Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرآن الكَرِيْمِ العلاقات الدَّوْلِيَّةُ عناصر الموضوع مفهوم العلاقات الدولية ١٩٠ الألفاظ ذات الصلة ١٩٢ مقومات الدولة الإسلامية ١٩٣ وظائف الدولة الإسلامية ٢١٠ وسائل تحقيق وظائف الدولة ٢٢٨ ٢٢٩ علاقة الدولة الإسلامية بالدول الأخرى ٢٣٩ العهود بين الدولة الإسلامية وغيرها ٢٥٣ مزايا الدولة الإسلامية ٢٧٨ أسس العلاقات الدولية في الإسلام ٢٨١ خصائص العلاقات الدولية في الإسلام المُجَلَدُ الرَّبِعِ وَالْعَشْرُونْ حرف العين مفهوم العلاقات الدولية أولًا: المعنى اللغوي: العلاقات في اللغة: العلاقات والعلائق جمع لكلمة ((علاقة))، مشتقة من العين واللام والقاف، وهو أصلٌ كبير صحيح يرجع إلى معنىّ واحدٍ، وهو أن يناط الشيء بالشيء العالي أو ینشب فیه ويتشبث به، ثم يتسع الكلام فيه، والمرجع كله إلى الأصل الذي ذكرناه، تقول: علقت الشيء أعلقه تعليقًا، وقد علق به، إذا لزمه، وعلق فلانٌ بفلانٍ: خاصمه، و((علق)) القاضي الحكم: لم يقطع به، وعلق على كلام غيره: تعقبه بنقدٍ أو غيره، والعلاقة - بفتح العين -: تستعمل في المعقولات والأمور الذهنية، كالحب والخصومة، وأما بكسر العين فإنها تستعمل في المحسات والأمور الخارجية المادية(١). الدولية في اللغة: الدولية: مصدر صناعي لكلمة الدولة، وهي من ((دول))، وهو أصل واحد يدل على تحول شيء من مكانٍ إلى مكان، ويقال: الدولة والدولة، وهما بمعنى واحد، وقيل: الدولة هي العقبة في المال، والدولة في الحرب، والجمع دولٌّ ودولات ودولات، وينسب إليها فيقال: الدولية والدولية، وتطلق الدولة على الاستيلاء والغلبة وانقلاب الزمان، وعلى الشيء المتداول، والإدالة: الغلبة، يقال: أديل لنا على أعدائنا، أي نصرنا عليهم (٢). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: قال أبو البقاء الكفوي: ((والعلاقة - بالفتح - هي اتصال ما بين المعنى الحقيقي والمجازي، وذلك معتبر بحسب قوة الاتصال، ويتصور ذلك الاتصال من وجوه خمسة: الاشتراك في شكل، والاشتراك في صفة، وكون المستعمل فيه - أعني المعنى المجازي- على الصفة التي يكون اللفظ حقيقة فيها، وكون المستعمل فيه آيلًا غالبا إلى الصفة التي هي المعنى الحقيقي والمجاورة، فالأولان يسميان مستعارًا، وما عداهما مجازًا مرسلًا))(٣). والعلاقات الثقافية أو التجارية بين بلدين: وجود تبادل ثقافي أو تجاري بينهما، والعلاقات (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١٢٧/٤، المخصص، ابن سيده ٣٧٨/١، الصحاح، الجوهري ٤٩٢/١، تهذيب اللغة، الأزهري ١/ ١٦٣، المصباح المنير، الفيومي ص ٤٢٥-٤٢٦. (٢) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣١١/٢، لسان العرب، ابن منظور ٢٥٢/١١، ترتيب القاموس المحيط، ١/ ٢٣٤، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٣٠٤/١. (٣) الكليات ص ٤٠٤١. ١٩٠ جوبيبو القرآن الكريم العلاقات الدولية الدبلوماسية أو السياسية بين بلدين: وجود سفارة أو قنصلية لكلٍ منهما في الأخرى، وتربط بينهما علاقة قربى: تجمعهم علاقة عائلية، وتوتر العلاقات: سوء العلاقات واضطرابها بين دولتين أو أكثر وهي حالة قد تؤدي إلى قطع العلاقات، وقطعت دولة علاقاتها الدبلوماسية بدولة أخرى: أغلقت سفارتها أو قنصليتها في تلك الدولة (١). والدولة في الاصطلاح: جماعة من الناس، يقيمون على إقليم معين، تحكمهم سلطة واحدة. وهذا تعريف للدولة بإطلاق، سواء كانت دولة مسلمة أو غير مسلمة. فإذا نظرنا إليها بهذا الاعتبار أو من هذه الحيثية ((الإسلام))، فإن الدولة تتحدد صفتها بنوع السلطة التي تحكمها؛ فإن كانت سلطة إسلامية تقوم على التزام عقيدة التوحيد وأحكام الشرع الإسلامي، فهي الدولة الإسلامية. وإن كانت سلطة تقوم على أحكام وضعية بمعزل عن دين الله تعالى وشرعه، فهي عندئذ دولة غير إسلامية. وأما العلاقات الدولية: العلاقات الدولية تأخذ بالاعتبار طبيعة المجتمع الدولي ومنطق المعاملات والصلات التي تتم في إطار القانون الدولي الذي يعنى بتنظيم العلاقات بين الدول أو الهيئات الدولية، وقد اختلف علماء القانون في تحديد مضمونها وطبيعتها ومنهجها، كما اختلفوا في تعريف القانون الدولي؛ بسبب عوامل عديدة تضافرت فساعدت على الخلاف والغموض، فهي حديثة العهد نسبيًا مقارنة بغيرها من العلوم المهتمة بدراسة الظواهر الدولية، كما أن اتصالها الوثيق واختلاطها بعلوم أخرى أقدم منها عهدًا وأرسخ قدمًا يجعلها أقل وضوحًا وتميزًا (٢). ويقصد بالعلاقات الدولية: سائر أنواع الروابط والمبادلات التي تتم خارج حدود دولة واحدة، وبعضهم يقصد بالعلاقات الدولية ما يكون بين الدول من روابط تقوم على أساسٍ من قواعد عامة، وضوابط تحكم تعاملها فيما بينها باعتبارها مستقلة ذات سيادة (٣). (١) انظر: معجم تصحيح لغة الإعلام العربي، عبد الهادي أبو طالب ص ١٦٧، معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار عمر ١٥٣٨/٢. (٢) انظر: العلاقات الدولية، د.محمد سامي عبدالحميد ص ٩ - ١٤، مذكرات في العلاقات الدولية، د. محمد السعید الدقاق ص ٦. (٣) انظر: المعاهدات والاتفاقات، بحث للدكتور عبدالعزيز خياط في [مجلة مجمع الفقه الإسلامي] بجدة، العدد ٧ - الجزء ٤ - ١٤١٢ هـ - ص ٥٠. www. modoee.com ١٩١ حرف العين الألفاظ ذات الصلة القرية: ١ القرية لغة: البلد المسكون؛ مأخوذة من القري. وهو التجمع؛ وسميت بذلك؛ لاجتماع الناس بها (١). القرية اصطلاحًا: (٢) لا يختلف عن المعنى اللغوي الصلة بين الدولة والقرية: جاء في القرآن الكريم كلمة تعبر عن الدولة وهي القرية، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَافِى كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا﴾ [الأنعام: ١٢٣]. وهذا يصف الصورة التي كانت غالبة على الدولة في القديم؛ إذ كانت المدينة تكون دولة، وكان يطلق عليها: الدولة والمدينة، والقرآن الكريم في تسميته للدولة بالقرية يقدم لنا الدولة في أصغر صورها حتى يمكن البناء أو القياس عليها (٣). السلم : ٢ السلم لغة : السِلم: ضد الحرب (٤). السلم اصطلاحًا: السلم ضد الحرب، وهو الصلح(٥). وقيل: هو حالة نفسية تسود أفراد المجتمع نتيجة وحدة الأهداف والغايات والتصورات، تجعلهم يشعرون بالأمان والسكينة في كل نواحي الحياة. الصلة بين العلاقات الدولية والسلم: يعتبر السلم من العلاقات الحميمة بين الدول، فالسلم جزء من العلاقات الدولية. (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٧٨/٥. (٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٤٠٢. (٣) انظر: قانون السلام في الإسلام، د.