Indexed OCR Text

Pages 21-40

العنصرية
قَلْبِهِقَلَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ﴿ وَإِذَا تَوَلَى سَعَى فِ
الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلُ
وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٥) وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَتَّقِ اللَّهَ
أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِآلْإِثْمِّ فَحَسْبُهُ جَهَتٌَّ وَلَبِئْسَ
اُلْمِهَادُ ﴾ [البقرة: ٢٠٤ -٢٠٦].
فهذا الصنف يقترف ما يقترف من
الأفعال الذميمة، فـ((إذا أمر بمعروف أو نهي
عن منكر أسرع إليه الغضب، وعظم عليه
الأمر، وأخذته الأنفة وطیش السفه، إذ یخیل
إليه أن النصح والإرشاد ذلة تنافى العزة التي
تلیق بأمثاله.
وفي طبع المفسدين النفور ممن يأمرهم
بالصلاح، إذ يرون في ذلك تشهيرا بهم
وإعلانا لمفاسدهم التي يسترونها بزخرف
حبسوا أو ضربوا أو قتلوا))(١).
فكثيرًا ما تمنع العزة بالإثم أصحابها من
قبول الحق، ويتمادون في الغي والضلال
عند النصح، سواء كانوا من الكفار، أم من
المنافقين، أم من عصاة المسلمين.
ومن الهدايات المستفادة من الآية:
إذا قيل للمؤمن اتق الله يجب عليه أن لا
یغضب، أو یکره من يأمره بالتقوى، بل علیه
أن يعترف بذنبه، ويستغفر الله تعالى، ويقلع
عن المعصية فورًا.
رابعًا: دعاوى الاصطفاء الكاذبة:
(١) انظر: السيرة النبوية، ابن هشام ص٤٢٠.
العنصرية تتستر دائمًا خلف دعاوى
الاصطفاء الكاذبة، ففي سبيل إثبات
عنصریتھم، وأنھم دائمًا على خير وصواب
لابد أن یکون لهم مستند یستندون إلیه من
ادعاء الاصطفاء الإلهي لهم، أو ادعاء أن
الجنة لن تكون إلا لمن كان من جنسهم أو
على معتقدهم، وهي أماني باطلة يتعلقون
بها.
وقد ذكر لنا القرآن نموذجًا لدعاوى
الاصطفاء الكاذبة، قام به أهل الكتاب حيث
قالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ اُلْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ
نَصَرَى﴾ [البقرة: ١١١].
أي: قال اليهود: لن يدخل الجنة إلا من
كان يهوديًّا، وقال النصارى: لن يدخل الجنة
القول وخلابته، وإن استطاعوا الحبس إلا من كان نصرانيًّا، فرد الله عليهم قائلًا:
﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ [البقرة: ١١١].
والمراد: («بيان أن ما يدعونه من أن الجنة
خاصة بهم، ما هو إلا أماني منهم يتمنونها
على الله بغير حق ولا برهان، سولتها
لهم أنفسهم التي استحوذ عليها الشيطان
فخدعها بالأباطيل والأكاذيب»(٢).
ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه
وسلم أن يطالبهم بالدليل على صحة ما
يدعون، فقال تعالى ﴿قُلْ هَاتُواْ بُهَنَكُمْ
إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١].
((أي: قل - يا محمد- لهؤلاء الزاعمين
(٢) تفسير المراغي ٢/ ١١٢.
www. modoee.com
٤٧٣

حرف العين
[ النساء: ١٢٣ -
أن الجنة لهم خاصة من دون الناس، هاتوا اُلْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيًّا ﴾
١٢٤].
حجتکم علی خلوص الجنة لکم، إن كنتم
صادقين في دعواكم؛ لأنه لما كانت دعواهم
الاختصاص بدخول الجنة لا تثبت إلا
بوحي من الله وليس لمجرد التمني، أمر الله
تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يطالبهم
بالدليل من كتبهم على صحة دعواهم، وهذه
المطالبة من قبيل التعجيز؛ لأن كتبهم خالية
مما يدل على صحتها))(١).
ثم أبطل القرآن الكريم دعواهم الكاذبة
بإيراد قاعدة كلية رتبت دخول الجنة على
الإيمان والعمل الصالح بلا محاباة لأمة أو
لجنس أو لطائفة، فقال تعالى: ﴿ بَلَ مَنْ
أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ: أَجْرُهُ عِنْدَ
رَبِّهِ، وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:
١١٢].
وإذا كان الردهنا موجهًا إلى أهل الكتاب،
فقد جاءت آية أخرى تخاطب جميع الخلق
بإبطال الدعاوى الكاذبة للاصطفاء، وتحسم
الأمر بأن دخول الجنة لن يكون إلا لمن آمن
وعمل صالحًا.
قال الله تعالى: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَآ
أَمَانِيّ أَهْلِ الْكِتَبِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا
يُجْزَ بِهِ، وَلَا يَجِدْ لَهُ، مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا
نَصِيرًا (٦) وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّمَلِحَتِ مِن
ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ
(١) التفسير الوسيط، طنطاوي ٢٤٨/١.
٤٧٤
جَوَنُو
القرآن الكريم

العنصرية
نماذج قرآنية في العنصرية
ذكر القرآن عدة نماذج للعنصریین، ومن
هذه النماذج:
أولًا: أهل الكتاب:
عرف أهل الكتاب منذ القدم بعنصريتهم،
واحتقارهم للشعوب الأخرى، وقد ذكر
القرآن عدة مظاهر لعنصريتهم المقيتة، منها:
١. تفريقهم بين الملائكة والأنبياء
بناء على عنصريتهم.
فقد ذكر القرآن عن اليهود أنهم يفرقون
بين الملائكة، فيؤمنون ببعضهم، ويعادون
بعضهم الآخر، فقال الله سبحانه: ﴿قُلْمَن
كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَُّ نَزَّلَهُ, عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ
اُللَّهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى
لِلْمُؤْمِنِينَ آ مَن كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَتْبِكَتِّهِ،
وَرُسُلِهِ، وَجِبْرِيلَ وَمِيكَلَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ
لِلْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٧ - ٩٨].
قال الإمام الطبري: ((أجمع أهل العلم
بالتأويل جميعًا على أن هذه الآية نزلت
جوابًا لليهود من بني إسرائيل، إذ زعموا أن
جبریل عدو لھم، وأن میکائیل ولي لهم،
ثم اختلفوا في السبب الذي من أجله قالوا
ذلك))(١). ومما ورد من أسباب النزول عن
ابن عباس، قال: (أقبلت يهود إلى رسول الله
(١) المصدر السابق ٢٤٩/١.
صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم،
إنا نسألك عن خمسة أشياء، فإن أنبأتنا بهن
عرفنا أنك نبي واتبعناك. فأخذ عليهم ما أخذ
اللهُ عَلَى مَا نَقُولُ
إسرائيل على بنيه إذا قال:
وَكِلٌ﴾ [يوسف: ٦٦].
قال: (هاتوا). قالوا: أخبرنا عن علامة
النبي. قال: (تنام عيناه ولا ينام قلبه). قالوا:
أخبرنا كيف تؤنث المرأة وكيف يذكر
الرجل؟ قال: (يلتقي الماءان فإذا علا ماء
الرجل ماء المرأة أذكرت، وإذا علا ماء
المرأة ماء الرجل أنثت)، قالوا: أخبرنا ما
حرم إسرائيل على نفسه. قال: (كان يشتكي
عرق النَّسَاء فلم يجد شيئًا يلائمه إلا ألبان
كذا وكذا) -قال أحمد: قال بعضهم: يعني
الإبل، فحرم لحومها- قالوا: صدقت.
قالوا: أخبرنا ما هذا الرعد؟ قال: (ملك
من ملائكة الله -عز وجل - موكل بالسحاب
بیدیه -أو في يده- مخراق من نار يزجر به
السحاب، يسوقه حیث أمره الله عز وجل).
قالوا: فما هذا الصوت الذي نسمعه؟ قال:
(صوته). قالوا: صدقت. إنما بقيت واحدة
وهي التي نتابعك إن أخبرتنا أنه ليس من
نبي إلا وله ملك يأتيه بالخبر، فأخبرنا من
صاحبك؟
قال: (جبريل عليه السلام)، قالوا: جبريل
ذاك الذي ينزل بالحرب والقتال والعذاب
عدونا، لو قلت: میکائیل الذي ينزل بالرحمة
www. modoee.com
٤٧٥

