Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ العَلَنْ عناصر الموضوع مفهوم العلن ٣٢٤ العلن في الاستعمال القرآني ٣٢٥ الألفاظ ذات الصلة ٣٢٦ ٣٢٨ تقديم السر على العلن ٣٣٢ أنواع العلن ٣٣٣ استواء السر والعلن في علم الله ٣٤٠ صور العلن المحمود ٣٦٨ صور العلن المذموم المُجَلَدَ الرّايعِ وَالعشْرُونْ حرف العين مفهوم العلن أولًا: المعنى اللغوي: تدل مادة (علن) على إظهار الشيء والإشارة إليه وظهوره. والعلان والمعالنة والإعلان بمعنى المجاهرة. ويقال: علن الأمر يعلن علونًا ويعلن وعلن يعلن علنًا وعلانية فيهما، إذا شاع وظهر. والإعلان: إظهار الشيء(١). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: لا يخرج المعنى الاصطلاحي للعلن عن المعنى اللغوي، فقد عرفها المناوي بقوله: ((العلانية: ضد السر، وأكثر ما يقال في المعاني دون الأعيان))(٢). وفي بعض المعاجم الحديثة: الإعلان هو: ((إظهار الشيء بالنشر عنه في الصحف ونحوها، والعلانية خلاف السر، ويوصف به فيقال: رجل علانية ظاهر أمره، وجمعها علانون»(٣). (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١١١/٤، لسان العرب، ابن منظور ٣٨٨/١٣. (٢) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص٥٢٥. (٣) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٢/ ٦٢٥. ٣٢٤ القرآن الكريمِ العلن العلن في الاستعمال القرآني وردت مادة (علن) في القرآن الكريم (١٦) مرة (١). والصيغ التي وردت، هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل الماضي ٢ ﴿ ثُمَّ إِّ أَعْلَتُ لَمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا ﴾ [نوح: ٩] الفعل المضارع ١٠ ﴿رَبَّنَآَ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا غُخْفِى وَمَا نُعْلِنُ﴾ [إبراهيم: ٣٨] المصدر ٤ ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَقْوَلَهُم بِأَلَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّاً وَعَلَانِيَةٌ ﴾ [البقرة: ٢٧٤] وجاء العلن في القرآن بمعناه اللغوي، وهو: الإظهار والمجاهرة ضد الإخفاء والإسرار(٢). (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٤٨١، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب العين ص٧٩١. (٢) انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي، ٤ / ٩٦. www. modoee.com ٣٢٥ حرف العين الألفاظ ذات الصلة الجهر: ١ الجهر لغة: جهرت الشيء إذا كشفته، وجهرته واجتهرته أي رأيته بلا حجاب بيني وبينه، والجهر العلانية وفي الحديث (وكان عمر رجلًا مجهرًا) (١) أي صاحب جهرٍ ورفع لصوته، والجهر هو ما ظهر. والجهر أيضًا: رفع الصوت يقال جهر بالقراءة إذا رفع صوته بها (٢). الجهر اصطلاحًا: هو (رفع الصوت بحیث یسمع نفسه ومن جاوره))(٣). الصلة بين الجهر والعلن: أن العلانية أعم من الجهر، ولا يقتضي الإعلان رفع الصوت به، والجهر يقتضي رفع الصوت به(٤). الإخفاء: ٢ الإخفاء لغة: الستر والكتمان، يقال: خفيت الشيء أخفيه: كتمته، وأخفيت الشيء: سترته وكتمته، ويقابله الإبداء والإعلان، والإخفاء: تغييب الشيء، وأن لا يجعل عليه علامة يهتدى إليه من جهتها، وهو من الأضداد (٥). والإخفاء اصطلاحًا هو: الستر ويقابله الإبداء والإعلان، والإخفاء تغييب الشيء، وأن لا يجعل عليه علامة يهتدى (١) أخرجه وأحمد في مسنده، رقم ١٨٩٢٦، ٣٢٢/٤، وأبو داود في سننه، كتاب السنة، باب في استخلاف أبي بكر رضي الله عنه، رقم ٤٦٦٢. وصححه الألباني في صحيح أبي داود. (٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٤٩/٤، القاموس المحيط، الفيروز آبادي ص ٤٧١. (٣) معجم لغة الفقهاء، قلعجي ص١٦٨. (٤) الفروق اللغوية، العسكري ص٢٨٧. (٥) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٣٥٤/١، مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٠٢/٢، لسان العرب، ابن منظور ٢٣٤/١٤، التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ٤٢، تاج العروس، الزبيدي ٠٥٦٤/٣٧ ٣٢٦ جُوَسُوعَةَ النَّفْتَّ القرآن الكريم العلن إليه من جهتها (١). الصلة بين الإخفاء والعلن: أن الإخفاء ضد العلانية. السر: ٣ السر لغة هو: ما يكتم في النفس من الحديث، وهو خلاف الإعلان، والجمع الأسرار، يقال: سررته: كتمته، كما يطلق على: ما يظهر؛ لأنه من الأضداد، يقال: سررته: أعلنته، والوجهان جميعا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُواْ النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْاْ اَلْعَذَابَ﴾ [يونس: ٥٤]. الأول: كتموها، والثاني: أظهروها بدليل قوله تعالى: ﴿فَقَالُواْ يَلَيْنَنَا نُرَةُ وَلَا تُكَذِّبَ ثَايَتِ رَيِّنَا﴾ [الأنعام: ٢٧]؛ ولأن دار الآخرة ليست دار تجلد وتصبر ]. السر اصطلاحًا هو: اسم لما يكتم ويخفى في القلوب من العقائد والنيات والأقوال والأعمال وغيرها (٢). الصلة بين السر والعلن: أن السر ضد العلانية. (١) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٢٨٩، التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ٤٢، الكليات، الكفوي ص ٥١٤. (٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٤٠٤، لسان العرب، ابن منظور ٤ /٣٦٣، المصباح المنير، الفيومي ص٢٧٣، تاج العروس، الزبيدي ٧/١٢. www. modoee.com ٣٢٧ حرف العين تقديم السر على العلن بالنظر إلى آيات الكتاب العزيز التي تناولت العلن والسر، نجد أن أكثرها قدم فيها السر على العلن، والإخفاء على