محمد طلعت الغنيمي ص٣٢٤. (٤) انظر: جمهرة اللغة، ابن دريد ٨٥٨/٢. (٥) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٢٤٠. ١٩٢ جوببيو القرآن الكريمِ العلاقات الدولية مقومات الدولة الإسلامية إن التعريف السابق للدولة يشير إلى ثلاثة مقومات لا بد من توفرها لقيام الدولة، فهي أركانها، مهما اختلفت التعاريف. بل إن بعض الشراح القانونيين الذين يكتبون في الدولة وتعريفها يكتفون بتعداد هذه الأركان بدلًا من تعريف الدولة؛ لصعوبته أو للاختلاف فیه. وهذه المقومات الثلاثة هي: الأول: الركن الاجتماعي، وهو الشعب أو الرعية أو الأمة. الثاني: الركن المادي، وهو الإقليم الذي يقطنه الشعب. الثالث: الركن القانوني، وهو السلطة التي تقوم على شؤون الدولة (١). وقد استخرج بعض علماء القانون الدولي هذه المقومات أو الأركان للدولة من مفهوم قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَاً أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَأَجْعَل لَّنَا مِن لَدُنِكَ وَلِيًّا وَأَجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٧٥]. يقول الدكتور محمد طلعت الغنيمي: (١) انظر: القانون الدولي العام، د.محمود سامي جنينة، ص ٩٧، القانون الدولي العام، د.حامد سلطان وآخرين، ص ٣٤٩، القانون الدولي العام، د.إبراهيم العناني، ص ٦٢، الشريعة الإسلامية والقانون الدولي العام، د.علي علي منصور، ص ٨٩. فالقرية هنا - وهي الدولة - ذات شعب هم أهلها الظالمون، ولا بد أن يكون لها إقليم، إذ لا يتم الإخراج إلا من مكان محدد ومعين، أما السلطة فقد عبرت عنها الآية بالنصير، حتى يمكن أن يحمي المظلومين من السلطة الظالمة في تلك القرية (٢). وكانت دولة المدينة أول تصور إسلامي للدولة، وقد تبدت إرهاصاتها في بيعة العقبة؛ فالذين بايعوا الرسول صلى الله عليه وسلم هناك لم يبايعوه على الولاء الديني فحسب، بل على أن يمنعوا الرسول صلى الله عليه وسلم مما يمنعون منه أنفسهم. ثم تأكد ذلك فى عهد المدينة ((الصحيفة)) حيث جعل المؤمنين من المهاجرين والأنصار أمة واحدة، فكانوا بذلك عنصر شعب الدولة الناشئة إلى جانب اليهود كأقلية محمية، وکانت «المدینة)) إقليم الدولة. وتذكر بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم اهتم ببیان حدود المدینة؛ فقد روی کعب بن مالك رضي الله عنه قال: (بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم على أشراف مخيضٍ وعلى الحفياء وعلى ذي العشيرة وعلى تيم)(٣) وهي جبال المدينة (٤). (٢) قانون السلام في الإسلام، د.محمد طلعت الغنیمي، ص ٣٢٤. (٣) انظر: مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة، ص ٦٤ - ٦٥. (٤) انظر: قانون السلام في الإسلام، ص٣٢٥,١ www. modoee.com ١٩٣ حرفالعین وفيما يلي بيان لهذه المقومات الثلاثة بما يصبغها بصبغته ويميزها بطابعه (١). يناسب المقام والموضوع. أولًا: الأمة: جاء في القرآن الكريم - كما تقدم آنفًا- وفي الحديث الشريف كلماتٌ أو مفردات تدل على هذا المقوم أو الركن من أركان الدولة، مثل الأمة والقبيلة والجماعة والناس والمؤمنين، ففيها إشارة إلى ذلك، وإن كانت تختلف معانیها ودلالاتها باختلاف السیاق. وحسبنا الإشارة إلى كلمتين تدلان على ما وراءهما، وهما (الأمة) و (القبيلة)، وقد تنطوي كلٌ منهما على معاني بعض الكلمات الأخرى التي أشرت إليها. و(الأمة) راجعة في معناها اللغوي إلى القصد. وهي: الجماعة التي تقصد الأمر بتضافرٍ وتعاون. وقولنا: أمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم، معناه: الجماعة القاصدة لتصديقه، المتفقة في أصول دينه، وإن اختلفت في الفروع. ويجوز أن يكون أصل الكلمة الجمع. فقيل للرجل: أمة؛ لأنه يسد مسد الجماعة. وقيل للإمام: إمام؛ لاجتماع القوم عليه. والأم؛ لجمعها أمر الولد. والذي ينتهي إليه البحث في معنى ((الأمة)) أنها جماعة من الناس لها رؤية شاملة للإنسان والحياة والكون ينبثق عنها منهج متكامل وجاءت كلمة ((الأمة)) في القرآن الكريم على عشرة أوجه (٢). أربعةٌ منها تتصل بهذا المعنى الذي نريده في هذا الموضع: ١ . الجماعة. قال تعالى: ﴿ رَبَّنَا وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِلَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَّكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]. قال الإمام الطبري رحمه الله: ((وأما الأمة في هذا الموضع، فإنه يعني بها الجماعة من الناس، من قول الله: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ، يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩]» (٣). ومثله: قوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتّ لَهَامَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَاكَسَبْتُمْ وَلَا تُسْتَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٤ ]. وقوله تعالى: ﴿لَيْسُواْ سَوَاءُ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتَبِ أُمَّةٌ قَايِمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَتِ اللَّهِ ءَانَآءُ الَّلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴾ [آل عمران: ١١٣]. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَنَةَ (١) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص٨٦-٨٧، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي ٧٩/١-٨٠، الوجوه والنظائر، مقاتل بن سليمان، ص ٤٧ -٤٩. (٢) انظر: الوجوه والنظائر، العسكري، ص ٣١ - ٣٦، و الوجوه والنظائر، مقاتل بن سليمان، ص ٤٧- ٤٩، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص ١٤٢ -١٤٤. (٣) جامع البيان، الطبري ٧٤/٣. وانظر: معالم التنزيل، البغوي: ١ / ١٥٠. ١٩٤ جَوَبي القرآن الكريم العلاقات الدولية وَلْإِنِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِهِمْ لَأَكَلُواْ مِنِ فَوْقِهِمْ وَمِن ◌َّحْتِ أَرْجُلِهِمَّ مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَاً وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَآَةَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٦٦]. وقال الطاهر ابن عاشور رحمه الله: ((والأمة اسم مشترك يطلق على معان كثيرة، والمراد منها هنا: الجماعة العظيمة التي یجمعها جامع له بال من نسب أو دين أو زمان، ویقال: أمة محمدٍ -مثلا- للمسلمين؛ لأنهم اجتمعوا على الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وهي بزنة فعلة، وهذه الزنة تدل على المفعول مثل: لقطة وضحكة وقدوة، فالأمة بمعنی مأمومة، اشتقت من الأم -بفتح الهمزة- وهو القصد؛ لأن الأمة تقصدها الفرق العديدة التي تجمعها جامعة الأمة كلها، مثل الأمة العربية؛ لأنها ترجع إليها قبائل العرب، والأمة الإسلامية؛ لأنها ترجع إليها المذاهب الإسلامية. وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَيْرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْدٍ إِلَّ أُمَّ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨]. قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّآ فهو في معنى التشبيه البليغ، أي: كأمم أُشَةُ وَحِدَةً فَأَخْتَلَفُواْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [يونس: ١٩]. إذا تدبرتم في حكمة إتقان خلقهم ونظام أحوالهم وجدتموهم كأمم أمثالكم؛ لأن هذا الاعتبار كان الناس في غفلة عنه))(١). ٢. الملة. قال الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اَللَّهُ النَّبِيْنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٧٢١/١. مَعَهُمُ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا أَخْتَلَفُواْ فِيَّةٍ وَمَا أَخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَ تَهُمُ الْبَيْنَتُ بَغْيَا بَيْنَهُمٌّ فَهَدَى اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا أَخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهُ وَاللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣]. يعني: أهل أمة واحدة، أي: ملة، فحذف؛ لبيان المعنى. وسميت الملة أمة؛ لاجتماع أهلها عليها، ويجوز أن يقال: إنها سميت أمة؛ لأنها تقصد وتتبع. والمراد: أن الناس كانوا على الكفر فیما بین آدم ونوح، أو ما بین نوح وإبراهيم، فبعث الله النبیین علیھم السلام بالأوامر والنواهي والبشارات والزواجر، ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِنَبَ ﴾ الذي فيه الحق؛ لكون فصلا بين المختلفين بما فيه من التمييز بين الصواب والخطأ، وهو مثل قولك: ذهب به، وخرج به، وما أشبهه. ٣. أهل الإسلام. يعني: حالهم على عهد آدم، وما كانوا عليه في سفينة نوح. ومثله: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ ◌َجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَحِدَةٌ ﴾ [المائدة: ٤٨]. أي: لو شاء الله لجعلكم متفقين على الإسلام قهرًا. www. modoee.com ١٩٥ حرف العين ٤ . الملة الواحدة. كما في قوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَحِدَةً وَأَنَارَبُّكُمْ فَاعْبُدُون ﴾ [الأنبياء: ٩٢ ]. أي: ملتکم، فهي هاهنا الملة بعينها، وفي الأول: الجماعة المتفقة على الملة الواحدة کما بینا. وأما القبيلة: فقد قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّها النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَكُم مِّنِ ذَّكَرٍ وَأَنَتَى وَجَعَلْتَكُمْ شُعُوبًا وَبَآئِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَ مَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَّكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣]. قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: يقول تعالى مخبرًا للناس أنه خلقهم من نفس واحدة، وجعل منها زوجها، وهما آدم وحواء، وجعلهم شعوبًا، وهي أعم من القبائل، وبعد القبائل مراتب أخر كالفصائل والعشائر والعمائر والأفخاذ وغير ذلك. وقيل: المراد بالشعوب بطون العجم، وبالقبائل بطون العرب، كما أن الأسباط بطون بني إسرائيل فجميع الناس في الشرف بالنسبة الطينية إلى آدم وحواء سواء، وإنما يتفاضلون بالأمور الدينية، وهي طاعة الله ومتابعة رسوله صلی الله عليه وسلم. ولهذا قال الله تعالى بعد النهي عن الغيبة واحتقار بعض الناس بعضًا، منبها على تساويهم في البشرية: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْتَى وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُواْ﴾ أي: ليحصل التعارف بينهم، كلٌّ يرجع إلى قبيلته. قال مجاهد في قوله ﴿لِتَعَارَفُواْ﴾: كما يقال: فلان بن فلان من كذا وكذا، أي: من قبيلة كذا وكذا. وقال سفيان الثوري: کانت حمیر ینتسبون إلى مخاليفها، و کانت عرب الحجاز ينتسبون إلى قبائلها. ويعبر المعاصرون عن معنى ((الأمة)) ومفهومها بکلمة أخرى هي «الشعب». وهو مجموع الذكور و الإناث الذين يقطنون بصفة دائمة في الإقليم، دون اشتراط لعدد معين، وإن كانت الكثرة تعطي الدولة قوة أکبر ومكانة أعظم بين الدول. والشعب في الدولة الإسلامية قد یکون کله من المسلمين، وقد يتكون من المسلمين ومن غير المسلمين الذين يقيمون إقامة دائمة وهم الذميون، وهؤلاء جميعًا مواطنون أو رعايا في الدولة الإسلامية. وقد يقيم غير المسلمين إقامة مؤقتة وهم المستأمنون، وهؤلاء أجانب عن الدولة وليسوا من رعاياها. ونخصص لكل صنف من مكونات الشعب كلمةً موجزة: ١. المسلمون. والمسلمون المؤمنون الذين يكونون الأمة المسلمة بمعناها الديني: هم المعترفون بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، والمصدقون بكل ما أخبر به. وقد وصفهم الله تعالى في كتابه الکریم، وحدد ١٩٦ فَضْو القرآن الكريم العلاقات الدولية سماتهم فقال: ﴿الَّ ذَلِكَ الْكِتَبُّ لَا رَيْبُّ فِيهِ هُدَّى لِلْنَِّينَ ) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبٍ وَيُقِيمُونَ السَّلْوَةَ وَمَّا وَنَقْهُمْ يُفِقُونَ (٢) وَالَّذِينَ يُؤْمُِنَ بِمَّا أَنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْخِرَةِ هُمْيُوقِنُونَ (١) أُوْلَكَ عَلَى هُدَى مِن ◌َّيْهِمّ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. [البقرة: ١ -٥]. وهذا الإيمان يترتب عليه عصمة الدم والمال والعرض، ويجعل المؤمنين سواسية في الحقوق والواجبات، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه البخاري: (من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فهو المسلم، له ما لنا وعليه ماعلينا)(١). وينبغي أن يلاحظ هنا أن الإسلام يعتبر في آنٍ واحد عقيدةً وجنسية، فالمسلمون أينما كانوا إخوةٌ في العقيدة والجنسية. وبما أن الإسلام لا يتعرف إلى فكرة الجنسيات وفقًا لمعناها الاصطلاحي السائد لدى التشريعات الوضعية، أو غيرها من أسباب التمييز بين الناس(٢). (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، في باب فضل استقبال القبلة، ٨٧/١، رقم ٣٩١. (٢) أوصت الدول النصرانية والمستشارون النصارى واليهود وأعوانهم بانتهاج سبيل أوربا باعتباره الطريق الوحيد للتخلص من مشاكل الحكم والإدارة والقضاء وغيرها في الدولة العثمانية، فبادر أولئك المغلوبون على أمرهم من الحكام بتلقف جملة من القوانين والتشريعات الأوربية، فصدرت عدة قوانين مستمدة من التقنين الفرنسي وغيره، فإن جميع المسلمين يعتبرون متساوين في نظر الشريعة، إذ تجري عليهم أحكامها، مهما کان جنسهم أو لونھم أو عنصرهم، وأينما كانت إقامتهم. فالعصبية الدينية هي التابعية الأصلية التي تعطي صفة المواطن الكاملة في دار الإسلام. فإذا أقام المسلم في دار الإسلام وجب عليه اتباع أحكام الشريعة الإسلامية في جميع الأمور، فيلتزم بما توجبه من التزامات، ويتمتع بما تعطيه من حقوق، حسب شروطها الشرعية من دون تقييد ولا تخصيص. وفي هذه الحالة يرادف قانون المسلم الشخصي القانون الإقليمي أو المحلي لدار الإسلام. وبناءً على هذا: إذا عقد المسلم في دار الإسلام عقدًا مع مسلم آخر أو ذمي أو مستأمن، فتطبق عليه الأحكام الشرعية وحدها. ومن ذلك قانون الجنسية الذي صدر في سنة ١٨٦٩ م وكان ضربة وجهت إلى أخوة الإسلام بوصفها الرابطة التي كانت تربط بين المسلمين. فقد أعطى القانون المذكور المشاعر القومية والعواطف العنصرية دفعة هيأت الرابطة القومية، لتحل محل الرابطة الإسلامية، وبذلك خطت الدولة العثمانية خطواتها الواسعة نحو التمزق. انظر: النهي عن الاستعانة والاستنصار في أمور المسلمين بأهل الذمة والكفار، مصطفى بن محمد الورداني، ص ٤١ - ٤٣ من مقدمة المحقق، القانون الدولي الخاص، د. مصطفى الحفناوي، ص ٢٥ - ٢٧. www. modoee.com ١٩٧ حرف العين فالمسلمون في دار الإسلام أمة واحدة، تربط بينهم العقيدة والإيمان مهما اختلفت أقطارهم وتناءت بلادهم وتنوعت لغاتهم وأجناسهم، فهم إخوة في الإيمان لا تفرقهم الأوطان ولا العصبيات ولا المذاهب: ﴿إِنََّا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيَّكُمْ وَأَنَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ١٠]. والقاعدة التي ينطلق منها الإسلام في بناء المجتمع وإقامة الدولة الإسلامية، وفي تمتع المسلم بالجنسية أو التابعية الإسلامية هي علاقة العقيدة مع علاقة القيادة الإسلامية، أي: الإيمان وسكنى دار الإسلام أو الانتقال إليها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَأَلَّذِينَ ءَاوَوا وَنَصَرُوَا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُ مِّن وَلَيَتِهِم مِّن شَىْءٍ حَّ يُهَاِرُواْ وَإِنِ أُسْتَنَصَرُوكُمْ فِ الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَقْ وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٢]. وليست علاقة الأرض، ولا علاقة الدم، ولا علاقة الجنس، ولا علاقة التاريخ أو اللغة أو الاقتصاد، وليست هي مجرد القرابة أو الوطنية أو القومية، وليست هي المصالح الاقتصادية. ولذلك يقول الإمام السرخسي: ((إن المسلم من أهل دار الإسلام حيثما يكون»(١). (١) شرح السير الكبير، السرخسي ٢٠٤٧/٥. ولهذا فإن المسلم في أي بلدٍ إسلامي ليس أجنبيًا عن أي بلدٍ آخر من بلاد المسلمين؛ لأن مدلول الأجنبي في الدولة الإسلامية أمسى مرادفًا لغير المسلم، أما المسلم فهو مواطن له جميع حقوق المواطنين، وتصان هذه الحقوق كلها بغاية الصيانة في نفسه وأهله وماله وعرضه، وعليه كذلك جميع الواجبات المفروضة على المواطن أينما وجد، من التعاون والتعاضد والتكافل والنصرة، لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (المسلمون تتكافأ دماؤهم، وهم يدٌّ على من سواهم، یسعی بذمتهم أدناهم)(٢). ٢. الذمیون. المراد بالذميين أو أهل الذمة: جميع أولئك الذين يقطنون داخل حدود الدولة الإسلامية من غير المسلمين، ويقرون بالولاء والطاعة لها، بصرف النظر عما إذا كانوا قد ولدوا في دار الإسلام، أو جاؤوا إليها من الخارج والتمسوا من الحكومة أن تجعلهم في عداد أهل الذمة (٣). والأصل في مشروعية عقد الذمة: (٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الجهاد، باب السرية، ٨٠/٣، رقم ٢٧٥١. وصححه الألباني في صحيح الجامع، ١١٣٧/٢، رقم ٦٧٠٧. (٣) نظرية الإسلام وهديه في السياسة والقانون والدستور، ص ٣٠٢. ١٩٨ العضوي جَوَسُورَةُ النَّفِيَّة القرآن الكريمِ العلاقات الدولية الكتاب والسنة وعمل الخلفاء الراشدين، وعلى ذلك انعقد الإجماع. وحسبنا هنا ما يدل على ذلك من قوله سبحانه وتعالى: قَائِلُواْ أَلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحِّمُونَ مَا حَزَّمَ اَللَّهُ وَرَسُولُهُ. وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حَتَّ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. وهذه الآية الكريمة من سورة التوبة التي تضمنت تحديد العلاقات النهائية بين المجتمع المسلم وأهل الكتاب، مع بيان الأسباب العقدية والتاريخية والواقعية التي تحتم هذا التحديد، وتكشف كذلك عن طبيعة الإسلام وحقيقته المستقلة، وعن انحراف أهل الكتاب عن دين الله الصحيح عقيدة وسلوكا، بما يجعلهم في اعتبار الإسلام ليسوا