمًا يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانَا أَثِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥ - ١٠٧]. وفي ظلال هذه الآيات الكريمة يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله: هذه الآيات تحكي قصةً لا تعرف لها الأرض نظیرًا، ولا تعرف لها البشرية شبيهًا، وتشهد وحدها بأن هذا القرآن وهذا الدين لا بد أن يكون من عند الله؛ لأن البشر -مهما ارتفع تصورهم، ومهما صفت أرواحهم، ومهما استقامت طبائعهم- لا يمكن أن يرتفعوا بأنفسهم إلى هذا المستوى الذي تشیر إلیه هذه الآيات إلا بوحي من الله. هذا المستوى الذي يرسم خطًا على الأفق لم تصعد إليه البشرية إلا في ظل هذا المنهج، ولا تملك الصعود إليه أبدًا إلا في ظل هذا المنهج كذلك، إنه في الوقت الذي كان اليهود في المدينة يطلقون كل سهامهم المسمومة، التي تحويها جعبتهم اللئيمة، على الإسلام والمسلمين والتي حكت هذه السورة -النساء- وسورة البقرة وسورة آل بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَِّنِينَ خَصِيمًا (٥)﴾ [النساء: ١٠٥]. انظر: جامع البيان، الطبري ٩/ ١٨٣، معالم التنزيل، البغوي ٢٤٤٧/٢-٢٤٨. عمران جانبًا منها ومن فعلها في الصف المسلم. في الوقت الذي كانوا فيه ينشرون الأكاذيب ويؤلبون المشركين ويشجعون المنافقين، ويرسمون لهم الطريق ويطلقون الإشاعات ويظللون العقول ويطعنون في القيادة النبوية، ويشككون في الوحي والرسالة ويحاولون تفسيخ المجتمع المسلم من الداخل، في الوقت الذي يؤلبون عليه خصومه؛ ليهاجموه من الخارج والإسلام ناشئ في المدينة، ورواسب الجاهلية ما يزال لها آثارها في النفوس، ووشائج القربى والمصلحة بين بعض المسلمين وبعض المشركين والمنافقين واليهود أنفسهم تمثل خطرًا حقيقيًّا على تماسك الصف المسلم و تناسقه. في هذا الوقت الحرج الخطر الشديد الخطورة كانت هذه الآيات كلها تتنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى الجماعة المسلمة؛ لتنصف رجلًا يهوديًّا اتهم ظلما بسرقة؛ ولتدين الذين تآمروا على اتهامه، وهم بيت من الأنصار في المدينة، والأنصار يومئذ هم عدة الرسول صلى الله عليه وسلم وجنده في مقاومة هذا الكيد الناصب من حوله، ومن حول الرسالة والدين والعقيدة الجديدة. أي مستوى هذا من النظافة والعدالة ٢٦٠ القرآن الكريمِ العلاقات الدولية والتسامي؟! ثم أي كلام يمكن أن يرتفع ليصف هذا المستوى؟ وكل كلام، وکل تعليق، وكل تعقيب يتهاوى دون هذه القمة السامقة التي لا يبلغها البشر وحدهم، بل لا يعرفها البشر وحدهم إلا أن يقادوا بمنهج الله إلى هذا الأفق العلوي الكريم الوضيء. إن المسألة لم تكن مجرد تبرئة بريء تآمرت عليه عصبة؛ لتوقعه في الاتهام - وإن كانت تبرئة بريء أمرًا هائلًا ثقيل الوزن في میزان الله- إنما كانت أكبر من ذلك، كانت هي إقامة الميزان الذي لا یمیل مع الهوى، ولا مع العصبية، ولا يتأرجح مع المودة والشنآن آیا كانت الملابسات والأحوال. وكانت المسألة هي تطهير هذا المجتمع الجديد، وعلاج عناصر الضعف البشري فيه مع علاج رواسب الجاهلية والعصبية في كل صورها حتى في صورة العقيدة، إذا تعلق الأمر بإقامة العدل بين الناس وإقامة هذا المجتمع الجديد الفريد في تاريخ البشرية على القاعدة الطيبة النظيفة الصلبة المتينة التي لا تدنسها