Indexed OCR Text

Pages 21-40

العمل
التوكيد زيادة في التهديد والوعيد.
فالاستخلاف في الأرض منوط بالعمل
٣. سنة الله ابتلاء المكلفين أيهم الصالح، فالله يستخلف قومًا بعد آخرين؛
أحسن عملًا.
ومما يدل على إحاطة الله بعمل الخلق،
وإحصائه عليهم، أن الله تعالى ابتلاهم
بالعمل، ليتم على وفق ذلك الجزاء،
والفلاح أو الهلاك، فلما ابتلاهم بالعمل
كان من اللازم أن يحصي عليهم أعمالهم؛
ليجازيهم بها في الآخرة.
قال تعالى: ﴿وَهُوَ اَلَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ
وَاْأَرْضَ فِى سِنَّةِ أَيَّاءٍ وَكَانَ عَرْشُهُ.
عَلَى الْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾
[هود: ٧].
وقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةٌ لَا
لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧].
وقال: ﴿الَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَوَةَ لِسْلُوَكُمْ أَيُُّو
أَحْسَنُ عَبَلًا﴾ [الملك: ٢].
فهذه الآيات تدل على أن الله خلق
الخلق، وكلفهم بالعمل الصالح، وأحصاه
عليهم؛ ليجازيهم به يوم القيامة.
قال البيضاوي: أي خلق ذلك کخلق من
خلق؛ ليعاملكم معاملة المبتلي لأحوالكم
كيف تعملون، فإن جملة ذلك أسباب
ومواد لوجودکم ومعاشکم، وما تحتاج إليه
أعمالكم، ودلائل وأمارات تستدلون بها،
وتستنبطون منها (١).
(١) أنوار التنزيل، البيضاوي ١٢٨/٣.
لينظر كيف يعملون، خيرًا أو شرًا، فيعاملهم
علی حسب عملهم، وبما أن الله يعلم ما
سيكون في المستقبل في كل أنحاء الكون
ومن المخلوقات، فيكون المقصود إقامة
الدليل الحسي والمادي المشاهد على
الناس من خلال أعمالهم الواقعية، وليس
معنى الآية بأن الله تعالى ما كان عالمًا
بأحوال الخلق قبل وجودهم؛ وإنما المراد
منه أنه تعالى يعامل العباد معاملة من يطلب
العلم بما يكون منهم، ليجازيهم بحسبه،
كقوله: ﴿ِبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:
٢](٢) .
فبين الحكمة من خلقه الخلائق، فقال:
﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧]
ولم يقل: أکثر عملًا.
وقال في أول سورة الكهف: ﴿إِنَّا
جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّا﴾ ثم بين
الحكمة في خلق الأرض وزينتها، قال:
﴿لِسَبْلُوَهُرْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧].
وقال في أول سورة الملك: ﴿الَّذِى
خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْخَيَزَةَ﴾ ثم بين الحكمة، فقال:
﴿يَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْأَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢].
فهذه الآيات دلت على أنه خلق الخلق
ليمتحنهم، وهذا لا ينافي: ﴿وَمَا خَلَفْتُ الْجِنَّ
(٢) التفسير المنير، الزحيلي ١٢٦/١١.
www. modoee.com
٤٠٧

حرف العين
[الذاريات: ٥٦]
وَاْلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
أي: إلا لآمرهم بعبادتي على ألسنة رسلي،
وأمتحنهم فيظهر المحسن منهم وغير
المحسن، وبين النبي صلى الله عليه وسلم
أن طريق الإحسان محصورة في هذا الزاجر
الأكبر، والواعظ الأعظم، وهو أن يعلم
العبد الضعيف الذليل المسكين أن جبار
السماوات والأرض مطلع عليه، حاضر لا
يغيب عنه شيء من فعله، يعلم كل ما يفعل؛
ولذا فجميع الخلائق الله جل وعلا مطلع
عليهم، لا يخفى عليه شيء من أعمالهم،
لا يغيب عنه شيء من أعمالهم؛ ولذا قال:
فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلٍَّ وَمَا كُنَّا غَيِبِينَ :
٧
[الأعراف: ٧](١).
(١) انظر: العذب النمير من مجالس الشنقيطي في
التفسير ٦٦/٣.
أنواع الأعمال وشروطها
أشار القرآن الكريم إلى أنواع من العمل،
وإلى بعض شروطها، ومن هذه الأعمال:
أولًا: العمل الصالح:
العمل الصالح في مفهوم القرآن هو
جميع الطاعات التي أمر الله بها، وأمر بها
رسوله صلی الله عليه وسلم، وكل عمل
يحبه الله ويرضاه فهو من العمل الصالح، بل
یتعدی ذلك إلی کل عمل قصد به فاعله وجه
الله تعالی، وکان موافقًا لهدي رسوله، وإن
كان فعلًا عاديًا، يفعله الإنسان بدافع العادة.
وقد عبر الله عنه في القرآن بالعمل
الصالح، وبالصالحات، وبالحسنات،
والطاعة، والحسنة، والخير، وغير ذلك من
الألفاظ التي تدل على العمل الصالح.
قال تعالى: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ يَرْفَعُهُ﴾
[فاطر: ١٠].
﴿وَبَشْرِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
وقال:
الصَّلِحَتِ﴾ [البقرة: ٢٥].
﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ
وقال:
أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠].
وقال: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾
[هود: ١١٤].
﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾ [محمد:
وقال:
٢١].
﴿وَفْعَلُواْ الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ
وقال:
٤٠٨
جَوَسُو
القرآن الكريم

العمل
تُفْلِحُونَ ﴾ [الحج: ٧٧].
من أخذ عوض، أو قبول جاه، أو انعقاد
ففي قوله: ﴿وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ﴾ أي: رياسة، وما في هذا المعنى(٢).
الخصال والفعلات الصالحات، نعت لاسم
مؤنث محذوف.
ومعناه: أخلصوا الأعمال، يدل عليه
قوله: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا﴾ [الكهف: ١١٠].
أي: خالصًا؛ لأن المنافق والمرائي لا
یکون عمله خالصًا، وقال ابن عباس -رضي
الله عنهما -: ﴿وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ فيما
بينهم وبين ربهم، وقال: العمل الصالح
يكون فيه أربعة أشياء: العلم، والنية،
والصبر، والإخلاص.
وقال سهل بن عبد الله: لزموا السنة؛ لأن
عمل المبتدع لا یکون صالحًا.
وقيل: أدوا الأمانة، يدل عليه قوله:
﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا ﴾ [الكهف: ٨٢]. أي:
أمينًا.
وقيل: تابوا، ودليله قوله تعالى:
﴿وَتَكُونُواْ مِنْ بَعْدِهِ، قَوْمًا صَلِحِينَ﴾ [يوسف:
٩]. أي: التائبین(١).
والعمل الصالح أيضًا هو ما يصلح
للقبول، وهو ما يؤدى على الوجه المأمور
به، ويقال: العمل الصالح ما كان بنعت
الخلوص، وصاحبه صادق فيه، ويقال: هو
الذي لا يستعجل عليه صاحبه حظًا في الدنيا
(١) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ١/ ١٧٠،
معالم التنزيل، البغوي ١/ ٧٣.
فالصالحات: هي الأعمال التي تعود
بالخير عليك، أو على غيرك، وأضعف
الإيمان في عمل الصالح أن تترك الصالح
في ذاته على صلاحه فلا تفسده، كأن تجد
بئرًا یشرب منه الناس فلا تطمسه ولا تلوثه،
فإن رقيت العمل الصالح، فيمكنك أن تزيد
من صلاحه، فتبني حوله جدارًا يحميه، أو
تجعل له غطاءً.
قال ابن عثيمين: و﴿الصَّلِحَتِ﴾ هي:
التي كانت خالصة لله، وموافقة لشريعة الله.
ولا يمكن أن يكون العمل صالحًا إلا
بهذا الإخلاص لله، والموافقة لشريعة الله،
فمن أشرك فعمله غير صالح، ومن ابتدع
فعمله غیر صالح، ویکون مردودًا عليهما،
ودليل ذلك قوله تبارك وتعالى في الحديث
القدسي: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك
من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته
وشر كه)(٣).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من
عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردٌ) (٤).
(٢) لطائف الإشارات، القشيري ٣٧٦/٢.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد
والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله،
٢٢٨٩/٤، رقم ٢٩٨٥.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلح،
باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح
مردود، ١٨٤/٣، رقم ٢٦٩٧، ومسلم في
www. modoee.com
٤٠٩