حرف العين
والنبات والقطر لكان، فأنزل الله عز وجل: فقد ورد في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يَكْفُرُونَ بِالَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُواْ
﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ﴾ إلى آخر
الآية (١).
بَيْنَ اْللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ
وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُواْ بَيْنَ
ذَلِكَ سَبِيلاً﴾ [النساء : .
((أي: قل لهؤلاء اليهود الذين زعموا
أن الذي منعهم من الإیمان بك، أن وليك
جبريل عليه السلام، ولو كان غيره من
ملائكة الله لآمنوا بك وصدقوا، إن هذا
الزعم منکم تناقض وتهافت، وتكبر على
الله، فإن جبريل عليه السلام هو الذي نزل
بالقرآن من عند الله على قلبك، وهو الذي
ينزل على الأنبياء قبلك، والله هو الذي
أمره، وأرسله بذلك، فهو رسول محض.
مع أن هذا الكتاب الذي نزل به جبريل
مصدقا لما تقدمه من الكتب غير مخالف
لها ولا مناقض، وفيه الهداية التامة من
أنواع الضلالات، والبشارة بالخير الدنيوي
والأخروي لمن آمن به، فالعداوة لجبريل
الموصوف بذلك كفر بالله وآياته، وعداوة
لله ولرسله وملائكته، فإن عداوتهم لجبریل،
لا لذاته بل لما ینزل به من عند الله من الحق
على رسل الله.
وقد فسره بقوله بعده:
وَيَقَولُونَ
132
نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ أي: نؤمن
ببعض الرسل ونكفر ببعض. قال قتادة:
أولئك أعداء الله اليهود والنصارى، آمنت
اليهود بالتوراة وموسى وكفروا بالإنجيل
وعيسى، وآمنت النصارى بالإنجيل وعيسى
وكفروا بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه
فيتضمن الكفر والعداوة للذي أنزله وسلم، وتركوا الإسلام دين الله الذي بعث
به رسله(٣).
وأرسله، والذي أرسل به، والذي أرسل إليه،
فهذا وجه ذلك»(٢).
﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا
وأما تفريق أهل الكتاب بين الأنبياء أي: طريقًا وسطًا بين الكفر والإيمان ولا
(١) جامع البيان، الطبري ٢/ ٣٧٧.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٣٣٧.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦٠.
٤٧٦
القرآن الكريم
فـ((الآية في اليهود والنصارى؛ لأنهم
آمنوا بأنبيائهم وكفروا بمحمد صلى الله
عليه وسلم وغيره، جعل كفرهم ببعض
الرسل كفرًا بجميع الرسل، و کفرهم بالرسل
كفرًا بالله تعالى ﴿وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ
بَيْنَ اَللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ التفريق بين الله ورسله أن
يؤمنوا بالله ويكفروا برسله، وكذلك التفريق
بين الرسل هو الكفر ببعضهم والإيمان
ببعضهم.

العنصرية
واسطة بينهما)) (١).
(وحين جاءهم القرآن من عند الله
وقد حكم الله بكفرهم، وأنهم من مصدقا لما معهم من التوراة جحدوه،
أصحاب النار فقال: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ
حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ﴾ [النساء:
١٥١].
٢. إنكارهم لرسالة الرسول صلى
الله عليه وسلم وتصريحهم أنه ليس
النبي المنتظر.
قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَ هُمْ كِنَبٌّ مِنْ
عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ
يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم
مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِيَّ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى
اَلْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩].
فعن ابن عباس أن یهود کانوا یستفتحون
على الأوس والخزرج برسول الله صلى
الله علیه وسلم قبل مبعثه، فلما بعثه الله من
العرب كفروا به، وجحدوا ما كانوا يقولون
فیه، فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء
وداود بن سلمة: يا معشر يهود اتقوا الله
وأسلموا فقد کنتم تستفتحون علینا بمحمد
ونحن أهل شرك، وتخبرونا بأنه مبعوث
وتصفونه بصفته فقال سلام بن مشكم أحد
بالذي كنا نذكر لكم فأنزل الله: ﴿وَلَمَّا
جَآءَهُمْ كِنَبُ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ الآية(٢).
(١) انظر: الدر المنثور، السيوطي ٧٢٥/٢.
(٢) صفوة التفاسير، الصابوني ٢٩٠/١.
وأنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم،
وكانوا قبل بعثته يستنصرون به على مشركي
العرب، ويقولون: قرب مبعث نبي آخر
الزمان، وستتبعه ونقاتلكم معه. فلما جاءهم
الرسول الذي عرفوا صفاته وصدقه كفروا
به و کذبوه. فلعنة الله علی کل من كفر بنبي
الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم،
وكتابه الذي أوحاه الله إليه)(٣). فاليهود
دفعهم الحقد والحسد والعنصرية إلى إنكار
الرسالة المحمدية، بعد أن كانوا يستفتحون
بنبوته ظنًّا منهم أنه سيكون من نسلهم، فلما
جاء من نسل العرب أنكروا رسالته حقدًا
وحسدًا للعرب.
٣.احتقارهم لغیر جنسهم، ودعاوى
الاصطفاء والاختيار.
فاليهود يعتقدون أنهم شعب الله
المختار، وأن غيرهم بمنزلة الحيوانات،
وأنهم مسخرون لخدمتهم، وأن اليهودي
أفضل الأجناس على الإطلاق (٤).
وهذا يبيح لهم انتهاك حرمات غيرهم؛
بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو لأنهم ليس لهم حرمة وقد ذكر القرآن لهم
موقفًا عجيبًا يبين نظرتهم لغيرهم، فقال
الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَبِمَنْ
(٣) انظر: الدر المنثور، السيوطي ١/ ٢١٧.
(٤) التفسير الميسر ص ١٤.
www. modoee.com
٤٧٧

