Indexed OCR Text

Pages 61-64

العلن
الأمة، وتجنبًا لکید أعدائها، ولهذا ورد في
السنة ما ينص على أن الحرب خدعة، وهو
يدل على كتمان الأسرار الحربية، فقد روي
الشيخان عن أبى هريرة قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: (الحرب خدعةٌ)(١).
قال النووي: ((اتفق العلماء على جواز
خداع الكفار في الحرب كيف أمكن الخداع
إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا
يحل))(٢).
قال ابن حجر: وأصل الخدع إظهار
أمر واضمار خلافه وفيه التحريض على
أخذ الحذر في الحرب والندب إلى خداع
الكفار وأن من لم يتيقظ لذلك لم يأمن أن
ينعكس الأمر عليه قال النووي: واتفقوا
على جواز خداع الكفار في الحرب كيفما
أمكن الا أن یکون فیه نقض عهد أو أمان فلا
يجوز قال ابن العربي: الخداع في الحرب
يقع بالتعريض وبالكمين ونحو ذلك وفي
الحديث الإشارة إلى استعمال الرأي في
الحرب بل الاحتياج إليه آكد من الشجاعة
ولهذا وقع الاقتصار على ما يشير إليه بهذا
الحديث وهو كقوله: (الحج عرفة)(٣).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد،
باب الحرب خدعة، رقم ٣٠٢٩، ومسلم
في صحيحه، كتاب الجهاد، باب الخداع في
الحرب، رقم ٤٦٣٨.
(٢) شرح صحيح مسلم، النووي ١٢ / ٤٥.
(٣) فتح الباري، ابن حجر ١٥٨/٦.
وتناول الفقهاء حكم الجاسوس الذي
يفشي أسرار جيش المسلمين لعدوهم، وهو
لا يخلو من أن يكون غير مسلم كالحربي
أو الذمي، أو مسلم، فإن كان الجاسوس
حربيًا فهو مباح الدم يقتل على أي حال
بالإجماع (٤).
قال النووي في شرح مسلم: ((اعلم أن
الجاسوس إن كان كافرا حربيا فإنه يقتل
بإجماع، وأما المعاهد والذمي فقال مالك
والأوزاعي: يصير ناقضا للعهد فإن رأى
استرقاقه أرقه ويجوز قتله»(٥).
أما إن كان الجاسوس ذميا أو مستأمنًا أو
مسلمًا، فقد اختلف الفقهاء في قتله حيث
ذكر ابن بطال وغيره أقوالا عدة للعلماء:
القول الأول: أنه يوجع عقوبة ويحبس
حبسًا طويلا. وهذا قول أبي حنيفة
والأوزاعي (٦).
القول الثاني: أنه ليس فيه شيء مقدر،
وإنما يرجع في أمره إلى اجتهاد الإمام. وهو
قول مالك(٧).
القول الثالث: إنه يعفى عنه إذا كان ذو
هيئة ومكانة، وإن لم يكن كذلك فإنه يعذره
(٤) انظر: شرح صحيح مسلم، النووي ١٢/ ٦٧،
فتح الباري، ابن حجر ٦/ ١٦٩.
(٥) شرح صحيح مسلم، النووي ١٢/ ٦٧.
(٦) انظر: المبسوط، السرخسي ١٤٥/١٠، البحر
الرائق، ابن نجيم ١٤٥/٥.
(٧) انظر: شرح صحيح البخاري، ابن بطال
٢١٣/٥، التاج والإكليل، المواق ٣٥٧/٣.
www. modoee.com
٣٨٣

حرف العين
الإمام. وهو للشافعي(١).
ودليله في العفو قصة حاطب بن أبي
بلتعة حينما أرسل يخبر قريشًا بشأن النبي
صلى الله عليه وسلم، حيث عفا عنه النبي.
والحديث بتمامه كما في الصحيحين عن
علي رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله
صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد
بن الأسود، قال: (انطلقوا حتى تأتوا روضة
خاخ، فإن بها ظعینً ومعها كتابٌ، فخذوه
منهاً)، فانطلقنا تعادی بنا خیلنا حتى انتهينا
إلى الروضة، فإذا نحن بالظعينة فقلنا أخرجي
الكتاب، فقالت: ما معي من كتاب، فقلنا:
لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب، فأخرجته
من عقاصها، فأتينا به رسول الله صلى الله
عليه وسلم، فإذا فيه: من حاطب بن أبي
بلتعة إلى أناسٍ من المشركين من أهل مكة،
يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله
عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (یا حاطب، ما هذا؟)، قال: يا رسول
الله، لا تعجل علي، إني كنت امراً ملصقًا في
قريشٍ، ولم أكن من أنفسها، وكان من معك
من المهاجرين لهم قراباتٌ بمكة، يحمون
بها أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك
من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدًا يحمون
بها قرابتي، وما فعلت كفرًا ولا ارتدادًا، ولا
رضًا بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله
صلی الله عليه وسلم: (لقد صدقكم)، قال
عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا
المنافق، قال: (إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك
لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدرٍ
فقال اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم)(٢).
ودليله في التعزير عموم حديث: (لا
يحل دم امرىءٍ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله
وأني رسول الله إلاّ بإحدى ثلاثٍ: النفس
بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين
التارك الجماعة)(٣).
القول الرابع: أنه يقتل، وهو قول ابن
القاسم وسحنون وابن وهب المالكية، غير
أن ابن وهب قيد القتل بحالة إذا لم يتب (٤)،
والحنابلة (٥).
فعند المالكية سئل مالك عن الجاسوس
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد،
باب الجاسوس، رقم ٣٠٠٧، ومسلم في
صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب من
فضائل أهل بدرٍ رضى الله عنهم وقصة
حاطب بن أبي بلتعة، رقم ٦٥٥٧.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الديات،
باب قوله تعالى: (أن النفس بالنفس)، رقم
٦٨٧٨، ومسلم في صحيحه، كتاب القسامة
والمحاربين والقصاص والديات، باب ما
یباح به دم المسلم، رقم ١٦٧٦.
(٤) انظر: الذخيرة، القرافي ٣/ ٤٠٠، مواهب
الجليل، الحطاب ٥٥٣/٤، الخرشي على
مختصر خليل ١١٩/٣، شرح صحيح
البخاري، ابن بطال ٢١٣/٥.
(٥) انظر: الطرق الحكمية للسياسة الشرعية،
ابن القيم ص٩٤، كشاف القناع، البهوتي
٣٥٠/٣.
(١) المجموع، النووي ١٩/ ٣٤٢.
صَوَسُولَةُ النَِّ
القرآن الكريمِ
٣٨٤