الإبداء، وهذا التقديم لحكم سامية، ومعانٍ عالية استنبط منها المفسرون ما أفاء الله به عليهم. قال تعالى: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ [البقرة: ٧٧]. ﴿قُلّ إِن تُخْفُواْ مَا فِ وقال تعالى: صُدُورِكُمْ أَوْ تُبُّدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِّ وَاَللّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [آل عمران: ٢٩]. وهنا نجد أن المولى سبحانه و تعالى قدم فيه الإخفاء على الإبداء على عكس ما وقع في قوله تعالى وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله إذ لم يتعلق پإشعار أن المحاسبة بما يخفونه أولى منها بما يبدونه غرض بل الأمر بالعكس وأما ههنا فقد تعلق بإشعار كون تعلق علمه تعالی بما يسرونه أولى منه بما يعلنونه غرض مهم مع كونهما على السوية كيف لا وعلمه تعالى بمعلوماته ليس بطريق حصول الصورة بل وجود كل شيء في نفسه علم بالنسبة إليه تعالى وفي هذا المعنى لا يختلف الحال بين الأشياء البارزة والكامنة (١). وقال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنَّهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ بِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ٥﴾ [هود: ٥]. وقد روي في سبب نزول الآية عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها نزلت في الأخنس بن شريق وكان رجلا حلو المنطق حسن السياق للحديث يظهر لرسول الله صلى الله عليه وسلم المحبة ويضمر في قلبه ما يضادها. وقال ابن شداد: إنها نزلت في بعض المنافقين كان إذا مر برسول الله صلى الله عليه وسلم ثنى صدره وظهره وطأطأ رأسه وغطى وجهه کیلا یراه النبي صلى الله عليه وسلم فكأنه إنما كان يصنع ما يصنع لأنه لو رآه النبي صلی الله عليه وسلم لم يمكنه التخلف عن حضور مجلسه والمصاحبة معه وربما يؤدى ذلك إلى ظهور ما في قلبه من الكفر والنفاق. وقيل: ((كان الرجل من الكفار يدخل بيته ويرخى ستره ويحني ظهره ))، فهنا تفيد الآية أنه يستوي بالنسبة إلى علمه المحيط سرهم وعلنهم فكيف يخفى عليه ما عسى يظهرونه وإنما قدم السر على العلن نعيا عليهم من (١) انظر: المفردات ص ٤٠٤، الكشاف، الزمخشري ٤/ ٧٣٦. ٣٢٨ جوبيع القرآن الكريم العلن أول الأمر ما صنعوا وإيذانًا بافتضاحهم [الممتحنة: ١]. ووقوع ما يحذرونه وتحقيقًا للمساواة بين العلمين على أبلغ وجه فكأن علمه بما يسرونه أقدم منه بما يعلنونه(١). وقال تعالى: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [النحل: ٢٣]. وقال جل شأنه: ﴿ فَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمُ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ [يس: ٧٦]. ففي هذه الآية نجد أن تقديم السر على العلن إما للمبالغة في بيان شمول علمه تعالى لجميع المعلومات، كأن علمه تعالى بما یسرونه أقدم منه بما يعلنونه مع استوائهما في الحقيقة، فإن علمه تعالى بمعلوماته ليس بطريق حصول صورها بل وجود كل شيء في نفسه علم بالنسبة إليه تعالى، وفي هذا المعنى لا يختلف الحال بين الاشياء البارزة والكامنة، وإما لأن مرتبة السر متقدمة على مرتبة العلن، إذ ما من شئ يعلن إلا وهو أو مبادیه مضمر في القلب قبل ذلك فتعلق علمه تعالى بحالته الأولى متقدم على تعلقه بحالته الثانية حقيقة (٢). تُعْلِنُونَ ﴾ [النحل: ١٩]. وقال تعالى: ﴿وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَآَ أَعْلَئُمْ وَمَن يَفْعَلَهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَِّيلِ﴾ (١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ١٨٦/٤. (٢) المصدر السابق ٤ /١٨٦. وقال تعالى: ﴿يَعْلُ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا قُِّرُونَ وَمَا تَعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [التغابن: ٤]. وحكمة تقديم السر على العلن أنها بمثابة النعي عليهم من أول الأمر ما صنعوا وإيذانا بافتضاحھم ووقوع ما يحذرونه وتحقيقا للمساواة بين العلمين على أبلغ وجه فكأن علمه سبحانه بما يسرونه أقدم منه بما يعلنونه وحاصل المعنى يستوي بالنسبة إلى علمه المحيط سرهم وعلتهم فکیف یخفی عليه سبحانه ما عسى أن يظهروه(٣). أما الآيات التي قدم فيها الإبداء على الإخفاء، أو العلن على السر، فهي آيات قليلة. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَ يَقَدَمُ أَنْبِتْهُم بِأَسْمَاءِمٌّ فَلَمَّا أَنْبَهُم بِأَسْمَاِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِّ أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا نُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُونَ ٢٣ [البقرة: ٣٣]. وهنا حیث کان واردا بصدد الخطاب مع وقال تعالى: ﴿وَاَللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُونَ وَمَا الملائكة عليهم السلام المنزه مقامهم عن اقتضاء التأكيد والمبالغة في الإخبار بإحاطة علمه تعالى بالظاهر والباطن لم يسلك فيه ذلك المسلك -وهو تقديم الخفاء على العلن- مع أنه وقع الغنية عنه بما قبله من (٣) المصدر السابق ٧ / ١٨٠. www. modoee.com ٣٢٩ حرفالعین قوله عز وجل إني أعلم غيب السموات والأرض ويجوز أن يكون ذلك باعتبار أن مرتبة السر متقدمة على مرتبة العلن إذا ما من شيء يعلن إلا وهو أو مبادیه قبل ذلك مضمر في القلب فتعلق علمه سبحانه بحالته الأولى متقدم على تعلقه بحالته الثانية (١). وقال تعالى: ﴿مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَغُ # [المائدة: ٩٩ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَاتُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ٩٩]. وقال جل شأنه: ﴿لَيْسَعَلَيْكُمْ جُنَاے آَنْ تَدْخُلُواْ بُيُوتًا غَيَّرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَعُ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ﴾ [النور: ٢٩]. ثانيًا: حكمة المقابلة بين العلن والسر والإخفاء والإكنان: المتتبع لآيات القرآن الکریم التي تحدثت عن العلن والسر، أو الإخفاء والإكتان يجد فيها مقابلة بليغة بين هذه الألفاظ، وما ذلك إلا صورة بليغة من صور بلاغة الكتاب العزیز. ومن هذه الصور ما يلي: ١. المقابلة بين التعريض والإكنان في خطبة النساء. أباح الله سبحانه وتعالى للرجال التعريض بالخطبة للمعتدة من وفاة خلال (١) روح المعاني، الألوسي ٢٠٩/١١. فترة العدة، وكذا الإكنان بمعنى إخفاء الرغبة في الزواج في نفس الرجل فقال جل شأنه ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةٍ اَلْنِسَآِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِن لَّا تُوَاعِدُ وهُنَّ سِرَّ إِلَّ أَنْ تَقُولُواْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [البقرة: ٢٣٥]. وللبيضاوي كلام طيب في معنى الآية وما فيها من بلاغة أوجزه على هذا النحو: قال ما ملخصه: ((إن التعريض والتلويح إیهام المقصود بما لم يوضع له حقيقة ولا مجازا، والكناية هي الدلالة على الشيء بذكر لوازمه وروادفه، والمراد بالنساء المعتدات للوفاة، وتعريض خطبتها أن يقول لها: إنك جميلة أو نافقة ومن غرضي أن أتزوج ونحو ذلك. ﴿أَوْأَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ ﴾ أو أضمرتم في قلوبکم فلم تذکروه تصریحا ولا تعریضًا. ﴿عَلِمَ اَللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ ولا تصبرون على السكوت عنهن وعن الرغبة فیهن، وفيه نوع توبيخ. ﴿وَلَكِن لَّا تُوَاعِدُ وهُنَّ سِرًّا﴾ استدراك على محذوف دل عليه ستذكرونهن أي فاذكروهن ولكن لا تواعدهن نكاحا أو جماعا عبر بالسر عن الوطء؛ لأنه مما يسر ثم عن العقد لأنه سبب فيه وقيل معناه: لا تواعدوهن في السر على أن المعنى بالمواعدة في السر المواعدة بما يستهجن. ٣٣٠ جوسى القرآن الكريم العلن ﴿سِرّاً إِلَّ أَنْ تَقُولُواْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ وهو أن تعرضوا ولا تصرحوا والمستثنى منه محذوف أي: لا تواعدوهن مواعدة إلا مواعدة معروفة أو إلا مواعدة بقول معروف))(١). ٢. العلاقة بين السر وما أخفى منه. قال الله تعالى: ﴿وَإِن تَجْهَرْ بِلْقَوَلِ فَإِنَّهُ. يَعْلَمُ اَلْسِرَّ وَأَخْفَى ﴾ [طه: ٧]. قال العكبري: قوله تعالى ((وأخفى)) يجوز أن يكون فعلا ومفعوله محذوف: أي وأخفى السر عن الخلق، ويجوز أن يكون اسما: أي وأخفى منه(٢). وأشار الزجاج إلى أن من صور حذف المفعول في القرآن الكريم قول الله تعالى ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوَلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرِّ وَأَخْفَى ﴾ [طه: ٧]. والمعنى: ((فإنه يعلم السر وأخفى، أي أخفى سره، كقوله ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظهِرُ عَلَى غَيْمِهِ= أَحَدًا﴾ [الجن: ٢٦]. وقيل: «بل تقديره: بل أخفى من السر، فحذف الجار والمجرور، کقوله الله أکبر، أي أكبر من كل شيء(٣). قال الرازي: ((ذهب أبو حيان إلى أنه رضي الله تعالى عنه اعتبر في الآية حذف (١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٤ / ١٨٦. (٢) أنوار التنزيل، البيضاوي ١/ ٥٢٩ بتصرف. (٣) إملاء ما من به الرحمن، أبو البقاء العكبري ١١٩/٢. أحد المتقابلين اكتفاءا بالآخرة وكلامه رضي الله تعالى عنه محتمل لذلك ويحتمل أنه ذكر العلانية في بيان المعنى لأن من علم السر علم العلانية من باب أولى، ويحتمل أن ذلك لأنه ما من علانية إلا وهي غيب بالنسبة إلى بعض الأشخاص؛ فيكون قد أشار رضي الله تعالی عنه ببيان المعنی وذکر السر والعلانية فيه إلى أن المراد بغائبة في الآية ما يشملها وهو ما اتصف بالغيبة أعم من أن تكون مطلقة أو إضافية» (٤). ٣. المقابلة بين السر والجهر. قال الله تعالى ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَتِ وَفِي الْأَرْضِّ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ [الأنعام: ٣]. تفید وحدانية الله تعالى. قال الزمخشري فيها: ((فإن قلت: كيف موقع قوله ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْوَجَهْرَكُمْ﴾. قلت: إن أراد المتوحد بالإلهية كان تقريرًا له، لأن الذي استوى فى علمه السر والعلانية، هو الله وحده)»(٥). (٤) معاني القرآن، الزجاج ١/ ١٠٢. (٥) مفاتيح الغيب، الرازي ١٨/٢٠. www. modoee.com ٣٣١ حرف العين أنواع العلن يمكن تقسيم العلن إلى أنواع متعددة باعتبارات مختلفة بيانها بإيجاز على النحو التالي: أولًا: العلن المحمود والعلن المذموم: يمكن تقسم العلن إلى نوعين: علن محمود، وعلن مذموم. فالعلن المحمود هو الذي حث القرآن الكريم عليه، وامتدحته السنة النبوية المطهرة، وهو كل علن يحقق منفعة للأمة المسلمة، أو يدفع عنها ضررًا، أو يهدي ضالا أو یرشد حیرانًا. وهذا النوع يشمل: الدعوة إلى الله عز وجل بالحكمة والموعظة الحسنة، ودعوة غير المسلمين إلى الدخول في دين الإسلام، والجهر بالعبادات البدنية كالصلاة وقراءة القرآن والذكر، والتكبير في الأعياد ونحوها، والعبادات البدنية والمالية