حرف العين
إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّوَةٍ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَنْ إِن تَأْمَنْهُ
◌ِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِةٍ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَابِمَاً
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِى الْأُمَّيِّئَنَ سَبِيلٌ
وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِالْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل
عمران: ٧٥].
((والذي حمل هذه الطائفة من اليهود
على الخيانة: زعمهم أن التوراة تبيح لهم
أكل أموال الأميين وهم العرب، قائلين: إنه
لا تبعة ولا إثم عليهم في أكل أموال العرب
بل وكل ما عدا اليهود؛ إذ هم شعب الله
المختار، فلهم السمو والتفوق العنصري
على غيرهم، وأما من سواهم فلا حرمة له
عند الله، فهو مبغوض عنده، محتقر لدیه،
ولا حق له ولا حرمة ))(١).
وأهل الكتاب يزعمون كذبًا وافتراء أنهم
أبناء الله وأحباؤه، وأنه لن يدخل الجنة
أحد غيرهم، وقد ذكر القرآن عنهم هذه
المقالات، وفندها، ورد علیھم.
أما دعواهم أنهم أبناء الله وأحباؤه، فقد
قال الله عنها: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَرَى
غَصْنُ أَبْتَوْ اَللَّهِ وَأَحِبَُّؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨].
وقد رد الله عليهم بقوله: ﴿قُلّ فَلِمَ
يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَّ
يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَةُ، وَإِلَّهِ
مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَّا وَإِلَيْهِ
الْمَصِيرُ﴾ [المائدة: ١٨].
(١) انظر: عنصرية اليهود، الزغيبي ٢/ ٥٩.
وأما دعواهم أنه لن يدخل الجنة غيرهم،
فقد قال الله: ﴿وَقَالُواْ لَنْ يَدْخُلَ اُلْجَنَّةَ إِلَّا
مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَرَى﴾ [البقرة: ١١١].
وقد رد الله عليهم فقال: ﴿تِلْكَ
أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُهَنَكُمْ إِن
كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴿ بَلَ مَنْ أَسْلَمَ
وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ: أَجْرُهُ، عِنْدَ رَبِّهِ،
وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:
١١١- ١١٢].
فإن ميزان القربى من الله هو الإيمان
والعمل الصالح، لا الوراثة ولا الامتياز
العنصري أو الجنسي، فليس صحيحًا أن
اليهود شعب الله المختار، وليس لشعب
مزیة علی آخر.
ثانيًا: المشركون:
العنصرية متأصلة في نفوس المشركين
على اختلاف العصور والأماكن، وتتجلى
عنصریتهم في عدة مظاهر، منها:
١. احتقارهم للرسل والمصلحين،
واعتقادهم أنهم أحق بالرسالة.
فقد قال قوم نوح له: ﴿قَالُواْ أَنُؤْمِنُ لَكَ
وَأَتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١].
قالوا له: ﴿فَقَالَ الْمَلَوُاْلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِ.
مَاَّا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَنْفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾
[المؤمنون: ٢٤].
وقالت ثمود لنبيهم صالح عليه السلام:
٤٧٨
جَوَسُوعَةُ النَّقِين
الْقُرْآن الكَرِيمِ

العنصرية
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ ، فَقَالُواْ أَبَرً مِنَّا وَاحِدًا
تََّّعُهُ إِنَّ إِذَا لَّفِى صَلَالٍ وَسُعُرٍ ل ◌َغْفِىَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ
مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾ [القمر: ٢٣-٢٥].
وقالت قريش للنبي صلى الله عليه
وسلم: ﴿أَمُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [ص: ٨].
وقالوا: ﴿وَقَالُواْ لَوْلَا نُزْلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى
رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْبَيِّنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١].
وقد سبق الحديث عن هذه الآيات في
المباحث السابقة.
٢. افتخارهم بالأموال والأولاد،
وأن لهم الزلفى عند الله.
فقد قال الله تعالى عن كفار قريش:
﴿وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَقْوَلَا وَأَوْلَدًا وَمَا نَحْنُ
بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ: ٣٥].
وقال سبحانه عن صاحب الجنتين:
﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌّ فَقَالَ لِصَحِبِهِ، وَهُوَ يُحَاوِرُهُمْ أَنَاْ
أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًّا ﴿ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ.
وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِهِ أَبَدًا
وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآيِمَةٌ وَلَيِن زُّدِدتُ
٣٥
إِلَى رَبِي لَأَجِدَنَ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف:
٣٤-٣٦ ].
ومن نماذج العنصرية الكافرة التي
حدوها الكبر والاستعلاء فرعون -لعنه
الله - فقد قال الله عنه: ﴿إِنَّفِرْعَوْنَ عَلَا فِي
الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةٌ
مِنْهُمْ يُذَيِّحُ أَبْنَاءَ هُمْ وَيَسْتَحِيْ نِسَاءَ هُمْ إِنَّهُ كَانَ
مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [القصص: ٤].
وتتبين عنصريته في الآية من أمرين:
﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِبَعًا﴾ أي:
الأول:
أصنافًا(١).
((والمعنى يكرم قومًا ويذل آخرين
بالاستبعاد والأعمال الشاقة. وقيل: جعل
بني إسرائيل أصنافًا في الخدمة والتسخير،
فهذه التفرقة العنصرية كانت سببًا أيضًا
في هلاك دولته، فجعل هناك تمايزًا طبقيًّا
بین الأقباط وبین بني إسرائيل، فكان يرى
ويرى الأقباط معه أن مصر هي ملك لهم،
وما وجود بني إسرائيل إلا لخدمتهم في
هذه الحياة، فجعل من مملكته فرقًا مختلفة،
وجعل منهم شيعًا مقربين منه، والقسم
الآخر ناصبهم العداء، وجعل بين الطائفتين
العداوة والبغضاء ليسهل له السيطرة عليهم
جمیعًا))(٢).
الثاني: ﴿يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةٌ مِنْهُمْ﴾.
(يعني: بني إسرائيل، بالاستبعاد
والأعمال القذرة، فجعل من هذه الطائفة
محقرة مهتضمة الحقوق، لا مساواة بينها
وبين الأقباط، مع أنهما يسكنان في أرض
واحدة وتحت سماء واحدة. والسبب
في ذلك لأنه يرى أنهم غرباء عنه في
النسب والدين؛ لأنهم كانوا يعتقدون
بعقيدة تختلف عن عقيدته هو وقومه، فهم
(١) التفسير المنير، الزحيلي ٢٦٦/٣.
(٢) سورة القصص دراسة تحليلية، محمد المطني
ص٢١٦.
www. modoee.com
٤٧٩