حرف العين
أي: مردود عليه، فصار العمل الصالح
ما جمع وصفين: الإخلاص لله، والمتابعة
لشريعة الله، أو لرسول الله(١).
وهذا العمل الصالح مطلوب من كل
أحد، لم يستثن الله نبيًا ولا رسولًا من
إلزامه بالعمل الصالح؛ لذا أعقب بيان نعمه
وأفضاله على داود بأمره مع أهله بصالح
العمل، وهو فعل الأوامر، وترك النواهي،
كما قال تعالى: ﴿أَعْمَلُواْ ءَالَ دَاوُودَ شُكْرًاً﴾
[سبأ: ١٣].
وعلل الترغيب بالعمل الصالح بأنه
تعالى بصير بأعمال عباده وأقوالهم، لا
يغيب عنه شيء، فيجازيهم عليها(٢).
وإن ثواب العمل الصالح، وعقاب العمل
السیئ یرجع إلى صاحبه، فينفعه أو يضره في
آخرته، وإن جميع الخلائق عائدون إلى
ربهم للحساب والجزاء، فالعمل الصالح
يعود بالنفع على فاعله، والعمل الرديء
يعود بالضرر على فاعله، وأنه تعالى أمر
بهذا، ونهى عن ذلك، لحظ العبد، لا لنفع
يرجع إليه، وهذا ترغيب منه تعالى في العمل
الصالح، وزجر عن العمل الباطل(٣).
صحيحه، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام
الباطلة، ورد محدثات الأمور، ١٣٤٣/٣،
رقم ١٧١٨.
(١) تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، سورة
الكهف ص ١٤٧ .
(٢) التفسير المنير، الزحيلي ٢٢/ ١٥٠.
(٣) المصدر السابق ٢٥/ ٢٦٥.
وإن اقتران الإيمان دائمًا بالعمل الصالح
يدل على أن الإسلام يدعو إلى العمل
الإيجابي للخير، فليس الإيمان في الإسلام
مجرد نزاهة روحية، وتعبد في الصوامع،
إنما الإيمان مظهره عمل إيجابي، فيه نفع
للناس؛ فالإسلام يدعو إلى العمل الإيجابي،
لا مجرد التقديس السلبي.
وإذا كان العمل الصالح هو النفع العام
والنفع الخاص، فإنه يفترق عن الصلاة
والزكاة، من حيث إن هذه هي الفرائض
الوقتية المنظمة للعلاقات بين العبد وربه،
وبين العبد والناس، أما العمل الصالح فهو
الحال الدائمة للمؤمن التي لا تتقيد بزمان
ولا مكان ولا حال، فكما أن الإيمان حال
دائمة، فالعمل الصالح أي النفع الدائم
المستمر للإنسان هو الذي ينبغي أن یکون
حالًّا دائمة مستمرة للمؤمن (٤).
شروط العمل الصالح في القرآن:
دل القرآن العظيم على أن العمل الصالح
هو ما استكمل ثلاثة أمور:
الأول: موافقته لما جاء به النبي صلى
الله عليه وسلم؛ لأن الله يقول:
﴿وَمَآ
ءَانَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا تَهَنَكُمْ عَنْهُ فَأَنْنَهُواْ
[الحشر: ٧].
الثاني: أن يكون خالصًا لله تعالى؛ لأن
لِيَعْبُدُوا
الله جل وعلا يقول:
(٤) زهرة التفاسير، أبو زهرة ١٠٥٣/٢.
٤١٠
جوب
القرآن الكريمِ

العمل
اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الذِينَ﴾ [البينة: ٥].
وقال: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ, دِينِى ؟
فَأَعْبُدُ وامَا شِئْتُم مِّن دُونِ﴾ [الزمر: ١٤ -١٥].
١٤
الثالث: أن يكون مبنيًا على أساس
العقيدة الصحيحة؛ لأن الله يقول: ﴿مَنْ
عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْتَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾
[النحل: ٩٧].
فقید ذلك بالإيمان، ومفهوم مخالفته أنه
لو كان غير مؤمن لما قبل منه ذلك العمل
الصالح.
وقد أوضح جل وعلا هذا المفهوم في
آیات کثيرة، کقوله في عمل غير المؤمن:
﴿وَقَدِمْنَآَ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَهُ هَبَآَةُ
مَنشُورًا:
ه [الفرقان: ٢٣].
﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِ الْآَخِرَةِ
وقوله:
إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيَهَا وَبَطِلٌ مَّا
كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ [هود: ١٦].
٣٩] الآية.
وقوله: ﴿أَعْمَلُهُمْ كَرَمَادٍ آُشْتَدَّتْ بِهِ آلِيُ
فِى يَوْمٍ حَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨].
إلى غير ذلك من الآيات(١).
والمقصود: أن العمل الصالح له شروط،
وهي ما سبق ذكرها، فلا ينبغي الاغترار
بصورة العمل الصالح، فرب عمل صالح
في الظاهر لا یثمر خیرًا، أو عمل صالح لا
(١) أضواء البيان، الشنقيطي ٢/ ٤٤٠.
يستفيد منه صاحبه قربًا من الله.
وقد ذكر القرآن كثيرًا أن بعض الأعمال
حابطة؛ لأنها لم تستوف شروطها، قال
تعالى: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِثَايَتِ رَبِّهِمْ وَلِقَآبِهِ،
◌َبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فَلَ نُقِيُ لَهُمْ يَوْمَ اَلْقِيَمَةِ وَزْقَالَ﴾
[الكهف: ١٠٥].
﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ أَتَّبَعُواْ مَآَ
وقال:
أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِمُواْ رِضْوَنَهُ، فَأَحْبَطَ
أَعْمَلَهُمْ ﴾ [محمد: ٢٨].
وقال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِّ وَلَا تَجْهَرُواْ
لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرٍ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ
أَعْمَلُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾ [الحجرات: ٢]
ونظائرها کثیر.
والحبوط: من حبطت الإبل: إذا أكلت
الخضر، فنفخ بطونها، وربما هلكت (٢)،
ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: (وإن مما
وقوله: ﴿أَعْمَلَهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور: ينبت الربيع لما يقتل حبطًا أو يلم)(٣).
ومن أخواته: حبجت الإبل، إذا أكلت
العرفج، فأصابها ذلك، وأحبض عمله:
مثل أحبطه، وحبط الجرح وحبر: إذا غفر،
(٢) انظر: العين، الفراهيدي ١٧٤/٣، تهذيب
اللغة، الأزهري ٢٢٨/٤، لسان العرب، ابن
منظور ٧/ ٢٧٢.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد
والسير، باب فضل النفقة في سبيل الله،
٢٦/٤، رقم ٢٨٤٢، ومسلم في صحيحه،
كتاب الزكاة، باب تخوف ما يخرج من زهرة
الدنيا، ٧٢٧/٢، رقم ١٠٥٢.
www. modoee.com
٤١١