شوائب الهوى والمصلحة والعصبية، والتي لا تترجرج مع الأهواء والميول والشهوات، ولقد كان هناك أكثر من سبب للإغضاء عن الحادث، أو عدم التشديد فیه والتنديد به وكشفه هكذا لجميع الأبصار. بل فضحه بين الناس على هذا النحو العنيف المكشوف. كان هناك أكثر من سبب لو كانت الاعتبارات الأرضية هي التي تتحكم وتحكم. ولو كانت موازين البشر ومقاييسهم هي التي يرجع إليها هذا المنهج؛ كان هناك سبب واضح عريض أن هذا المتهم (يهودي)) من يهود، يهود التي لا تدع سهمًا مسمومًا تملكه إلا أطلقته في حرب الإسلام وأهله، يهود التي يذوق منها المسلمون الأمرين في هذه الحقبة ويشاء الله أن يكون ذلك في كل حقبة، يهود التي لا تعرف حقًا ولا عدلًا ولا نصفة، ولا تقيم اعتبارًا لقيمة واحدة من قيم الأخلاق في التعامل مع المسلمين على الإطلاق. وكان هنالك سبب آخر: وهو أن الأمر في الأنصار، الأنصار الذين آووا ونصروا، والذين قد يوجد هذا الحادث بين بعض بيوتهم ما يوجد من الضغائن، بينما أن اتجاه الاتهام إلى يهودي يبعد شبح الشقاق. و کان هنالك سبب ثالث: هو عدم إعطاء اليهود سهمًا جديدًا يوجهونه إلى الأنصار، وهو أن بعضهم يسرق بعضًا، ثم يتهمون اليهود، وهم لا يدعون هذه الفرصة تفلت؛ للتشهير بها والتغرير، ولكن الأمر كان أکبر من هذا كله، کان أکبر من كل هذه الاعتبارات الصغيرة، الصغيرة في حساب الإسلام. كان أمر تربية هذه الجماعة الجديدة؛ www. modoee.com ٢٦١ حرفالعین لتنهض بتكاليفها في خلافة الأرض وفي إخفاء ما يحرج، وتغطية ما يسوء، ولم يكن هناك مجال لمصلحة الجماعة المسلمة الظاهرية، ومراعاة الظروف الوقتية المحيطة بها. قيادة البشرية، وهي لا تقوم بالخلافة في الأرض ولا تنهض بقيادة البشرية حتى يتضح لها منهج فريد متفوق على كل ما تعرف البشرية وحتى يثبت هذا المنهج في حياتها الواقعية، وحتی یمحص کیانها تمحيصا شديدا وتنفض عنه كل خبيئة من ضعف البشر ومن رواسب الجاهلية، وحتی یقام فيها میزان العدل؛ لتحكم به بین الناس مجردًا من جميع الاعتبارات الأرضية، والمصالح القريبة الظاهرة، والملابسات التي يراها الناس شيئًا كبيرًا لا يقدرون على تجاهله. واختار الله سبحانه هذا الحادث بذاته، في ميقاته مع يهودي من يهود التي يذوق منها المسلمون الأمرين إذ ذاك في المدينة والتي تؤلب علیهم المشرکین، وتؤيد بینهم المنافقين، وترصد کل ما في جعبتها من مکر وتجربة وعلم لهذا الدين، وفي فترة حرجة من حياة المسلمين في المدينة، والعداوات تحيط بهم من كل جانب، ووراء كل هذه العداوات يهود. ليقول فيه سبحانه للجماعة المسلمة ما أراد أن يقول، وليعلمها به ما يريد لها أن تتعلم، ومن ثم لم يكن هناك مجال للباقة، ولا للكياسة، ولا للسياسة، ولا للمهارة في هنا كان الأمر جدًّا خالصًا، لا يحتمل الدهان ولا التمويه وكان هذا الجد هو أمر هذا المنهج الرباني وأصوله، وأمر هذه الأمة التي تعد؛ لتنهض بهذا المنهج وتنشره، وأمر العدل بين الناس، العدل في هذا المستوى الذي لا يرتفع إليه الناس - بل لا يعرفه الناس- إلا بوحي من الله، وعون من الله. وينظر الإنسان من هذه القمة السامقة على السفوح الهابطة - في جميع الأمم على مدار الزمان- فيراها هنالك، هنالك في السفوح ويرى بين تلك القمة السامقة والسفوح الهابطة صخورًا متردية، هنا وهناك، من