حرف العين
یدینون بدين جدهم إبراهيم وأبيهم يعقوب ١١].
-عليهما السلام-، فهم يعتقدون بإله واحد
هو الله، وینکرون ألوهية فرعون، وكذلك
أحس فرعون أن هناك خطرًا على عرشه
من وجود هذه الطائفة في مصر، ولم یکن
يستطيع أن يطردهم منها، فهم جماعة كبيرة
قد يتحالفون مع أعدائه من دول الجوار
الذین کانت تقوم بینهم وبین فرعون حروبًا.
فاحتقرهم ولم يجعل لهم دورًا في الحياة
السياسية والإدارية في مصر، فجعل منهم
خدمًا، وفرض عليهم الضرائب الباهظة،
وكلفهم بالأعمال الشاقة))(١).
ثالثًا: المنافقون:
إن النفاق مرض خطير، وإن المنافقين
شوكة مؤذية تطعن المجتمع من الداخل،
والعنصرية داء متأصل في المنافقين، ومن
مظاهر عنصرية المنافقين:
١. التمادي في الضلال والغي
ورفض النصح.
من الصفات اللازمة للمنافقين الإفساد
في الأرض بكل أشكاله وأنواعه، من إثارة
الفتن، والتجسس لحساب الكفار، وتأليب
الأعداء على المسلمين، وهذا فساد ظاهر،
فإذا وعظهم واعظ وقال لهم: ﴿لَا نُفْسِدُواْ
فِي الْأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة:
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٢٢٠.
((أي: وإذا قال لهم بعض المؤمنين: لا
تسعوا في الأرض بالإفساد بإثارة الفتن،
والكفر والصد عن سبيل الله ﴿قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ
مُصْلِحُونَ﴾ أي: ليس شأننا الإفساد أبدًا،
وإنما نحن أناسٌ مصلحون، نسعى للخير
والصلاح، فلا يصح مخاطبتنا بذلك»(٢).
فهؤلاء المنافقون إذا وعظوا وقيل لهم:
انزعوا عن أفعالكم القبيحة، حملتهم الأنفة
وحمية الجاهلية على التكبر عن قبول الحق،
فأغرقوا في الإفساد وأمعنوا في العناد؛
لأنهم يرون أنفسهم فوق نصيحة الناصحين،
ونقد الناقدين، أي: نحن مقصورون على
الإصلاح، ولا نعرف الإفساد، فکیف ننھی
عنه مع أننا لم نفعله؟ وهذا كمال.
قال الله عنهم في آية أخرى: ﴿وَإِذَا قِيلَ
لَهُ أَتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِّ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمٌ
وَلَبِئْسَ اَلْمِهَادُ ﴾ [البقرة: ٢٠٦].
بقولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ
فالمنافقون
مُصْلِحُونَ﴾ ((قصروا نفوسهم على
الإصلاح، وذلك أن (إنما) تدل على
القصر، أي: قصرهم على الصلاح، لا یکون
منهم فساد قط، وذلك أعظم الغرور وأشد
الفساد، فكل ما يفعلون يعدونه إصلاحًا،
ولا يعدونه فسادًا، وذلك الغرور لا يكون
(٢) سورة القصص دراسة تحليلية، محمد المطني
ص٢١٦.
٤٨٠
جَوَسُولَةُ النَّقسيمة
الْقُرآن الكَرِيمِ

العنصرية
إلا ممن أحاطت به خطيئته، فأصبح لا يرى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم،
وأخلصوا في إيمانكم وطاعتكم لله ﴿قَالُوا
إلا ما یکون في دائرتها، وقد سدت عنه کل
منافذ الخير))(١).
أَنُؤْمِنُ كُمَا ءَامَنَ الشُّفَهَآءُ﴾ الهمزة للإنكار مع
السخرية والاستهزاء، أي قالوا: أنؤمن
کإيمان هؤلاء الجهلة أمثال صھیب، وعمار،
وبلال ناقصي العقل والتفكير؟!))(٢).
وقد رد الله سبحانه عليهم بقوله: ﴿ ألآ
إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لَّا يَشْعُونَ﴾ [البقرة:
١٢].
ومن هدايات الآية: أن الإصلاح في
الأرض يكون بالعمل بطاعة الله ورسوله،
والإفساد فيها يكون بمعصية الله ورسوله
صلی الله عليه وسلم، والعاملون بالفساد
في الأرض يبررون دائمًا إفسادهم بأنه
إصلاح وليس بإفساد.
٢. احتقار المؤمنين ورفض
الإيمان.
المنافقون يرون المؤمنين ناقصي
العقل والتفكير، فهم دائمو الاحتقار لهم
والاستهزاء بهم، وإذا أعلنوا إيمانهم فذلك
استهزاء منهم بالمؤمنين، وهذا ما ذكره الله
من حالهم وصفاتهم حيث قال سبحانه
وتعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَّهُمْ ءَامِنُوا كَمَاْ ءَامَنَ النَّاسُ
قَالُواْ أَنُؤْ مِنُ كُمَآ ءَامَنَ الشُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَآءُ
وَإِذَا لَقُواْ أَلَّذِينَ ءَامَنُواْ
١٣
وَلَكِنْ لَّا يَعْلَمُونَ
قَالْوَاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ
إِنَّمَا غَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾ [البقرة: ١٣ - ١٤].
((أي: وإذا قيل للمنافقين: آمنوا إيمانًا
صادقًا لا يشوبه نفاقٌ ولا رياء، كما آمن
(١) المصدر السابق ص٢١٦.
ولقد حكم الله تعالى على هؤلاء
المنافقين، وهو الحكم العدل، وهو خير
الفاصلین، فقال تعالت كلماته مؤكدًا ومنبها
وحاصرًا السفاهة فيهم: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ
الشُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَّا يَعْلَمُونَ﴾ (( يقرر الله تعالى
الحكم عليهم بالسفه، وجعلهم مقصورین
عليه يدورون في إطاره ويسارعون فيه، فهم
يخرجون من سفه إلى سفه، ويسارعون في
السفاهة، ويسيرون فيها حتى يصلوا إلى
الدرك الأسفل منها)) (٣).
﴿ وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُواْ
وقوله:
ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا
شَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾ ((أي: وإذا رأوا المؤمنين
وصادفوهم أظهروا لهم الإيمان والموالاة
نفاقًا ومصانعة.
﴿وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ﴾ أي: وإذا
انفردوا ورجعوا إلى رؤسائهم وكبرائهم،
أهل الضلال والنفاق.
وَقَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا شَخْنُ مُسْتَهْزِهُونَ﴾ أي:
(٢) صفوة التفاسير، الصابوني ١/ ٣٠.
(٣) زهرة التفاسير، أبو زهرة ١/ ١٣٠.
www. modoee.com
٤٨١

حرف العين
قالوا لهم: نحن علی دینکم وعلى مثل ما
أنتم عليه من الاعتقاد، وإنما نستهزئ بالقوم
ونسخر منهم بإظهار الإيمان»(١).
(١) صفوة التفاسير، الصابوني ٣٠/١.
علاج العنصرية
كان للإسلام منهجه المتميز في علاج
داء العنصرية، وهذا العلاج يتمثل في أمور
عدة:
أولًا: التذكير بأصل الخلق:
قرر الإسلام أن أصل البشر واحد،
وهو التراب، فقال سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنَّا
خَلَقْتَكُم مِّنْ تُّرَابٍ﴾ [الحج: ٥].
والأصل الثاني آدم عليه السلام، خلق
الله منه زوجه حواء، وبث منهما أولادهما،
فقال الله تعالى: ﴿بَأَيُّهَا النَّاسُ أَتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى
خَلَقَكُ مِّن نَّفْسٍ وَحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا
رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءُ ﴾ [النساء: ١].
فإذا كان الأصل واحدًا، فلا معنى لأن
يفخر أحد على أحد، أو يتعالى أحد على
أحد.
والملاحظ في آية سورة النساء أن القرآن
نبه إلى التعاطف الأخوي الإنساني في
أسلوب يوقظ الحس، ويوضح أن الناس من
نفس واحدة، فلابد من التعاطف والتراحم
أُهَا
بينهم، وقد عبر بقوله سبحانه:
النَّاسُ﴾ فالخطاب للناس جميعًا، وعبر
﴾فالله رب الناس جميعًا،
بقوله:
فهم إذًا سواء.
((ولو تذكر الناس هذه الحقيقة -أصل
الخلق-، لتضاءلت في حسهم كل الفروق
٤٨٢
جَوَبُواحَرَ النَّقِينَ
القرآن الكريمِ