حرف العین
وهو نکسه وترامیه إلى الفساد، جعل العمل
السيئ في إضراره بالعمل الصالح كالداء
والحرض لمن يصاب به، أعاذنا الله من
حبط الأعمال، وخيبة الآمال.
وقد دلت الآية على أمرین هائلين:
أحدهما: أن فيما يرتكب من يؤمن من
الآثام ما يحبط عمله.
محبط، ولعله عند الله كذلك، فعلى المؤمن
أن يكون في تقواه كالماشي في طريق شائك
لا يزال يحترز ويتوقى ويتحفظ (١).
ثانيًا: العمل السيئ:
ذكر القرآن من أنواع العمل العمل السيئ،
وهو الذي من شأنه أن يسوء صاحبه(٢). إذا
رآه في صحيفته.
وأطلق عليه القرآن فاحشة، وذنبًا،
ومعصيةً، وسيئة، وغيرها من الاطلاقات،
لكن جرى أسلوب القرآن أن الله إذا قال:
﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾، يراد به العمل السيئ،
ودليله قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ
يَدَاَكَ وَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّمٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ [الحج:
١٠].
وقد جمع الله العمل الصالح والسيئ في
آية واحدة، قال الله تعالى: ﴿لِيُكَفِّرَ اللّهُ
عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِى عَمِلُواْ وَنَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ
(١) الکشاف، الزمخشري ٤/ ٣٥٥.
(٢) السراج المنير، الشربيني ٣٣٣/٣.
﴾ [الزمر: ٣٥].
٣٥
الَّذِى كَانُواْ يَعْمَلُونَ
فذكر نوعين من العمل السيئ والحسن،
ثم أخبر أنه يكفر عنهم أسوأ الذي عملوا،
ويجزيهم بأحسن الذي كانوا يعملون،
فيحتمل: الأحسن: الحسنات نفسها
يجزيها، ويكفر السيئات.
ويحتمل: أنه يكفر أسوأ السيئات
والثاني: أن في آثامه ما لا يُدرى أنه وأعظمها، ويجزي على أحسن الحسنات
وأعظمها، فعلى هذا أحسن وأسوأ من
نوعها، أحسن الحسنات، وأسوأ السيئات،
وعلى الأول من غير نوعها، أي: يكفر
السيئات، ويجزي بالحسنات (٣).
والمقصود: أن الأعمال السيئة: هي التي
يعملها الإنسان على غير الوجه المشروع،
فكل عمل على هذا النحو هو عمل سوء.
والأفعال السيئة على أربعة أنواع:
الأول: الفعل بأحد الجوارح، كالزنا
والسرقة.
الثاني: فعل اللسان، فهو عمل، والدليل
على أن قول اللسان من الأفعال: أن الله
صرح أن قول اللسان من الأفعال في قوله
جل وعلا: ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًاً وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ
مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢].
فأطلق على زخرف القول اسم ((الفعل))
فدل على أن قول اللسان فعلٌ.
الثالث: العزم المصمم؛ لأن عزم الإنسان
(٣) تأويلات أهل السنة، الماتريدي ٨/ ٦٨٢.
٤١٢
جوبيبو
القرآن الكريم

العمل
المصمم دلت السنة الصحيحة على أنه من لا شك فيها على أن الترك من الأفعال،
منها: آيتان فى سورة المائدة، إحداهما
قوله تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَنَّهُمُ الرَّبَِّيُّونَ وَالْأَحْبَارُ
عَن قَوْهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَّ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ
يَصْنَعُونَ (٣)﴾ [المائدة: ٦٣].
الأفعال السيئة التي تدخل صاحبها النار،
أما الهم الذي لم يكن عزمًا مصممًا، فليس
من الأفعال، كما قال جل وعلا: ﴿إِذْهَمَّت
طَآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ [آل عمران:
١٢٢].
وإتباعه لذلك بقوله: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾
دل على أنه همّ لم يستقر، ولم یکن عزمًا
مصممًا حتى يعد من الأفعال، ومن ذلك
الهم الذي ليس من العزم المصمم الذي هو
من الأفعال.
الرابع: هو الترك، والترك من الأفعال
الحقيقية، فهو فعلٌ على التحقيق، وإن المنكر، سماه ((فعلًا)) وأنشأ له الذم بقوله:
﴿لَتْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾.
خالف فيه من خالف، فمن ترك الصلاة حتى
ضاع وقتها فقد عمل بهذا الترك عملًا سيئًا
يدخل به النار، وكان ابن السبكي في بعض
تآلیفه في الأصول یقول: طالعت کتاب الله
لأجد فيه آيةً تدل على أن الترك فعلٌ فما
وجدت فيه شيئًا يدل على أن الترك فعلٌ
إلا شيئًا يفهم من آيةٍ في سورة الفرقان هي
قوله: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَرَبٍ إِنَّ قَوْمِى أَنَّخَذُواْ هَذَا
[الفرقان: ٣٠].
٣٠
اَلْقُرْءَانَ مَهْجُورًا
قال: الاتخاذ أصله من الأخذ، والأخذ:
التناول، فقال: تناولوه مهجورًا، فدل على أن
الهجر فعلٌ.
ونحن نقول: إنا باتباع کتاب الله وجدنا
آياتٍ صريحةً من كتاب الله تدل بصراحةٍ
فسمى عدم نهيهم وتركهم للأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر سماه:
(صنعًا)) والصنع أخص من مطلق الفعل،
ومنه قوله تعالى في المائدة أيضًا: ﴿كَانُوا
لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُّنْكَرٍ فَعَلُوهُ
ثم قال: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ
[المائدة: ٧٩] يعني به تركهم للتناهي عن
هذه الأقسام الأربعة هي الأفعال، واللغة
العربية تدل على أن الترك من الأفعال.
وبهذا يعلم أن قوله في هذه الآية الكريمة:
﴿مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا﴾ [الأنعام: ٥٤]. أن
عمل السوء قد يكون بفعل أحد الجوارح،
وقد يكون بفعل اللسان، وقد يكون بالعزم
المصمم (١).
وأطلق القرآن كثيرًا على العمل السيئع:
السيئة، وهي: اسم كالخطيئة، والسوأى،
بوزن فعلى: اسم للفعلة السيئة، بمنزلة
الحسنى للحسنة، محمولة على جهة النعت
(١) العذب النمير من مجالس الشنقيطي في
التفسير ٣٤٣/١.
www. modoee.com
٤١٣

حرف العین
في حد أفعل وفعلى، کالأسوأ والسوأی،
رجلٌ أسوأ، وامرأة سوأى، أي: قبيحة،
والسوأة: كل عمل وأمر شائن، وتقول في
النكرة: رجل سوءٍ، وإذا عرفت، قلت: هذا
الرجل السوء، ولم تضف، وتقول: هذا عمل
سوء، ولم تقل: العمل السوء؛ لأن السوء
يكون نعتًا للرجل، ولا يكون السوء نعتًا
للعمل؛ لأن الفعل من الرجل، وليس الفعل
من السوء، كما تقول: قول صدقٍ، والقول
الصدق، ورجل صدق، ولا تقول: الرجل
الصدق؛ لأن الرجل ليس من الصدق(١).
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُواْ السَّيِّئَاتِ جَزَآءُ
سَيِّئَكِ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ زِلَّةٌ﴾ [يونس: ٢٧].
والسيئات على وجوه: كأكل الحرام،
وشرب الخمر، والغيبة ونحوها، لكن أسوأ
الكل الشرك بالله؛ ولذلك لا يغفر، وهو
جلي وخفي -حفظنا الله منهما-، وكذا
الحسنات على وجوه: ويجمعها العمل
الصالح، وهو ما أريد به وجه الله، وأحسن
الکل التوحید؛ لأنه أساس جميع الحسنات،
وقامع السیئات(٢).
وقال تعالى: ﴿ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةٌ فَلَا
يُجْزَىَ إِلَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ
أَوْ أُنَقَ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْ خُلُونَ الْجَنَّةَ
يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [غافر: ٤٠].
(١) العين ٣٢٨/٧.
(٢) روح البيان ٢٨٦/٢.
وقال بعض الحكماء: إن الله تعالى قال:
﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةٌ﴾ ولم يقل: من ذكرٍ أو
أنثى وقال: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرِ
أَوْأُنَى﴾ لأن العمل الصالح يحسن من
الرجل والمرأة، والسيئة من المرأة أقبح من
الرجل، فلم يذكر من ذكر أو أنثى (٣).
وقال تعالى: ﴿وَءَاخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِمْ
خَطُواْعَمَلًا صَلِحَاوَءَاخَرَسَيِّئًا﴾ [التوبة: ١٠٢].
فالعمل السيئ هو: التخلف عن الغزو بلا
إِشکال، وأما العمل الصالح ففیه معنیان:
أحدهما: ندامتهم، وربطهم أنفسهم
بالسواري.
والثاني: العمل الصالح: هو غزواتهم مع
رسول الله من قبل(٤). والصواب العموم في
كلا العملين.
ومعنى الخلطة: أنهم خلطوا كل واحد
منهما بالآخر، كقولك: خلطت الماء باللبن
واللبن بالماء؛ ذكره غالب المفسرين،
وأنكره الرازي، وقال: الواو لمطلق الجمع،
وفيه تنبيه على نفي القول بالمخالطة، وأنه
بقي كل واحد منهما كما كان من غير أن
يتأثر أحدهما بالآخر (٥).
وأطلق القرآن على العمل السيئ أيضًا:
الخبيث، قال تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ
مِنَ اْلَّيِّبِ﴾ [الأنفال: ٣٧] قيل: يعني: الكافر
(٣) تفسير السمر قندي ٢٠٧/٣.
(٤) تفسير السمعاني ٢/ ٣٤٤.
(٥) فتح البیان، صدیق خان ٣٨٧/٥.
٤١٤
جوسين
الْقُرآن الكَرِيْمِ