الدهاء والمراء، والسياسة، والكياسة، والبراعة، والمهارة، ومصلحة الدولة، ومصلحة الوطن، ومصلحة الجماعة إلى آخر الأسماء والعنوانات فإذا دقق الإنسان فیها النظر رأی من تحتها الدود. وينظر الإنسان مرة أخرى فيرى نماذج اختار الله هذا الحادث في هذا الظرف؛ الأمة المسلمة وحدها صاعدة من السفح إلى القمة تتناثر على مدار التاريخ، وهي تتطلع إلى القمة التي وجهها إليها المنهج الفريد. أما العفن الذي يسمونه ((العدالة)) في أمم جَوَسُ القرآن الكريم ٢٦٢ العلاقات الدولية الجاهلية الغابرة والحاضرة، فلا يستحق أن نرفع عنه الغطاء في مثل هذا الجو النظيف الكريم»(١). وفي أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته ما يؤكد ذلك، فهي تلزم الحاكم بالعدل وترتب على ذلك عظيم الأجر والثواب، وتنھی عن الظلم وتبین آثاره على الظالمین، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سبعةٌ يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمامٌ عدل، وشاب نشأ في عبادة الله.)(٢). وقال عليه الصلاة والسلام: (إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حکمهم وأهلیھم وما ولوا)(٣). وقال أيضًا: (إن أحب الناس إلى الله يوم القيامة، وأقربهم منه مجلسًا: إمام عادل، وإن أبغض الناس إلى الله يوم القيامة، وأبعدهم منه مجلسًا: إمام جائر) (٤). (١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٧٥١/٢-٧٥٣. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأذان، باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة ٢/ ١٤٣، ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب فضل إخفاء الصدقة ٢/ ٧١٥. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل ١٤٥٨/٣. (٤) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الأحكام، باب ما جاء في الإمام العادل: ٤ / ٥٥٩. قال: حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وأخرج مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن الله تبارك وتعالى أنه قال: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا)(٥). من الوقائع في العدل المطلق في الإسلام، والذي لا يفرق بين الناس في إقامة أحكام الشريعة في الحدود ما أخرجه البخاري عن عائشة رضي الله عنها (أن قريشًا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا ومن يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلمه أسامة، فقال رسول الله صلی الله عليه وسلم: (أتشفع في حدٍ من حدود الله) ثم قام فاختطب ثم قال: (إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وایم الله لو أن فاطمة بنت محمدٍ سرقت لقطعت يدها)(٦). وقال تعالى: ﴿فَأَعْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمِّ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُم بِالْقِسْطٍ إِنَّ اللَّهَ وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة، ١٩٧/٣، رقم ١١٥٦. (٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة، باب تحريم الظلم، ٤ /١٤٤٩. (٦) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحدود، باب إقامة الحدود على الشريف والوضيع، ١٦٠/٨، رقم ٦٧٨٧. www. modoee.com ٢٦٣ حرف العين يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢]. ثم جاء الواقع التاريخي شاهدًا صادقًا على ذلك، والأمثلة على هذا كثيرةٌ تعز على الحصر، حسبنا منها الإشارة إلى واقعتين اثنتين: الأولى: حكم القاضي جُمَيْعُ بن حاضر على جيش المسلمين في الخروج من سمرقند بعد فتحها دون إنذار؛ تحقيقًا لهذا العدل المطلق. فلما استخلف عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، قال أهل سمرقند لسليمان بن أبي السري -عامل عمر على تلك البلاد -: إن قتيبة بن مسلم قد غدر بنا وظلمنا وأخذ بلادنا، وقد أظهر الله العدل والإنصاف. فأذن لنا فليفد منا وفد إلى أمیر المؤمنین یشکو ظلامتنا، فإن كان لنا حقٌّ أعطيناه، فإن بنا إلى ذلك حاجة، فأذن لهم، فوجهوا منهم قومًا فقدموا على عمر، فرفعوا إليه أن قتيبة دخل مدينتهم وأسكنها المسلمین علی غدر. فكتب عمر إلى سليمان بن أبي السري: إن أهل سمرقند قد شکوا إلي ظلمًا أصابهم، وتحاملًا من قتيبة عليهم حتى أخرجهم من أرضهم. فإذا أتاك كتابي فأجلس لهم القاضي، فلينظر في أمرهم، فإن قضى لهم فأخرجهم إلى معسكرهم كما كانوا وكنتم قبل أن ظهر عليهم قتيبة. قال: فأجلس لهم القاضي جميع بن حاضر الناجي، فحكم بإخراج المسلمين إلى معسكرهم، وأن ینابذوهم بعد ذلك علی سواء، فیکون صلحًا جدیدا أو ظفرًا عنوة. فقال أهل سمر قند: قد خالطنا هؤلاء القوم وأقمنا معهم وأمنونا وأمناهم، فإن حکم لنا عدنا إلى الحرب ولا ندري لمن یکون الظفر، وإن لم یکن لنا کنا قد اجتلبنا عداوة في المنازعة، فترضى بما کان ولا نجدد حربًا، فتركوا الأمر على ما كان، ورضوا ولم ينازعوا (١). (١) انظر: تاريخ الطبري ٥٦٨/٦ - ٥٦٩، فتوح البلدان، البلاذري ٥١٩/٣، الكامل، ابن الأثير ٤ / ١٦٢ - ١٦٣. وهذا الحكم الذي أصدره القاضي المسلم ضد جيش المسلمين المنتصر لا تجد له نظيرًا في التاريخ كله، إذ لا نجد جيشًا يخرج من بلد احتله بحكم أصدره أو يصدره قاضٍ في الجيش الذي احتل البلد، بل إنهم يباركون ذلك الاحتلال ويسعون إلى مزيد من السيطرة. هذا الحكم الذي ينطق بالعدالة والسمو والرفعة يعتبره المستشرق القذر فان فلوتن حكمًا ينطوي على خبث !! فيقول: ((ولما ارتقى عمر بن عبد العزيز عرش الخلافة شكا إليه أهل سمرقند تلك الحالة الجائرة، فأمر أحد قضاته بالنظر في هذه المسألة، فقضى بينهم بحكم يكاد يخفي ما انطوى عليه من الخبث حتى على أشد الناس نزاهة، وذلك أن يتقابل الفريقان من العرب ومن أهل سمرقند تحت أسوار المدينة، وأن يؤخذوا بالقوة أو أن تعقد معهم محالفة جديدة. ومعنى ذلك أنه إذا انتصر العرب وهو ما كان راجحًا، فإن سكان سمرقند كانوا لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم في أسوارهم عاملوا أهل سمر قند معاملة من فتحت بلادهم عُنوة. ومن الجلي أن حكم ذلك القاضي مَوَسُولَةُ النَّفِيَة القرآن الكريم ٢٦٤ العلاقات الدولية والثانية: حين رد أبو عبيدة بن الجراح الأمم والحضارات وأثر الظلم في سقوطها، قال رحمه الله: رضي الله عنه على أهل الذمة في بلاد الشام ما جبي منهم من الجزية والخراج؛ لأنه كان قد اشترط لهم أن یمنعهم ويدافع عنهم، وهو لا یقدر علی ذلك لما رأی تجمع الروم، وقال لهم: إنما رددنا علیکم أموالكم؛ لأنه بلغنا ما جمع لنا من الجموع، وإنكم اشترطتم علينا أن نمنعكم، وإنا لا نقدر على ذلك، وقد