العنصرية
الطارئة، التي نشأت في حياتهم متأخرة، وهذا التنوع في الأنساب وفي الألوان
وفي الألسنة، ومثله التنوع في الطبائع وفي
الأخلاق وفي المواهب کل ذلك الهدف منه
التعارف والوئام والتعاون للنهوض بجميع
التكاليف، والوفاء بجميع الحاجات.
ففرقت بين أبناء النفس الواحدة، ومزقت
وشائج الرحم الواحدة. وكلها ملابسات
طارئة ما كان يجوز أن تطغى على مودة
الرحم وحقها في الرعاية، وصلة النفس
وحقها في المودة، وصلة الربوبية وحقها في
التقوى.
واستقرار هذه الحقيقة كان كفيلا
باستبعاد الصراع العنصري، الذي ذاقت منه
البشرية ما ذاقت، وما تزال تتجرع منه حتى
اللحظة الحاضرة في الجاهلية الحديثة،
التي تفرق بين الألوان، وتفرق بين العناصر،
وتقيم كيانها على أساس هذه التفرقة، وتذكر
النسبة إلى الجنس والقوم، وتنسى النسبة إلى
الإنسانية الواحدة والربوبية الواحدة))(١).
وقد أخبر رب العالمين أنه خلق الناس
من ذكر وأنثى، وفرعهم شعوبًا وقبائل،
وبين الحكمة من ذلك فقال: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ
إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْتَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ
◌ِتَّعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَمُّكُمْ إِنَّ الَّهَ عَلِيُ
خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣].
هذا إعلام من الرب تبارك وتعالى إلى
جميع الناس بأن أصلهم واحد ومرجعهم
واحد، فقد خلقهم جميعا من نفس واحدة،
وخلق منها زوجها وهما آدم وحواء عليهما
السلام، ونوعهم إلى قبائل وشعوب،
(١) زهرة التفاسير، أبو زهرة ١/ ١٣٢.
والله تبارك وتعالى العليم الخبير هو
الذي وزنهم عن علم وخبرة، وبثهم في
الأرض رجالا ونساء وشعوبًا وقبائل من هذا
الأصل الواحد، فإذا تفاخر الناس بأنسابهم
وبأصولهم وبقبائلهم، فعليهم أن يتذكروا أن
العليم الخبير الذي بثهم من التراب والطين
یسمعهم ويراهم، هو العليم بأصلهم، خبير
بأحوالهم، أليس هو الذي خلقهم! ﴿أَلَا يَعْلَمُ
مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخِيرُ﴾ [الملك: ١٤].
فالإسلام أكد على أن الناس خلقوا
من أب واحد وأم واحدة، وما حصل من
اختلاف اللون والمکان، وتفرع الناس إلى
قبائل وشعوب لا يجعل لأحدهم تمييزًا
عنصریًّا على الآخر.
ثانيًا: التقوى ميزان التفاضل:
لقد قضى الإسلام قضاء مبرمًا على كافة
أنواع العنصرية القائمة على اختلاف اللون
أو الجنس أو اللغات، فالأبيض كالأسود
والعربي كالعجمي، لا يتفاضلون ولا
يتمايزون إلا بالتقوى والعمل الصالح، فأكرم
الناس أتقاهم كما جاء في الآية الكريمة:
www. modoee.com
٤٨٣

حرف العين
﴿يَّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْتَكُ
شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَ مَكُمْ عِندَ اللّهِ
أَنْقَنَكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣].
فإن التفاضل لا يرجع إلى الجنس ولا إلى
اللون ولا إلى الوطن، ميزان التفاضل واحد
هو الإيمان، ثم المؤمنون فيما بينهم يتفاوتون
ويتفاضلون، ومیزان التفاضل فيما بينهم هو
التقوی، فأتقاهم لله تعالی هو أکرمهم عنده،
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن
الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولکن
ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)(١).
فالناس جميعًا في أصلهم وفي شرفهم
وفي عنصرهم ينتسبون إلى أصل واحد هو
الطين والتراب، ولذلك لا يتفاوتون في هذا،
لا يتفاوتون في الأصل ولا في الشرف، إنما
يتفاوتون في الأمور الدينية، في طاعة الله
تبارك وتعالى، وفي متابعة رسوله صلى الله
علیه وسلم، أما تقسيمهم إلى شعوب وإلى
قبائل وأما اختلافهم في الأنساب فالمقصود
منه التعارف والتآلف. هذا هو المبدأ العظيم
الذي جاء به ديننا القويم فكرس مبدأ
المساواة بين البشر، وجعل ميزان التفاضل
واحدا هو الإيمان والتقوى، فالناس إنما
يتفاضلون بهذا الميزان.
فقد ((استأصل الإسلام منذ فجر دعوته
الإصلاحية الكبرى كل المعاني والروابط
(١) صفوة التفاسير، الصابوني ١/ ٣٠.
القبلية والعنصرية والعرقية، وأحل محلها
روابط أخلد وأقوى وأمتن، وهي روابط
الإيمان والهجرة والجهاد والإيواء والنصرة
وهذا التصنيف هو ما ذكرته أواخر سورة
الأنفال في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِ
سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَاوَواْ وَنَصَرُواْ أُوْلَكَ بَعْضُهُمْ
أَوْلِيَّةُ بَعْضِ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يُّهَاجِرُواْ مَا لَكُ مِّن
وَلَيَتِهِم مِّن شَىْءٍ حَقَّ يُهَاجِرُواْ وَإِنِ أُسْتَنَصَرُوكُمْ
فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ
٧٢
وَبَيْنَهُمْ مِيثَقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (
وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضَِّ إِلَّا تَفْعَلُوهُ
تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِرُ
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ فِ سَبِيلِ
اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَاوَواْ وَنَصَرُوَاْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ
حَقَّاً لَّمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌّ كَرِيمٌ ﴿ وَأَذِينَ ءَامَنُواْ مِنْ
بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ وَأُوْلُواْ
اَلْأَرْحَاِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِ كِتَبِ اللّهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ
شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٢ -٧٥]))(٢).
وقد أكد الرسول صلى الله عليه وسلم
على هذا المبدأ، فقد وقف في حجة الوداع
ليعلن في خطابه الخالد: (إن ربكم واحد،
وأباكم واحد، ولا فضل لعربي على عجمي،
ولا لعجمي على عربي، ولا أحمر على
أسود، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى)(٣).
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٥٧٤/١.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة
والآداب، باب تحريم ظلم المسلم وخذله
٤٨٤
القرآن الكريم