العمل
من المؤمن، فينزل المؤمن الجنان، والكافر
النيران، وقال الكلبى: العمل الخبيث من
العمل الصالح الطيب، فيثيب على الأعمال
الصالحة الجنة، وعلى الأعمال الخبيثة
النار (١).
ثالثًا: العمل المباح:
وذكر القرآن من أنواع العمل ((العمل
المباح)) وهو العمل في البحر، والتجارة،
والصناعة، قال تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ
لِمَسَئِكِينَ يَعْمَلُونَ فِ اَلْبَحْرِ﴾ [الكهف: ٧٩].
قال السمر قندي: ﴿يَعْمَلُونَ فی البحرِ﴾ أي:
يؤاجرون في البحر، ويكسبون قوتهم (٢).
فهذه السفينة كانت لفقراء يحترفون
العمل في البحر، لنقل الناس من ساحل إلى
آخر(٣).
وإسناد العمل إلى الكل حينئذٍ إنما هو
بطريق التغليب، أو لأن عمل الوكلاء بمنزلة
عمل الموكلين (٤).
ومن فوائد الآية: أن العمل يجوز في
البحر، كما يجوز في البر؛ لقوله: ﴿يَعْمَلُونَ
فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف: ٧٩](٥). أي: مجال
عملهم البحر، یعملون فیه بنقل الركاب، أو
(١) معالم التنزيل، البغوي ٣٥٦/٣.
(٢) تفسير السمر قندي ٢/ ٣٥٧.
(٣) تفسير القرآن الكريم، المقدم ٥/٩٢.
(٤) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢٣٧/٥.
(٥) تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير
القرآن، السعدي ص٢٥٩.
البضائع، أو الصيد، أو خلافه (٦).
وهذا من العمل المباح الذي ذكره
القرآن.
ومعنى الآية: أما السفينة التي خرقتها،
وأنكرت علي ذلك، فقد كانت لمساكين
محتاجين، يعملون في البحر للتجارة،
وصيد الأسماك، وهي مرتزقهم في الحياة،
وكان لهم ملك جبار ظالم نهم يأخذ لنفسه
كل سفينة صالحة، ويغتصبها غصبًا من
أهلها بدون الرجوع إلی حق، أو قانون(٧).
﴿وَمن
ونظير ذلك قوله تعالى:
الشَّيَطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا
دُونَ ذَلِكَ ﴾ [الأنبياء: ٢
أي: يغوصون له في البحار، فيستخرجون
الجواهر، ويتجاوزون ذلك إلى الأعمال
والمهن وبناء المدائن والقصور، واختراع
الصنائع العجيبة، كما قال: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ,مَا
يَشَآءُ مِنْ تَحَرِيبَ وَتَمَثِلَ﴾ والله حافظهم
أن يزيغوا عن أمره، أو يبدلوا أو يغيروا،
أو يوجد منهم فساد في الجملة فيما هم
مسخرون فيه(٨).
ومن العمل المباح الذي ذكره القرآن
أيضًا الصناعة، قال تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ.
مَا يَشَآءُ مِن تَحَرِبَ وَتَمَثِيلَ وَحِفَانٍ كَلْجَوَابِ
وَقُدُورٍ رَّاسِيَتٍّ أَعْمَلُواْ ءَالَ دَاوُدَ شُكْرًاً وَقَلِيلٌ
(٦) تفسير الشعراوي ١٤/ ٨٩٦٧.
(٧) التفسير الواضح، محمد حجازي ٢/ ٤٣٢.
(٨) الكشاف، الزمخشري ١٣٠/٣.
www. modoee.com
٤١٥

حرف العين
مِنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ ﴾ [سبأ: ١٣].
ففي قوله: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ, مَا يَشَآءُ مِن
تَحَرِيبَ وَتَمَثِيلَ وَحِفَانٍ كَلْجَوَابِ وَقُدُورٍ
رَّاسِيَتٍ﴾ هذا عمل في الصناعة.
قال السمعاني: قوله تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ.
مَا يَشَآءُ مِنْ تَحَرِيبَ﴾ أي: المساجد، ويقال:
الأبنية المرتفعة، وفي القصة: أنه أمرهم
ببناء الحصون بالصخر، فبنوا باليمن حصونًا
كثيرة عجيبة، وهي صرواح ومرواح وفلتون
وهندة وهنيدة وغمدان وغير ذلك.
وقوله: ﴿وَتَمَثِيلَ﴾ أي: الصور، فإن قال مدة حرب وجلاد، ولذلك كان مشغولًا
قائل: أليس أن عمل الصور مكروه؟
قلنا: هو في هذه الشريعة، ويحتمل
أنها كانت مباحة في شریعته، وقد كان
عيسى يصور من الطين، وينفخ فيه فيجعله
الله طيرًا، واختلف القول في الصور التي
اتخذتها الشياطين؛ فأحد القولين: أنها
صورة السباع والطيور من العقبان والنسور،
وما أشبه ذلك.
والقول الثاني: أنه أمرهم باتخاذ صورة
الأنبياء والزهاد والعباد، حتى إذا نظرت بنو
إسرائيل إليهم ازدادوا عبادة.
﴿رَحِفَانِ كالْجَوَابِ﴾ أي:
و قوله:
كالحياض، والجفان جمع جفنة، وفي
القصة: أن كل جفنة كان يقعد عليها ألف
إنسان(١).
ولهذا قال بعد ذلك: ﴿أَعْمَلُوَاْءَالَ دَاوُودَ
[سبأ: ١٣] أي: صالحًا من الأعمال،
شكـ
فإنه لا نجاح، ولا فوز على العدو بالقوة
المادية فقط، بل لا بد من العمل الصالح
الذي يقوم النفوس، ويطهر الأرواح،
ويحصنها حتى لا تكبو، ومن المطلع
على خفايا النفوس؟ إنه الله عالم الغيب
والشهادة، إنه بما تعملون بصير فاحذروه.
ويظهر - والله أعلم - أن داود كافح وقاتل
حتى خلص الملك من الأعداء فمدته كانت
بعمل الدروع السوابغ، وفي أيام سليمان كان
الهدوء مخيمًا على المملكة، فكان سليمان
ينتقل على بساطه الذي يحمله الريح ليشرف
على أطراف المملكة الواسعة الأرجاء،
والشعب كان مشغولاً بالبناء والصناعة،
وتأسيس الدور والمعابد؛ ولذلك من الله
عليه بإذابة النحاس له، وتسخير الجن
يعملون له ما يشاء من محاريب، وتماثيل،
وقصاع كالجوابي، وقدور واسعة ثقيلة، لا
تنقل، بل هي راسیات کالجبال.
وكانت الجن تعمل بين يديه ما يريده
بإذن ربه، وهي مهددة، فمن يزغ منهم عن
أمر الله: يمل عنه، يذقه عذابًا شديدًا من
عذاب السعير.
فیا آل داود: هذه بعض نعم الله علیکم،
وهي نعم سابغة كثيرة، ومن أعطي هذا
(١) تفسير السمعاني ٤/ ٣٢١.
٤١٦
جَوْسُورُ
القرآن الكريم

