Indexed OCR Text
Pages 21-40
العلاقات الدولية الكفاية، فهي في حقيقتها فروض تكافلية وضعف الإيمان في القلوب، اضطرت السلطة العامة إلى التدخل في شؤون الحياة يقوم فيها بعض الأفراد بالواجب نيابة عن الآخرین فیسقط الإثم عن الجمیع عند قیام بعضهم به (١). وممارستها، وبذلك ظهرت - مع مرور الأيام- أنوع جديدة من الولايات والإمارات لم تكن معروفة من قبل. ويرى بعض العلماء أن إدارة المصالح العامة والقيام بها موكولة في الأصل إلى الشعب، ولذا فإن الأصل في النظام الإسلامي هو أن تقوم السلطة بما لا يتيسر للأفراد، وذلك لإجبار الناس على العدالة وحفظ الأمن، وجباية الموارد وتوزيعها على المستحقين. ولكن لما ضعف الدافع الفردي عن رعاية الصالح العام بسبب غفلة الناس (١) انظر بالتفصيل: الدولة والسيادة في الفقه الإسلامي، ص ١٨٦ - ١٩٥. وفروض الكفاية: هي الواجبة على مجموع الأمة كوحدة، دون نظر إلى الأفراد بذواتهم. وهي على الغالب تتعلق بحقوق الله فيما يتصل بمصلحة المجتمع أو الأمة كلها، فهي ذات أثرٍ في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ونظرًا لأهمية هذه الفروض أطلق عليها بعضهم اسم ((الفروض التضامنية)) أو ((الاجتماعية)) أو ((السياسية)) أو ((العامة)). وهذه التسمية الأخيرة أكثر دقةً من الناحية العلمية، وأكثر انطباقًا على طبيعتها. والأصل أن هذه الفروض يقوم بها المجتمع عامة، وتطلب من الأفراد، فإن تخلف أفراد المجتمع عن القيام بها وجب عندئذ على الدولة أن تقوم بها. انظر: الموافقات، الشاطبي ١٧٨/١ - ١٨١، آراء ابن تيمية في الدولة، محمد المبارك ص ١٣٥، في المجتمع الإسلامي، أبو زهرة، ص ٥٥ - ٥٦. وتتميز السلطة في الإسلام بخصائص تميزها عن النظم الأخرى، من أهمها: أولًا: إن الولاية مقيدة بالمصلحة العامة، وليست مطلقة. ويترتب على ذلك أن يشترط لولاية الأعمال شروط شديدة من القوة والأمانة، وأن تقوم الأعمال على المشروعية، فإن حصل تجاوز، فإنه يؤدي إلى بطلان التصرفات. ثانيًا: إن الأمة أو الشعب يقوم فعلًا بقسط وافر من الولاية، وبذلك تتكون السلطة من الإمام وأهل الشورى الذين يقومون بهذه الولاية أو بجزء منها. ثالثًا: إن السلطة تفويضية نيابة عن الشعب، في القيام بمصالح الجماعة (٢). وأما سيادة الدولة، فقد أثيرت مسألة السيادة في الحديث عن مقومات الدولة وأركانها، وتعددت وجهات النظر في هذه السيادة وتعريفها ومصدرها. وهي في أصلها نظرية غربية نشأت عندهم لاعتبارات سياسية وقانونية، والذي ينبغي أن نشير إليه (٢) انظر: النظام الدستوري في الإسلام، مصطفى كمال وصفي، ص ٩٣-٩٤. www. modoee.com ٢٠٩ حرف العين -باختصار- هو التفريق بين مصدر السيادة وبين من له حق ممارسة السيادة أو السلطة، ولعل ذلك يرفع الخلاف بين الفقهاء المعاصرين من المسلمين في هذه المسألة. أما مصدر السيادة في الدولة الإسلامية، فإنه الشرع الإسلامي؛ لأن الله تعالى هو الحاكم المشرع باتفاق علماء الإسلام. وسيأتي تفصيل لهذا إن شاء الله تعالى. وأما حق ممارسة مظاهر السيادة في الدولة الإسلامية: فهم جميع المحكومين، وليس هذا حقًا لفرد معين. وحيث إن المحكومين لا يستطيعون القيام جميعًا بهذا الدور، فإن الشارع أوجب قيام سلطة عامة لتحقيق ما أوجبه الشرع. ومؤدى هذا أن يكون الإمام أو الخليفة نائبًا عن الأمة في ممارسة السلطة العامة ووكيلًا عنها كما تقدم آنفًا(١). (١) انظر: مبادئ نظام الحكم، د.فؤاد النادي، ص ٤٧-٤٩، النظام السياسي والدستوري في الإسلام، د.عثمان جمعة ضميرية، ص٩١- وأفرد الدكتور فتحي عبد ٩٢. الكريم موضوع نظرية الدولة والسيادة في الفقه الإسلامي برسالة مستقلة مطبوعة في مكتبة وهبة بالقاهرة. وظائف الدولة الإسلامية إن الدولة ليست غاية في ذاتها، وإنما هي وسيلة لغاية. فهي تقوم بوظيفتين أساسيتين: الأولى: إقامة الدين الإسلامي وتنفيذ أحكامه. والثانية: القيام بسياسة أمور الدنيا التي رسمها الإسلام. على أننا نستطيع أن نكتفي بالقول بأن وظيفة الدولة هي إقامة الإسلام؛ لأن الإسلام دين ودولة، فإقامة الإسلام هي إقامة للدين، وقيام بشئون الدولة في الحدود التي رسمها الإسلام. وقد تنوعت هذه الغاية أنواعًا، وظهرت بصور مختلفة باختلاف العصور والأمكنة والحاجة، واختلفت تبعًا لذلك ضيقًا وسعة. وقد جاءت الآيات القرآنية الكريمة تبين أن وظيفة الدولة الإسلامية هي: إقامة المآثر والمكارم التي يجب أن تتحلى بها الحياة البشرية، وتبث الخير، وتبذل جهد المستطاع في رقيها وتعميم ميراثها، وأن تستأصل وتنفي عن الأرض كل ما يبغضه الله من الفواحش والمنكرات، وتطهرها من شوائبها وأدناسها، وأن تقيم الصلاة وتأخذ الزكاة، وأن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وأن تسوس أمور الناس في حدود ما أنزل الله تعالى؛ ليقوم الناس بالحق مَشَارَةُ التَّقة القرآن الكريمِ ٢١٠ العلاقات الدولية والعدل والقسط(١). كما في قوله تعالى: الَّذِينَ إِن مَكَتَهُمْ فِ الْأَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتَوْاْ الزَّكَوَةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ اَلْمُنكَرِّ وَللَّهِ عَقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١]. وفي النقاط الآتية إيجازٌ لأهم الوظائف التي تقوم بها الدولة، ويمكن أن ينطوي فيها وظائف أخرى، فالقضية اصطلاحية: أولًا: تحقيق العبودية لله تعالی: يقوم الإسلام على عقيدة التوحيد النقية الصافية، وفيها تتحدد علاقة الإنسان بربه تبارك وتعالى، وهذه العلاقة هي علاقة العبودية أو العبادة. وتتمثل بالعبودية المطلقة لله وحده، بكل مقتضيات هذه العبودية وأولها الائتمار بأمره سبحانه وحده في كل أمور الحياة. فالعبودية لله تعالى تتمثل في اتخاذه وحده إلهًا، عقيدة وعبادة وشريعة، فلا حاكمية لأحد إلا لله تعالى وحده. وقد شرح شيخ الإسلام ابن تيمة رحمه الله نظرية العبودية شرحًا وافيًا في رسالته ((العبودية))، وبين فيها أن المخلوقين كلهم عباد لله، الأبرار منهم والفجار المؤمنون منهم والكفار؛ إذ هو ربهم ومليكهم، لا (١) انظر: نظام الحياة في الإسلام، المودودي ص ٢٧ - ٢٩، الإسلام وأوضاعنا السياسية، عبد القادر عودة، ص ٦٤ - ٦٦، النظم الإسلامية، د. محمد عبد الله العربي ١٢٢/١. يخرجون عن مشيئته وقدرته فهو سبحانه رب العالمين وخالقهم ورازقهم ومحييهم وممیتهم ومدبر أمورهم، لا رب غیرہ، ولا مالك لهم سواه، سواء اعترفوا بذلك أو أنکروه. فهناك نوعان من العبودية؛ عبودية قسرية وعبودية اختيارية، وكل من استكبر عن عبادة الله لابد أن يعبد غيره، فإن الإنسان يتحرك بالإرادة، ولابد لكل عبد من مراد محبوب هو منتهى حبه وإرادته، فالإنسان على مفترق الطريقين، فإما أن يختار