العنصرية
«ولم تكن هذه المساواة لتقف عند حدود
المبادئ التي تعلن في مناسبات متعددة -
كما يقع من زعماء الحضارة الحديثة اليوم-
بل كانت مساواة مطبقة تنفذ كأمر عادي لا
یلفت نظرًا، ولا يحتاج إلى تصنع أو عناء،
فقد نفذت في المساجد حيث كان يلتقي
فيها الأبيض والأسود على صعيد واحد من
العبودية لله عز وجل والخشوع بين يديه.
ولم يكن الأبيض ليجد غضاضة أو حرجًا
في وقوف الأسود بجانبه.
البشرية كلها من بيضاء وملونة على صعيد
واحد وبثياب واحدة من غير تميز بين
أبيض وأسود أو استعلاء من البيض على
السود. بل إننا لنجد ما هو أسمى من هذا،
فقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم
بلالا الحبشي يوم فتح مكة أن يصعد فوق
الكعبة ليؤذن من فوقها ويعلن كلمة الحق،
والكعبة هي الحرم المقدس عند العرب في
الجاهلية، وهي القبلة المعظمة في الإسلام،
فکیف یصعد علیھا عبد ملون کبلال؟ كيف
يطؤها بقدمیه؟
إن مثل هذا أو قريبًا منه لا يتصور في
الحضارة الحديثة في أمريكا مثلا، ولكن
حضارتنا فعلته قبل أربعة عشر قرنا، فما كان
واحتقاره و دمه وعرضه وماله، رقم ٢٥٦٤،
٤/ ١٩٨٧.
صعود بلال على سطح الكعبة إلا إعلانا
لكرامة الإنسان على كل شيء، وأن الإنسان
يستحق هذه الكرامة لعلمه وعقله وأخلاقه
وإيمانه لا لبشرته وبياضه، فما يقدم الإنسان
بياضه إذا أخره عمله، ولا يؤخره سواده إذا
قدمه ذكاؤه واجتهاده))(١).
إن مجتمعًا يقف فيه بلال الحبشي،
وصهيب الرومي، وسلمان الفارسي،
وخباب بن الأرت، وعمار بن ياسر بجانب
أبي سفيان، وعثمان بن عفان، وعمر بن
ونفذت في الحج حيث تلتقي عناصر الخطاب لدليل قاطع على أن العصبيات
والقوميات والجنسيات قد ذهبت إلى غير
رجعة، وانصهرت في عقيدة واحدة، هي
عقيدة التوحيد، تحت لواء واحد، هو لواء
الإسلام.
ولا يخفى أن الاستعمار البغيض لم
يستطع أن يبسط نفوذه على الأمة الإسلامية
إلا بعد أن فرقها شيعا وأحزابا وأقام بينها
حواجز مصطنعة، تتقاطع من أجلها وتتقاتل
في سبيل هذه الحدود الاعتبارية التي ما
أنزل الله بها من سلطان، وشد ما نحزن
حينما نعلم أن الخلاف يصل إلى عنفوانه،
وإلى درجة سفك الدماء والذهاب بالرجال
والمعدات بسبب الحدود المصطنعة،
إنها مسألة مرسومة بريشة العدو الثلاثي
المشترك ((الصهيونية والشيوعية والصليبية)»
(١) التفسير الوسيط، الزحيلي ٨٢٤/١.
www. modoee.com
٤٨٥

حرفالعین
لإثارة العداوات(١).
قال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ
فالإسلام أرسى بصورة عملية المبدأ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩].
الأساس للتفاضل بين الناس وهو التقوى
والعمل الصالح، مع عدم الاعتراف
بالامتيازات الطبقية أو النفوذ الموروث،
وقد كانت أعظم صورة لتطبيق هذا المبدأ
ما فعله النبي صلی الله عليه وسلم حين
آخى بين المسلمين، حتى صار في فجر
الإسلام يستظل بمظلة الإسلام الکبری شتی
الجنسیات المختلفة، فهنا سلمان الفارسي،
وهنا بلال الحبشي، وهنا صهيب الرومي،
والكل يعيش في ظل راية الإسلام، وتحت
مظلة: لا إله إلا الله، محمد رسول الله.
أما العالم اليوم فقد دمر بالحروب
وبالتفرقة العنصرية، وتمزق بالتعصب
الشخصي والمصلحة الخاصة، ولكن
الإسلام بتعاليمه یذیب الفوارق بين تلك
الجنسيات فيعيش الحبشي والرومي
والفارسي والعربي والعجمي جميعًا تحت
مظلة الإسلام، فالإسلام يذيب الفوارق
ويجمع الشتات، ويربط الجميع بأخوة
واحدة، ويصبح هذا التآخي بمثابة التلاحم،
(١) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ٢٣٤٨٩،
٤٧٤/٣٨، والطبراني في المعجم الأوسط،
رقم ٤٧٤٩، ٨٦/٥، والبيهقي في شعب
الإيمان، رقم ٤٧٧٤، ٠١٣٢/٧
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة
٤٤٩/٦.
ويقول صلى الله عليه وسلم: (مثل
المسلمين في توادهم وتراحمهم كمثل
الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى
له سائر الجسد بالسهر والحمى)(٢).
وقد كان إرساء هذه الدعائم من أعظم
ما سهل نشر الهداية الإسلامية، وتقارب
عناصر البشرية وامتزاجها بعضها ببعض
حتى كان ثمرة اتحادها.
ثالثًا: إبطال دعاوى العنصرية:
لقد قضى الإسلام على كل دعاوى
العنصرية التي يتمسك بها العنصريون،
وأهم ما أبطل به الإسلام دعاوى العنصرية
ما يأتي:
١. بيان أن اغترارهم بالأموال
والأنصار لن يغني عنهم شيئًا.
فقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ
تُغْفِى عَنْهُمْ أَمْوَلُهُمْ وَلَآَ أَوْلَدُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا
وَأُوْلَيْكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٠].
فقد أخبر الله أن ((الذين جحدوا الدين
الحق وأنكروه، لن تنفعهم أموالهم ولا
أولادهم من عذاب الله شيئًا إن وقع بهم في
الدنيا، ولن تدفعه عنهم في الآخرة، وهؤلاء
(٢) انظر: روائع حضارتنا، مصطفى السباعي
ص١١٢ - ٠١١٣
٤٨٦
جوبسيو
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

العنصرية
هم حطب النار يوم القيامة))(١).
٢. طبيعة الخلقة غير صالحة
وبين سبحانه أن أموالهم وأولادهم قد کمیزان للتفاضل.
تكون سببًا في تعذيبهم في الدنيا والآخرة
فقال سبحانه: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَلُهُمْ وَلَآ
أَوْلَدُهُمَّ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِى الْحَيَوَةِ
الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَفِرُونَ ﴾ [التوبة:
٥٥].
وأوضح القرآن أن أموال العنصريين
وأولادهم لن تقربهم من الله في الآخرة،
وإنما الإيمان وحده هو سبب القربى في
الآخرة، فقال سبحانه: ﴿وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ
أَقْوَلَا وَأَوْلَدًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِيِنَ ( قُلْ إِنَّ رَبِّ
يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَّ النَّاسِ
لَا يَعْلَمُونَ ﴿ وَمَآ أَمْوَلُكُمْ وَلَا أَوْلَذُكُمْ بِلَِّى
تُقَرِّيَّكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا
فَأُوْلَكَ لَهُمْ جَةُ الْضِّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمْ فِ الْغُرُفَتِ
ءَمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٥-٣٧].
فهذا ( رد آخر على ادعاء المترفين، بأن
أموالهم وأولادهم هي التي تقربهم من الله،
وتدنيهم من مرضاته، وكلا فإن الأموال
والأولاد لا تقرب من الله إلا بقدر ما يكون
لأصحاب الأموال والأولاد من إيمان بالله،
وإحسان في العمل))(٢).
(١) انظر: أجنحة المكر الثلاثة، الميداني
ص ٢٠٤.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة
والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم
وتعاضدهم، رقم ح ٢٥٨٦، ١٩٩٩/٤.
من الأمور التي تقوم عليها العنصرية
هي التفريق بين الناس بناء على الجنس
أو اللون أو اللغة أو غير ذلك مما يتعلق
بطبيعة الخلقة، وتتعصب لهذه الأمور، وقد
تخوض الحروب بناء على هذه الأمور،
وهذه الأمور لا تصلح أبدًا أن تكون مقياسًا
للتفاضل بين البشر؛ لأنه لا دخل لأحد فيها،
فالإسلام ساوى بين البشریة جمیعًا في أصل
الخلق، فلا اعتبار لاختلاف لون أو لسان
أو غير ذلك ما دام الأصل واحدًا، بل اعتبر
الإسلام اختلاف الألسنة والألوان في النوع
البشري، مع وحدته الأصلية، آية من آيات
الله الکبری، ودليلا من دلائل قدرته وبالغ
﴿ وَمِنْ ءَايَتِهِ، خَلْقُ
حكمته فقال تعالى:
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفُ أَلْسِنَئِكُمْ
وَأَلْوَنَّكُمَّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتِ لِّلْعَزِمِينَ﴾ [الروم:
٢٢].
فالآية ترشدنا إلى أن الذين يمارسون
العنصرية بناء على اختلاف الألوان أو
اللغات «فاتهم أن جميع الكائنات البشرية
إخوة، وأن وراء هذه الألوان المتعددة روحًا
واحدة لا لون لها، وأن إلهًا واحدًا هو الذي
خلقهم جمیعًا، وأرخی علی روح كل واحد
منهم ستارًا كثيفًا: هو الجسد؛ وهذا الستار
یکون في صقع أبيض، وفي آخر أسود، وفي
www. modoee.com
٤٨٧