العمل
فليعمل لله شكرًا، وقليل من عباده الشكور، والعمل (٢).
قليل من تصفو نفسه، ويطهر قلبه، ويقابل
الإحسان بالشكر، والنعمة بالحمد ﴿إِنَّ
اُلْإِنسَنَ لِرَبِّهِ، لَكَنُودٌ ﴾ [العاديات: ٦].
وخذوا أيها الناس العبرة من داود
وسليمان، عبدا ربهما، وشكرا وأخلصا،
فمن الله عليهما بالنعم التي لا تحصى،
وأجرى على أيديهما المعجزات (١).
وقال تعالى: ﴿وَأَذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ
◌ُلَفَآءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوََّكُمْ فِى الْأَرْضِ
تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَنَنْحِئُونَ
الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾ [الأعراف: ٧٤].
أي: وتذكروا نعم الله عليكم، وإحسانه
إليكم؛ إذ جعلكم خلفاء لعاد فى الحضارة
والعمران، والقوة والبأس، وأنزلكم منازلهم
تتخذون من سهولها قصورًا زاهية، ودورًا
عالية، بما ألهمكم من حذق فى الصناعة،
فجعلكم تضربون اللبن، وتحرقونه آجرًا
(الطوب المحرق)) وتستعملون الجص،
وتجيدون هندسة البناء، ودقة النجارة،
وتنحتون من الجبال بيوتا؛ إذ علمكم صناعة
النحت، وآتاكم القوة والجلد.
وروي: أنهم كانوا يسكنون الجبال
فى الشتاء لما في البيوت المنحوتة من
القوة، فلا تؤثر فيها الأمطار والعواصف،
ويسكنون السهول في باقي الفصول للزراعة
(١) التفسير الواضح، محمد حجازي ١٣٢/٣.
ونظير ما جاء في الصناعة قوله تعالى:
﴿وَعَلَّمْنَهُ صَنْعَةَ لَبُوْسِ لَّكُمْ لِنُحْصِنَكُمْ
مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَكِّرُونَ ﴾ [الأنبياء:
٨٠].
فقوله: ﴿وَعَلَّتْنَهُ صَنْعَةَ﴾ تلك هي
صنعة الدروع حلقًا متداخلة، بعد أن كانت
تصنع صفيحة واحدة جامدة، والزرد
المتداخل أيسر استعمالًا، وأكثر مرونة،
ويبدو أن داود هو الذي ابتدع هذا النوع
من الدروع بتعليم الله، والله يمن على
الناس أن علم داود هذه الصناعة لوقايتهم
في الحرب ﴿لِنُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ وهو
يسألهم سؤال توجيه وتحضيض ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ
شَكِرُونَ﴾؟
والحضارة البشرية سارت في طريقها
خطوة خطوة وراء الكشوف، ولم تجىء
طفرة؛ لأن خلافة الأرض تركت لهذا
الإنسان، ولمداركه التي زوده الله بها ليخطو
في كل يوم خطوة، ويعيد تنسيق حياته وفق
هذه الخطوة، وإعادة تنسيق الحياة وفق نظام
جديد ليست سهلة على النفس البشرية،
فهي تهز أعماقها، وتغير عاداتها ومألوفها،
وتقتضي فترة من الزمان لإعادة الاستقرار
الذي تطمئن فيه إلى العمل والإنتاج، ومن
ثم شاءت حكمة الله أن تكون هناك فترة
(٢) تفسير المراغي ١٩٩/٨.
www. modoee.com
٤١٧

حرف العين
استقرار تطول أو تقصر، بعد كل تنسيق الأصول فأربعة: الزراعة والحياكة وبناء
البيوت والسلطنة.
جديد، والقلق الذي يستولي على أعصاب
العالم اليوم منشؤه الأول سرعة توالي
الهزات العلمية والاجتماعية التي لا تدع
للبشرية فترة استقرار، ولا تدع للنفس فرصة
التكيف والتذوق للوضع الجديد(١).
والمقصود: أن القرآن أخبر عن نبي الله
داود الذي آتاه الحكم والخلافة في الأرض
أنه قد اتخذ لنفسه صناعة يأكل منها، وأفهمه
الله تعالى هذه الصناعة، وما كان أكل الرجل
من عمل يده عيبًا، إنما العيب أن يكون كلّا
على الناس، وهو القادر على العمل، ولقد
جاء في تفسير القرطبي ما نصه: ((هذه الآية
أصل في اتخاذ الصنائع والأسباب، وهو
قول أهل العقول والألباب، فالسبب سنة
الله في خلقه، وقد أخبر الله تعالى عن نبيه
داود عليه السلام أنه كان يصنع الدروع،
وکان أيضًا يصنع الخوص، وکان یأکل من
عمل یده، وکان آدم حراثًا، ونوح نجارًا،
ولقمان خياطًا، وطالوت دباغًا، وقيل:
سقاء، فبالصنعة يكف الإنسان نفسه عن
الناس، ويدفع بها الضرر»(٢).
وقال الرازي وهو يتكلم على هذه الآية
[الأنبياء: ٨٠]: إن
لَمْنَهُ صَنْعَةً
مصالح العالم إما أصول وإما فروع، أما
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٣٩٠/٤.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٢١/١١.
جوية
لِلْعُرآن الكَرِيمِ
وذلك لأن الإنسان مضطر إلى طعام
يأكله، وثوب يلبسه، وبناء يجلس فيه،
والإنسان مدني بالطبع، فلا تتم مصلحته إلا
عند اجتماع جمع من أبناء جنسه، يشتغل کل
واحد منهم بمهم خاص، فحينئذٍ ينتظم من
الكل مصالح الكل؛ وذلك الانتظام لا بد
وأن يفضي إلى المزاحمة، ولا بد من شخص
يدفع ضرر البعض عن البعض؛ وذلك هو
السلطان، فثبت أنه لا تنتظم مصلحة العالم
إلا بهذه الأمور الأربعة (٣).
ومن العمل المباح الذي ذكره القرآن
أيضًا العمل في التجارة، قال تعالى:
﴿وَءَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِىِ الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلٍ
اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠].
قال أبو جعفر: ﴿وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِى
الْأَرْضِ﴾ في سفر ﴿يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اَللَّهِ﴾
في تجارة، قد سافروا لطلب المعاش (٤).
وقال السيوطي: هذه الآية أصل في
التجارة(٥).
وقد كان بعض الصحابة يتأول من هذه
الآية فضيلة التجارة والسفر للتجارة، حيث
سوى الله بين المجاهدين والمكتسبين
(٣) مفاتيح الغيب ٢٩/ ٤٧١.
(٤) جامع البيان، الطبري ٦٩٩/٢٣.
(٥) الإكليل في استنباط التنزيل ص ٢٧٦.
٤١٨

العمل
المال الحلال (١).
وقال الله تعالى: ﴿إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِجَدَرَةٌ
حَاضِرَةً تُدِيُرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُرْ جُنَاحُ
أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا
يُضَارٌّ كَاِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
ومن فوائد هذه الآية: جواز الاتجار؛
لقوله تعالى: ﴿إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِجَرَةً حَاضِرَةٌ ﴾
ولكن هذا الإطلاق مقيد بالشروط التى دلت
عليها النصوص؛ فلو اتجر الإنسان بأمر
محرم فهذا لا يجوز من نصوص أخرى؛ ولو
رابى الإنسان يريد التجارة والربح قلنا: هذا
حرام من نصوص أخرى؛ إذًا هذا المطلق
الذي هو التجارة مقيد بالنصوص الدالة على
أن التجارة لا بد فيها من شروط.
ومن فوائد الآية: أن التجارة نوعان:
تجارة حاضرة.
تجارة غير حاضرة.
فأما الحاضرة فهي التي تدار بين الناس
بدون أجل؛ وأما غير الحاضرة فهي التي
تكون بأجل، أو على مسمى موصوف غير
حاضر.
ومنها: أن الأصل في التجارة الدوران؛
لقوله تعالى: ﴿تُدِيُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ فأما
الشيء الراکد الذي لا یدار فهل يسمى
تجارة؟ يرى بعض العلماء أنه ليس تجارة؛
ولذلك يقولون: ليس فيه زكاة، وأن
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٨٥/٢٩.
الزكاة إنما هي في المال الذي يدار - يعني
يتداول-، ويرى آخرون أنها تجارة؛ ولكنها
تجارة راكدة؛ وهذا یقع کثیرًا فیما إذا فسدت
التجارة، وكسد البيع؛ فربما تبقى السلع عند
أصحابها مدة طويلة لا يحركونها؛ لكن هي
في حكم المدارة؛ لأن أصحابها ينتظرون أي
إنسان یأتی، فیبیعون عليه (٢).
ومن العمل المباح الذي ذكره القرآن
أيضًا العمل في الأرض والزرع، قال تعالى:
﴿لِيَأْكُلُواْ مِنْ ثَمَرِهِ، وَمَا عَمِلَتْهُ أَبْدِيهِمْ أَفَلَا
•[يس: ٣٥].
يَشْكُرُونَ )
فقوله: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ ما معطوفة
على ثمره، أي: ليأكلوا من الثمر، وما عملته
أيديهم بالحرث والزراعة والغراسة (٣).
وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ
فِي كُلِّ سُتْبُلَةٍ مِّأْتَةُ حَبَّةٍ وَاَللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءُ
وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: ٢٦١].
قيل: في هذه الآية دلالة على أن اتخاذ
الزرع من أعلى الحرف التي يتخذها الناس؛
ولذلك ضرب الله به المثل في قوله: ﴿مَثَلُ
الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ الآية.
وفي صحيح مسلم: (ما من مسلم يغرس
غرسًا، أو يزرع زرعًا، فيأكل منه طير أو
(٢) تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، الفاتحة
والبقرة ٤١٨/٣.
(٣) التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ٢/ ١٨٢.
www. modoee.com
٤١٩

حرف العین
إنسان أو بهيمة إلا كان له صدقة)(١).
وفي الترمذي: (التمسوا الرزق في خبايا
الأرض) (٢). يعني: الزرع.
وقال رجل لآخر: دلني على عمل
أعالجه، فقال له:
تتبع خبايا الأرض وادع مليكها
لعلك يومًا أن تجاب وترزقا(٣)
والزراعة: من فروض الكفاية، فيجبر
عليها بعض الناس إذا اتفقوا على تركها (٤).
وقد نبه سبحانه وتعالى إلى أن طرق
الكسب قسمان؛ وذلك في قوله تعالى:
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا
كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرُجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾
[البقرة: ٢٦٧].
ففي هذا النص الكريم تقسیم حكيم؛
وقد قدم سبحانه وتعالى القسم الأول، وهو
الکسب الذي يكون بعمل الإنسان، سواء
أكان صناعة أم كان تجارة، وسواء أكان
عملًا آلیًا، أم كان عملا فكريًا؛ وكان ذلك
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساقاة،
باب فضل الغرس والزرع، ١١٨٨/٣، رقم
١٥٥٢.
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط، ٢٧٤/١، رقم
٨٩٥ والبيهقي في الشعب ٢/ ٤٤٠، رقم
١٧٩.
وضعفه الألباني في ضعيف الجامع ص
١٦٢.
(٣) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن
الأثير ٣/٢، لسان العرب، ابن منظور ٦٢/١.
(٤) البحر المحيط في التفسير، أبو حيان ٢/ ٦٥٧.
التقدیم لأسباب كثيرة:
منها: بيان فضل الأكل من العمل
والكسب، كما قال صلى الله عليه وسلم:
(ما أكل ابن آدم طعامًا خيرًا من أن يأكل من
عمل يده، وإن نبي الله داود کان یأکل من
عمل يده) (٥)
ومنها: أن العطاء من مال يجيء بمجهود،
وتبذل فيه الجهود یکون أعظم ثوابًا.
ومنها: إعلاء قدر العمل الإنساني؛ لأن
به إقامة العمران، وإصلاح الأرض، وتقدم
هذا الوجود الإنساني في معيشته، ووسائل
رزقه.
والقسم الثاني: فيه خير كثير، ولكنه كله
بفضل الله تعالى لا عمل للعبد إلا إلقاء
البذر، وغرس الغراس، والقيام عليها،
والباقي کله لله الواحد القهار.
وهنا يسأل سائل: لماذا أضاف سبحانه
ما يخرج من الأرض إليه سبحانه وتعالى مع
أن للعبد فیه عملا من حرث وبذر وإصلاح
ومراقبة، ثم أضيف الكسب بالتجارة
والصناعة والعمل في هذه الدنيا إلى العبد،
مع أنه برزق من الله؛ لأنه هو الذي قسم
الأرزاق بين العباد، وجميع ما للعبد من
مكاسب بتوفيقه ورزقه، كما قال تعالى في
آية أخرى: ﴿وَمَا رَنَفْهُمْ يُفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣]وكما
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع،
باب كسب الرجل وعمله بيده، ٥٧/٣، رقم
٢٠٧٢.
٤٢٠
جوسيس
القرآن الكريم

العمل
رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦ ]فكل شيء منه وإليه، و کل
کسب للعبد سواء أكان من الزرع والضرع،
أم كان من الصناعة أو التجارة فهو من الله
وبفضله وبتوفيقه ورزقه وهدايته، بل عطائه
سبحانه وإن لذلك السؤال موضعه، وأن الله
سبحانه في بعض آي الذكر الحكيم يضيف
الکسب إلى العبد لأنه الذي باشر العمل،
وفي بعضه يضيف الرزق إلى الرب لأنه
المانح، وهو سبحانه یصرف الآيات لمن
يفقهونها، ولكل مقام ما يناسبه، ولكلامه
سبحانه المثل الأعلى، فلا يحاكيه كلام
الإنسان مهما يعل قدره في البيان.
قال تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآبَةٍ فِي الْأَرْضِ إِلََّ عَلَى اَللَّهِ الإنتاج فقط الزراعة، وما تخرجه الأرض؛
والأخرى طرق ثانوية، فالله سبحانه يرشد
إلى أن كليهما طريق متميز فيه عمران
الأرض والإصلاح فيها، وفوق ذلك فإن
إضافة الكسب إلى العبد مع الحث على
الإنفاق من طيباته فيه إشارة إلى أن للفقير
حقًّا معلومًا في كل ما يكسب من مال، سواء
أكان بصناعة أو تجارة، أو عمل بالید، أم كان
بالبحث في الأرض، وإلقاء الحب، ورجاء
الثمار من الرب، فللفقير قدر معلوم في كل
هذا.
وبعض المفسرين لا يقصر ما تخرجه
الأرض على الزرع والشجر، والحشائش
التي يتغذى منها ذات الضرع وذات الحافر،
بل يتجاوز إلى ما يكون في باطن الأرض
من معادن وفلزات، وسواء مما تقوم عليها
الثروات عند بعض الأمم، ومما صار أساس
العمران في عصرنا الحاضر؛ فإن أولئك
المفسرين الأجلاء أدخلوا ذلك في عموم
قوله تعالى: ﴿وَمِمَّآ أَخْرَجْنَالَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾
وإن ذلك صادق بلا ريب، وهو نظر مستقيم.
ولو حاولنا أن نصل إلى سر التعبير ما
بلغناه على وجهه الكامل؛ وأقصى ما نقول:
هو أنه سبحانه وتعالى أضاف الكسب إلى
العبد في الأولى، وإخراج النبات والغراس
إليه ليتميز القسمان من الإنتاج، فهما قسمان
متقابلان بلا شك، إذ الأول العنصر الواضح
فيه كسب العبد، والثاني العنصر الواضح
فيه عمل الرب، كما أشرنا، فلهذا التمييز
وقد يقول قائل: إن ذلك مودع في
باطن الأرض، ولم يخرجه الله سبحانه
وتعالى إلى ظاهرها، بل الإنسان هو الذي
يخرجه، فنقول: ليس المراد بالإخراج هو
هذا المظهر الحسي، بل المراد منه التكوين
بين القسمين كانت الإضافتان المختلفتان،
وليحث سبحانه الناس على النوعين من
العمل، وبيان أنهما أساس العمران في
هذا الوجود، فكلاهما إصلاح في الأرض
وسبيل من سبل الإنتاج فيها؛ وقد كان
بعض الاقتصاديين المتقدمين يعتبر طريق والإنشاء وظهور الأعراض التي تكون
www. modoee.com
٤٢١