رددنا عليكم ما أخذنا منكم، ونحن لكم علی الشرط وما کتبنا بيننا وبینکم إن نصرنا الله علیهم. فلما قال لهم ذلك وردوا علیھم الأموال التي جبوها منهم، قالوا: ردكم الله علینا ونصر کم علیهم. فلو كانوا هم لم يردوا علينا شيئًا وأخذوا كل شيء بقي لنا حتى لا يدعوا لنا شيئًا (١). ونضع هنا كلمة مضيئة منصفة لشيخ الإسلام ابن تيمية في أثر العدل في قيام لم يغير تلك الحالة في شيء)). وما أظن هذا المستشرق كان يفكر بعقله وهو يكتب هذا الكلام والافتراء. فقد أشار إلى مرجعه في ذلك، وهو الطبري والبلاذري، وقد رأينا أنه ليس في هذين المرجعين أن يتقابل الفريقان تحت أسوار المدينة - كما زعم فلوتن - وإنما فيه خروج الجيش المسلم من المدينة، وهذا يعني أن أهل سمرقند يتحصنون في حصونهم ويمكنهم أن يدافعوا عن أنفسهم، ولعله أصبح واضحًا أن الخبث ينضح من كلام الخبيث فلوتن وليس من حكم القاضي المسلم. (١) انظر: الخراج، أبو يوسف القاضي، ص ١٤٩ - ١٥٠. ((وأمور الناس تستقيم في الدنيا مع العدل الذي فيه الاشتراك في أنواع الإثم، أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وإن لم تشترك في إثم؛ ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة. ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس ذنبٌ أسرع عقوبةً من البغي وقطيعة الرحم) (٢). فالباغي يصرع في الدنيا وإن كان مغفورًا له مرحومًا في الآخرة، وذلك أن العدل نظام كل شيء، فإذا أقیم أمر الدنيا بعدل قامت وإن لم يكن لصاحبها في الآخرة من خلاق، ومتى لم تقم بعدل لم تقم وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة))(٣). هذا بينما تقوم الدول الاستعمارية -في القديم والحديث- على الأنانية المفرطة وحب الذات، والظلم والعدوان، ففي (٢) أخرجه أبوداود في سننه، كتاب الأدب، باب النهي عن البغي، ٢٧٦/٦، رقم ٤٩٠٢، والترمذي في سننه، أبواب صفة القيامة، ٤ / ٦٦٤، رقم ٢٥١١. قال الترمذي: هذا حديث صحيح. وصححه الألباني في صحيح الجامع، ٩٩٤/٢، رقم ٥٧٠٤. (٣) مجموع فتاوى ابن تيمية ١٤٦/٢٨. www. modoee.com ٢٦٥ حرفالعین السياسة الداخلية كثيرًا ما نجد التفرقة بين البيض والملونين فى الحقوق والامتيازات، وبين أولئك الذين ينحدرون من أصول معينة وبين غيرهم من الأجناس في البلاد التي تتشدق بالعدالة والديمقراطية إلى زمن قريب. ومن المؤسف أن هذه السيئات والانحرافات عند أولئك القوم نجدها في واقعنا المعاصر رغم أن الإسلام يجعل العدل - كما رأينا- قيمة من أعلى القيم. أما في العلاقات الخارجية وفي التعامل الدولي فتقوم تلك الدول الاستعمارية باستغلال الشعوب الضعيفة واستنزاف خيراتها، وإفساد عقائدها وأخلاقها؛ لتسهل السيطرة عليها، شأنها في ذلك شأن الأناني في علاقته مع الناس، وهذا كله مما يثير الصراع ويفشي الظلم، ويسوغ الغدر، وییرر الواسطة -مهما كانت- بالغاية الأنانية التي تستهدف المصلحة الخاصة مهما كان الضرر الذي تلحقه بالغير. وواقع العلاقات الدولیة الیوم شاهد ناطق بذلك، وما قضايا المسلمين في فلسطين وفي العراق وفي أفغانستان والشيشان والفلبين وفي البوسنة وغيرها في بقاع كثيرة من العالم ببعيدة عنا. ثالثًا: تحرير الإنسان من العبودية لغير الله: إن هذا الدين إعلان عام لتحرير الإنسان في الأرض من العبودية