على دين الله الذي نزله إليهم، والذي به صاروا أهل كتاب(١). وإذا تلمسنا الحكمة من مشروعية عقد الذمة؛ فإننا نقف من خلال ذلك على عظمة التشريع الإسلامي؛ ففي الوقت الذي لا تهتم النظم غير الإسلامية بالمخالفين لها في العقيدة، ولا تحاول تأليفهم بحسن المعاملة، بل الغالب أن تحاول السيطرة عليهم بالإرهاب والحصار والتصفية البدنية عند الحاجة، فإن الإسلام يوجب (١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ١٥٦٦/٣. تأليف قلوب غير المسلمين المقيمين في دار الإسلام وحسن معاملتهم، والنصوص الشرعية في ذلك كثيرة متضافرة على هذا المعنى. وإقامة غير المسلمين في دار الإسلام إقامةً دائمة بسبب عقد الذمة سبيلٌ للدعوة إلى الإسلام بأحسن الطرق، من خلال مخالطة المسلمين لغير المسلمين ومعاملتهم لهم، وبذلك يتعرفون على أحكام الإسلام ومحاسنه ودلائله، وعلى طريقة المسلمين وسيرتهم، فقد يحملهم ذلك على الدخول فيه عن طواعية واختيار وعن قناعة ورضَى، وبذلك يصبح أعداء الأمس إخوان اليوم، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿عَسَى اللهُ أَن يَجْعَلَ يَتْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُم قَوَدَّةٌ وَاللّهُ قَدِيْرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الممتحنة: ٧]. وإن لم يكن ذلك، فإنه على الأقل سيكون سبيلاً لدفع شرهم في الحال، بسبب زوال قوة الكفار وشوکتھم، حیث يخضعون للنظام الإسلامي بموجب عقد الذمة وشروطه - على أن يكون لهم في أحوالهم الشخصية القضاء بما في دينهم وشريعتهم-، وعندئذ تظهر شوكة المسلمين وقوتهم، وقد بعث الله تعالی النبي صلى الله عليه وسلم؛ ليظهره على الدين كله، لذلك يجب على المسلمين أن ينظروا في www. modoee.com ١٩٩ حرف العين أسباب ذلك(١). والقاعدة العامة في المركز القانوني للذمیین في دار الإسلام: أنهم رعیة من رعایا الدولة، يسري عليهم القانون الإسلامي فيما يتعلق بشئونهم الدنيوية، ويلتزمون بأحكام الإسلام فيما يعود إلى العقوبات والمعاملات، فیما یحکم به عليهم من أداء الحقوق أو ترك المحرمات؛ لأنهم من أهل دار الإسلام، وفيما عدا ما يختصون به من أحكام دينهم في الاعتقادات والعبادات وفي الزواج والطلاق ((الأحوال الشخصية)) ونحو ذلك مما يرونه مباحًا عندهم، فهم فيه أحرار، لا يتعرض لهم المسلمون بشيء. والحكم العام الذي يطبق على أهل الذمة في الدولة الإسلامية ((دار الإسلام)) هو ما عبر عنه عليّ رضي الله عنه بقوله: ((من كانت له ذمتنا فدمه کدمنا و دیته کدیتنا»(٢). ولذلك أرسى الفقهاء قاعدة عامة في (١) انظر: حجة الله البالغة لشاه ولي الله الدهلوي ٧٩٤/٢، في ظلال القرآن، سيد قطب ٠١٦٣٣/٣ (٢) أخرجه الإمام محمد بن الحسن في الحجة على أهل المدينة: ٣٥٢/٤ -٣٥٤ ومن طريقه الشافعي في السنن: ١٠٥/٢-١٠٦، وأخرجه الدار قطني في السنن: ١٤٧/٣ - ١٤٨، والجصاص في أحكام القرآن: ١٤١/١. وفيه أبو الجنوب الأسدي وهو ضعيف. وهذا الأثر اشتهر عند الفقهاء بلفظ [إنما قبلوا الذمة لتكون أموالهم كأموالنا، ودماؤهم كدمائنا]. وقال عنه الزيلعي: غريب بهذا اللفظ. انظر: نصب الراية: ٣٨/٣. معاملة أهل الذمة وبيان مرکزهم وحقوقهم، فقالوا: ((لهم مالنا وعليهم ما علينا)). وهذه القاعدة لا ينبغي أن تفهم على إطلاقها، فهي تعني أن لهم حقوقًا وعليهم واجبات يلتزمون بها، فلهم ما لنا من الإنصاف في المعاملة بالعدل والقسط والأخذ بهما، ويشهد لهذا أنه ليس لهم رئاسة الدولة الإسلامية ولا ولاية القضاء فيها (٣). ثانيًا: الأرض: الأرض أو دار الإسلام هو ما يعبر عنه بالإقليم. وهو الرقعة من الأرض التي يقيم عليها شعب الدولة. ولا يقتصر الإقليم على الرقعة من الأرض، بل يشمل أيضًا: الجو الذي يعلو هذه الأرض، والمياه المحيطة، إن كان يقع على البحر أو المحيط، وقد يكون هذا الإقليم متصلًا على بقعة واحدة، وقد يكون -أحيانًا- غير متصل، فتفصل بعض البلاد بين أجزائه، كما أنه لا يشترط (٣) انظر بالتفصيل- إن شئت -: أصول العلاقات الدولية في فقه الإمام الشيباني، عثمان جمعة ضميرية: ١/ ٤٣٠ - ٥٨٢. وفي الواقع المعاصر لا نجد لأحكام الذمة بمفهومها الفقهي تطبيقًا عمليًا أو التزامًا في البلاد الإسلامية، بعد قيام الدول على أسس مدنية، وبعد نظم وقوانين الجنسية التي بدأت في أواخر عهد الدولة العثمانية، كما تقدمت الإشارة لذلك، ثم تبعتها سائر البلاد الأخرى، وإن كنا نجد أحكام ما يتعلق بغير المسلمين أو بعض هذه الأحكام في بعض البلاد. ولعل هذه القضية بحاجة إلى دراسة مستقلة. ٢٠٠ مُوس ◌َة التقنية جوبيه القرآن الكريمِ العلاقات الدولية مساحة معينة، وإنما المهم أن يقيم عليه ويسمى ((دار الحرب)) أو((دار الكفر))(٢). ٣. دار الإسلام. شعب مستقر على أرضه. وليس من غرضنا هنا دراسة ذلك بالتفصيل؛ لأنه أقرب إلى دراسة القانون الدولي العام. وفي الفقه الإسلامي يطلق الفقهاء على الإقليم الذي يشكل عنصرا من عناصر الدولة في القانون؛ اسم ((الدار))، والدولة المسلمة يطلقون عليها اسم ((دار الإسلام))(١). تقسيم العالم: الإسلام دعوة عامة للناس كافة، وأحكامه تخاطب الناس جميعًا، لا يختص بها قوم دون قوم، ولا إقلیم دون إقلیم، وبذلك تهدف الشريعة الإسلامية إلى تكوين مجتمع إنساني واحد، يخضع لنظام واحد، لكن لما لم تمتد الشريعة إلى كافة أرجاء العالم، ولم تكن لها السيادة الفعلية على العالم كله، فقد قضت ظروف الواقع أن لا تطبق إلا على البلاد التي يدخلها سلطان المسلمين دون غيرها من البلاد، فكانت من حيث الواقع إقليمية تطبق على البلاد التي تخضع لسلطة المسلمين. وقد نظر الفقهاء إلى هذا الاعتبار، فأوجدوا تقسیمًا للعالم كله إلى قسمين: الأول: یشمل کل بلاد الإسلام، ویسمی ((دار الإسلام)). والثاني: يشمل كل البلاد الأخرى، (١) انظر: حاشية ابن عابدين ٤ /١٦٦. عرفها فقهاء الحنفية بأنها: «ما يجري فيه حكم إمام المسلمين من البلاد)» (٣). فدار الإسلام: هي الدار التي تكون تحت سلطة المسلمين، وتظهر فيها أحكام الإسلام، ويأمن فيها المسلمون. فهي تشمل جميع البلاد التي تظهر فيها أحكام الإسلام، أو يستطيع المسلمون أن يظهروا فيها أحكام الإسلام. أي: أن تكون أحكام