Indexed OCR Text
Pages 41-56
العدل والقدح في دين الأسلاف، والحكم عليهم نالكم به ظالمكم من العقوبة)) (٤). بالكفر والضلال»(١). وقال أبو السعود: ((أي: بمثل ما فعل بكم، وقد عبر عنه بالعقاب على طريقة إطلاق اسم المسبب على السبب، نحو: كما تدين تدان، أو على نهج المشاكلة، والمقصود إيجاب مراعاة العدل مع من یناصبهم من غیر تجاوزٍ))(٢). وقال الطاهر بن عاشور: ((والأمر في قوله: ﴿فَعَاقِبُوا ﴾ للوجوب باعتبار متعلقه، وهو قوله: ﴿بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ فإن عدم التجاوز في العقوبة واجبٌ. وفي هذه الآية إيماءٌ إلى أن الله يظهر المسلمين على المشركين، ويجعلهم في قبضتهم، فلعل بعض الذين فتنهم المشركون يبعثه الحنق على الإفراط في العقاب، فهي ناظرةٌ إلى قوله: ﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُواْ﴾ [النحل: ١١٠])(٣). وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ، ثُمَّ بُغِىَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ [الحج: ٦٠]. قال الطبري: ((يقول تعالى ذكره للمؤمنين: وإن عاقبتم أيها المؤمنون من ظلمکم واعتدی علیکم، فعاقبوه بمثل الذي (١) أنوار التنزيل ٢٤٥/٣. (٢) إرشاد العقل السليم ١٥٢/٥. (٣) التحرير والتنوير ٣٣٦/١٤. وقال الزجاج: ((سمي الأول عقوبةً، وإنما العقوبة الثاني؛ لازدواج الكلام؛ لأن الجنسين في الفعل معنى واحد، ومثله: ﴿وَحَزَّوُاْ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ﴾ فالثاني ليس بسيئةٍ، ولكنه سمي به؛ ليتفق اللفظ)» (٥). ومن أوضح الآيات في الأمر بالعدل مع غير المسلمین: قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَنَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَِّكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُواْ إِلَتْهِمَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨]. قال الطبري: ((يقول تعالى ذكره: ﴿لَا يَنْهَنَّكُمُاللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَدِلُوكُمْ فِ الدِّينِ﴾ من أهل مكة ﴿وَلَمْيُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَزِكُمْ أَنْ تَبَرُوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَّهِمْ﴾ يقول: وتعدلوا فيهم بإحسانكم إليهم، وبر کم بهم. واختلف أهل التأويل في الذين عنوا بهذه الآية، وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عني بذلك: لا ینهاکم الله عن الذین لم يقاتلوكم في الدين من جميع أصناف الملل والأديان أن تبروهم وتصلوهم، وتقسطوا إليهم، إن الله عز وجل عم بقوله: ﴿الَّذِينَ لَمْ يُقَيِلُوكُمْ فِ اَلِدِينِ وَلَمْ ◌ُخرِجُوكُمْ مِن دِيَزِكُمْ﴾ جميع من كان ذلك صفته، فلم يخصص (٤) جامع البيان ٣٢٢/١٧. (٥) معاني القرآن وإعرابه ٢٢٣/٣، ٤٣٥. www. modoee.com ١٩٥ حرف العين به بعضًا دون بعض، ولا معنى لقول من قال: ذلك منسوخ؛ لأن بر المؤمن من أهل الحرب ممن بينه وبينه قرابة نسب، أو ممن لا قرابة بينه وبينه ولا نسب غیر محرم ولا منهي عنه إذا لم یکن في ذلك دلالة له، أو لأهل الحرب على عورة لأهل الإسلام، أو تقوية لهم بكراع أو سلاح)) (١). وقال سيد قطب: «إن الإسلام دین سلام، وعقيدة حب، ونظام يستهدف أن يظلل العالم كله بظله، وأن يقيم فيه منهجه، وأن يجمع الناس تحت لواء الله إخوة متعارفين متحابین، وليس هنالك من عائق یحول دون اتجاهه هذا إلا عدوان أعدائه عليه وعلى أهله، فأما إذا سالموهم؛ فليس الإسلام براغب في الخصومة، ولا متطوع بها كذلك! وهو حتى في حالة الخصومة يستبقي أسباب الود في النفوس بنظافة السلوك، وعدالة المعاملة؛ انتظارًا لليوم الذي يقتنع فيه خصومه بأن الخير في أن ينضووا تحت لوائه الرفيع، ولا ییأس الإسلام من هذا اليوم الذي تستقيم فيه النفوس، فتتجه هذا الاتجاه (٢) المستقيم» (٢). عاشرًا: عدل في جزاء السيئة بمثلها: قال تعالى: ﴿وَجَزَّقُاْ سَنِيَّةٍ سَيِّئَّةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ, عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ، لَا يُحِبُّ (١) جامع البيان ٣٢١/٢٣ -٣٢٣ (٢) في ظلال القرآن ٦/ ٣٥٤٤. الفَّالِمِينَ﴾ [الشورى: ٤٠]. قال الطبري: ((معلومٌ أن الأولى من صاحبها سيئة؛ إذ كانت منه لله تبارك وتعالى معصية، وأن الأخرى عدلٌ؛ لأنها من الله جزاءٌ» (٣). وقال ابن كثير: «قال بعضهم: لما كانت الأقسام ثلاثةً: ظالم لنفسه، ومقتصدٌ، وسابقٌ بالخيرات، ذكر الأقسام الثلاثة في هذه الآية، فذكر المقتصد، وهو الذي يفيض بقدر حقه؛ لقوله: ﴿وَحَزَّوُاْ سَيِّئَّةٍ سَيِئَةٌ مِّثْلُهَا﴾، ثم ذكر السابق بقوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُ, عَلَى اللَّهِ﴾، ثم ذكر الظالم بقوله: ﴿إِنَّهُ، لَا يُحِبُّ التَّلِمِينَ﴾، فأمر بالعدل، وندب إلى الفضل، ونھی من الظلم» (٤). وقال النخعي: «کانوا یکرهون أن یذلوا أنفسهم؛ فيجترئ عليهم السفهاء، ولكن هذا الانتصار مشروطٌ بالاقتصار على ما جعله الله له، وعدم مجاوزته كما بينه سبحانه عقب هذا بقوله: ﴿وَحَزَّوْ سَيَِّّةٍ سَيِّئَّةٌ مِّثْلُهَا﴾ فبين سبحانه أن العدل في الانتصار هو الاقتصار على المساواة، وظاهر هذا العموم)) (٥). وقال السيوطي: ((فيه وجوب العدل في الجزاء، وعدم الاعتداء فيه، قال ابن أبي (٣) جامع البيان ٣٠٢/١. وانظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٤١٩/١. (٤) تفسير القرآن العظيم ٧/ ٢١٢. (٥) فتح القدير، الشوكاني ٤ / ٦٢٠. ١٩٦ مُوسُوبَةُ المَشـ القرآن الكريم العدل نجیح والحسن: لو قال: أخزاه الله، فيقول نصليه نارًا. له: أخزاه الله، وقال السدي: إذا شتمك تشتمه من غیر أن تتعدى» (١). وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُواْ السَّيِّئَاتِ جَزَآءُ سَبِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ زِلَّةٌ ﴾ [يونس: ٢٧]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ جَآءَ بِلسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ هَلْ تُّجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٠]. وقال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَّةٍ فَلَّهُ خَبِرُّ مِنْهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [القصص: ٨٤]. هذا غيض من فيض صريح مجالات إقامة العدل، فكما أن الشرع كله حكمة وخير، فکذلك کله عدل، فیستدل بما ذکر على ما وراءه، فمحال حصر معاني العدل الصريحة في الشريعة، فضلًا عن المستنبطة. وقال تعالى بعد ذكره جملة من الأحكام: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ تُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ٣٠]. أي: ومن يفعل ما حرمته عليه من نكاح من حرمت نكاحه، وتعدى حدوده، وأكل أموال الأيتام ظلمًا، وقتل النفس المحرم قتلها ظلمًا بغير حق، ومن يأكل مال أخيه المسلم ظلمًا بغير طيب نفس منه فسوف (١) الإكليل في استنباط التنزيل ص ٢٣٠. قال ابن كثير: ((ینهى الله تبارك وتعالى عباده المؤمنين عن أن يأكلوا أموال بعضهم بعضًا بالباطل، أي: بأنواع المكاسب التي هي غير شرعية كأنواع الربا والقمار، وما جرى مجرى ذلك من سائر صنوف الحيل، وإن ظهرت في غالب الحكم الشرعي مما يعلم الله أن متعاطيها إنما يريد الحيلة على الربا، ومن يتعاطى ما نهاه الله عنه متعديًا فيه، ظالمًا في تعاطيه، أي: عالمًا بتحريمه، متجاسرًا على انتهاكه ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾ الآية، وهذا تهديد شدید، ووعید أکید، فليحذر منه كل عاقل لبيب، ممن ألقى السمع وهو شهيد)»(٢). حادي عشر: الإصلاح بين الناس: قال البخاري: « باب فضل الإصلاح بين الناس، والعدل بينهم)) (٣). وقال ابن القيم: ((الصلح الجائز بين المسلمين هو الذي يعتمد فيه رضا الله سبحانه، ورضا الخصمين، فهذا أعدل الصلح وأحقه، وهو يعتمد العلم والعدل، فيكون المصلح عالمًا بالوقائع، عارفًا بالواجب، قاصدًا للعدل، فدرجة هذا أفضل من درجة الصائم القائم)) (٤). (٢) تفسير القرآن العظيم ١ / ٤٩٠ - ٤٩٢. (٣) صحيح البخاري، كتاب الصلح. ٣/ ١٨٧. (٤) أعلام الموقعين ١/ ١٠٩ - ١١٠. www. modoee.com ١٩٧ حرف العين قال تعالى: ﴿لَاخَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن ◌َّجْوَئُهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَّةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَحِ بَيْنَ النَّاسِّ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ آبْتِغَآءَ مَنْ ضَاتِ اَللَّهِ فَسَوْفَ تُؤْثِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤]. قال الألوسي: ((إصلاح بين الناس الذي هو من باب العدل»(١). وقال الجصاص: ((قوله عز وجل: أو إِصْلَحِ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤]. هو نظير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَآئِفَتَانِ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ أُقْنَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَّاً فَإِنَّ بَغَتْ إِحْدَ نهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَدِلُواْ الَّتِى تَبْغِى حَقّ تَّفِىّءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنِ فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]. وقوله: ﴿فَإِنِ فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُواْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩]. وقال: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحَاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ﴾ [النساء: ١٢٨]. وقال تعالى: ﴿إِن يُرِيدَآْ إِصْلَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥]»(٢). وما ينطبق على الأفراد فيما يتعلق بالتناصر والإصلاح ينطبق أيضًا على الدول التي تدين بالإسلام، فإذا ظلمت دولة وجدت من الدول كافة ما يقدم لها العون والمساعدة؛ حتى يتحقق لها النصر على البغاة والظالمين، وإذا كان الباغي مسلمًا فعليه أن یتیقن أن ردعه عن ظلمه ما هو إلا نصرة له، وقيام بتنفيذ أمر الله؛ حتى يفيء إلى الحق والعدل. فالتناصر صفة المسلمين - أفرادًا وجماعات ودولاً-، أما أن ینکفئ کل فرد، أو کل دولة علی شأنه الخاص؛ فإن ذلك کفیل بتعرض الجميع للضياع، ولن يفيد في هذه الحالة أن يتصف هذا أو ذاك بالإسلام؛ لأن الإسلام الحقيقي يقتضي تنفيذ ما أمر الله به؛ ومن ذلك تحقيق التناصر والإصلاح فيما بين المسلمين بعضهم وبعض من ناحية، وفيما بينهم وبين ربهم من ناحية أخرى. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَيِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَاً فَإِنَّ بَغَتْ إِحْدَمُهُمَا عَلَى اٌلْأُخْرَى فَقَدِلُواْ الَِّى تَبْغِى حَتَّى تَفِىَّ إِلَى أَمْرِ اللّه فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُواْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩]. فهذه الآية الكريمة تبين أن الأخذ بيد المظلوم، والضرب على يد الظالم يؤدي إلی نجاة المجتمع بأسره، ووصوله إلى بر الأمان. قال العلماء: ((لا تخلو الفئتان من المسلمين في اقتتالهما إما أن يقتتلا على سبيل البغي منهما جميعًا أو لا، فإن كان (١) روح المعاني ٣/ ١٥٢. (٢) أحكام القرآن ٢٧٦/٣. جَوَسُول القرآن الكريمِ ١٩٨ العدل الأول؛ فالواجب في ذلك أن يمشى بينهما وغير ناظرة إلا إلى الله وتقواه(٢). بما يصلح ذات البين، ويثمر المكافة والموادعة، فإن لم يتحاجزا، ولم يصطلحا، وأقامتا على البغي؛ صير إلى مقاتلتهما، وأما إن كان الثاني وهو أن تكون إحداهما باغية على الأخرى؛ فالواجب أن تقاتل فئة البغي إلی أن تکف وتتوب، فإن فعلت أصلح بينها وبين المبغي عليها بالقسط والعدل، فإن التحم القتال بينهما لشبهة دخلت عليهما، وكلتاهما عند أنفسهما محقة؛ فالواجب إزالة الشبهة بالحجة النيرة، والبراهين القاطعة على مراشد الحق، فإن ركبتا متن الدجاج، ولم تعملا على شاكلة ما هديتا إليه، ونصحتا به من اتباع الحق بعد وضوحه لهما، فقد لحقتا بالفئتين الباغيتين)) (١). ثاني عشر: العدل في القضاء: إن دور الأمة الإسلامية أن تكون الوصية على البشرية تقيم العدل في الأرض غير متأثرة بمودة أو شنآن، وغير ناظرة في إقامة العدل إلى ما أصابها أو يصيبها من الناس، فهذه هي تكاليف القوامة والوصاية والهيمنة، وغير متأثرة كذلك بانحرافات الآخرين وأهوائهم وشهواتهم، فلا تنحرف فيه شعرة عن منهجها وشريعتها وطريقها القويم لاسترضاء أحد، أو لتأليف قلب، (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٠٨/١٦. ومن