العبودية لله، وإما أن يرفض هذه العبودية فيقع لا محالة في عبودية لغير الله، وفي العبودية لله تمام للحرية، وفي الحرية منها تمام العبودية. ومن مقتضيات هذه العبودية ألا يعبد إلا الله سبحانه وتعالى، وألا یعبد الله إلا بما شرع (٢). ومظاهر العبودية لله تعالى تتجلى في جانب الشعائر التعبدية التي تعبر عن كمال الحب لله تعالى مع كمال الانقياد والطاعة له، كما تتجلى في الجانب الاجتماعي والتشريعي في كل مجالات الحياة ونواحيها الفردية والأسرية وفي علاقة الأمة بغيرها، وتتجلى أيضًا في الجانب الأخلاقي الذي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالعقيدة والإيمان الذي (٢) العبودية، ابن تيمية ص ٤٧ وما بعدها. وانظر: أحكام الصيام وفلسفته، مصطفى السباعي ص١٨ وما بعدها. www. modoee.com ٢١١ حرف العين جعله الإسلام أساسًا للبناء الديني كله وسببًا وهو يسعى لها؛ كي تستقيم حياته من خلالها ويعرف سر وجوده: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْحَمُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥]. لقبول الأعمال ودخول الجنة، وبذلك تتكامل هذه المظاهر؛ لتكون هذا الدين عقيدةً وعبادةً وأخلاقًا ومنهجًا للحياة تقوم الدولة الإسلامية عليه، كما تقوم برعايته والالتزام به؛ ليكون له أثره في حياة الفرد والأسرة والجماعة المسلمة، بل ويمتد؛ ليشمل الجماعة البشرية كلها؛ لأنها تنعم بخيراته وأحكامه المتسقة مع الفطرة البشرية ومع سنن الله الكونية. وغدت العبادة غاية الوجود الإنساني كله، بل إن الجن كذلك خلقوا من أجل عبادة الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ اَلِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍوَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦ -٥٨]. وبهذا النفي في أول الآية الكريمة وهذه العبودية لله تعالى وتحقيقها في والاستثناء في آخرها يحصر الله تعالى مهمة الإنس والجن ويقصرها على وظيفة واحدة ومسئولية واحدة هي عبادة الله تعالى وحده، فليس لهم وراء ذلك وظيفة أو غاية، وما ينبغي أن يكون! فكيف يستطيع الإنسان أن يكون دائمًا فى عبادة لله تعالى، فلا تنقضي لحظة من لحظات حیاته -بعد التکلیف- إلا وهو في عبادة؟ وكيف يستطيع أن يقوم بهذا التكليف الرباني؟ هنا نجد أنفسنا أمام فهم صحيح للعبادة کما أرادها الله تعالی، لا تقتصر على ركعات خاشعة يؤديها المسلم خمس مرات في اليوم والليلة، ولا على أيام من العام يصومها المسلم طاعة لله سبحانه، ولا على جزء من المال يدفعه زكاة يطهر بها نفسه وماله، والإنسان ليس بدعًا بين هذه المخلوقات، ولا على حج البيت الحرام عند الاستطاعة. فلابد أن يحدد الغاية التي أوجد من أجلها، فإن هذه العبادات كلها لا تستغرق من ٢١٢ جَوَنُو القرآن الكريم الحياة هي غاية وجود الإنسان؛ إذ عندما ينظر المرء حوله يجد كل شيء في هذا الكون قد خلقه الله تعالى لحكمة كبرى وغاية یسعی إليها، وإلا كان وجوده عبئًا، وقد تنزه الله سبحانه وتعالى عن العبث والباطل، فقال في كتابه الكريم: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَآءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَطِلًا ذَلِكَ خَنُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النَّارِ﴾ [ص: ٢٧]. والمؤمن يناجي ربه تعالى قائلًا عندما يتفكر في خلق السموات والأرض: ﴿ أَلَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا سُبْحَنَكَ فَقِنَا عَذَابَالنَّارِ﴾ [ آل عمران: ١٩١]. العلاقات الدولية حياة الإنسان إلا جزءًا يسيرًا، فهل يترك سائر أيام حياته وساعاتها دون عبادة، فيخالف -عندئذ- أمر الله تعالى، وهو سبحانه لم يخلقه إلا للعبادة؟ إن المسلم يستطيع أن يجعل حياته كلها في الساعات الأربع والعشرين في اليوم والليلة عبادةً لله تعالى وحده؛ إذ إن الإسلام قد أسبغ على جميع أعمال الإنسان صفة العبادة إذا قصد بهذه الأعمال وجه الله ومرضاته، وقام بها على الوجه المشروع الموافق للسنة، وكانت في سبيل تحقيق أهدافها المقصودة المشروعة. فالزارع والصانع والتاجر، والطبيب والمهندس والعامل، والموظف، والمعلم والتلميذ وغيرهم من أصحاب الأعمال تعتبر أعمالهم عبادة إذا قصد بها كلٌّ منهم نفع عباد الله، والاستغناء عن الحاجة إلى الناس، وإعالة العيال؛ تحقيقًا لأمر الله سبحانه وتعالى وخضوعًا له، والتزامًا وتحقيقًا لمقاصد الشريعة التي أنزلها الله تعالى لمصالح الناس، وليقوموا جميعًا بالحق والقسط. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأُ وَلَا نَصَبُّ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطُّونَ مَوْطِئًا يَغِيُطُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوِّ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ، عَمَلٌ صَلِحُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ أَلْمُحْسِنِينَ ، وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةٌ صَغِيرَةٌ وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٢٠ - ١٢١]. والآيات في ذلك كثيرة تعز على الحصر. وبعد، فما أصدق وما أجمل ما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو يتحدث عن العبادة وفروعها حيث يقول: ((العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله و یرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، فالصلاة والزكاة والصيام والحج، وصدق الحديث وأداء الأمانة وبر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجهاد الكفار والمنافقين، والإحسان الجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء والذكر والقراءة، وأمثال ذلك كله من العبادة)). وكذلك حب الله ورسوله، والقرآن الکریم -کتاب الله الخالد- لم يقصر وصف الصلاح - عندما أمرنا بالعمل الصالح- على العبادات المخصوصة، وهي أركان الإسلام وشعائره ومبانيه الأساسية، «أو العبادة بمعناها الخاص»، بل وخشية الله والإنابة إليه وإخلاص الدين له والصبر لحكمه والشکر لنعمه، والرضا بقضائه والتوكل عليه والرجاء لرحمته والخوف من عذابه هي من العبادة لله. جعله شاملًا لأعمال أخرى، كقوله تعالى: وذلك أن العبادة لله هي الغاية المحبوبة له www. modoee.com ٢١٣ حرفالعین والمرضية له، التي خلق لها الخلق فقال: هذا الوصف، والمنهج الإسلامي كله غايته تحقيق معنى العبادة أولًا وأخيرًا. ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَاُلْإِنسَ إِلََّّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦](١). وعن هذا المعنى الواسع والمفهوم الشامل للعبادة في الإسلام، بما يشمل الشعائر والمعاملات وغيرها، يتحدث الأستاذ سيد قطب رحمه الله فيقول(٢): ((إن تقسيم النشاط الإنساني إلى ((عبادات)) و((معاملات)) مسألة جاءت متأخرة عند التأليف في مادة ((الفقه))، ومع أنه كان المقصود به -في أول الأمر - مجرد التقسيم الفني، الذي هو طابع التأليف العلمي، إلا أنه - مع الأسف- أنشأ فيما بعد آثارًا سيئة في التصور، تبعته - بعد فترة- آثار سيئة في الحياة الإسلامية كلها؛ إذ جعل يترسب في تصورات الناس أن صفة العبادة إنما هي خاصة بالنوع الأول من النشاط الذي يتناوله فقه العبادات، بينما أخذت هذه الصفة تبهت بالقياس إلى النوع الثاني من النشاط، الذي يتناوله فقه المعاملات! وهو انحراف بالتصور الإسلامي لا شك فيه، فلا جرم يتبعه انحراف في الحياة كلها في المجتمع الإسلامي، ليس في التصور الإسلامي نشاط إنساني لا ينطبق عليه معنى العبادة أو لا يطلب فيه تحقيق وأنواع النشاط التي أطلق عليها الفقهاء اسم العبادات وخصوصا بهذه الصفة -على غير مفهوم التصور الإسلامي- حين تراجع مواضعها في القرآن تتبين حقيقة بارزة لا يمكن إغفالها، وهي أنها لم تجئ مفردة ولا معزولة عن أنواع النشاط الأخرى التي أطلق عليها الفقهاء اسم المعاملات إنما جاءت هذه وتلك مرتبطة في السياق القرآني ومرتبطة في المنهج التوجيهي باعتبار هذه كتلك شطرًا من منهج العبادة التي هي غاية الوجود الإنساني، وتحقيقًا لمعنى العبودية، ومعنى إفراد الله سبحانه بالألوهية. وهذه هي الحقيقة الكبيرة، التي يجب أن يلقي باله إلیھا کل مسلم يريد أن يحقق إسلامه؛ ویرید في الوقت ذاته، أن يحقق غاية وجوده الإنساني، آثار هذا المفهوم الشامل للعبادة: إن هذه الحقيقة ليست أهميتها فقط في تصحيح التصور الإيماني - وإن كان هذا التصحيح في ذاته غاية ضخمة يقوم عليها بناء الحياة كله-، بل إن أهميتها تتجلى كذلك في حسن تذوق الحياة، وبلوغ هذا التذوق أعلى درجات الكمال والتناسق، فقيمة الحياة الإنسانية ذاتها ترتفع حين تصبح کلها عبادة لله، وحین یصبح كل نشاط فيها (١) العبودية، ابن تيمية، ص ٣٩،٣٨. (٢) خصائص التصور الإسلامي، ص ١٣١. مَوَسُو ◌َرَا القرآن الكريمِ ٢١٤ العلاقات الدولية -صغر أم كبر- جزءا من هذه العبادة أو كل العبادة متى نظرنا إلى المعنى الكبير الكامن فيه، وهو إفراد الله سبحانه بالألوهية، والإقرار له وحده بالعبودية هذا المقام الذي لا یرتفع الإنسان إلی ما هو أعلى منه، ولا يبلغ كماله الإنساني إلا في تحقيقه، وهو المقام الذي بلغه رسول الله صلی الله علیه وسلم في أعلى حالاته التي ارتقى إليها؛ حالة تلقي الوحي من الله، وحالة الإسراء والمعراج أيضًا: ﴿تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِ لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]. ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ اْأَقْصَا الَّذِى بَرَكْنَا حَوْلَهُ لِتُرِيَهُ مِنْ ءَايَدِنَاْ إِنَُّ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١]. ولذلك فإن أول الوظائف التي تقوم بها الدولة وتسعى لتحقيقها هي تحقيق هذه العبودية الشاملة، بل إن إقامة الدولة نفسها وظیفةٌ دينية، يقوم بها مجموع الأمة الإسلامية، والمقصد الأول من إنزال الشريعة هو حفظ الدين، يقول الشاطبي رحمه الله: ((تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق، وهذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام: أحدها: أن تكون ضرورية. والثاني: أن تكون حاجية. والثالث: أن تكون تحسينية. والضرورية معناها: أنه لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين ومجموع الضروريات خمسة، وهي حفظ الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل، وقد قال العلماء: إنها مراعاة في كل ملة من الملل)) (١). ويقول حجة الإسلام الغزالي: ((ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم»(٢). فالاتفاق حاصلٌ بين العلماء على أن الدين له المرتبة الأولى بين هذه الضروريات، ولما كان واجب الدولة أن تحقق المصلحة بحفظ هذه الضروريات كان من أول وظائفها تحقيق العبودية وحماية الدين ونشره، وذلك بنشر عقيدة التوحيد التي تحرر البشرية من الوثنية والعبودية لغير الله تعالى، بكل صورها. كما سيأتي قريبا - إن شاء الله تعالى -. وليس معنى هذا أن سائر الوظائف لا علاقة لها بالدين؛ لأن الإسلام يمزج بين الدين والحياة، وبين الوظيفة الدينية وغيرها (١) انظر: الموافقات، الشاطبي ٨/٢ - ١٠. (٢) انظر: المستصفى، الغزالي ١/ ٢٨٧. www. modoee.com ٢١٥ حرف العين من الوظائف مزجًا رائعًا متكاملًا، حتى إن بدلالتها القاطعة على عموم رسالة الإسلام كل الوظائف التي تقوم بها الدولة أصبحت وعالميتها، منذ بداية الدعوة وهي لا وظائف دينية. يقول ابن القيم رحمه الله (١): ((جميع هذه الولايات، في الأصل ولایات دينية ومناصب شرعية، فمن عدل في ولاية من هذه الولايات وساسها بعلم وعدل، وأطاع الله ورسوله بحسب الإمكان، فهو من الأمراء الأبرار العادلين، ومن حكم فيها بجهلِ وظلم فهو من الظالمين المعتدين: ﴿إِنَّأُلْأَبْرَارَفِى نَّعِيمٍ (٢) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِىِ ◌َّحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣ - ١٤])). ثانيًا: الدعوة إلى الله ونشر الإسلام: إن الدعوة الإسلامية التي أنزلها الله تعالی علی نبينا محمد صلی الله عليه وسلم دعوة عامةٌ عالمية ورسالة خاتمة للرسالات السابقة، أراد الله تعالى لها أن تكون دعوة إنسانية موجهة للبشر جميعًا، لا تخاطب أقوامًا بأعيانهم ولا جنسًا بذاته، رضيها الله تعالی للناس دینًا، فکانت هي الدین الکامل الذي أتم الله تعالى به علينا النعمة فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. وقد تواردت النصوص الشرعية (١) الطرق الحكمية ص ٢٧٩ - ٢٨٠. تزال محصورة في شعاب مكة المكرمة، وأصحابها لا يزالون يتخفون في دار الأرقم بن أبي الأرقم وسط المجتمع الجاهلي الواسع؛ فمحمد صلى الله عليه وسلم رسول الله إلى الناس كافة. قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَكَ إِلََّ كَافَّةٌ لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًاً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: ٢٨]. والخطاب موجهٌ للناس جميعًا: ﴿قُلّ يَتَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِّ لَآَ إَِهَ إِلَّا هُوَ يُحِ، وَيُّمِتٌّ فَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِّ الْأُمِّ الَّذِى يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَتِهِ، وَأَتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]. والقرآن الكريم أنزله الله تعالى ليكون ذكرًا للعالمين جميعًا، وليس لأمة بعينها: ﴿إِنْ هُوَ إِلََّ ذِكْرٌ لِلْعَلَمِينَ﴾ [ص: ٨٧]. بل هو بلاغ لکل من يبلغه خبره وينتهي إليه أمره في عصره وفي سائر العصور إلى يوم القيامة: ﴿وَأُوْحِىَ إَِّ هَذَا الْقُرْءَانُ لِأُنْذِرَكُم بِهِ وَمَنْ بَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]. وأشار الرسول صلى الله عليه وسلم إلى عموم بعثته وعالمية دعوته فقال: (أعطيت خمسًا لم يعطهن أحدٌ قبلي: كان كل نبي ٢١٦ مؤسو ◌َةُ التَّقِين القرآن الكريم العلاقات الدولية يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل به: (ما من نبي من الأنبياء إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحى الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة)(٣). أحمر وأسود -وفي لفظ: إلی الناس عامة- ، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا؛ فأيما رجل من أمتي أدر كته الصلاة صلی حیث كان، ونصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر، وأعطيت الشفاعة)(١). ومما يشير إلى عالمية دعوته عليه الصلاة والسلام وعموم رسالته: أن المعجزة الكبرى التي أيده الله تعالى بها -مع ما أيده به من معجزات- كانت معجزة خالدة دائمة، تختلف عن معجزات الأنبياء السابقين عليهم الصلاة والسلام حيث كانت تنقضي معجزاتهم المادية بوقوعها، ولا يبقى أثرها قائمًا، ولهذا كانت الشرائع قبل شريعة محمد صلی الله عليه وسلم إنما خص بها قوم دون قوم، و کانت شریعته عامة لجميع الناس، ولما كان هذا كله إنما فضل فيه صلى الله عليه وسلم؛ لأنه فضلهم في الوحي الذي استحق به اسم النبوة (٢). ولذلك قال عليه الصلاة والسلام منبهًا على هذا المعنى الذي خصه الله تعالى (١) أخرجه البخاري في صححيه، كتاب التيمم، - ٧٤/١، رقم ٣٣٥، ومسلم في صحيحه، كتاب المساجد، باب جعلت لّي الأرض مسجدًا وطهورًا، ١/ ٣٧٠، رقم ٥٢١. (٢) انظر: الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، ابن رشد، ص ١٠٣. فهذه الدعوة الأخيرة الخاتمة الناسخة للدعوات السابقة، رسالة مفتوحة إلى الأمم كلها، وللأجيال كلها، وليست رسالة مغلقة على أهل زمان أو أهل مكان، فناسب أن تكون معجزتها مفتوحة كذلك للقریب والبعید،لکل أمة ولكل جيل، والخوارق القاهرة لا تلوي إلا أعناق من يشاهدونها، ثم تبقی بعد ذلك قصة تروی لا واقعًا یشهد(٤). وقد قام الرسول عليه الصلاة والسلام بإبلاغ هذه الدعوة، فصدع بالأمر ودعا الناس جميعًا إلى دين الله تعالى؛ امتثالًا لأمره سبحانه وتعالى: ﴿فَأَصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤]. ﴿قُلْ هَذِهِ، سَبِيلِيّ أَدْعُواْ إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ أَتَّبَعَنِّ وَسُبْحَنَ اَللَّهِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨]. وهذه الدلائل كلها تقوم شاهدًا عدلًا (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل القرآن، باب كيف نزل الوحي، ١٨٢/٦، رقم ٤٩٨١ ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ١٣٤/١، رقم ١٥٢. واللفظ له. (٤) انظر: ((في ظلال القرآن)) للأستاذ سيد قطب: ١٩/ ٢٥٨٤. www. modoee.com ٢١٧ حرفالعین وحجة قاطعة على أن الإسلام دعوة للناس جميعًا منذ اللحظة الأولى التي بعث الله تعالى فيها نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم وأمره بالقراءة باسم ربه ﴿الَّذِى خَلَقَ﴾ [العلق: ١]؛ إذ موضوعها هو (الإنسان) وهي موجهة كذلك للإنسان بما أنه إنسان، والكل في هذا سواء، واستمر النبي صلى الله عليه وسلم في القيام بهذه الدعوة؛ إنفاذًا لأمر ربه تبارك وتعالی حتی دخل الناس في دين الله أفواجًا، وحمل الرسالة خلفاؤه من بعده، وأعلى الله كلمته وأظهر دينه على الأديان كلها(١). (١) ولذلك كان من العجب والغريب، بعد معرفة هذه الأدلة والشواهد، ما يلهج به بعض المستشرقين ممن عنوا بدراسة السيرة النبوية ودعوة الإسلام، من إنكارهم هذه الصفة العالمية للإسلام، حيث يقول وليم موير مثلا: ((إن فكرة عالمية الرسالة قد جاءت فيما بعد. وإن هذه الفكرة على الرغم من كثرة الآيات والأحاديث التي تؤيدها، لم يفكر فيها محمد نفسه. وعلى فرض أنه فكر فيها، فقد كانت الفكرة غامضة، فإن عالمه الذي كان يفكر فيه إنما كان بلاد العرب، كما أن هذا الدين الجديد لم يهيأ إلا لها، وأن محمدًا لم يوجه دعوته منذ بعث إلى أن مات إلا للعرب دون غيرهم. وهكذا نرى أن نواة عالمية الإسلام قد عرفت، ولكنها إذا كانت قد اختمرت ونمت بعد ذلك، فإنما يرجع هذا إلى الظروف والأحوال أكثر منه إلى الخطط والمناهج)). ويذهب كذلك كايتاني إلى هذا الرأي. انظر: الدعوة إلى الإسلام، توماس أرنولد، ترجمة حسن إبراهيم حسن وعبدالمجيد عابدين، ص ٤٩. ولذلك أمر الله تعالى بالدعوة وإبلاغها، وهو مما تقوم به الدولة الإسلامية وتجعله غاية لها، فقال الله تعالى: ﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ اَلْحَسَنَّةِ وَحَدِّلْهُم بِلَتِى هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِةٌ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: ١٢٥]. وفي هذا بيان لأهم وظيفة تقوم بها الدولة الإسلامية وأجهزتها المتنوعة، وهي الدعوة إلى الإسلام والحرص على هداية الناس؛ تأسيًا برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بعث مصعب بن عمير بن هاشم القرشي -أحد السابقين إلى الإسلام وصاحب الهجرتين- إلى أهل المدينة، بعد بيعة العقبة؛ ليعلمهم الإسلام ويقرئهم القرآن، ويفقههم في الدين، فنزل على سعد بن معاذ -وقيل: على أسعد بن زرارة-، فكان يأتي الأنصار في دورهم وقبائلهم، فيدعوهم إلى الإسلام، ويقرأ عليهم القرآن، فيسلم الرجل والرجلان، حتى ظهر الإسلام وانتشر في دور الأنصار كلها. فلا عجب أن يلقب بـ((مصعب الخير))؛ وهذا نموذج التفكير المستشرقين ومناهجهم وأساليبهم يشير إلى أن بعضهم يقول ما لا يعقل أو يفكر بأدوات تفكير لا يفكر بها إلا أمثالهم. فكيف جاءت فكرة عالمية الإسلام فيما بعد رغم الآيات المكية والواقع العملي للدعوة ؟ وهل كان هرقل وكسرى والنجاشي عربًا یوجه إليهم النبي صلى الله عليه وسلم الدعوة على أنهم عرب ؟! صَوَسُ بَةُ النَّفِيَّة لِلْعُرآن الكَرِيمِ ٢١٨ العلاقات الدولية لما كتب الله على يديه من الخير والدخول كسرى وكتب معه كتابًا، وهو الذي مزق في الإسلام(١). ثم بعث رسول الله صلی الله عليه وسلم الرسل إلى الملوك والأمراء يدعوهم إلى الإسلام، وكتب إليهم كتبًا، فقد أخرج الإمام مسلم عن أنسٍ (أن نبي الله صلى الله عليه وسلم کتب إلی کسری، وإلی قیصر، وإلى النجاشي، وإلی کل جبارٍ یدعوهم إلى الله تعالى، وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم)(٢). فکان أول رسول بعثه رسول الله صلی الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي ملك الحبشة، فأسلم النجاشي وكتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بإجابته و تصديقه وإسلامه. وبعث دحية بن خليفة الكلبي إلی قيصر يدعوه إلى الإسلام، وبعث معه كتابًا، وأمره أن يدفعه إلى عظیم بصرى؛ ليدفعه إلى قيصر، فقرأه وسأل قومه أن يتبعوا محمدًا صلى الله عليه وسلم فأبوا، وخافهم على ملکه ونفسه فلم یؤمن، وأظهر أنه فعل ذلك اختبارالدینھم. وبعث عبدالله بن حذافة السهمي إلى (١) انظر: السيرة النبوية، ابن هشام ٤٣٤/١- ٤٣٥، طبقات ابن سعد - ١١٦/٣ -٠١٢٢ (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب کتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى ملوك الكفار، ١٣٩٧/٣، رقم ١٧٧٤. الكتاب فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم مزق ملکه). وبعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية عظيم القبط بمصر يدعوه إلى الإسلام، وكتب معه كتابًا، فقرأه وقال له خيرًا وأكرم رسول النبي صلى الله عليه وسلم وبعث معه بهدية. وبعث شجاع بن وهب الأسدي إلى الحارث الغساني و کتب معه كتابًا، فلما قرأه رمی به وقال: من ينتزع ملكي، وعزم على المسیر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنهاه قيصر عن ذلك، ولما بلغ النبي صلى الله علیه وسلم خبره قال: (باد ملكه!). كما بعث أيضًا سليط بن عمروٍ العامري إلى صاحب اليمامة هوذة بن علي الحنفي، وبعث جرير بن عبدالله البجلي إلى ذي الكلاع اليمني، وغيرهم من عظماء ذلك الوقت من العرب والعجم (٣). وقد كان لهذه السفارات والكتب أثرها في نشر الدعوة الإسلامية حيث استجاب عدد منهم ودخلوا في الإسلام، وكشفت عن مواقف الآخرين من الدعوة. وهذا يحدد طبيعة علاقة الدولة الإسلامية بهم بعد ذلك. (٣) انظر بالتفصيل: الطبقات الكبرى، ابن سعد ٢٥٨/١، السيرة النبوية، ابن هشام ٢ / ٦٠٦، المصباح المضي، ابن حديدة ١/ ١٩٣، زاد المعاد، ابن القيم ٦٨٨/٣. www. modoee.com ٢١٩ حرفالعین و کانت رسائله صلی الله عليه وسلم مع رسله وسفرائه إلى عظماء العالم موجزة جامعة تحمل معنى واحدًا وهو الدعوة إلى الإسلام، وبيان وحدة الرسالات في أصولها؛ ليكون هذا منطلقًا للدعوة وإقامة للحجة على من يخاطبهم برسالته، ثم يضعهم أمام مسئوليتهم عن الرعية؛ لأن الرعية تبعٌ لهم، وتنطوي كل كتبه ورسائله عليه الصلاة والسلام على القيم والمبادئ العالية في إطار من الصياغة بالحكمة والموعظة الحسنة. ونجتزئ هنا برسالته صلى الله عليه وسلم إلى هرقل عظيم الروم؛ فقد أخرج الشيخان عن ابن عباس رضي الله عنهما في حديث طويل يحكي قصة أبي سفيان مع هرقل لما جاءه كتاب النبي صلى الله عليه وسلم وسأله عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال لأبي سفيان: إن يكن ما تقول فيه حقًا فإنه نبي، وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظنه منكم، ولو أني أعلم أني أخلص إليه لأحببت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدمیه، وليبلغن ملکه ما تحت قدمي. ثم دعا بکتاب النبي صلى الله عليه وسلم فقرأه، فإذا فيه: (بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلی هرقل عظیم الروم. سلامٌ على من اتبع الهدى! أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام؛ أسلم تسلم، أسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين و﴿يَتَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةِ سَوَكَم بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَصْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِء شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضَّا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَوْاْ فَقُولُواْ أَشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤])(١). ثالثًا: رفع الظلم وحماية المستضعفين: من أعظم وظائف الدولة الإسلامية أن تقوم برفع الظلم والدفاع؛ لرد أي اعتداء وقع على المسلمین، أو يتوقع أن يقع عليهم في ديارهم أو نفوسهم أو أعراضهم أو أموالهم. وذلك أن الإسلام وإن کان يدعو إلى السلم ويميل إليه إذا رغب فيه غير المسلمين بموادعة أو غيرها من الصلح، فإنه في الوقت نفسه لا يقف موقفًا سلبيًا أمام التحديات التي تجابه المسلمين، أو أمام الاعتداءات التي تقع على الضروريات الخمس للإنسان، وهي الدين والنفس والعرض والعقل والمال. ولا يدعو الإسلام إلى السلم الرخيص فيقف مكتوف الیدین أمام عدوان الآخرین، (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد، باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الناس إلى الإسلام، ٤٥/٤، رقم ٢٩٤١، ومسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل، - ١٣٩٣/٣، رقم ٠١٧٧٣ صَوَ سُوبَةُ الـ القرآن الكريمِ ٢٢٠ العلاقات الدولية بل إنه لیدعو أتباعه هنا إلى الجهاد ورد العدوان بكل وسيلة مشروعة، ويجعل من قتل دون دينه أو نفسه أو ماله أو عرضه شهيدًا له أجر الشهداء؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من قتل دون ماله فهو شهيد)(١). هذا، ولا تقتصر مشروعية الجهاد هنا دفعًا عن المسلمين وردًا للعدوان الواقع عليهم فقط، بل إن الجهاد أيضًا يكون الرد العدوان الذي يقع من الحربيين على أهل ذمة المسلمين والمستأمنين في دار الإسلام واستنقاذهم من الظلم أو الأسر، فالأصل أنه يجب على إمام المسلمين أن ينصر المستأمنين ما داموا في دارنا، وأن ينصفهم ممن يظلمهم، کما يجب عليه ذلك في حق أهل الذمة؛ لأنهم تحت ولايته ما داموا في دار الإسلام، فکان حکمھم کحکم أهل الذمة(٢). وهذا الدفاع عن أهل الذمة يبيح للمسلمين أن ينقضوا العهد مع الحربيين الذين ظهروا على أهل ذمتنا للدفاع عنهم كالدفاع عن المسلمين(٣). (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المظالم والغصب، باب من قاتل دون ماله، ١٣٦/٣، رقم ٢٤٨٠، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من قتل دون ماله فهو شهيد، ١/ ١٢٤، رقم ١٤١. (٢) السير الكبير مع شرح السرخسي، ١٨٥٣/٥. (٣) المصدر السابق، ١٨٥٦/٥. وقد تواردت الآيات القرآنية الكريمة في بيان هذا السبب من أسباب القتال كقوله سبحانه وتعالى: ﴿لَا يَنْهَنَّكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَئِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَزِكُمْ أَنْ بَبرُوهُمْ وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمَّ إِنَّاللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) إِنََّا يَتَهَنَّكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّنِيَِّكُمْ وَظَهَرُواْ عَلَ إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلََّهُمْ وَمَن يَنَوَلَّمْ فَأَوْلَيْكَ هُمُ الَّتِسُونَ﴾ [الممتحنة: ٨ - ٩]. ﴿وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وقوله تعالى: اُلَّذِينَ يُقَتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠]. وقوله تعالى: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَقَّى لَا تَكُونَ فِئْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ أَنْنَهَوْاْ فَلَا عُدْوَنَ إِلَّا عَلَى الظَّالِينَ (١٩٣ الشَّهُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْخَرَامِ وَاْمَتُ قِصَاصَُّ فَمَنِ أُعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُ واْعَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَعْلَمُوْاْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُنَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣ - ١٩٤ ] وتشير الآيات الكريمة إلى شرطين في الدفاع الشرعي: أحدهما: شرط اللزوم، أي: لزوم فعل الدفاع لرد العدوان. فقوله تعالى: ﴿وَقَتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَكُمْ﴾ يعني: أن قتالنا لهم كان بسبب قتالهم لنا، والآية الثانية: ﴿فَإِ أَنْشَهَوْ فَلَاَ عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّلِينَ﴾ تعني: ألا نقوم بقتال أو نستمر في قتال ما دام العدو قد كف أيديه عنا. وهذا يتطابق مع شرط اللزوم الذي يتحدث عنه شراح القانون المحدثون. www. modoee.com ٢٢١ حرفالعین بمعنى أن يكون رد العدوان متناسبا مع الفعل الذي مورس به العدوان، ولا يجوز التزيد في هذا الصدد (١). وهو ما تشير إليه الآية الكريمة بوضوح: ﴿بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [ البقرة: ١٩٤]. كما تقوم الدولة الإسلامية بمهمتها في حماية دار الإسلام وبلاد المسلمين، وإنقاذ المستضعفين من المسلمين في أي دولة كانوا، وذلك لأن الإسلام يعتبر بلاد المسلمين كلها دارًا واحدة وبلدًا واحدًا یجب حمایته والجهاد دونه إن كان دار عدل بيد المسلمين، ويجب الجهاد؛ لاسترداده إن کان مسلوبًا. سبب لإعلان الجهاد ما رواه الإمام محمد بن الحسن عن عبدالله بن أنيس: (أن النبي صلی الله عليه وسلم بعثه سریةً وحده إلى خالد بن سفيان بن نبیح الهذلي لما بلغه أنه يجمع الجيش لقتال النبي صلى الله عليه وسلم وغزو المسلمین. قال رضي الله عنه: دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (إنه قد بلغني أن خالد بن سفيان بن نبيح يجمع لي الناس؛ ليغزوني وهو بعرنة(٢)، فأته فاقتله). فقلت: يا رسول الله (١) انظر: القانون والعلاقات الدولية في الإسلام، د.صبحي محمصاني، ص ١٩٤ - ١٩٥. (٢) عرنة: بضم العين وفتح الراء، وادٍ في عرفات. جَوَسُور القرآن الكريم والشرط الثاني: هو شرط التناسب. إني لا أعرفه! فقال: (إنك إذا رأيته هبته)، وكنت لا أهاب الرجال، فخرجت متوشحًا بسیفي حتی وقعت عليه وهو بعرنة مع ظعن پرتاد لهن منزلًا، فلما رأيته وجدت ما وصف لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبلت نحوه، فلما انتهيت إليه قال: من الرجل؟ قلت: رجل من العرب سمع بك ويجمعك لهذا الرجل فجاءك لهذا. قال: أجل، أنا في ذلك). قال: فمشيت معه شيئًا حتى إذا أمكنني حملت عليه السیف حتی قتلته، ثم خرجت فکنت أسیر اللیل وأتواری النهار حتی جئت المدينة، وقدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآني فقال: (أفلح الوجه) ومما يدل على أن حماية دار الإسلام - وهذا لفظ يتكلم به العرب خطابًا لمن نال المراد وفاز بالنصرة - فقلت: وجهك الکریم یا رسول الله. فأخبرته خبري، فدفع إلي عصّا وقال: (تخصر بهذه يا ابن أنيس فإن المتخصرين في الجنة قليل)(٣). وكذلك يعتبر الإسلام المسلمين جميعًا أمة واحدة يجب حمايتهم والدفاع عنهم؛ لاستنقاذ المستضعفين منهم في أي بلدٍ (٣) السير الكبير ٢٦٦/١ - ٢٦٩. والقصة أخرجها: أحمد في مسنده، ٢٥/ ٤٤١، رقم ١٦٠٤٧، وأبو داود في سننه، تفريع صلاة المسافر، باب صلاة الطالب ١٨/٢، رقم ١٢٤٩. وحسن إسناده ابن حجر في فتح الباري، ٤٣٧/٢. ٢٢٢ العلاقات الدولية کانوا، فقد يقع عليهم ظلم ویحیق بهم حيف في دولة جائرة، وعندئذ يجب على المسلمین أن یھبوا لنجدتهم والدفاع عنهم، ولا يجوز أن يتركوهم ليقاسوا أنواعًا من الضيم أو الذل والهوان والضياع ينزله بهم أعداء الإسلام. ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُوْلًا تُقَئِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَآءِ وَالْوِلْدَنِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَأَجْعَل لَنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَأَجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٧٥]. ويدل عليه أيضًا: مناصرة النبي صلى الله عليه وسلم لحلفائه من خزاعة، لما استنصروا بالرسول صلى الله عليه وسلم على قريش وبني بكر. ولا يمنع من القيام بهذه النصرة والحماية والدفاع إلا وجود ميثاق بين المسلمين وبين الدولة التي ينتمي إليها هؤلاء المسلمون المستضعفون، فقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَارَواْ وَّنَصَرُّواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُ مِّنْ وَلَتِهِم مِّنْ شَىْءٍ حَتَّى يَُّلِرُواْ وَإِنِ أُسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَقُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٢] (١). ولذلك تقدم فيما سبق أنه يجب (١) ويستدل بعض الكتاب بالآية الكريمة على على المسلمين نبذ الميثاق أو المعاهدة من أجل استنقاذ المسلمين. رابعًا: عمارة الأرض وفق المنهج الرباني: خلق الله البشر وجعلهم خلفاء في الأرض؛ ليقوموا بعبادته وتوحيده، وليقيموا فيها الحضارة والعمران، وليستثمروا خيراتها التي سخرها لهم؛ ولذلك هيأ الله تعالى للإنسان كل ما يساعده على الانتفاع بهذا الكون - بما وهبه من العقل والحواس والملكات التي يستخدمها للتعرف على هذا الكون بكل موجوداته-، وليستطيع تسخيره بكل ما يحقق الغاية من وجوده. وفي هذا يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَتِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِ الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفُِ الدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكٌّ قَالَ إِنَّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]. وفي الحديث عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الدنيا حلوة خضرةٌ، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون)(٢). إعلان الجهاد من أجل استنقاذ غير المسلمين ولو لم يكونوا من أهل الذمة أو المستأمنين. ولا يصح لهم هذا الاستشهاد، لأن سياق الآية في المؤمنين الذين لم يهاجروا إلى دار الإسلام كما هو في السياق. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الذكر، باب www. modoee.com ٢٢٣ حرف العين والاستخلاف في الأرض نوعان: عام، وخاص. فالاستخلاف العام: هو استخلاف جميع البشر في الأرض باعتبارهم مسلطين عليها، يقومون بعمارتها منذ عهد آدم عليه السلام؛ ولذلك لا يختص هذا الاستخلاف بصنف من البشر دون الآخر، فإن الناس عباد الله، ينتفعون بما سخره الله لهم وفق سنة الله تعالى في الرزق والعطاء، وفي الأسباب والمسببات في المجالين الروحي والمادي. قال الله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَةُ لِمَنْ تُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَتَّمَ يَصْلَنَهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا () وَمَنْ أَرَادَ اَلْأَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأَوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَشْكُورًا ( كُلَّا نُّمِّدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَِّ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَيِّكَ مَخْطُورًا﴾ [الإسراء: ١٨ - ٢٠]. وأما الاستخلاف الخاص: فهو استخلاف الدول والأفراد في الحكم؛ لتكون الأمة مستقلة بحکم نفسها، ولها من السلطات ما يحمي مصالحها ويعلي كلمتها، ويجعلها في اتساع وقوة، وفق سنة الله تعالى في التمكين والاستخلاف والنصر. قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِن تَكَّنَّلَهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنْكَّرُّ وَللَّهِ عَقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١]. وقال تعالى: ﴿ وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ الْأَرْضِ كَمَا أُسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَ لَّمْ دِينَهُمُ الَّذِى أَرْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنَا يَعْبُدُونَفِى لَا يُشْرِكُونَ بِى شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَوْلَكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥]. وفي القرآن الكريم آيات كثيرة في هذا المعنى تبين أن الجماعة المسلمة أو الدولة الإسلامية ينبغي أن تقوم بعمارة الأرض وإنشاء الحضارة المهتدية فيها، فتكون القدوة والمثال للبشرية، وتوازن بين متطلبات الإنسان الروحية والخلقية والمادية. ففي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَبِكَةِ إِنِّ جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكٌ قَالَ إِّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]. قال الإمام الطبري رحمه الله: ((أي: مستخلف في الأرض خليفةً، ومصير فيها خلفًا والخلیفة على وزن الفعیلة، من قولك: خلف فلان فلانًا في هذا الأمر، إذا قام مقامه فیه بعده. كما قال جل ثناؤه: ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَكُمْ خَلَيْفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ [يونس: ١٤]. أكثر أهل الجنة الفقراء، - ٢٠٩٨/٤، رقم ٢٧٤٢. جوبيبو ٢٢٤ القرآن الكريم العلاقات الدولية يعني بذلك: أنه أبدلكم في الأرض وإذن فهي منزلة عظيمة، منزلة هذا الإنسان في نظام الوجود على هذه الأرض الفسيحة. وهو التكريم الذي شاءه له خالقه الکریم. منهم، فجعلکم خلفاء بعدهم. ومن ذلك قيل للسلطان الأعظم: خليفة؛ لأنه خلف الذي كان قبله، فقام بالأمر مقامه، فكان منه خلفًا. يقال منه: خلف الخلیفة، يخلف خلافة وخلیفی))(١). وفي ظلال هذه الآية الكريمة يقول سيد قطب رحمه الله: ((وإذن فهي المشيئة العليا تريد أن تسلم لهذا الكائن الجديد في الوجود، زمام هذه الأرض، وتطلق فيها يده، وتكل إليه إبراز مشيئة الخالق في الإبداع والتكوين، والتحليل والتركيب، والتحوير والتبدیل و کشف ما في هذه الأرض من قوّی وطاقات، وكنوز وخامات، وتسخير هذا كله -بإذن الله- في المهمة الضخمة التي وكلها الله إليه. وإذن فقد وهب هذا الكائن الجديد من الطاقات الكامنة، والاستعدادات المذخورة كفاء ما في هذه الأرض من قوى وطاقات، وكنوز وخامات ووهب من القوى الخفية ما يحقق المشيئة الإلهية. وإذن فهنالك وحدة أو تناسق بين النواميس التي تحكم الأرض -وتحكم الكون كله- والنواميس التي تحكم هذا المخلوق وقواه وطاقاته، کی لا یقع التصادم بين هذه النواميس وتلك، وكى لا تتحطم طاقة الإنسان على صخرة الكون الضخمة! (١) جامع البيان، الطبري ١/ ٤٤٨- ٤٤٩. هذا كله بعض إيحاء التعبير العلوي الجليل: ﴿إِنِّ جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ حين نتملاه اليوم بالحس اليقظ والبصيرة المفتوحة، ورؤية ما تم في الأرض على يد هذا الكائن المستخلف في هذا الملك العريض!))(٢). وهذه العمارة للأرض هي منهج رباني تعاقب عليه الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام قال الله تعالى: ﴿وَ إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِحًاْ قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرَةٌ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَأَسْتَعْمَرَّكُ فِيهَا فَأَسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهٍ إِنَّ رَبِّ قَرِيبٌ أُجِيبٌ﴾ [هود: ٦١]. لقد استخلف الله آدم في الأرض لعمارتها وإصلاحها، وتنميتها وتحويرها، واستخدام الكنوز والطاقات المرصودة فيها، واستغلال الثروات الظاهرة والمخبوءة، والبلوغ بها إلى الكمال المقدر لها في علم الله. ولقد وضع الله للبشر منهجًا كاملًا متكاملًا للعمل على وفقه في هذه الأرض، منهجًا يقوم على الإيمان والعمل الصالح، وفي الرسالة الأخيرة للبشر فصل هذا المنهج، وشرع له القوانين التي تقيمه وتحرسه وتكفل التناسق (٢) في ظلال القرآن ١/ ٥٦. www. modoee.com ٢٢٥ حرف العين والتوازن بين خطواته. في هذا المنهج ليست عمارة الأرض واستغلال ثرواتها والانتفاع بطاقاتها هو وحده المقصود، ولكن المقصود هو هذا مع العناية بضمیر الإنسان؛ ليبلغ الإنسان کماله المقدر له في هذه الحياة، فلا ينتكس حيوانا في وسط الحضارة المادية الزاهرة ولا يهبط إلی الدرك بإنسانيته وهو پرتفع إلى الأوج في استغلال موارد الثروة الظاهرة والمخبوءة. وفي الطريق لبلوغ ذلك التوازن والتناسق تشيل كفة وترجح كفة. وقد يغلب على الأرض جبارون وظلمة وطغاة، وقد يغلب عليها همج ومتبربرون وغزاة، وقد يغلب عليها كفار فجار يحسنون استغلال قوی الأرض وطاقاتها استغلالًا مادیًا ولكن هذه ليست سوى تجارب الطريق، والوراثة الأخيرة هي للعباد الصالحين، الذين يجمعون بين الإيمان والعمل الصالح، فلا يفترق في كيانهم هذان العنصران ولا في حياتهم. وحيثما اجتمع إيمان القلب ونشاط العمل في أمة فهي الوارثة للأرض في أية فترة من فترات التاريخ، ولكن حين يفترق هذان العنصران فالميزان يتأرجح، وقد تقع الغلبة للآخذین بالوسائل المادية حین یھمل الأخذ بها من يتظاهرون بالإيمان، وحین تفرغ قلوب المؤمنين من الإيمان الصحيح الدافع إلى العمل الصالح، وإلى عمارة الأرض، والقيام بتكاليف الخلافة التي وكلها الله إلى هذا الإنسان. وما على أصحاب الإيمان إلا أن يحققوا مدلول إيمانهم، وهو العمل الصالح، والنهوض بتبعات الخلافة؛ ليتحقق وعد الله، وتجري سنته: ﴿ وَلَقَدْكَتَنَافِ الزَُّورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصََّلِحُونَ ﴿ إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَغَا لِقَوْمٍ عَبِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥ - ١٠٦]. فالمؤمنون العاملون هم العباد الصالحون(١). وبعد جولة في ضمير السماوات والأرض وما بينهما -وهي جولة بعيدة الآماد والآفاق في هيكل الكون الهائل، وفي محتوياته المنوعة، الشاملة للأحياء والأشياء، والأفلاك والأجرام، والنجوم والكواكب، والجليل والصغير، والخافي والظاهر، والمعلوم والمجهول- من هذه الجولة البعيدة في ضمير الكون ينقلهم إلى جولة أخرى في ضمير الزمان وأبعاد التاريخ، يرون فيها طرفا من سنة الله الجارية، التي لا تتخلف مرة ولا تحید: ﴿أَوَلَمْ يَسِيْرُواْ فِىِ الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُواْ الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِنَا عَمَرُوهَا (١) في ظلال القرآن ٤/ ٢٤٠٠. ٢٢٦ جَوَسُبْ القرآن الكريمِ العلاقات الدولية وَحَتَهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَّيْنَتِّ فَمَا كَانَ اللَّهُ وقفوا عند ظاهر الحياة الدنيا لا يتجاوزونه إلى ما وراءه ﴿وَجَآَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِلْبَيْنَتِ﴾. لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنِ كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ثُمَّ كَانَ عَقِبَةَ الَّذِينَ أَسَنُواْ السُّوَأَىَ أَنْ كَذَّبُواْ بِشَايَتِ اَللَّهِ وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِءُونَ﴾ [الروم: ٩ - ١٠]. فلم تتفتح بصائرهم لهذه البينات ولم يؤمنوا فتتصل ضمائرهم بالنور الذي يكشف الطريق، فمضت فيهم سنة الله في المكذبين ولم تنفعهم قوتهم ولم يغن عنهم علمهم ولا حضارتهم ولقوا جزاءهم العادل الذي يستحقونه: ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ، ثُوَّ كَانَ عَقِبَةَ الَّذِينَ أَسْئُوا السُّوَقَ﴾ كانت السوأى هي العاقبة التي لقيها المسيئون وكانت جزاء وفاقا على ﴿أَن كَذَّبُواْ بِشَايَتِ اللَّهِوَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ وهي دعوة إلى التأمل في مصائر الغابرين، وهم ناس من الناس، وخلق من خلق الله، تكشف مصائرهم الماضية عن مصائر خلفائهم الآتية، فسنة الله هي سنة الله في الجميع، وسنة الله حق ثابت يقوم عليه هذا الوجود، بلا محاباة لجيل من الناس، ولا هوى يتقلب فتتقلب معه العواقب - حاشا لله رب العالمين ! -، وهي دعوة إلى إدراك حقيقة هذه الحياة وروابطها على مدار الزمان، وحقيقة هذه الإنسانية الموحدة المنشأ والمصير على مدار القرون؛ كي لا ينعزل جيل من الناس بنفسه و حياته، وقيمه وتصوراته، ويغفل عن الصلة الوثيقة بين أجيال البشر جميعا، وعن وحدة السنة التي تحكم هذه الأجيال جميعا ووحدة القيم الثابتة في حياة الأجيال جميعا. فهؤلاء أقوام عاشوا قبل جيل المشركين في مكة ﴿كَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُواْ الْأَرْضَ﴾ فحرثوها وشقوا عن باطنها، وكشفوا عن ذخائرها ﴿وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِنَا عَمَرُوهَا﴾ فقد كانوا أكثر حضارة من العرب، وأقدر منهم على عمارة الأرض ثم والقرآن الكريم يدعو المكذبين المستهزئين بآيات الله أن يسيروا في الأرض فلا ينعزلوا في مكانهم كالقوقعة، وأن یتدبروا عاقبة أولئك المكذبين المستهزئين ويتوقعوا مثلها، وأن يدركوا أن سنة الله واحدة وأنها لا تحابي أحدًا، وأن يوسعوا آفاق تفكيرهم فيدركوا وحدة البشرية، ووحدة الدعوة، ووحدة العاقبة في أجيال البشرية (١). (١) في ظلال القرآن ٢٧٦٠/٥. www. modoee.com ٢٢٧ حرف العين وسائل تحقيق وظائف الدولة هذا الذي تقدم ليس حصرًا لكل وظائف الدولة، وإنما هو بيان إجماليٌ لها؛ لأن الدولة تقوم بكثير من الوظائف والواجبات والوظائف الإيجابية والسلبية؛ فإن الدولة التي يريدها الإسلام ليس لها غاية سلبية فقط، بل لها غاية إيجابية أيضًا، أي: ليس من مقاصدها المنع من عدوان الناس بعضهم على بعض، وحفظ حرية الناس، والدفاع عن أرض الدولة فحسب. بل الحق أن هدفها الأسمى هو نظام العدالة الاجتماعية الصالح الذي جاء به كتاب الله، وفي سبيل تحقيق هذا الغرض تستعمل القوة السياسية تارةً، ويستفاد من منابر الدعوة والتبليغ العام تارةً أخرى، ويستخدم لذلك وسائل التربية والتعليم طورًا، ويستعمل لذلك الرأي العام والنفوذ الاجتماعي طورًا آخر، كما تقتضيه الظروف والأحوال، فمن الظاهر أنه لا يمكن لمثل هذا النوع من الدولة أن تحدد دائرة عملها؛ لأنها شاملة محيطة بالحياة الإنسانية بأسرها، وتطبع كل فرع من فروع الحياة الإنسانية بطابع نظريتها الخلقية الخاصة وبرنامجها الإصلاحي الخاص، فليس لأحد أن يقوم في وجهها ويستثنى أمرًا من أموره قائلًا: إن هذا أمر شخصي خاص لكي لا تتعرض له الدولة، وبالجملة: إن الدولة الإسلامية تحيط بالحياة الإنسانية، وبكل فرع من فروع الحضارة وفق نظريتها الخلقية وبرنامجها الإصلاحي(١). وليس هناك ما يحد من اختصاصات الدولة ووظائفها؛ إذ إنها تقوم بعمل يؤدي إلى جلب المصالح ودفع المضار، وإلى إقامة القسط في حقوق الله وحقوق العباد، ولتكون كلمة الله هي العليا، ولیکون الدین كله لله، من خلال تبليغ رسالة الإسلام إلى الناس وإتاحة الحرية الكاملة لهم في قبولها أو رفضها؛ لأنه لا إكراه في الدين. ومن أجل ذلك تمارس الدولة أو ولاة الأمور عددًا من الأعمال يمكن توزيعها في عدة ولايات، كولاية الحرب والقضاء والمال وغيرها، وهذا التوزيع والاختصاصات في الوظائف والولایات راجعٌ إلی عرف الناس ومقتضيات المصلحة، وليس له حدٌ في الشرع (٢). (١) نظرية الإسلام وهديه في السياسة والقانون والدستور،المودودي، ص ٤٥ - ٤٦. (٢) الحسبة في الإسلام، ابن تيمية، ص ١٥ - ١٦، الطرق الحكمية، ابن القیم، ص ٢٥٨. ٢٢٨ جوبيع الْقُرآن الكَرِيمِ