حرفالعین
سبيلا لخروجه، فيشمل الإخراج ذلك
كما يشمل تكوين الزرع بخروج البذرة
من باطن الأرض؛ فإن کلیهما یکونه الله
تعالى ويظهره لعباده؛ هذا بعوده مستقيمًا
يراه الحس بما يحمل من ثمر، وما معه
من غذاء، وذاك يظهر بأعراضه التي يعرفها
الخبراء، وقد یظهر للحس ویبدو للنظر، كما
يرى البترول طافيًا على الأرض في بعض
البلدان، يعلن ما حوته في باطنها من عيون
ثرة تفیض به(١).
والمقصود: أن هذه الطرق الثلاث
التي ذكرها القرآن -الزراعة، والتجارة،
والصناعة- وهي الطرق الطبيعية لتحصيل
الأموال، عمد الاقتصاد القومي لكل أمة
تريد أن تحيا حياة استقلالية، رشيدة عزيزة،
من الضروري العمل على ترکیزها في البلاد،
ثم العمل على تنسيقها تنسيقًا يحقق للأمة
هدفها الذي يوجبها الإسلام عليها، والذي
يجب أن تحصل عليه وتحتفظ به وتنميه؛
صونًا لكيانها، واستقلالها في سلطانها
وإدارتها، وإذا كان من قضايا العقل والدين
أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب،
وكانت الحياة متوقفة على هذه العمد
الثلاثة، كانت هذه العمد الثلاثة واجبة،
وكان تنسيقها على الوجه الذي يحقق خيرها
واجبًا.
وكل هذه الأعمال -التجارة والصناعة
والزراعة- إذا قام صاحبها بحقها، وتوكل
على الله تعالى حق توكله هي عبادة لله،
فالصانع في مصنعه، والزارع في مزرعته،
والتاجر في متجره إذا قصد وجه الله تعالى،
ونفع الناس یکون ذاكرًا لله تعالى، عابدًا له،
وإن المؤمن لا يفرغ قلبه من ذكره، إذا قام
بحق الله تعالى، وإن ذكر الله تعالى يصحبه
الخوف من الله فيتقي الله تعالی في کل عمل
یعمله، ویکون دائمًا في حذر من غضب الله
تعالى (٢).
والحكمة من الإشارة إلى هذه الأعمال
المباحة في القرآن هي: الدلالة على أن
الإسلام دين يجمع بين الدنيا والآخرة، بين
إعمار الدنيا وإعمار الآخرة، وقد ذكر الله
تعالى ذلك على سبيل الامتنان، مما يدل
على إباحة هذه الأعمال، بل على وجوبها
أحيانًا.
(١) زهرة التفاسير، أبو زهرة ٢/ ١٠٠٠.
(٢) انظر: المصدر السابق ٤٦٤/١.
٤٢٢
جَوَسُورَةُ النفسية
القرآن الكريمِ

العمل
الحث على العمل الصالح
تتنوع أساليب القرآن الكريم في الحث
على الشيء المرغوب فيه، فتارة بالأمر
الصريح به، وتارة بالنهي عن ضده، وتارة
بذكر ثوابه، ونجد هذا التنوع في الأسلوب
في الحث على العمل الصالح، حيث جاء
في القرآن على النحو الآتي:
١. الأمر به.
من أساليب القرآن الكريم في الحث
على العمل الأمر به.
قال تعالى: ﴿وَقُلِ أَعْمَلُواْ فَسَيَرَى اَللَّهُ عَمَلَكُو
وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥].
فـ﴿أَعْمَلُواْ﴾ أمر بالعمل، وهو من
أساليب الحث على الشيء، والأمر هو
طلب فعل، وصيغته: افعل، ولتفعل، وهي
حقيقة في الإيجاب، وترد مجازًا لمعان أخر.
وتأخيره عن المفعول للإشعار بما بين
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾
الرؤيتين من التفاوت
والمعنى: أن أعمالکم غیر خافیة علیھم، كما
رأيتم وتبين لكم، ثم إن كان المراد بالرؤية
معناها الحقيقي فالأمر ظاهر، وإن أريد بها
مآلها من الجزاء خيرًا أو شرًا فهو خاص
بالدنيوي، من إظهار المدح والثناء والذكر
الجميل والإعزاز، ونحو ذلك من الأجزية
وأضدادها(١).
وقد حذف مفعول ﴿أَعْمَلُواْ﴾ لأجل
التعويل على القرينة؛ ولأن الأمر من الله لا
یکون بعمل غیر صالح، والمراد بالعمل ما
يشمل العمل النفساني من الاعتقاد والنية،
وإطلاق العمل على ما يشمل ذلك تغليب.
وتفريع ﴿فَسَيَرَىَ اَللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ زيادة في
التحضيض، وفيه تحذير من التقصير، أو
من ارتكاب المعاصي؛ لأن كون عملهم
بمرأى من الله مما يبعث على جعله يرضي
الله تعالى؛ وذلك تذكير لهم باطلاع الله
﴿وَرَسُولُهُ﴾ على اسم الجلالة؛ لأنه علیه
الصلاة والسلام هو المبلغ عن الله، وهو
الذي يتولى معاملتهم على حسب أعمالهم،
وعطف ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ أيضًا لأنهم شهداء
الله في أرضه؛ ولأن هؤلاء لما تابوا قد
رجعوا إلى حظيرة جماعة الصحابة، فإن
قال أبو السعود: ﴿ وَقُلِ اعْمَلُواْ﴾ زيادة
ترغيب لهم في العمل الصالح الذي من
جملته التوبة، وللأولين في الثبات على ما تعالى بعلمه على جميع الكائنات، وعطف
هم عليه، أي: قل لهم بعد ما بان لهم شأن
التوبة: اعملوا ما تشاؤون من الأعمال،
فظاهره ترخيص وتخيير، وباطنه ترغيب
وترهيب، وقوله: ﴿فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ﴾ أي:
خيرًا كان أو شرًا، تعليل لما قبله، وتأكيد
للترغيب والترهيب، والسين للتأكيد،
﴿وَرَسُولُهُ﴾ عطف على الاسم الجليل
(١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٤ /١٠٠.
www. modoee.com
٤٢٣

حرف العين
عملوا مثلھم کانوا بمحل الکرامة منھم،
وإلا كانوا ملحوظين منهم بعين الغضب
والإنكار؛ وذلك مما یحذره كل أحد هو من
قوم پرمقونه شزرًا ویرونه قد جاء نکرًا.
والرؤية المسندة إلى الله تعالى قد تكون
حقيقية، وقد تكون رؤية مجازية، وهي
تعلق العلم بالواقعات، سواء كانت ذوات
مبصرات أم كانت أحداثًا مسموعات،
ومعاني مدركات(١).
ومن الأوامر بالعمل قوله تعالی:
﴿أَعْمَلُواْ ءَالَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ
الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣].
والظاهر أن الأمر في قوله: ﴿أَعْمَلُوَاْءَالَ
دَاوُدَ شُگراً ﴾ لآل داود، وإن لم يجر لهم
ذكر، ويجوز أن يكون أمرًا لداود شرفه الله
بأن خاطبه خطاب الجمع (٢).
وانتصب ﴿شكراً﴾ على أنه مفعول له،
أي: اعملوا لله، واعبدوه على وجه الشكر
لنعمائه، وفيه دليل على أن العبادة يجب أن
تؤدى على طريق الشكر، أو على الحال،
أي: شاکرین، أو علی تقدیر: اشکروا شکرًا؛
لأن ﴿اعملوا﴾ فیه معنی اشکروا، من حیث
أن العمل للمنعم شکر له، ويجوز أن ینتصب
باعملوا مفعولًا به، ومعناه: إنا سخرنا لكم
الجن يعملون لكم ما شئتم، فاعملوا أنتم
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٥/١١.
(٢) البحر المحيط في التفسير، أبو حيان ٥٢٦/٨.
جوية
القرآن الكريمِ
شكرًا على طريق المشاكلة(٣).
وكأنه قال: ﴿أَعْمَلُواْ﴾ ولم يقل:
اشكروا؛ لينبه على التزام الأنواع الثلاثة من
الشكر بالقلب واللسان وسائر الجوارح (٤).
وقوله: ﴿وَقَدِّرْ فِ السَّرْدِ﴾ [سبأ: ١١]
إشارة إلى أنه غیر مأمور به أمر إيجاب، إنما
هو اكتساب، والكسب يكون بقدر الحاجة،
وباقي الأيام والليالي للعبادة، فقدر في ذلك
العمل، ولا تشغل جميع أوقاتك بالکسب،
بل حصل به القوت فحسب.
ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَعْمَلُواْ
صَلِحًا﴾﴾ [سبأ: ١١] أي: لستم مخلوقين إلا
للعمل الصالح، فاعملوا ذلك، وأكثروا منه،
والكسب قدروا فيه، ثم أكد طلب الفعل
الصالح بقوله: ﴿إِ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سبأ:
١١].
وقد ذكرنا مرارًا أن من يعمل لملك شغلاً
ويعلم أنه بمرأى من الملك يحسن العمل
ویتقنه، ويجتهد فيه(٥).
قال صاحب السراج: كما قال تعالى
عقب قوله سبحانه: ﴿أَنِ أَعْمَلْ سَبِغَاتٍ﴾
[سبأ: ١١] ﴿وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا﴾ قال عقب ما
تعمله الجن له: ﴿أَعْمَلُواْءَالَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾
إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يجعل الإنسان
نفسه مستغرقة في هذه الأشياء، وإنما الإكثار
(٣) الكشاف، الزمخشري ٥٧٣/٣.
(٤) الموسوعة القرآنية، الأبياري ٢٩٩/٨.
(٥) مفاتيح الغيب، الرازي ١٩٦/٢٥.
٤٢٤