العلن
من المسلمين يؤخذ وقد كاتب الروم مانعًا من قتله لما علل بأخص منه (٤).
وأخبرهم خبر المسلمين فقال: ما سمعت
فيه بشيء وأرى فيه اجتهاد الإمام وقال ابن
القاسم: أرى أن تضرب عنقه))(١).
وعند الحنابلة: يجوز قتل الجاسوس
المسلم، والمفرق لجماعة المسلمين،
والداعي إلى غیر کتاب الله وسنة نبيه، وغیر
ذلك مما لا يندفع إلا بالقتل(٢).
والقائلون بالقتل استدلوا بما روي في
الصحيحين عن سلمة بن الأكوع عن أبيه
قال: (أتى النبي صلى الله عليه وسلم عينٌ
من المشركين وهو فى سفر، فجلس عند
أصحابه يتحدث ثم انقتل، فقال النبي صلى
الله عليه وسلم: (اطلبوه واقتلوه). فقتله،
فَقَّلَهُ وسَلَبَهُ)(٣).
والدليل على قتل الجاسوس المسلم
استئذان سيدنا عمر النبي صلى الله عليه
وسلم في قتل حاطب، والنبي صلى الله عليه
وسلم أقر عمر على إرادة القتل لولا المانع
وبین المانع هو کون حاطب شهد بدرًا،
وهذا منتفٍ في غير حاطب فلو كان الإسلام
(١) انظر: التاج والإكليل، المواق ٣٥٧/٣.
(٢) انظر: حاشية الروض المربع، ابن قاسم
النجدي ٣٤٨/٧.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد،
باب الحربى إذا دخل دار الإسلام بغير أمانٍ،
رقم ٣٠٥١.
والاستدلال به على القتل في شرح صحيح
البخاري، ابن بطال ٢١٣/٥.
وقتل الجاسوس عند القائلين به هو قتل
تعزیر، فالأمر في قتله متروك للإمام فمتی ما
رآى أن المصلحة في قتله فعل ذلك(٥).
القول الخامس: أنه ينظر لفعله، فإن
كان نادرًا، أي: تجسس مرة واحدة أو أخبر
المشركين عن المسلمين مرة واحدة، ولم
یکن من أهل الطعن على الإسلام، فإنه ینکل
به، وإن كان معتادًا منه هذا الفعل، فإنه يقتل.
وهو قول عبد العزيز بن الماجشون
من علماء المالكية (٦)، واختاره بعض
الحنابلة (٧) (٨)
.
وفي العصر الحاضر تختلف عقوبة
الجاسوس من دولة لأخرى حسب درجة
الجرم، وحسب درجة خطورة وأهمية
المعلومات التي قدمها للعدو، وحسب
حالة الجاسوس من كونه من أبناء الدولة أو
أجنبيًا.
وفي جميع الحالات فإن نشر الأسرار
العسكرية، أو الإدلاء بمعلومات تتعلق
(٤) فتح الباري، ابن حجر ٦٣٥/٨.
(٥) انظر: الموسوعة الجنائية الإسلامية المقارنة
بالأنظمة المعمول بها في المملكة العربية
السعودية، سعود العتيبي ٢٠٩/١.
(٦) شرح صحيح البخاري، ابن بطال ٢١٣/٥.
(٧) الاختيارات الفقهية، البعلي ١ / ٦٠١.
(٨) انظر: شرح صحيح البخاري، ابن بطال
٢١٣/٥، فتح الباري، ابن حجر ١٤٣/٦،
٨/ ٦٣٥، عون المعبود، المباركفوري
٢٢٦/٧.
www. modoee.com
٣٨٥

حرف العين
بالأمن القومي للأوطان إلى الجهات
المعادية، أو حتى غير المعادية في بعض
الأحيان عمل لا يقره الإسلام، ومما ينبغي
الحذر منه والتشديد في أمره من قبل ولاة
الأمر.
موضوعات ذات صلة:
الإنفاق، الدعوة، السر، الكتمان
٣٨٦
قَضوري
جوبيـ
القرآن الكريمِ