كالحج، والعبادات المالية كالزكاة والصدقة إذا خلتا من الرياء وقصد بها حث الناس على تنفيذ فرائض الله تعالى. ويشمل هذا النوع من العلن أيضًا إعلان التظلم لنيل المظلوم حقه من الظالم، وتحذير الناس منه قال تعالى: ﴿لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَّهِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّ مَنْ ظُلِمْ وَكَانَ اللّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (٨)﴾ [النساء: ١٤٨]. وإعلان أعمال الخير المختلفة ليتأسى الناس فيها بفاعل الخير وباذل المعروف. والعلن المذموم هو الذي يضر بعقيدة المسلم وعبادته، كموالاة الكفار ومجاراتهم في غيهم وضلالهم، و کذا العلن الذي ينشر الفاحشة والرذيلة في المجتمع، كالجهر بالمعاصي القولية والفعلية. والتي حذر القرآن الكريم منها في قول الله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِ الَّذِينَ ءَمَنُوْ لَمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَّ ١٩﴾ [النور: ١٩]. وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ويشمل العلن المذموم كذلك قيام أحد الزوجين بإفشاء الأسرار الزوجية، حيث يتنافى ذلك مع مكارم الأخلاق، ومع وصف الله تعالى للحياة الزوجية بقوله تعالى ﴿أُجِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَاءِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ مُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]. ومن العلن المذموم أيضًا إفشاء الأسرار الحربية، نظرًا لما يجلبه ذلك من خطر على الأمة الإسلامية، وفتح مجال لأعدائها للنيل منها. وسيأتي بسط الكلام في صور العلن المحمود والمذموم وبيان منافع الأول ومضار الثاني، فیما یأتي. ثانيًا: العلن الخاص والعلن العام: يمكن تقسيم العلن باعتبار الشخص ٣٣٢ ◌َةُ النَّفِيَّة جوي القرآن الكريم العلن إلى قسمين: علن شخصي، وعلن عام، فالعلن الخاص أو الشخصي هو ما يختص بالفرد نفسه فيما يتعلق بشئونه هو مثل قضاء حوائجه ومصالحه المختلفة، بحيث يحق له أن يظهرها أو يخفيها، وذلك كأسراره الخاصة، أو أسراره الزوجية، أو عباداته وطاعاته المختلفة التي لا يطلع عليها الناس، كقيام الليل وقراءة القرآن والأذكار. والعلن العام هو ما يتعلق بعموم جماعة بعينها أو دولة معينة، أو الأمة بأسرها، وذلك كأمور العمل في المهن أو الوظائف المختلفة، حيث يحظر على الشخص الذي يعمل في جهة معينة أن يجهر أو يفشي أسرار عمله للغیر، لا سيما إذا كان عمله في مكان ذي أهمية كبيرة. وهذا يشمل على سبيل المثال: الأسرار العسكرية، والسياسية الخاصة بالدول، ويشمل أسرار العمل في الدوائر المختلفة حكومية كانت أو خاصة، ويشمل أسرار المهنة كما في بعض المهن الحرفية الدقيقة التي يكلف صاحبها بأن لا يفشي أسرارها للمنافسين. وسيأتي تفصيل الكلام عن العلن الخاص بالمرء والعلن العام وما يقبل منه وما لا يقبل. استواء السر والعلن في علم الله الله سبحانه وتعالى عالم بكل شيء خفي أو ظھر، بان أو استتر، يعلم ما كان وما هو كائن وما سوف یکون وما لم یکن، ولو کان کیف کان سيكون، والسر والجهر في علم الله تعالی سواء، وقد تواترت الآيات الكريمة المصرحة بذلك. والناظر في الآيات القرآنية التي تحدثت عن السر والجهر وما يتعلق بهما يجد أنها تتحدث عن: أولًا: استواء السر والجهر في علم الله تعالى: وذلك مذکور بلفظ صريح في قول الله تعالى: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ سَوَآءٌ مِّنْكُ مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ، وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِأَلَّيْلِ وَسَارِبٌ بِلنَّهَارِ ﴾ [الرعد: ٩-١٠]. والآية صريحة الدلالة على أن الله تعالى يستوي عنده السر والعلن، فمن أسر القول أو أظهره، لا يقدم شيئا ولا يؤخر في علم الله تعالى، وهو ما ذهب إليه جمهور المفسرين من السلف وغيرهم(١). قال ابن الجوزي نقلا عن ابن الأنباري: ((ناب سواء عن ((مستو)) والمعنى مستو منكم من أسر القول أي أخفاه و کتمه ومن جهر (١) الكشاف ٢/ ٧. www. modoee.com ٣٣٣ حرف العين به أعلنه وأظهره والمعنى أن السر والجهر كما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: سواء عنده))(١). ومما روي عن السلف في ذلك ما يلي: ما روي عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿سَوَةٌ مِّنْكُرٌ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ،﴾، قال: السر والجهر عنده سواء(٢). وما روي عن قتادة رضي الله عنه قوله: سَوَاءٌ مِنكُ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِء كل ذلك عنده تبارك وتعالى سواء، السر عنده علانية والظلمة عنده ضوء (٣) وما روي عن الحسن رضي الله عنه: سَوَآءُ مِّنْكُرُ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ ﴾ قال: ((يعلم من السر ما يعلم من العلانية، ویعلم من العلانية ما یعلم من السر)) (٤). وسبب نزول الآيتين - هذه والتي قبلها - (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٦٨/١٦، تفسير السمرقندي ٢١٩/٢، تفسير السمعاني ٨٠/٣، معالم التنزيل، البغوي ٢٩٩/٤، زاد المسير، ابن الجوزي ٤ /٣٠٩، لباب التأويل، الخازن ٧/٤، الدر المنثور، السيوطي ٠٦١٠/٤ (٢) زاد المسير، ابن الجوزي ٣٠٩/٤. (٣) انظر: جامع البيان، الطبري رقم ٢٠٢٠٦، ٣٦٨/١٦، تفسير ابن أبي حاتم ٢٢٢٨/٧، الدر المنثور، السيوطي ٤ / ٦١٠. (٤) انظر: جامع البيان، الطبري رقم ٢٠٢٠٨، ٣٦٨/١٦، تفسير ابن أبي حاتم ٢٢٢٨/٧. (أن عامر بن الطفيل وأربد بن قيس - وهو أخو لبید بن ربيعة الشاعر لأمه - أقبلا یریدان رسول الله صلی الله عليه وسلم، فقال رجل من أصحابه يا رسول الله هذا عامر بن الطفيل قد أقبل نحوك فقال: دعه فإن يرد الله به خيرًا يهده، فأقبل حتى قام عليه قال: يا محمد مالي إن أسلمت؟ قال: لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم، قال: تجعل لي الأمر بعدك قال: لا ليس ذلك إلي إنما ذاك إلى الله تعالى يجعله حيث شاء، قال: أسلم على أن لك المدر ولي الوبر، يعني: لك ولاية القرى ولي ولاية البوادي قال: لا، قال فماذا تجعل لي قال: أجعل لك أعنة الخيل تغزو عليها، قال: أو لیس ذلك إلي الیوم و کان اوصی إلی اربد إذا رأیتني أکلمه قدر من خلفه فاضربه بالسيف. فجعل يخاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويراجعه، فدار أربد خلفه عليه السلام ليضربه فاخترط من سيفه شبرًا ثم حبسه الله فلم يقدر على سله؛ وجعل عامر یومئ إليه فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى أربد وما يصنع بسيفه فقال: اللهم اكفنيهما بما شئت، فارسل الله على أربد صاعقة في يوم صائف صاحي فأحرقته، وولى عامر هاربًا فقال: يا محمد دعوت ربك فقتل أربد، والله لأملأن عليك الأرض رجالًا ألفًا أشعر وألفًا أمرد، فقال ٣٣٤ مَشَابَةُ الْمَّقَدْ جوسين القرآن الكريم العلن عليه السلام: يمنعك الله من ذلك وأبناء قيلة يريد الأوس والخرزج، فنزل عامر بيت امرأة سلولیة فلما أصبح ضم إليه سلاحه وخرج، وهو يقول: واللات لئن اصحر محمد إلي وصاحبه، يعني: ملك الموت لأنفذنهما برمحی. فلما رأى الله ذلك منه أرسل ملكًا وولى ظهره واستغشى ثيابه لئلا يسمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم(٢). فلطمه بجناحه فأذراه بالتراب، وخرجت علی ر کبته غدة في الوقت عظيمة، فعاد إلى بيت السلولية وهو يقول غدة كغدة البعير وموت في بيت سلولیة، ثم مات على ظهر فرسه، فأنزل الله تعالى في هذه القصة قوله: ﴿سَوَآءٌ مِّنْكُ مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ،﴾ حتى بلغ ﴿وَمَا دُعَّةُ اَلْكَفِينَ إِلَّا فِ ضَلَلِ﴾ [الرعد: ١٣- ١٤](١). ثانيًا: التصريح بعلم السر والعلن: وذلك في مواضع كثيرة هي منها: قال تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَتِ وَفِي اٌلْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ﴾ [الأنعام: ٣]. وقال تعالى: ﴿أََّ إِنَّهُمْ يَثْنُوُنَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [هود: ٥]. (١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٦ /٣٦٨، تفسير ابن أبي حاتم ٢٢٢٨/٧، الدر المنثور، السيوطي ٤ / ٦١٠. والاستغشاء بالثياب بمعنى التغطية، حملها بعض المفسرين على المجاز، وحملها بعضهم على الحقيقة، بمعنى التغطية بالثياب أو الاستغشاء بها في البيوت حين النوم، أو أن بعض الكفار كان إذا مر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ثنى صدره وعلى كل فقد جاءت جملة ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا يَعْلِنُونَ﴾ مستأنفة لبيان أنه لا فائدة لهم في الاستخفاء لأن الله سبحانه يعلم ما يسرونه في أنفسهم أو في ذات بينهم وما يظهرونه فالظاهر والباطن عنده سواء والسر والجهر سيان وجملة ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ تعليل لما قبلها وتقرير له وذات الصدور هي الضمائر التي تشتمل عليها الصدور وقيل هي القلوب والمعنى: إنه عليم بجميع الضمائر أو عليم بالقلوب وأحوالها في الإسرار والإظهار فلا يخفى عليه شيء من ذلك (٣). وقال تعالى: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تُشِرُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ﴾ [النحل: ١٩]. والمعنى: والله يعلم ما تسرون ((في (٢) تفسير ابن أبي حاتم ٧/ ٢٢٢٨. (٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٥/ ٢٣٣، تفسير السمر قندي ١٣٨/٢، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٠٥/٤، فتح القدير، الشوكاني ٦٩٦/٢. www. modoee.com ٣٣٥ حرفالعین قلوبكم) وما تعلنون ((بالقول ويقال ما للنبي صلى الله عليه وسلم قل لهم يا محمد ﴿وَأَسِرُواْ قَوْلَكُمْ أَوِاجْهَرُوا بِ﴾﴾؛ فإنه يعلم به؛ تخفون من أعمالكم)» وما تعلنون أي: تظهرون منها فالسر والعلانية عنده سواء(١). ثم أخبر بما هو أخفى من هاتين الحالتين فقال: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ يعني: فكيف وقال تعالى: ﴿يَعْلُ مَا فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُرُونَ وَمَا تُعْلِنُونَّ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [التغابن: ٤]. لا يعلم قول السر ثم قال عز وجل ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ يعني: ألا يعلم السر من خلق السر يعني هو خلق السر في قلوب العباد فكيف لا يعلم بما في قلوب العباد(٣). وقدم السر على العلن ليكون بمثابة النعي علیھم من أول الأمر ما صنعوا وإيذانا بافتضاحهم ووقوع ما يحذرونه وتحقيقا للمساواة بين العلمين على أبلغ وجه؛ فكأن علمه سبحانه بما يسرونه أقدم منه بما يعلنونه وحاصل المعنى يستوي بالنسبة إلى علمه المحيط سرهم وعلنهم فكيف يخفى عليه سبحانه ما عسى أن يظهروه(٢). وقال تعالى ﴿وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ أَجْهَرُ واْ بٌِّ إِنَّهُ, عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ﴾ [الملك: ١٣ - ١٤]. اللَّطِيفُ الْخَيُّ والمعنى: إن أخفيتم كلامكم في أمر محمد صلى الله عليه وسلم أو جهرتم به ((إنه عليم بذات الصدور)) يعني بما في القلوب من الخير والشر. وذلك أن جماعة من الكفار كانوا يتشاورون فيما بينهم فقال بعضهم لبعض لا تجهروا بأصواتکم فإن رب محمد صلی الله عليه وسلم يسمع فيخبره قال الله تعالى (١) فتح القدير، الشوكاني ٦٩٦/٢. (٢) تفسير السمر قندي ٢٦٩/٢. ثالثًا: التصريح بعلم السر فقط، والعلن معلوم بالتبعية. وذلك في قول الله تعالى: ﴿ قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ السِزَّ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ إِنَّهُ [الفرقان: ٦]؛ والمعنى كَانَ غَفُورًا ((قل يا محمد أنزل هذا القرآن الذي يعلم السر، فهو عالم الغيب، فلا يحتاج إلى معلم، وذكر ((السر)) دون الجهر؛ لأنه من علم السر فهو في الجهر أعلم)) (٤). وقيل: ((وخص السر للإشارة إلى انطواء ما أنزله سبحانه على أسرار بديعة لا تبلغ إليها عقول البشر)) (٥). رابعًا: التصريح بعلم درجات السر أو الخفاء. حيث تجد بعض الآيات ورد فيها لفظ (٣) روح المعاني، الألوسي ٢٠٩/١١. (٤) تفسير السمر قندي ٤٥٣/٣. (٥) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤/١٣. ٣٣٦ مَوَسُو ◌َرَا القرآن الكريم العلن السر فقط، وبعضها ورد فيها التعبير بالسر والخفاء، أو بمعنى آخر درجات السر، كالسر والنجوى وذلك واضح في المواضع التالية: قال جل شأنه: ﴿أَلْ يَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَ هُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّهُ الْغُيُوبِ ﴾ [التوبة: ٧٨]. والمعنى: ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم يكفي يتجرؤن على النفاق الذي الأصل فيه الاستسرار والتناجي فيما بينهم مع علمهم بأنه تعالى يعلم ذلك من حالهم كما يعلم الظاهر، وأنه يعاقب عليه كما يعاقب على الظاهر (١). وقال الله تعالى: ﴿وَإِن تَّجْهَرْ بِالْقَوَّلِ فَإِنَّهُ. يَعْلَمُ السِّرِّ وَأَخْفَىِ ﴾ [طه: ٧]. وفي معنى السر وأخفى في هذه الآية ست تأويلات: أحدها: أن ((السر» ما حدث به العبد غيره في السر «وأخفی) ما أضمره في نفسه، ولم يحدث به غيره. قاله ابن عباس رضي الله عنهما. الثاني: أن السر ما أضمره العبد في نفسه. وأخفى منه ما لم يكن ولا أضمره أحد في نفسه. قاله قتادة وسعيد بن جبير رضوان الله علیهم. (١) فتح القدير، الشوكاني ٤ / ٩٠. الثالث: يعلم أسرار عباده، وأخفى سر نفسه عن خلقه، قاله ابن زید. الرابع: أن السر ما أسره الناس، وأخفى: الوسوسة، قاله مجاهد رضي الله عنه. الخامس: أن السر ما أسره من علمه وعمله السالف، وأخفى: وما يعلمه من عمله المستأنف. قاله الكلبي. السادس: السر: العزيمة، وما هو أخفى: هو الهم الذي دون العزيمة(٢). روی سفيان الثوري بسنده عن أبي داود عن الضحاك في قوله يعلم السر وأخفى قال ((السر ما حدثت به نفسك وأخفى ما لم تحدثك به)) (٣) وقال تعالى: ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللّهِ مِن شَئِنِ آلْأَرْضِ وَلَا فِى السَّمَآءِ ﴾ [إبراهيم: ٣٨]. وهذه الآية جاءت في معرض قصة الخليل إبراهيم عليه السلام، وذلك حين طلب من الله تيسير المنافع لأولاده وتسهيلها عليهم، ذكر أنه لا يعلم عواقب الأحوال ونهايات الأمور في المستقبل، وأنه تعالى هو العالم بها المحيط بأسرارها، فقال: ﴿رَبَّنَآَ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنٌ﴾ والمعنى: أنك أعلم بأحوالنا ومصالحنا (٢) مفاتيح الغيب، الرازي ١٦ / ١١١. (٣) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٣٩٤/٣، جامع البيان، الطبري ٢٧٢/١٨ و٢٧٣، مفاتيح الغيب، الرازي ٢/ ١٦. www. modoee.com ٣٣٧ حرف العين ومفاسدنا منا، قيل: ﴿مَا تُخْفِى﴾ من الوجد بين الكعبة وأستارها؛ فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع كلامنا ؟ وقال الثاني: إذا بسبب حصول الفرقة بيني وبين إسمعيل، ﴿وَمَا نُعْلِنٌ﴾ من البكاء، وقيل: ﴿مَاتُخْفِى﴾ ﴿وَمَا نَعْلِنُ من الحزن المتمكن في القلب یرید ما جرى بينه وبين هاجر حيث قالت له عند الوداع إلى من تكلنا؟ فقال إلى الله أكلكم، قالت آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم قالت: إذًا لا نخشى (١). جھرتم سمع، وإذا أسررتم لم يسمع. وقال الثالث: إن كان يسمع إذا أعلنتم فهو يسمع إذا أسررتم، وهو مروي عن ابن مسعود (٤). خامسًا: التصريح بالعلم المطلق: قال تعالى: ﴿قَالَ رَّى يَعْلَمُ اَلْقَوَّلَ فِ السَّمَآءِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾(٥) [الأنبياء: ٤]. قال الرازي في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَىْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِىِ السَّمَاءِ﴾ «وفيه قولان: أحدهما: أنه كلام الله عز وجل تصديقًا لإبراهيم عليه السلام كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤]. والثاني: أنه من كلام إبراهيم عليه السلام يعني وما يخفي على الذي هو عالم الغيب من شيء في كل مكان؛ ولفظ ((من)) يفيد الاستغراق كأنه قيل: وما يخفى عليه شيء ما))(٢). ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ وقال تعالى: سِرَّهُمْ وَجْوَدُهُمَّ بَ وَرُسُلْنَا لَدَتِهِمْ يَكْتُبُونَ ) [الزخرف: ٨٠]. والمراد بذلك ما أضمروه في قلوبهم وما تناجوا به بينهم (٣). وقد روي أن هذا نزل في ثلاثة نفر كانوا (١) تفسير الثوري ص ١٩٢. (٢) مفاتيح الغيب، الرازي ١٩/ ١٠٧. (٣) المصدر السابق. والمراد كما يتلخص من كلام بعض المفسرين أن ((القول)) عام يشمل السر والجهر فكأن في العلم به العلم بالسر وزيادة فكأن آكد في بيان الاطلاع على نجواهم من أن يقول: ﴿يَعْلَمُ أُلِّرَّ﴾ كما أن قوله تعالى: ﴿يَعْلَم السرَّ﴾ آکد من أن یقول یعلم سرهم فإن قلت فلم ترك الآكد في سورة الفرقان في قوله: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ إِنَّهُ، كَانَ غَفُورًا رَحِيًّا ﴾ [الفرقان: ٦]. ٦ قلت: ليس بواجب أن يجيء بالآكد في قوله في كل موضع، ولكن يجيء بالتوكيد مرة وبالآكد مرة أخرى(٦). (٤) معالم التنزيل، البغوي ٤ /٧٨. (٥) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١١٩/١٦. (٦) قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص (قال ربي يعلم) على معنى الخبر، وقرأ الباقون (قلّ ربي أعلم) على معنى الأمر، وصحح بعض العلماء القراءتين، وقال ٣٣٨ مَوَسُولَرَا القرآن الكريم العلن وقال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَيرُ ﴾ [الملك: ١٤]. وهذه الآية نزلت عقيب آية ﴿وَأَسِرُواْ قَوْلَكُمْ﴾ وقد سبق الكلام عنها، وجاء قوله: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ ألا يعلم السر من خلق السر يعني هو خلق السر في قلوب العباد فكيف لا يعلم بما في قلوب العباد (١). سادسًا: التصريح بعلم الغيب والشهادة: ورد في القرآن الكريم في حوالي عشرة مواضع علم الله تعالى بالغيب والشهادة (٢)، ولم أذكر هذه الآيات في صلب البحث، منعا للإطالة بل أكتفي بذكر مواضعها في بعض الآيات، أو مواضعها إجمالًا. فقول الله تعالى: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ﴾ الوارد في مواضع عدة، فسر الغيب والشهادة فيه بأنها السر والعلانية، كما أخرجه ابن أبي حاتم بسنده عن ابن عباس في قوله عالم الغيب والشهادة قال: إنهما بمنزلة الآيتين، وفيهما من الفائدة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر وأنه قال كما أمر. انظر: السبعة في القراءات، ابن مجاهد ص٤٢٨، حجة القراءات، ابن زنجلة ص٤٦٥. (١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٣١١٨/١، السراج المنير، الشربيني ٣٩٨/٢. (٢) تفسير السمر قندي ٣/ ٤٥٣. السر والعلانية وقد ذكر تفسير الغيب والشهادة بالسر والعلانية عند جمع من المفسرين منهم الطبري، والنسفي، والسلمي وقد حكاه عن سهل التستري، والرازي، والسمعاني في آيات المؤمنون والزمر والحشر. والقرطبي في سورة الجمعة، وابن عجيبة في المؤمنون والزمر والحشر (٤). أما السمر قندي فقد فسر الغيب والشهادة أو حكى تفسيرهما بأن المراد بهما السر والعلن في آيات الأنعام والرعد والمؤمنون والسجدة والزمر والحشر؛ كما هو مذكور في هذه المواضع من كتبه (٥). ولذلك ذكر فقهاء الحنفية (٦) (٣) المواضع هي: الأنعام ٧٣، التوبة ٩٤ التوبة ١٠٥، الرعد ٩، المؤمنون ٩٢، السجدة ٦، الزمر ٤٦، الحشر ٢٢ الجمعة ٨، التغابن ١٨. (٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم رقم ١٢١٧٣، ٢٢٢٨/٧، الدر المنثور، السيوطي ٢٩٩/٣. (٥) انظر: تفسير السمر قندي ٢١٩/٢، النكت والعيون، الماوردي ٢٧/٦،١٣٠/٥، مدارك التنزيل، النسفي ٢٨/٢، حقائق التفسير، السلمي ٣٢١/٢، مفاتيح الغيب، الرازي ٢٩/ ٥١٥، تفسير القرآن السمعاني ٤٨٨/٣ و ٤ /٢٧٢، و ٤٠٨/٥، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤٥/١٨، البحر المديد، ابن عجيبة ٥٧/٥، ٤٠٦/٦ ٠ ٢٧/٨، الدر المنثور، السيوطي ٢٩٩/٣، ٦١٠/٤، ٨/ ١٢٣ وكلها عن ابن عباس. (٦) انظر: تفسير السمر قندي ٤٧٩/١، ٢١٩/٢، ٤٨٨/٢، ٣/ ٣١، ٤١٠/٣. www. modoee.com ٣٣٩ حرف العين والشافعية (١) والحنابلة(٢) أن التغليظ في اليمين هو أن يحلف القاضي المتهم بلفظ نحو ((والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم، الطالب الغالب، المدرك المهلك، الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية، الكبير المتعال)» ونحو ذلك من الألفاظ یزید علیها أو ينقص منها، غير أن جميعها تتفق على أن التغليظ يتضمن ((عالم الغيب والشهادة)) و((السر والعلانية)). أما المالكية فقد ذكروا في التغليظ في يمين اللعان، والقسامة لفظ ((عالم الغيب والشهادة)) ولم يذكروا ألفاظ مثل السر والعلن(٣). صور العلن المحمود العلن المحمود مبسوط في مواضع كثيرة في القرآن الكريم، ومن تلك الصور: أولًا: الدعوة إلى الله تعالى: الدعوة إلى الله تعالى أمر ضروري لنشر الدين، والدعوة تتطلب كلامًا معلنًا يجهر به الداعي حتی تؤثر دعوته وتؤتي ثمارها، وقد وردت نصوص في القرآن الكريم تحث على ذلك، وتبين دعوة بعض الأنبياء إلى أقوامهم، وقد عبر القرآن عن الدعوة إلى الله تعالى بأساليب مختلفة، أبرزها على النحو التالي: ١. الدعوة إلى الله تعالى على جهة العموم بدون إشارة إلى السر والجهر. وذلك نجده واضحًا في آيات مثل قول الله تعالى ﴿قُلْ هَذِهِ، سَبِيلِيّ أَدْعُواْ إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنْ وَمَنِ اتَّبَعَنِّ وَسُبْحَنَ اللَّهِ وَمَآ أَنَأْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [يوسف: ١٠٨]. وذكر ابن عجيبة في إشاراته حول الآية الكريمة أن العبد لا يصلح أن يكون داعيًا إلى الله حتى يكون على بصيرة من ربه، بحيث لا يبقى فيه تقليد بحت، ولا يختلجه شك ولا هم، والدعاة إلى الله على ثلاث مراتب: فمنهم من يدعو على بصيرة الإسلام؛ وهم الدعاة