العمل
من العمل الصالح الذي يكون شكرًا(١).
﴿وَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ
وقال تعالى:
اُلَِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا إِنِّ يِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ
[المؤمنون: ٥١] ففي الآية أمر للرسل
بالعمل الصالح، وهو أمر للأتباع، والمعنى:
أي: اعملوا بما أمركم الله به، وأطيعوه في
أمره ونهيه ﴿إِنِّ يِمَاتَعْمَلُونَ عَليمٌ﴾ لا يخفى
علي شيء من أعمالكم(٢).
قال النسفي: قوله: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُلُ كُلُواْ
مِنَ الطَّيِّبَتِ﴾ هذا النداء والخطاب ليسا
على ظاهرهما؛ لأنهم أرسلوا متفرقين في
أزمنة مختلفة، وإنما المعنی الإعلام بأن کل
رسول في زمانه نودي بذلك، ووصی به؛
لیعتقد السامع أن أمرًا نودي له جميع الرسل،
ووصوا به، حقیق أن يؤخذ به، ویعمل علیه،
أو هو خطاب لمحمد عليه الصلاة والسلام
لفضله، وقيامه مقام الکل في زمانه، وکان
يأكل من الغنائم، أو لعيسى عليه السلام
لاتصال الآية بذکره، و کان یأکل من غزل
أمه، وهو أطيب الطيبات، والمراد بالطيبات:
ما حل، والأمر للتكليف، أو ما يستطاب
ويستلذ، والأمر للترفيه والإباحة(٣).
وبدأ بالأمر بالأكل من الطيبات قبل
الأمر بالعمل الصالح؛ لأن الأعمال تتوقف
على سلامة الأبدان، فكانت المحافظة
(١) السراج المنير، الشربيني ٢٨٧/٣.
(٢) التفسير الوسيط، الواحدي ٣/ ٢٩٢.
(٣) مدارك التنزيل، النسفي ٤٧١/٢.
على الأبدان من الواجبات؛ ولهذا قدم
الأمر بالأكل على الأمر بالعمل، فليس من
الإسلام تحريم الطيبات التي أحلها الله
کما حرم غلاة المتصوفة اللحم، وليس من
الإسلام تضعيف الأبدان وتعذيبها، كما
يفعله متصوفة الهنادك، ومن قلدهم من
المنتسبين للإسلام، والميزان العدل في
ذلك هو ما كان عليه النبي صلى الله عليه
وآله وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، وقد
بين ذلك أئمة السنة والأثر رحمهم الله،
وفي تقديم الأكل من الطيبات على العمل
الصالح تنبيه على أنه هو الذي يثمرها؛ لأن
الغذاء الطيب يصلح عليه القلب والبدن،
فتصلح الأعمال، كما أن الغذاء الخبيث
يفسد به القلب والبدن، فتفسد الأعمال (٤).
ولم يتوجه الأمرها هنا إلى العمل فقط،
بل لا بد وأن يكون هذا العمل صالحًا؛
ولهذا قال: ﴿وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا﴾ وليس الأمر
الذي يكون به متميزًا عن سائر البشر إلا
العمل الصالح، بأن يكون خالصًا له،
والعمل الصالح هو العمل الطيب الذي
یکون خیرًا محضًا للناس، لا یکون معه شر
لا في ذاته، ولا في نيته، والعمل الصالح ما
یکون فیه النفع لأكبر عدد ممكن، وما تكون
فيه سعادة عاجلة لأكثر الناس، أو سعادة
آجلة لعامتهم، ويدخل في هذا دعوتهم إلى
(٤) تفسير ابن باديس ص ٣٥٥.
www. modoee.com
٤٢٥

حرفالعین
الهداية والرشاد، والتبليغ عن أمر ربهم(١).
قال في روح البيان: ﴿وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا﴾
أي: عملاً صالحًا، فإنه المقصود منکم،
والنافع عند ربكم، وهذا الأمر للوجوب،
بخلاف الأول، وفي أمر الرسل بالعمل
الصالح رد وهدم لما قال به بعض المبيحين
من أن العبد إذا بلغ غاية المحبة، وصفا قلبه،
واختار الإيمان على الكفر من غير نفاق
سقطت عنه الأعمال الصالحة من العبادات
الظاهرة، وتكون عبادته التفكر، وهذا
كفر وضلال، فإن أكمل الناس في المحبة
والإیمان هم الرسل خصوصًا حبيب الله مع
أن التكاليف بالأعمال الصالحة والعبادات
فى حقهم أتم وأكمل(٢).
وقال المراغي: ﴿يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ
اُلَِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا﴾ أمر الله كل نبي
في زمانه بأن یأکل من المال الحلال ما لذ
وطاب، وأن يعمل صالح الأعمال؛ ليكون
ذلك كفاء ما أنعم به عليه من النعم الظاهرة
والباطنة، وهذا الأمر وإن كان موجهًا إلى
الأنبياء، فإن أممھم تبع لهم، وكأنه يقول
لنا: أيها المسلمون فى جميع الأقطار، كلوا
من الطيبات أي من الحلال الصافي القوام
الحلال ما لا يعصى الله فيه، والصافي ما
لا ینسی الله فیه، والقوام ما يمسك النفس،
(١) زهرة التفاسير، أبو زهرة ١٠/ ٥٠٨٢.
(٢) روح البيان، إسماعيل حقي ٦/ ٨٧.
ويحفظ العقل، واعملوا صالح الأعمال(٣).
والمقصود: أن من أساليب القرآن
الكريم في الحث على العمل، الأمر به،
بلفظ: ((اعملوا)) وأمر بالسعي، وهو ضربٌ
من العمل، فقال: ﴿فَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اَللَّهِ
وَذَرُواْ الْبَيْعَّ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِنَ كُتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾
[الجمعة: ٩].
قال الشافعي رحمه الله: السعي في هذا
الموضع هو العمل.
﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَقَى
وتلا قوله تعالى:
[الليل: ٤]، ويكون المعنى على هذا: فاعملوا
على المضي إلى ذكر الله من التفرغ له،
والاشتغال بالطهارة والغسل، والتوجه إليه
بالقصد والنية (٤).
وأمر بالمشي، وهو عمل أيضًا، فقال:
﴿فَأَمْشُواْ فِى مَنَاكِهَا وَكُوْ مِن رِّزْقِهِ، وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾
[الملك: ١٥].
أي: تمتعوا بهذه النعم، ثم إلى ربكم
مرجعكم يوم القيامة، ففي الآية الكريمة
حثٌّ على العمل والكسب في التجارة
والزراعة والصناعة، وجميع أنواع العمل.
فقوله تعالى: ﴿فَمَشُواْ﴾ أمر، لكن هل
يقتضي الوجوب؟
في الحقيقة إن الأمر في هذا الموطن
يقتضي الإباحة، فلا يجب عليك أن تمشي
(٣) تفسير المراغي ٢٩/١٨.
(٤) التفسير الوسيط، الواحدي ٤/ ٣٠٠.
٤٢٦
القرآن الكَرِيمِ