الإسلام لها السيادة والظهور والغلبة، فهي القانون الأساسي للبلاد، فيدخل في دار الإسلام كل بلد سكانه كلهم أو أغلبهم مسلمون، وكل بلدٍ يتسلط عليه المسلمون ويحكمونه -ولو كانت غالبية السكان من غير المسلمين-، وكل بلد يحكمه ويتسلط علیه غير المسلمین ما دام فيه سكان مسلمون (٢) انظر: التشريع الجنائي الإسلامي، عبد القادر عودة: ١ / ٢٧٤ - ٢٧٥. (٣) در المنتقى شرح الملتقى: ٦٣٤/١. وقال المالكية: هي ما تجري فيها أحكام المسلمين. انظر: المقدمات الممهدات لابن رشد: ٢/ ١٥٣. وقال الشافعية: كل دار ظهرت فيها دعوة الإسلام من أهله بلا خفير ولا مجير ولا بذل جزية، ونفذ فيها حكم المسلمين على أهل الذمة، ولم يقهر أهل البدعة فيها أهل السنة فهي دار الإسلام. انظر: أصول الدين للبغدادي، ص ٢٧٠، وقال الحنابلة: ((هي كل دار كانت الغلبة فيها لأحكام الإسلام دون أحكام الكفر)). انظر: الآداب الشرعية، ابن مفلح ٢١٣/١. www. modoee.com ٢٠١ حرف العين يظهرون أحكام الإسلام، أو لا يوجد لديهم ما أن بلاد الكفار كلها تعد دارًا واحدة مهما يمنعهم من إظهار أحكام الإسلام(١). وتصير البلاد دار إسلام بأحد أمرين: الأول: إسلام أهل الحرب وإقامتهم في دارهم، کأهل المدينة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لما أسلموا وأقاموا فيها. الثاني: فتح بلاد أهل الحرب، وإعلان السيادة عليها بإظهار أحكام الإسلام فيها، ولو كان أهلها كلهم غير مسلمين؛ لأن السيادة لأحكام الإسلام. وفي هذه الأحوال يأمن المسلمون في الدار بأمان الإسلام؛ لأن دار الإسلام اسمٌ للموضع الذي یکون تحت يد المسلمين، وعلامة ذلك أن يأمن فيه المسلمون(٢). ٤. دار الكفر. وهي البلاد التي ظهرت فيها أحكام الشرك عند غلبة أهل الحرب عليها. أو هي: ما يجري فيه أمر رئيس الكفار من البلاد. وتشمل دار الكفر كل البلاد غير الإسلامية التي لا تدخل تحت سلطان المسلمین، أولا تظهر فيها أحكام الإسلام، أي: لا تكون لها السيادة والغلبة، سواء أكانت هذه البلاد تحكمها دولة واحدة أم تحكمها دول متعددة، ولذلك قرر الفقهاء (١) التشريع الجنائي الإسلامي ٢٧٥/١ - ٢٧٦. (٢) انظر: شرح السير الكبير، السرخسي ١٢٥٣/٤، المبسوط، السرخسي ١٠/ ٩٣ و ١١٤. تعددت أقاليمها، ويستوي أن يكون بين سكانها المقيمين بها إقامةً دائمة مسلمون أو لا يكون، ما دام المسلمون عاجزين عن إظهار أحكام الإسلام(٣). ودار الكفر تقسم إلى قسمين: الأول: دار كفر لا يوجد بيننا وبينها عهد ومیثاق، أي: معاهدة صلح وسلم. والثاني: دار كفر بيننا وبينهم ميثاق وعهد. وهذه يجعلها بعض العلماء دارًا مستقلة يسمونها دار العهد. وبعض العلماء يسمي دار الكفر دار الحرب، ولم يكن سبب التسمية بدار الحرب هو حالة وقوع الحرب فعلًا بينها وبين المسلمين، بل تسمى بذلك الاسم (دار الحرب)» - ولو لم تكن هناك حرب فعلية- باعتبار ما بينهما من تباعد - كما يقول الحنابلة-، ولأنها دار غير إسلامية ويتوقع الاعتداء منها، وهي لم تخضع لحكم الإسلام، ومن الناحية التاريخية الواقعية كانت دار الكفر تناصب المسلمين الخصام والعداء والحرب، ولذلك يسمونها دار كفر أو دار شرك أو دار حرب، ويعنون (٣) انظر: المبسوط، السرخسي ١١٤/١٠، در المنتقى، داماد أفندي ٦٣٤/١، المدونة الكبرى، الإمام مالك ٢٢/٢، كشاف القناع، البهوتي ٣٨/٣، الإنصاف، المرداوي ١٢١/٤. جُوبُوا حَرَ النَّفِيَّة القرآن الكريمِ ٢٠٢ العلاقات الدولية بها حقيقة واحدة (١). والمناط أو العلة التي بني عليها تقسيم العالم إلى دار إسلام ودار كفر، هو غلبة الأحكام وظهورها بحيث تكون لها السيادة، فإذا كانت الغلبة والسيادة لأحكام الإسلام: فالبلاد دار إسلام، وإذا كانت الغلبة والسيادة لأحكام الکفر: فهي دار حرب أو کفر، ولا فرق بينهما. وفي ذلك يقول السرخسي: ((إن الدار إنما تنسب إلينا أو إليهم باعتبار القوة والغلبة))(٢). وقد عمد بعض الكتاب المعاصرين إلى مهاجمة تقسيم العالم إلى دار إسلام ودار حرب، وكان أول من اتجه هذا الاتجاه هم غير المسلمين، حيث اعتبره بعضهم ناشئًا عن تصور يتطابق مع نزعة تميل إلى السيطرة العالمية لا ينسجم مع مبدأ المساواة القانونية بين الأمم. ثم قال: وفي وقتٍ كانت هذه الفكرة مرفوضة من نفس أولئك الذين دخل الإسلام معهم في صراع: نجد التقسيم الأساسي للعالم إلى ((دار الإسلام)) و((دار الحرب»، مع ما يتفرع عنه من تقسیم قابلا للتطبيق في القانون الداخلي وفي الخارج على السواء، ألا وهو تقسيم الناس إلى (١) انظر: منهج الإسلام في الحرب والسلام، عثمان جمعة ضميرية، ص ٥٦ - ٥٨، أصول العلاقات الدولية في فقه الإمام محمد بن الحسن الشيباني له أيضا: ٣١٥/١ - ٣٨٠. (٢) المبسوط، السرخسي ١١٤/١٠. مؤمنين وكفار على أنه لا بد من القول بأن هذا التصور لم يكن متسقًا مع الإسلام، وإن كان منسجمًا تمامًا مع أفكار العصر الذي أنتجه. وقد انتهت هذه الثنائية الواضحة بالانفجار على المستوى الدولي كرد فعلٍ ضد مفهوم الإمبراطورية النصرانية آنذاك، وارثة فكرة السلم الروماني (٣). ثم عمق هذا الاتجاه بعض الكتاب المسلمين المعاصرين وحاولوا دعمه ببعض التعلیلات وبأقوال الفقهاء، ویمکن أن نوجز خلاصة رأيهم في تقسيم العالم إلى دارين بما يلي في نقاط متتابعة: إن هذا التقسيم مبني على أساس الواقع ٥ لا على أساس الشرع، وهو من محض صنيع الفقهاء في القرن الثاني الهجري. إنه تقسيم طارئ بسبب قيام حالة الحرب، فهو ينتهي بانتهاء الحرب والأسباب التي دعت إليه. ودار الحرب هي التي لم تكن في حالة سلم مع الدولة الإسلامية، وهذا أمر عارض يبقى بقيام حالة الحرب. إن الدنيا بحسب الأصل هي دار واحدة، كما هو رأي الشافعي. (٣) انظر: من أجل نظرية في القانون الدولي لإدمون رباط، ترجمة الدكتور إبراهيم عوض، ص ٣٠ - ٣١. وهو بحث بالفرنسية منشور في المجلة المصرية للقانون الدولي عام ١٩٥٠ ص ١ -٢٣. www. modoee.com ٢٠٣ حرفالعین ولذلك قال الشافعي مع جمهور والشريعة الإسلامية في اعتبار أن الدنيا دار الفقهاء: إن الحدود تجب على المسلم أينما وقع سببها، أما الحنفية فإنهم اعتبروا أن الدنيا داران، ولذا لم يوجبوا إقامة الحدود على المسلم في دار الحرب. إن الأحكام التي اختلفت بسبب