للعباد، ومن العبودية لهواه أيضًا وهي من العبودية للعباد، وذلك بإعلان ألوهية الله وحده سبحانه وربوبيته للعالمين إن إعلان ربوبية الله وحده للعالمين معناها: الثورة الشاملة على حاكمية البشر في کل صورها وأشكالها وأنظمتها وأوضاعها، والتمرد الكامل على كل وضع في أرجاء الأرض الحكم فيه للبشر بصورة من الصور أو بتعبير آخر مرادف: الألوهية فيه للبشر في صورة من الصور ذلك أن الحكم الذي مرد الأمر فيه إلى البشر، ومصدر السلطات فيه هم البشر، هو تأليه للبشر، يجعل بعضهم لبعض أربابا من دون الله إن هذا الإعلان معناه انتزاع سلطان الله المغتصب ورده إلى الله، وطرد المغتصبين له الذین یحکمون الناس بشرائع من عند أنفسهم فيقومون منهم مقام الأرباب، ويقوم الناس منهم مقام العبيد إن معناه تحطيم مملكة البشر؛ لإقامة مملكة الله في الأرض. أو بالتعبير القرآني الكريم: ﴿وَهُو الذیفی السَّمَاءِ إِلَهُ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهُ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٨٤]. ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ إِيَّاً ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٤٠]. ﴿قُلْ يَتَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَلَمْ ٢٦٦ جوب القرآن الكريمِ العلاقات الدولية بَيْنَنَا وَبَيْنَكُوْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِء شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًّا أَرْبَابًا مِن دُونِ اللَهِّ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ أَشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]. والدولة الإسلامية لا تقوم بأن يتولى الحاكمية في الأرض رجال بأعيانهم هم رجال الدين كما كان الأمر في سلطان الكنيسة، ولا رجال ينطقون باسم الآلهة، كما كان الحال في ما يعرف باسم الثيوقراطية أو الحكم الإلهي المقدس، ولكنها تقوم بأن تكون شريعة الله هى الحاكمة وأن يكون مرد الأمر إلى الله وفق ما قرره من شريعة مبينة. وقيام الدولة المسلمة في الأرض، وانتزاع السلطان من أيدي مغتصبيه من العباد ورده إلى الله وحده. وسيادة الشريعة الإلهية وحدها وإلغاء القوانين البشرية كل أولئك لا يتم بمجرد التبليغ والبيان؛ لأن المتسلطين على رقاب العباد، المغتصبين لسلطان الله في الأرض، لا يسلمون في سلطانهم بمجرد التبليغ والبيان. وإلا فما کان أيسر عمل الرسل في إقرار دين الله في الأرض! وهذا عكس ما عرفه تاريخ الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، وتاريخ هذا الدين على ممر الأجيال. إن هذا الإعلان العام لتحرير الإنسان في الأرض من کل سلطان غیر سلطان الله، بإعلان ألوهية الله وحده وربوبيته للعالمين، لم یکن إعلانًا نظريًّا فلسفيًّا سلبيًّا، إنما كان إعلانًا حركيًّا واقعيًّا إيجابيًّا، إعلانًا يراد له التحقيق العملي في صورة نظام يحكم البشر بشريعة الله، ويخرجهم بالفعل من العبودية للعباد إلى العبودية لله وحده بلا شريك، ومن ثم لم يكن بد من أن يتخذ شكل ((الحركة)) إلى جانب شكل ((البيان)) ذلك ليواجه الواقع البشري بكل جوانبه بوسائل مكافئة لكل جوانبه. والواقع الإنساني، أمس واليوم وغدًا، يواجه هذا الدين -بوصفه إعلانًا عامًا لتحرير الإنسان في الأرض من