حرفالعین
صقع أحمر، وفي آخر أصفر))(١).
إن ما فعلته معه من تعيير بسواد أمه نعرة
فالإسلام نبذه لأي شكل من أشكال جاهلية، وأثر من آثار التمييز العنصري الذي
التمييز بين بني البشر بناء على أجناسهم أو كان موجودًا قبل الإسلام.
ألوانهم أو لغاتهم،
فنادى بذلك رسول الله صلى الله عليه
وسلم قائلا: (لا فضل لعربي على عجمي،
ولا لعجمي على عربي، ولا أحمر على
أسود، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى)(٢).
وقد غضب صلی الله عليه وسلم غضبًا
لم ير مثله على وجهه الشريف، عندما سمع
أبا ذر الغفاري يحتد على بلال ويعيره بلونه
قائلا: يا ابن السوداء! فزجره الرسول صلى
الله عليه وسلم، ورده بقوله: (يا أبا ذر أعيرته
بأمه، إنك امرؤ فيك جاهلية، إخوانكم
خولکم جعلهم الله تحت أیدیکم، فمن كان
أخوه تحت يده فليطعمه مما یأکل، وليلبسه
مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن
كلفتموهم فأعينوهم)(٣).
فقول النبي صلى الله عليه وسلم:
(أعيرته بأمه) هذا استفهام إنكاري تعجبي،
أي: كيف تعيبه بسواد أمه، وتستنقصه
بذلك، وأنت تعلم أن الإسلام لا يميز بين
الناس بالألوان، وإنما يفاضل بينهم بالتقوى
والعمل الصالح.
وقوله: (إنك امرؤ فيك جاهلية) أي:
(١) التفسير الميسر، مجمع الملك فهد ص٥١.
(٢) التفسير القرآني للقرآن، الخطيب ٨٣١/١١.
(٣) أوضح التفاسير، محمد حجازي ١/ ٤٩٣.
جوبي
القرآن الكريم
فاستجاب أبو ذر لأمر رسول الله صلى
الله عليه وسلم، ووضع خده على الأرض،
وأقسم أن يطأه بلال برجله توبة وتکفیرًا عمَّا
صدر عنه من أخلاق جاهلية (٤).
٣. الفخر بالأحساب والأنساب من
أمور الجاهلية.
بين الإسلام أن التفاخر والتعاظم بالآباء
والأجداد، والمآثر، والأمجاد من أمور
العصبية والعنصرية المقيتة التي حرمها
الإسلام، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صلی اللهعلیه وسلم: (إن الله
عز وجل قد أذهب عنكم عبية (٥) الجاهلية،
وفخرها بالآباء، مؤمن تقي، وفاجر شقي،
والناس بنو آدم، وآدم من تراب، لينتهين
أقوام فخرهم برجال، أو لیکونن أهون عند
الله من عدتهم من الجعلان (٦) التي تدفع
(٤) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ٢٣٤٨٩،
٤٧٤/٣٨، والطبراني في المعجم الأوسط،
رقم ٤٧٤٩، ٨٦/٥، والبيهقي في شعب
الإيمان، رقم ٤٧٧٤، ١٣٢/٧.
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة
٤٤٩/٦.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب المعاصي من أمر الجاهلية، ولا يكفر
صاحبها بارتكابها إلا بالشرك، رقم ٣٠،
١٥/١.
(٦) انظر: إرشاد الساري، القسطلاني ١/ ١١٥.
٤٨٨

العنصرية
بأنفها النتن)(١).
شيئًا يوم القيامة، فعن أبي هريرة قال: (قام
فهذا الحديث إعلام أن الكبر والفخر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل
بالنسب من العصبية المقيتة التي حرمها الله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَيِينَ﴾ [الشعراء:
٢١٤].
الإسلام، ومن كمال بلاغته صلى الله عليه
وسلم أن شبه المتعصب بآبائه ونسبه بأنه
أقل من ذلك الحيوان الصغير الذي يدفع
فضلات الإنسان والحيوان ویعیش معها.
وقد بين الحديث أن الناس حين
يتفاضلون بالعنصرية للون أو العنصرية
الجنس أو العنصرية لوطن، فحينئذ يعاقبهم
الله تبارك وتعالى بالذل والهوان، هذا هو
وعده على لسان النبي صلى الله عليه وسلم:
(أو ليكونن أهون على الله من الجعلان).
والمقصود في النهي عن التفاخر
بالأحساب والأنساب أن يعتقد الإنسان
أنها معيار التفاضل بين البشر، أو أن يتخذ
ذلك سببًا للتعالي والتكبر على الآخرين،
أو التفريق بين المسلمين، وتصنيفهم إلى
طبقات وفئات بناء على هذه الأحساب
والأنساب.
وكيف يفخر الإنسان على غيره بما ليس
من کسبه وما لا جهد له فیه؟!
وقد أعلم النبي صلى الله عليه وسلم
-يوم أن أمره الله بالصدع بالرسالة- أهله
وقومه أن أنسابهم وأحسابهم لن تغني عنهم
(١) عبية الجاهلية: الكبر والأنفة.
انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن
الأثير ١٦٩/٣.
قال: (یا معشر قریش - أو کلمة نحوها -
اشتروا أنفسكم لا أغني عنکم من الله شيئا،
یا بني عبد مناف لا أغني عنکم من الله شيئا،
يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من
الله شيئا، ويا صفية عمة رسول الله لا أغني
عنك من الله شيئا، و پا فاطمة بنت محمد
سليني ما شئت من مالي لا أغني عنك من
الله شيئا)(٢).
وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا
ينبغي للإنسان أن يتكل على شرف النسب
وفضيلة الآباء ويقصر في العمل، فقال:
(ومن بطأ به عمله، لم يسرع به نسبه)(٣).
ولو أن النسب ينفع صاحبه دون العمل
لانتفع به أبو لهب، ولکن هیهات، وقد قال
الله: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ ا مَآ أَغْنَى
(٢) الجعلان بكسر جيم وسكون عين، جمع
جعل، بضم ففتح: دويبة كالخنفساء.
انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن
الأثير ١/ ٢٧٧.
(٣) أخرجه أبو داود في سننه، أبواب النوم، باب
التفاخر بالأحساب، رقم ٥١١٦، ٣٤٨/٧،
والترمذي في سننه، أبواب المناقب، باب
فضل الشام واليمن، رقم ٣٩٥٦، ٢٢٩/٦،
وقال: هذا حديث غريب.
وحسنه الألباني في مشكاة المصابيح
١٣٧٣/٣.
www. modoee.com
٤٨٩