وصف الدار إنما كانت أثرًا من آثار الحرب الدائرة بين المسلمين وغيرهم، أو بسبب مجرد قیام حالة الحرب (١). والخلاصة في رأيهم: ((أن أساس اختلاف الدارين هو انقطاع العصمة وأن مناط الاختلاف هو الأمن والفزع كما بينه أبو حنيفة، فالدار الأجنبية أو دار الحرب: هي التي لم تكن في حالة سلم مع الدولة الإسلامية، وهذا أمر عارض یبقی بقیام حالة الحرب وینتهي بانتهائها». ثم ينتهي إلى النتيجة التي يريد تقريرها فيقول: ((وبذلك يلتقي القانون الدولي (١) انظر: العلاقات الدولية في الإسلام، أبو زهرة، ص ٥١، وبحثه عن نظرية الحرب ص ١٤ ١٥ منشور بالمجلة المصرية للقانون الدولي، المجلد الرابع عشر، ١٩٥٨. ففيهما تقرير أن التقسيم كان بحكم الواقع لا بحكم الشرع. أما سائر النقاط الأخرى أعلاه فهي خلاصة رأي أستاذنا الدكتور وهبة الزحيلي في كتابيه آثار الحرب ص ١٨١ و ١٩٤ - ١٩٥ والعلاقات الدولية في الإسلام ص ١٠٩ و ١١٣ - ١١٦. واحدة، وأن الحرب أمر عارض يقيم حالة عداء مؤقت بین بلدین، فإذا ما انتهت الحرب زالت معها هذه الحالة، وحينئذ يتضح لكل إنسان أن كلمة ((الحربي)) بحسب اصطلاح الفقهاء المسلمين، لا يلزم أن ترادف كلمة «عدو)) دائمًا)) (٢). وتلكم هي خلاصة القول في رأيهم في تقسيم العالم إلى دار الإسلام ودار الحرب، لم یکن لنا فيها أي إضافة أو نقص، وإنما جعلناها مرتبة متسلسلة؛ لنعود إليها بإبداء بعض الملاحظات حيالها؛ لنرى مدى دلالتها على ما يريدون الوصول إليه أو عدم الدلالة على ذلك. إن هذا التقسيم الذي وضعه الفقهاء للعالم تقسيم أصيل وإن لم يجر به الاصطلاح في عهده صلی الله عليه وسلم، فھو لم یکن ابتداعًا ابتدعه الفقهاء، بل إن أصوله في القرآن الكريم وفي السنة النبوية، شأنه في ذلك شأن كثير من التقسيمات في الفقه الإسلامي. ففي القرآن الكريم نجد تقسيم الناس إلى (٢) آثار الحرب في الفقه ص ١٩٥ - ١٩٦، العلاقات الدولية ص ١١٦. ويلاحظ أن فقهاء القانون الدولي كان لهم نظرة لهذا التقسيم تتسم بالدقة، فوصفوا هذا المصطلح بأن فيه سهولة ويسرًا وضبطًا. انظر: أحكام القانون الدولي، د.حامد سلطان، ص ١١٥. مَوَسُولَة النفسية القرآن الكريم ٢٠٤ العلاقات الدولية مؤمنين وكفار، ولكل من هذين القسمين بلاد أو دار تجمعهم، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّهُو الدَّارَ وَاَلْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ ﴾ [الحشر: ٩]. ﴿سَأُوْرِكُوْ دَارَ الْفَسِقِينَ﴾ و قوله: [الأعراف: ١٤٥ ]. وقوله: ﴿تَمَتَّعُواْ فِ دَارِكُمْ ثَلَثَةَ أَيَّاءٍ﴾ [هود: ٦٥]. وغیرها من الآيات کثیر. وفي السنة النبوية وفي الآثار عن الصحابة جاء هذا المعنى واضحًا باسم دار الشرك، ودار السنة، ودار الإسلام، ودار الهجرة، وهذه الثلاثة الأخيرة تعني حقيقة واحدة، وتنوعت فيها التسمية بتنوع الوصف. وهذه طائفة من الأحاديث والآثار في ذلك: عن جابر بن زيد قال: قال ابن عباس: «إن رسول الله صلی الله عليه وسلم، وأبا بكر، وعمر كانوا من المهاجرين؛ لأنهم هجروا المشركين. وكان من الأنصار مهاجرون؛ لأن المدينة كانت دار شرك، فجاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة)» (١). وعن بريدة قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرًا على جيش أو سريةٍ أوصاه ثم قال: (وإذا لقيت عدوك من (١) أخرجه النسائي في كتاب البيعة، باب تفسير الهجرة ٧/ ١٤٤ - ١٤٥. المشر کین فادعهم إلی ثلاث خصال، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم؛ ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين) (٢). فالدار الأولى هي دار المشركين، والثانية هي دار المهاجرين وهي دار الإسلام، التي جاءت في رواية الإمام محمد بن الحسن للحديث بلفظ فقال: (وادعوهم إلى التحول إلى دار الإسلام). وعن سليمان بن بريدة أن عمر رضي الله عنه بعث سلمة بن قيس على جيشٍ فقال: ((فإذا لقيتم عدوكم من المشركين فادعوهم إلى ثلاث خصال: ادعوهم إلى الإسلام، فإن أسلموا فاختاروا دارهم فعليهم في أموالهم الزكاة )) (٣). وفي كتاب خالد بن الوليد لأهل الحيرة: ((وجعلت لهم أيما شيخ ضعف عن العمل، أو أصابته آفة، أو کان غنيًا فافتقر وصار أهل دینه یتصدقون عليه: طرحت جزيته، وعیل من بيت مال المسلمين وعياله ما أقام بدار الهجرة ودار الإسلام، فإن خرجوا إلى غير دار الهجرة ودار الإسلام، فليس على (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجهاد، باب تأمير الإمام الأمراء، ١٣٥٧/٣، رقم ١٧٣١. (٣) أخرجه أبو يوسف في الخراج ص ٢١٠. www. modoee.com ٢٠٥ حرف العين المسلمين النفقة على عيالهم)) (١). ففى هذه الأحاديث والآثار وفى غيرها أيضًا جاء اسم ((دار الهجرة)) و((دار الإسلام)) و((دار السنة)) و ((دار الشرك)) كما رأينا، فقد كانت هذه المسميات موجودة منذ عهد الرسول صلی الله عليه وسلم وعهد الصحابة، وحتى لو لم تستعمل مصطلحًا شائعًا مشتهرًا، ((فإن الأحكام التي طبقها الفقه بعد ذلك على الوحدة التي سماها ((دار الإسلام))، والأخرى التي سماها ((دار الحرب» كانت موجودة في عهده صلى الله عليه وسلم، واستمد الفقه منها تقنينه لما أطلق عليه كل من الاسمين، فلا دلالة إذن للقول بأن هذه التسمية طارئة مستحدثة، ولا سند للقول بعدم شرعية تقسيم العالم إلى دار إسلام ودار حرب» (٢). ومن استقراء أقوال الفقهاء في تقسيم العالم إلى دار إسلام ودار حرب يظهر أنه لا علاقة لحال الحرب بأصل التقسيم؛ إذ هو -كما سبق- عند جمهور الفقهاء مبنيٌ على سيادة الأحكام. ولذلك فإن بناء التقسيم علی أصل العلاقات سلمًا أو حربًا فیه عکس (١) أخرجه أبو يوسف في الخراج ص ١٥٥. وانظر: الأموال، أبو عبيد، ص ٩٨، مجموعة الوثائق السياسية د.محمد حميد الله ص ٣٨١. (٢) انظر: مصنفة النظم الإسلامية د.