كل سلطان غير سلطان الله- بعقبات اعتقادية تصورية، وعقبات مادية واقعية وعقبات سياسية واجتماعية واقتصادية وعنصرية وطبقیة، إلى جانب عقبات العقائد المنحرفة والتصورات الباطلة وتختلط هذه بتلك وتتفاعل معها بصورة معقدة شديدة التعقيد. وإذا كان ((البيان)) يواجه العقائد والتصورات، فإن الحركة تواجه العقبات المادية الأخرى، وفي مقدمتها السلطان السياسي القائم على العوامل الاعتقادية والطبقية، والعنصرية التصورية، المعقدة والاقتصادية والاجتماعية المتشابكة وهما معًا -البيان والحركة- يواجهان الواقع البشري بجملته، بوسائل مكافئة لكل مكوناته، وهما معًا لا بد منهما www. modoee.com ٢٦٧ حرفالعین لانطلاق حركة التحرير للإنسان في الأرض، فرجعت إلى أخيها فرغبته في الإسلام، وفي القدوم على رسول الله صلى الله عليه الإنسان كله في الأرض كلها، وهذه نقطة هامة لا بد من تقريرها مرة أخرى، إن هذا الدين ليس إعلانًا لتحرير الإنسان العربي، وليس رسالة خاصة بالعرب، إن موضوعه هو الإنسان نوع الإنسان ومجاله هو الأرض کل الأرض. وسلم فتحدث الناس بقدومه. فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنقه (أي: عدي) صليب من فضة، وهو (أي: النبي صلى الله عليه وسلم) يقرأ هذه الآية: ◌ْأَّخَذُوَأْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]. إن الله سبحانه لیس ربا للعرب وحدهم ولا حتى لمن يعتنقون العقيدة الإسلامية وحدهم، إن الله هو رب العالمين، وهذا الدين يريد أن يرد العالمين إلى ربهم، وأن ينتزعهم من العبودية لغيره. والعبودية الكبرى -في نظر الإسلام- هي خضوع البشر لأحكام يشرعها لهم ناس من البشر وهذه هي العبادة التي يقرر أنها لا تكون إلا لله. وأن من يتوجه بها لغير الله يخرج من دين الله مهما ادعى أنه في هذا الدين. ولقد نص رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن الاتباع في الشريعة والحكم هو العبادة التي صار بها اليهود والنصارى مشركين مخالفین لما أمروا به من عبادة الله وحده. أخرج الترمذي -بإسناده- عن عدي ابن حاتم رضي الله عنه (أنه لما بلغته دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فر إلى الشام، وكان قد تنصر في الجاهلية، فأسرت أخته وجماعة من قومه، ثم من رسول الله صلى الله عليه وسلم على أخته وأعطاها. قال: فقلت: إنهم لم يعبدوهم. فقال: (بلى! إنهم حرموا عليهم الحلال، وأحلوا لهم الحرام. فاتبعوهم. فذلك عبادتهم إياهم) (١). وتفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول الله سبحانه نص قاطع على أن الاتباع في الشريعة والحكم هو العبادة التي تُخرج من الدين، وأنها هي اتخاذ بعض الناس أربابا لبعض الأمر الذي جاء هذا الدين ليلغيه، ويعلن تحرير الإنسان في الأرض من العبودية لغير الله. ومن ثم لم يكن بد للإسلام أن ينطلق في الأرض؛ لإزالة الواقع المخالف لذلك (١) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب تفسير القرآن، تفسير سورة براءة، ٨ / ٤٩٢-٤٩٤، والطبري في تفسيره ٢١٠/١٤. قال الترمذي: «هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب، وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث)). وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، ٧/ ٨٦١، رقم ٣٢٩٣. ٢٦٨ القرآن الكريمِ