إلى معرفة أحكام (١) انظر: المبسوط، السرخسي ٢٢٦/١٦، حاشية ابن عابدين ٥/ ٥٥٦، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٦/ ٣٥٤. (٢) انظر: المجموع، النووي ٢٠/ ٢١٧، فتح الوهاب، زكريا الأنصاري ٤٠٢/٢. (٣) انظر: المغني، ابن قدامة ١١٣/١٢، شرح منتهى الإرادات، البهوتي ٣/ ١٠٤. ٣٤٠ القرآن الكريم العلن الله وشرائعه، ومنهم من يدعو على بصيرة إظهار الحق (٢). الإيمان، وهم الدعاة إلى معرفة صفات الله تعالى وكمالاته، ومعرفة ما يجب له تعالى وما يستحيل وما يجوز على طريق البرهان الواضح، ومنهم من يدعو إلى الله على بصيرة الإحسان، وهم الدعاة إلى معرفة الذات العلیة علی نعت الشهود والعیان، من طريق الذوق والوجدان؛ وهم العارفون بالله وهذه -أي: المرتبة الثالثة - الدعوة الحقيقية والبصيرة النافذة، وأهل هذا المقام هم اهل التربية النبوية، فدعوة هؤلاء أكثر نفعًا، وأنجح تأثيرًا؛ في زمن یسیر؛ يهدي الله على أيديهم الجم الغفير (١). وقوله جل شأنه: ﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَّةِ وَحَدِلْهُم بِالَّتِ هِىَ أَحْسَنُّ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن [النحل: سَبِيلِةٍ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ ١٢٥]. والمراد الدعوة إلى دين ربك وطاعته عز وجل ﴿بِالْحِكْمَةِ﴾ أي: بالنبوة والقرآن ﴿وَالْمَوْعِظَةِ اَلْحَسَنَةِ﴾ أي: عظهم بالقرآن ﴿وَحَدِلْهُم بِالَّتِ هِىَ أَحْسَنُ﴾ أي: حاججهم وناظرهم بالحجة والبيان، أو باللين، وفي الآية دليل أن المناظرة والمجادلة في العلم جائزة إذا قصد بها (١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٥٤/٦، شرح منح الجليل، محمد عليش ٥٥٧/٣، التاج والإكليل، المواق ٢٧٠/٦. وهذه الآية تضمنت أصول الدعوة إلى الله تعالى باعتبار حال المدعو، كما ذكره الإمام الرازي حيث قال: ((اعلم أنه تعالى أمر رسوله أن يدعو الناس بأحد هذه الطرق الثلاثة وهي الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالطريق الأحسن، وقد ذكر الله تعالى هذا الجدل في آية أخرى فقال: ﴿وَلَا تُجَدِلُواْ أَهْلَ الْكِتَبِ إِلَّ يِأَلَّتِ هِىَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦]. ولما ذكر الله تعالى هذه الطرق الثلاثة وعطف بعضها على بعض، وجب أن تكون طرقًا متغايرة متباينة))(٣). ثم قال: ((فظهر بهذا التقسيم انحصار الحجج في هذه الأقسام الثلاثة: أولها: الحجة القطعية المفيدة للعقائد اليقينية، وذلك هو المسمى بالحكمة، وهذه أشرف الدرجات وأعلى المقامات، وهي التي قال الله في صفتها: ﴿وَمَن يُؤْتَ اُلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]. وثانيها: الأمارات الظنية والدلائل الإقناعية وهي الموعظة الحسنة. وثالثها: الدلائل التي يكون المقصود من ذكرها إلزام الخصوم وإفحامهم، وذلك هو (٢) انظر: البحر المديد، ابن عجيبة ٣/ ٤٢٣. (٣) تفسير السمر قندي ٢٩٦/٢. www. modoee.com ٣٤١ حرف العين الجدل)»(١). قلت: والمعروف أن الدعوة والمناظرة لا يكونان إلا علنًا، وكل ما دار من مناظرات بين الأنبياء عليهم السلام وأقوامهم وخصومهم إنما كان بطريق الجهر لا بطريق الخفاء. وقول الله تعالي: ﴿لِكُلِّ أُمَّدٍ جَمَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوَةٌ فَلَا يُنَزِعُنَّكَ فِىِ الْأَمْيِّ وَدْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدَّى مُسْتَقِيمٍ (٢)﴾ [الحج: ٦٧]. والمراد بالدعوة إلى الله تعالى هنا -كما ذكره جمهور المفسرين- الدعوة إلى دينه وإلى توحيده عز وجل، وأن الخطاب فيها للنبي عليه الصلاة والسلام وأمر أن لا يخص بالدعاء أمة دون أخرى، فكلهم أمته صلى الله عليه وسلم(٢). وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّتَن دَهَاً إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَلِحًا وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ الْمُسْلِمِينَ * [فصلت: ٣٣]. (٣٣ وهنا نلحظ أن الدعوة اقترنت بالعمل الصالح، وجرى خلاف في المقصود في الآية على ثلاثة أقوال: أولها: وهو قول الحسن أنها عامة لجميع المؤمنین. وثانيها: وهو قول ابن سيرين أن المقصود بها النبي صلى الله عليه وسلم، ودعوته (١) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٨٨/٢٠. (٢) المصدر السابق. الناس إلى توحيد الله عز وجل. وثالثها: وهو قول السيدة عائشة أنها نزلت في المؤذنین(٣). قلت: ولا مانع من دخول كل الدعاة في الآية الكريمة، كما ذكره الرازي أن الحق المقطوع به أن كل من دعا إلى الله بطريق من الطرق فهو داخل فيه، والدعوة إلى الله مراتب: فالمرتبة الأولى: دعوة الأنبياء عليهم السلام. والثانية: دعوة العلماء. .(٤) والثالثة: دعوة المؤذنین ٠ ثم ذكر رحمه الله هذه المراتب بأن جعل دعوة الأنبياء عليهم السلام راجحة على دعوة غيرهم، وأن العلماء فإنهم يبنون دعوتهم على دعوة الأنبياء، وأن المؤذنين يدخلون في هذا الباب دخولًا ضعيفًا، أما دخولهم فيه فلأن ذكر كلمات الأذان دعوة إلی الصلاة، فکان ذلك داخلًا تحت الدعاء إلى الله، وأما كون هذه المرتبة ضعيفة فلأن الظاهر من حال المؤذن أنه لا يحيط بمعاني تلك الكلمات وبتقدير أن يكون محيطًا (٣) انظر: تفسير السمرقندي ٤٦٩/٢، مفاتيح الغيب، الرازي ٢٥٢/٢٣، معالم التنزيل، البغوي ٢٢٨/٦. (٤) انظر: معاني القرآن، النحاس ٦/ ٢٦٧، تفسير السمر قندي ٢١٦/٣، مفاتيح الغيب، الرازي ٥٦٨/٢٧. ٣٤٢ جومبو القرآن الكريمِ