مصطفى كمال وصفي، ص ٢٨٩. للقضية، فإن العلاقات إنما تتحدد بناء على وصف الدار وموقف أهلها من الإسلام ودعوته. ولذلك فإن «تقسيم الدور الأصلية ثابت عند الفقهاء ومحل إجماع، وليس له علاقة بقضية الحرب والسلم حتى يمكن أن تتغير الأوصاف، فإن الأوصاف الأصلية -وهي دار الإسلام ودار الکفر- لا تزال، ما دام هناك مسلمون وهناك كفار، فلا يجوز أن تخلط هذه المفاهيم بعضها ببعض)) (٣). وأما أن الدنيا دار واحدة عند الشافعي -كما نقله الدبوسي عنه واحتج به بعض المعاصرين- فهذا من حيث الأحكام التي وقع الخلاف فيها بينه وبين الحنفية، فهي دار واحدة من حيث التزام المسلم بالأحكام أينما كان، ويوضح هذا ويؤكده أن الشافعية یقسمون الدیار إلى دار إسلام ودار كفر، ويقولون بوجوب الهجرة -أحيانًا- من دار الكفر إلى دار الإسلام، وأحيانًا- باستحبابها حسب حاله، ويتحدثون عن مسائل اختلاف الدارين، وأنه لا يؤثر في الأحكام. وعلى هذا فالتقسيم عندهم متفق عليه، وكتبهم كلها شاهدة على ذلك وناطقة به. أما اختلاف بعض الأحكام بين دار الإسلام ودار الحرب -عند القائلين بذلك (٣) مجلة مجمع الفقه الإسلامي العدد السابع، الجزء الرابع ١٤١٢ هـ، من مداخلة للدكتور عابد السفياني. فَضْو مُؤَ الَرُ النَّفْسَبْ القرآن الكريم ٢٠٦ العلاقات الدولية کالحنفیة - فلا علاقة له بقيام الحرب كما هو للمسلمين لتكون الدار دار إسلام، لا ينصب على أصل وصف الدار وتقسيم العالم إلى دارين، وإنما هو في شروط تغير صفة الدار من دار إسلام إلى دار كفر، حيث قال: لا تصبح دار كفر إلا بالشروط الثلاثة مجتمعة، فإذا بقي المسلمون آمنين بالأمان الأول لم تصر الدار دار حرب. فهما قضيتان مختلفتان لا يجوز الخلط بينهما، ولا يدل رأیه علی ما أراده المعاصرون أو فهموه من رأيه في ذلك. ظاهر واضح. فإن الحنفية لما قالوا بامتناع تطبيق العقوبة على المسلم الذي ارتكب موجبها وهو في دار الحرب، عللوا ذلك بأنه لا ولاية الحاكم المسلم على دار الحرب، وتطبيق العقوبة يقتضي الولاية، فلما وقعت الجريمة غير موجبة للعقوبة وقتها لم تجب العقوبة بعد عودته؛ لأنها وقعت أصلًا غير موجبة. وسيأتي ذلك كله مدعومًا بنصوصهم وأدلتهم. أما أن كلمة (الحربي) لا يلزم أن ترادف ويزكي هذا الذي تقدم ويؤيده أن رأي الحنفية في درء الحد عن المسلم الذي ارتكب ما يوجب العقوبة في دار الحرب لا يختلف باختلاف حال الحرب وحال السلم والأمن أو الموادعة، فهو قد يكون آمنًا عندهم بعقد الأمان ولا يؤثر ذلك على درء الحد، بل غالبًا ما لا یکون دخوله إلا بأمان. وعندئذ یظهر أن اختلاف الأحکام لم یکن كلمة (عدو)، فهذا كلام عجيب غريب يصادم آيات القرآن الكريم ومدلولات اللغة العربية، فإن الحربي عدو للمسلمين، وعدو المسلمين محارب لهم حقيقة أو حكمًا. ولذلك فإن محاولة تأويل النصوص وتمبيع الأحكام من أجل أن نظهر أمام أعدائنا من الكفار بأننا أصدقاء لهم، هذا كله يتناقض بسبب قيام حالة الحرب، وإنما بسبب عدم مع أحكام الدين، وهو في الوقت نفسه لا يقنع أولئك القوم، ويعرفون أنه مجاملة أو الولاية والسلطة. انهزامية فحسب، فهم قد «درسوا قضية أما توفر الأمن والسلام فإنه لا يؤثر في التقسيم أيضًا؛ إذ قد يكون المسلم آمنًا في دارهم بعقد أمان، ومع ذلك فإن دارهم دار كفر وحرب ولا فرق في التسمية، وإن کان بعضهم قد جعلها دار كفر لا دار حرب اسمًا. ديار الحرب وديار الإسلام، وكيف يقسم الفقهاء المسلمون الدار إلى دارين ؟ وهل لدى المسلمين استعداد لأن يتنازلوا عن هذه القسمة ويعترفوا بالنظام العالمي الجديد؟!))(١). واشتراط الإمام أبي حنيفة الأمان (١) المصدر السابق، ص ٢٨٠ من مداخلة www. modoee.com ٢٠٧ حرفالعین ثالثًا: النظام: المقصود بالنظام أو السلطة: وجود هيئة حاكمة منظمة، مهمتها الإشراف على الإقلیم ومن یقیمون عليه، بحيث يكون لها أن تصدر الأوامر الملزمة لكل رعاياها أو لكل أفراد الجماعة، فمن طبيعة الأمور أن تحتاج كل جماعة إلى من يتولى تنظيم أمورها وإصدار ما تحتاجه من التشريعات أو التنظيمات، ولاستغلال مواردها ولإقامة العدل بين الأفراد، والدفاع عنهم ضد أي اعتداء خارجي، وتنظيم علاقاتهم بالدول الأخرى. ووجود هذه الهيئة الحاكمة ركن أساسي في تكوين الدولة، حتى إن بعض علماء القانون یعتبرونها مع الشعب الذي هو أساس تكوين الدولة، فيعتبرون القبائل الرحالة غير المستقرة على إقلیم معينٍ دولةً، إذا كان لها تنظيم داخلي وسلطات حاكمة (١). وأساس هذه السلطة يقوم على مبدأ أن النصوص القرآنية الكريمة تقرر لجماعة من المسلمين الحق في إصدار الأوامر إلى بقية أفراد الأمة، كما في قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ ◌ِلْغُرُوفِ للدكتور طه جابر العلواني. (١) انظر: نظام الحكم الإسلامي، د.محمود حلمي، ص٢٠-٢١، الدولة والسيادة في الفقه الإسلامي د.فتحي عبد الكريم، ص ١٥٠ وما بعدها. وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِّ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [آل عمران: ١٠٤]. وقوله تعالى فيما أوجبه من طاعة تلك الأوامر: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْاللّهَ وَأَطِيعُواْ الرّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْيِ مِنْكُمْ فَإِن تَزَعْنُمْ فِي شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَأَلْيَّوْمِ الْآَخِرِّ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]. وذلك أن الشريعة الإسلامية تنظر إلى الأمة مجموعة واحدة لها كيانها المستقل، و الخطاب في القرآن الكريم يتوجه إلى المؤمنين كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ ﴾ [المائدة: ١]. وقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنَكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْغَرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤]. وإذا كانت الأمة لا تستطيع كلها بمجموع أفرادها أن تباشر السلطة العامة، لذلك يتعين أن یتولی عنها ذلك أفراد منها، و هم نواب هذه الأمة، أي: أهل الحل والعقد فيها، وهم أولو الأمر الذين يجب طاعتهم، لما جاء في قوله تعالى: ﴿يَيُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِالْأَمْيِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]. وتكون العلاقة بين الأمة وأهل الحل والعقد هي علاقة النيابة والوكالة؛ ولأن هذه النيابة مصدرها النصوص الشرعية؛ فهي إذن نيابة شرعية. ويتأيد هذا المفهوم أيضًا بأصل شرعي آخر هو القيام بالفروض الكفائية أو ٢٠٨ صَوَسُولَة النفسية القرآن الكريم