حرفالعین
ولا شك أن التفاخر بالأحساب
والأنساب وغير ذلك من أمور العنصرية
البغيضة يؤدي إلى وجود تحزبات وحزازات
بين المسلمين، ووقوع الفرقة والبغضاء
في صفوفهم، کما وقع بین الأنصار بسبب
المکیدة التي دبرها شاس بن قيس اليهودي،
فعن زيد بن أسلم قال: مَرَّ شاس بن قیس
-وكان شيخًا قد عسا (١) في الجاهلية،
عظيم الكفر، شديد الضغن على المسلمين،
شديد الحسد لهم- على نفر من أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأوس
والخزرج، في مجلس قد جمعهم يتحدثون
فيه.
فغاظه ما رأى من جماعتهم وألفتهم
وصلاح ذات بينهم على الإسلام، بعد الذي
كان بينهم من العداوة فى الجاهلية، فقال: قد
اجتمع ملأ بني قيلة (٢) بهذه البلاد! لا والله
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير
القرآن، باب قوله: (وأنذر عشيرتك الأقربين)،
رقم ٤٧٧١، ١١١/٦، ومسلم في صحيحه،
كتاب الإيمان، باب في قوله تعالى: (وأنذر
عشيرتك الأقربين)، رقم ١،٢٠٦/ ١٩٢.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الذكر
والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل
الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، رقم
٢٠٧٤/٤،٢٦٩٩.
(٣) عسا: كبر وأسن.
١ نظر :
مقاییس اللغة، ابن فارس ٤/ ٣١٦.
٤٩٠
مَوَسُولَةُ النَّقتي
الْقُرْآن الكَرِيمِ
عَنْهُ مَالُهُ, وَمَاكَسَبَ ﴾ [المسد: ١ - ٢]. ما لنا معهم، إذا اجتمع ملؤهم بها، من قرار!
فأمر فتى شابا من يهود وكان معه، فقال:
﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي السُّورِ
وقال سبحانه:
فَلَآ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَيِذٍ وَلَا يَتَسَاءَ لُونَ﴾
[المؤمنون: ١٠١].
اعمد إليهم، فاجلس معهم، وذكرهم يوم
بعاث وما كان قبله، وأنشدهم بعض ما كانوا
تقاولوا فيه من الأشعار - وكان يوم بعاث
يومًا اقتتلت فيه الأوس والخزرج، وكان
الظفر فيه للأوس على الخزرج- ففعل.
فتكلم القوم عند ذلك فتنازعوا وتفاخروا،
حتى تواثب رجلان من الحيين على
الركب: أوس بن قيظي، أحد بني حارثة
بن الحارث من الأوس، وجبار بن صخر،
أحد بني سلمة من الخزرج. فتقاولا، ثم قال
أحدهما لصاحبه: إن شئتم والله رددناها
الآن جذعةً!(٣) وغضب الفريقان، وقالوا:
قد فعلنا، السلاح السلاح! موعدكم الظاهرة
-والظاهرة: الحرة- فخرجوا إليها.
وتحاوز الناس، فانضمت الأوس بعضها
إلى بعض، والخزرج بعضها إلى بعض،
على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية.
فبلغ ذلك رسول الله صلی الله عليه وسلم،
فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين من
أصحابه حتى جاءهم، فقال: (يا معشر
المسلمين، الله الله، أبدعوى الجاهلية وأنا
بين أظهركم بعد إذ هداكم الله إلى الإسلام
وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية،

العنصرية
واستنقذکم به من الكفر، وألف به بینکم،
ترجعون إلى ما كنتم عليه كفارًا؟).
فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان، و کیدٌ
من عدوهم، فألقوا السلاح من أیدیھم،
وبكوا، وعانق الرجال من الأوس والخزرج
بعضهم بعضًا، ثم انصرفوا مع رسول الله
صلی الله عليه وسلم سامعین مطیعین، قد
أطفأ الله عنهم کید عدو الله شاس بن قیس
وما صنع.
فأنزل الله في شاس بن قيس وما صنع:
﴿قُلْ يَتَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِعَايَتِ اَللَّهِ وَاللَّهُ
شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ ( قُلْ يَتَأَهْلَ اَلْكِنَبِ لِمَ
تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا
وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا ◌َللَّهُ بِفَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [آل
عمران: ٩٨ - ٩٩ ].
الآية. وأنزل الله عز وجل في أوس بن
قیظي وجبار بن صخر ومن كان معهما من
قومهما الذين صنعوا ما صنعوا عما أدخل
عليهم شاس بن قيس من أمر الجاهلية:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِقًّا مِنَ الَّذِينَ
أُوتُواْ الْكِتَبَ يَرُدُوكُمْ بَعْدَ إِيَتِكُمْ كَفِرِينَ﴾ [آل
عمران: ١٠٠].
إلى قوله: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ
وَأَخْتَلَفُواْ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْبَيِّنَتُّ وَأُوْلَكَ لَمْ
عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥](١).
(١) بنو قيلة: هم الأنصار من الأوس والخزرج،
وقيلة: اسم أم لهم قديمة، هي قيلة بنت كاهل،
انظر: النهاية، ابن
سموا بها.
ولا يزال كثير من الناس في زماننا تدور
بينهم المفاخرة بالآباء والأجداد، والتغني
بمآثرهم وأمجادهم، وأصالة أحسابهم
وأنسابهم، والتعالي بذلك على من يعدونهم
أقل منھم نسبًا وحسبًا، وهذا مصداق حدیث
النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: (أربع
في أمتي من أمر الجاهلية، لا يتركونهن:
الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب،
والاستسقاء بالنجوم، والنياحة)(٢).
فالواجب على المسلمين أن يتخلصوا
من العنصرية البغيضة في أقوالهم وأفعالهم،
ويعملوا ميزان الإسلام فيما بينهم، لا فرق
بين أبيض وأسود، وعربي وأعجمي إلا
بالتقوى والعمل الصالح.
موضوعات ذات صلة:
الاستكبار، الإنصاف، السياسة، الظلم،
العدل
الأثير ٤/ ١٣٤.
(٢) ردها جذعة: أي جديدة كما بدأت. والجذع
والجذعة: الصغير السن من الأنعام، أول ما
يستطاع ركوبه. يعني أعدناها شابة فتية.
انظر: النهاية، آبن الأثير ١ / ٢٥٠.
www. modoee.com
٤٩١