الآيات التي تبين هذا المعنى: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ سَنَكَانُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُواْ﴾ [المائدة: ٢]. قال الطبري: ((معنى الكلام: ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا، ولكن ليعن بعضكم بعضًا بالأمر بالانتهاء إلى ما حده الله لكم في القوم الذين صدوكم عن المسجد الحرام وفي غيرهم، والانتهاء عما نهاكم الله أن تأتوا فيهم وفي غيرهم، وفي سائر ما نهاكم عنه، ولا یعن بعضكم بعضًا على خلاف ذلك))(٣). وقال الأخفش: ((لا يُحِقَنَّ لكم شنآن قوم أن تعتدوا، أي: لا يحملنكم ذلك على العدوان)) (٤). وقال ابن كثير: ((معناها ظاهرٌ أي: لا يحملنكم بغض قوم قد كانوا صدوكم عن الوصول إلى المسجد الحرام؛ وذلك عام الحديبية، على أن تعتدوا في حكم الله فيكم، فتقتصوا منهم ظلمًا وعدوانًا، بل احکموا بما أمركم الله به من العدل في كل أحدٍ. (٢) في ظلال القرآن ٨٢٩/٢. (٣) جامع البيان ٩/ ٤٩١. (٤) معاني القرآن ١/ ٢٧٢. وانظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤٥/٦. www. modoee.com ١٩٩ حرف العين وهذه الآية كما سيأتي من قوله تعالى: عمرة الحديبية، أن يعتدوا على المشركين بما لا يحل لهم شرعًا)) (٤). ﴿وَلَا يَجْرِ مَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُواْ أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]. العدل، فإن العدل واجبٌ علی کلّ أحد، في كل أحدٍ، في كل حالٍ. أي: لا يحملنكم بغض أقوام على ترك بأن كفر الكافرين وظلمهم لا يمنع من العدل عليهم، وأن لا يتجاوز في قتالهم وقتلهم ما يستحقون، وأن يقتصر بهم على المستحق من القتال والأمر والاسترقاق دون المثلة بهم، وتعذيبهم وقتل أولادهم ونساءهم؛ قصدًا لإيصال الغم والألم إليهم)» (٥). وقال بعض السلف: ما عاملت من عصی الله فیك بمثل أن تطيع الله فیه، والعدل به قامت السموات والأرض))(١). ﴿وَلَا وقال أبو عبيدة والفراء: ((معنى يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ لا يكسبنكم بغض قوم أن تعتدوا الحق إلى الباطل، والعدل إلى الجور والجريمة)) (٢). وقال السعدي: «أي: لا يحملنكم بغض قوم وعداوتهم واعتداؤهم علیکم، حیث صدوكم عن المسجد علی الاعتداء عليهم؛ طلبًا للاشتفاء منهم، فإن العبد عليه أن يلتزم أمر الله، ويسلك طريق العدل، ولو جني علیه، أو ظلم واعتدي علیه، فلا يحل له أن یکذب على من كذب عليه، أو يخون من خانه)»(٣). وقال الشنقيطي: «نھی الله المسلمين في هذه الآية الكريمة أن يحملهم بغض الكفار؛ لأجل أن صدوهم عن المسجد الحرام في (١) تفسير القرآن العظيم ٢/ ١٢. (٢) فتح القدير، الشوكاني ٢/ ٩. (٣) تيسير الكريم الرحمن ص ٢١٩. وقال الجصاص: ((وقد تضمن ذلك الأمر بالعدل على المحق والمبطل، وحكم وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّمِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِاَلْقِسْطِ وَلَا يَجْرِ مَنَّكُمْ سَنَكَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُواْ أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلنَّقْوَى وَأَتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨]. أي: لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل فیھم، بل استعملوا العدل في كل إنسان، صدیقًا كان أو عدوًا. قال الطبري: ((يعني بقوله جل ثناؤه: ﴿اعْدِلُواْ﴾ أيها المؤمنون على كل أحد من الناس، وليًا لكم كان أو عدوًا، فاحملوهم على ما أمرتكم أن تحملوهم عليه من أحکامي، ولا تجوروا بأحد منهم عنه. وأما قوله: ﴿هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ فإنه يعني بقوله: ﴿هُوَ﴾ العدل عليهم أقرب (٤) أضواء البيان ٣٢٨/١. (٥) أحكام القرآن ٣٩/٤. ٢٠٠ جَوَنُور الْقُرآن الكَرِيمِ العدل لكم أيها المؤمنون إلى التقوى، يعني: إلى [النمل: ٥٩]. أن تكونوا عند الله باستعمالکم إياه من أهل التقوى، وهم أهل الخوف والحذر من الله أن يخالفوه في شيء من أمره، أو یأتوا شيئًا من معاصيه. وصفه به من أنه ﴿أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ من الجور؛ لأن من كان عادلًا كان لله بعدله مطیعًا، ومن كان لله مطيعًا كان لا شك من أهل التقوى، ومن كان جائزًا کان لله عاصيا، ومن كان لله عاصيًا كان بعيدًا من تقواه)) (١). وقال الراغب الأصفهاني: ((إن قيل: كيف قال: ﴿أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ وأفعل إنما يقال في شیئین أشرکا في معنى واحد لأحدهما مزية، وقد علمنا أن لا شيء من التقوى ومن فعل الخير إلا هو من جملة العدالة فما معنى قوله: ﴿هُوَ أَقْرَبُ لِلنَّقْوَى﴾؟ قيل: إن ((أفعل) -وإن كان كما ذكرت- فقد يستعمل على تقدير بناء الكلام على اعتقاد المخاطب في الشيء، لا على ما عليه من حقيقة الشيء في نفسه، قطعًا لكلامه، وإظهار التبكية، فيقال لمن اعتقد مثلًا في زید فضلًا -وإن لم یکن فيه فضل-، ولكن لا يمكنه أن ينكر أن عمرًا أفضل منه، فقال: أخدم عمرًا؛ فهو أفضل من زيد، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١) جامع البيان ١٠/ ٩٦. وقد علم أن لا خیر فیما یشرکون بوجه، والآية نزلت في يهود احتالوا النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: في قريش لما صدوا المسلمين؛ وإنما وصف جل ثناؤه ((العدل)) بما فأمر الله تعالى المسلمين ألا يتركوا معهم مع ذلك استعمال العدالة. إن قيل: كيف تصور الظلم وقد أبيح للمسلمين أن يقتلوهم ويسبوهم ویسلبوهم؟ وقيل: کل ذلك أبيح لهم على وجه دون وجه، متى أخل لمراعاة الحكم المسنون في شيء من ذلك فھو ظلم، بل من فعل الإنسان بالكافر، مع ما أمر أن يفعل به قصدًا إلى التشفي منه تحريًا لأمر الله، ففي ذلك تعديًا؛ فأوجب الله تعالى تحري العدالة مع كل محق ومبطل، وإقامة الشهادة بالحق في كل أمر، وبين الله أنه تعالى عالم بما يتحرونه، ولا يخفى عليه خافية»(٢). وقال القرطبي: ((والمعنى: أتمم عليكم نعمتي فكونوا قوامين لله، أي: لأجل ثواب الله فقوموا بحقه، واشهدوا بالحق من غير میل إلی أقاربكم، وحيفي على أعدائكم، ولا يجرمنكم شنآن قوم على ترك العدل، وإيثار العدوان على الحق. وفى هذا دليلٌ على نفوذ حكم العدو على (٢) تفسير الراغب الأصفهاني ٢٩٤/٤. واعتبره الألوسي تكلفًا، انظر: روح المعاني ٢٥٥/٣. www. modoee.com ٢٠١ حرفالعین عدوه في الله تعالى ونفوذ شهادته عليه؛ لأنه أمر بالعدل -وإن أبغضه-، ولو كان حكمه علیه وشهادته لا تجوز فیه -مع البغض له-؛ لما کان لأمره بالعدل فيه وجهٌ، ودلت الآية أيضًا على أن كفر الكافر لا يمنع من العدل عليه، وأن يقتصر بهم على المستحق من القتال والاسترقاق، وأن المثلة بهم غير جائزة - وإن قتلوا نساءنا وأطفالنا وغمونا بذلك-، فليس لنا أن نقتلهم بمثلةٍ؛ قصدًا لإیصال الغم والحزن إليهم)» (١). وقال ابن كثير: «أي: لا يحملنكم بغض قومٍ على ترك العدل فيهم، بل استعملوا العدل في کل أحد-صدیقًا كان أو عدوًا- ولهذا قال: ﴿أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىُ﴾ أي: عدلكم أقرب إلى التقوى من تركه، ودل الفعل على المصدر الذي عاد الضمير علیه، كما في نظائره من القرآن وغيره، كما في قوله: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمْ أَرْجِعُواْ فَرْجِعُواْ﴾ [النور: ٢٨]. وقوله: ﴿هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾ من باب استعمال أفعل التفضيل في المحل الذي ليس في الجانب الآخر منه شيءٌّ، كما في قوله تعالى: ﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يومَیدٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرَّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤]. وكقول بعض الصحابيات لعمر: أنت أفظ وأغلظ من رسول الله صلى الله عليه (١) الجامع لأحكام القرآن ١٠٩/٦. (٢) وسلم )) . وقال الشعراوي: ((أي: لا يحملنكم بغض قوم على ألا تعدلوا، وإلا سيكون البغض لصالح عدوكم، وبغض المؤمن إذا حمله على اتباع هواه سيكون لصالح العدو؛ لأن الله سيعاقب المؤمن - لو أدخل الهوى والبغض في إقامة الميزان العادل-، فتحكيم البغض والعداء والهوى يكون لصالح الخصوم؛ لذلك لا يحملنكم أيها المؤمنون شنآن - أي بغض - قوم على ألا تعدلوا. ويضيف الحق: ﴿أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ والعدالة حين تطلب مع الخصم هي تقريع لذلك الخصم؛ لأنه خالف الإيمان، ومن المؤكد أن الخصم يقول لنفسه: إن عدالة هذا المسلم لم تمنعه من أن يقول الحق، ولابد أن عقيدته تجعل منه إنسانًا قويًا، وأن دينه الذي أمره بذلك هو نعم الدین. إذن ساعة تحكم أيها المؤمن بالعدل لخصمك فأنت تقرعه؛ لأنه ليس مؤمناً، لكن لو رأى خصمك أنك قد جرت ولم تذهب إلى الحق فأنت بذلك تشجعه على أن یبقی کافرا؛ لأنه سیعرف أنك تتبع الهوى، أما إذا رآك وأنت تقف موقفًا يرضي الله مع أنه خصم لك، فهو يستدل من ذلك على أن العقيدة التي آمنت بها هي الحق، وأنك تقيم (٢) تفسير القرآن العظيم ٦٢/٣. جَوَسُ بَةُ النَّفِيَّة الْقُرآن الكَرِيمِ ٢٠٢ العدل الحق حتى في أعدائك. وهكذا يقرع الخصم العقدي نفسه، وقد يلفته ذلك إلى الإيمان. ﴿أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ أقرب إلى أي تقوى؟ أأقرب إلى تقوى المؤمن؟ أم أن الخصم يكون أقرب إلى التقوى حين يرى المؤمن مقيمًا للعدل والحق، فلعله يرتدع ویعاود نفسه ويقول: إن الإيمان قد جعل هذا المسلم يتغلب على البغض، وحكم بالحق على الرغم من أنه يعلم أنني عدو له؟، فالمعنى النفسي الذي يصيب خصمك، أو من يبغضك أو من بينك وبينه شنآن، حين يراك آثرت الحق على بغضك له يجعله يلتفت إلى الإيمان، الذي جعل الحق يعلو الهوى، ويغلبه ويقهره، ويصير أقرب للتقوى، وأيضًا من يشهد بالقسط؛ هو أقرب للتقوى)) (١). (١) تفسير الشعراوي ٢٩٧٦/٥. ثمرات إقامة العدل لإقامة العدل بين الناس ثمرات كثيرة، منها: أولًا: الأمن في المجتمع: إن آثار العدل ومباشرته في الحكم، على نحو صورة العدل المطلوب في سياسة الإسلام حسبما جاء في كتاب الله، توفر حتمًا: صيانة الأعراض من الاعتداء عليها، وصيانة النفوس من الاضطهاد والتعذيب، ومن تتبع الخصوصيات لها ومراقبتها، وعدم التفرقة في فرص المعيشة، وتولي الوظائف العامة. فبالعدل يتحقق الاستقرار والطمأنينة في المجتمع المسلم؛ لما يشعر به كل فرد من أنه ليس أقل من غيره، وأنه سيحصل على حقه في التعليم والوظائف العامة ونحوها. والقضاء على الفتن الطائفية؛ نظرًا لشعور الذميين بأن لهم حق المواطنة على قدم العدل مع المسلمين. ولا أدل على معنى الأمن في المجتمع من إقامة العدل بالقصاص من المعتدي؛ ليكف عدوانه عن المجتمع، فيظل المجتمع مستقرًا هادئًا. وهذا الاستقرار والهدوء عبر عنه المولى بـ(الحياة)) فقال: ﴿وَلَكُمْ فِى الْقِصَاصِ حَيَوَةٌ يَتَأُوْلِ آلْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: www. modoee.com ٢٠٣ حرف العين ١٧٩]. فالقصاص فيه ضمان البقاء المجتمع وحياته(١). ومن مقتضى رحمته وحكمته سبحانه وتعالى أن یکون التحاكم بين العباد بشرعه ووحيه؛ لأنه المنزه عما يصيب البشر من الضعف والهوى والعجز والجهل، فهو سبحانه الحكيم العليم اللطيف الخبير، يعلم أحوال عباده وما يصلحهم، وما يصلح لهم في حاضرهم ومستقبلهم، ومن تمام رحمته أن تولى الفصل بينهم في المنازعات والخصومات وشئون الحياة؛ ليتحقق لهم العدل والخير والسعادة، بل والرضا والاطمئنان النفسي، والراحة القلبية. ذلك أن العبد إذا علم أن الحكم الصادر في القضية التي يخاصم فيها هو حكم الله الخالق العليم الخبير، قبل ورضي وسلم -حتى ولو كان الحكم خلاف ما يهوى ويريد-، بخلاف ما إذا علم أن الحكم صادر من أناس بشر مثله، لهم أهواؤهم وشهواتهم؛ فإنه لا يرضى ويستمر في المطالبة والمخاصمة؛ ولذلك لا ينقطع النزاع ويدوم الخلاف، وأن الله سبحانه وتعالى إذ يوجب على العباد التحاكم إلى وحيه رحمة بهم، وإحسانًا إليهم؛ فإنه سبحانه بين الطريق العام لذلك أتم بيان إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ وأوضحه بقوله سبحانه: أَنْ تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِّ إِنَّ اللَّهَ نِمَا يَعِتُكُم بِهِ إِنَّ اُللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ) يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأَوْلِ الْأَمْيِ مِنْكُمْ فَإِن نَزَعْنُمْ فِي شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَّوْمِ الْآَخِرَّ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾ [النساء: ٥٨- ٥٩]. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «إن الناس لم يتنازعوا في أن عاقبة الظلم وخيمة، وعاقبة العدل كريمة، ويروى: الله ينصر الدولة العادلة، وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة، وإن كانت مؤمنة)) (٢). وقال ابن القيم: ((الإنسان خلق في الأصل ظلومًا جهولًا، ولا ينفك عن الجهل والظلم إلا بأن يعلمه الله ما ينفعه، ويلهمه رشده، فمن أراد به خيرًا؛ علمه ما ينفعه، فخرج به عن الجهل، ونفعه بما علمه، فخرج به عن الظلم، ومن لم يرد به خيرًا؛ أبقاه على أصل الخلقة، فأصل كل خير هو العلم والعدل، وأصل كل شر هو الجهل والظلم، وقد جعل الله سبحانه للعدل المأمور به حدًا، فمن تجاوزہ کان ظالمًا معتدیًا، وله من الذم والعقوبة بحسب ظلمه وعدوانه)) (٣). (١) المجتمع الإسلامي في ظل العدالة، صلاح الدين المنجد ص ٣٧. (٢) مجموع فتاوى ابن تيمية ٦٢/٢٨ - ٦٣. (٣) إغاثة اللهفان ١٣٦/٢-١٣٧ بتصرف. ٢٠٤ القرآن الكريمِ العدل وقال أيضًا: ((إذا جرى على العبد مقدور یکرهه فله فيه ستة مشاهد: أحدها: مشهد التوحيد، وأن الله هو الذي قدره وشاءه و خلقه، وما شاء الله كان، وما لم يشأ لم یکن. الثاني: مشهد العدل، وأنه ماضٍ فيه حکمه، عدل فيه قضاؤه)) (١). ثانيًا: سعة الرزق: ذكر المولى سبحانه وتعالى في آيات كثيرة أن رغد العيش، وسعة الرزق في إقامة أوامر الله وشرعه، الذي من أولياتها ومقاصدها العدل، ومن هذه الآيات: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَنَةَ وَاُلْإِنِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرَجُلِهِمَّ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَاً وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَلَةَ مَا يَعْمَلُونَ ﴾ [المائدة: ٦٦]. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىّ ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْاْ لَفَنَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ [الأعراف: ٩٦]. وقال تعالى: ﴿فَقُلْتُ أُسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ® يُرْسِلِ السَّمَآءُ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا ) وَيُعْدِ ذَّكُ بِأَمْوَلٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْجَنَّتٍ وَنَجْعَل لَّكُرُ أَنْهَرًّا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢]. وقال تعالى: ﴿وَلَّوِ أَسْتَقَمُواْ عَلَى الطَّرِيقَةِ (١) الفوائد ص ٤٨. لَأَسْقَيْنَهُم مََّ غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦]. قال القطان: ((أوحى الله إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أنه لو استقام الإنس والجن على الحق والعمل بشريعة العدل، ولم يحيدوا عنها لأسقيناهم ماءً غزيرًا، ولرزقناهم سعة في الرزق، ورخاءً في العیش)»(٢). وقال محمد بن إسماعيل المقدم: ((﴿عَلَى الطّرِيقَةِ﴾ أي: على طريقة الحق والعدل. ﴿لَأَسْقَيْنَهُمْ مََّ غَدَقًا﴾ أي: لوسعنا عليهم الرزق، وإنما عبر بالماء الغدق -وهو الكثير - عن سعة الرزق؛ لأن الماء الكثير هو أصل المعاش، وسعة الرزق، ولعزة وجوده بين العرب، فهم يعظمون الماء أكثر من غيرهم؛ فمن ثم وعد الله هؤلاء بقوله: ﴿وَأٍَّ أَسْتَقَمُواْ عَلَى الطَّرِيقَةِلَأَسْقَيْنَهُمْ مَّةُ غَدَقً﴾)) (٣). وقال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِ آلْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ اَلَّذِى عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١]. قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: ((قال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِ الْبَرِّوَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما: الفساد القحط، وقلة النبات، وذهاب البركة، قال أبو العالية: من (٢) تيسير التفسير، القطان ٣٧٦/٣. (٣) تفسير القرآن الكريم، المقدم ٤/١٨٣. www. modoee.com ٢٠٥ حرفالعین عصى الله في الأرض؛ لأن صلاح الأرض والسماء بالطاعة، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىّ ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْاْ لَفَنَحْنَا عَلَيْهِم بَرَّكَتٍ مِّنَ السَّمَآِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦]. قال: البركات: المطر والنبات، وقال تعالى في أهل الكتاب: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَكَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُواْمِن فَوْقِهِمْ وَمِن ◌َّحْتِ أَرْجُلِهِم﴾ [المائدة: ٦٦]. قال ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير: ﴿مِن فَوْقِهِمْ وَمِن ◌َّحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ يعني: المطر والنبات، وقال هود لقومه: ﴿وَقَوْمِ أَسْتَغْفِرُ واْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢]. ذكر المفسرون: أن قوم هود حبس الله عنهم المطر بسبب ذنوبهم ثلاث سنين، فقال لهم هود: إن آمنتم أحيا الله بلادكم، وزادكم عزًّا على عزكم. وقال نوح لقومه: ﴿فَقُلْتُ أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ، كَانَ غَفَّارًا ١٠ يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُم مِدْرَارًا وَيُعْدِدَكُ بِأَوَلٍ وَيَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّتٍ وَنَجْعَل لَّكُمْ أَنَّهَرًّا ()﴾ [نوح: ١٠ - ١٢]. قال قتادة: علم نبي الله أنهم أهل حرص على الدنيا، فقال: هلموا إلى طاعة الله؛ فإن في طاعة الله سعادة الدنيا والآخرة، وقال تعالى: ﴿وَأَلَِّ أُسْتَقَمُواْ عَلَى الَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَهُم مَّهُ غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦]. ومعنى الآية: لو استقام القاسطون على طريقة الإسلام، وعدلوا إليها، واستمروا عليها؛ لأسقيناهم ماءً غدقًا، يعني: سعة الرزق، وضرب الماء الغدق مثلًا؛ لأن الخير والرزق كله من المطر، هذه الآيات تدل على أن المعاصي سبب لحبس المطر، وذهاب البركة، وأن طاعة الله سبب للمطر والبركات. وقد روى الإمام أحمد بن حنبل عن أبي مخدع أنه قال: وجد رجل في زمان زیاد أو ابن زياد صرة فيها حب يعني: من بر أمثال النوى، مکتوب فیھا: هذا نبت في زمان کان يعمل فيه العدل، وجاءت في هذا المعنى أحاديث))(١). وفي المقابل ذكر الله تعالى أن البغي والظلم هو سبب الحرمان من خيراته ورزقه فقال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ◌ُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ تُهُورُهُمَا أَوِ اُلْحَوَايَآ أَوْ مَا أَخْتَلَطَ بِعَظٍّْ ذَلِكَ جَزَيْنَهُم بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَدِقُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٦]. وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَآءَتُهُمْ رُسُلُهُمْ بِلْبَيْنَتِ وَمَا كَانُوْلِيُؤْمِنُواْ كَذَلِكَ نَجْزِى الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ [يونس: ١٣]. (١) فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ١٣٣/٣ - ١٣٤. ٢٠٦ جَوَسُورَةُ النَّفِيمـ لِلْقُرْآنِ الْكَرِيمِ العدل وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَىِّ أَهْلَكْنَهُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا ﴾ [الكهف: ٥٩]. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ ءَايَّةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينِ وَشِمَالٌّ كُلُواْ مِن رِزْقِ رَيْكُمْ وَأَشْكُرُواْ لَهُ, بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبُّ غَفُورٌ فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْتَهُم ١٥ يِنَِّيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَخْطٍ وَأَقْلٍ وَشَىْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِلٍ ٦ ذَلِكَ جَزَيْنَهُم بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ تُجْزِئٌ إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ: ١٥-١٧]. وبمفهوم المخالفة من هذه الآيات فإن العدل هو سبب إغداق الله علی عبیده بکل أصناف النعيم. ثالثًا: الثقة بين الحاكم والرعية: العدل هو أول واجبات ولاة الأمور، وهو وضع الأشياء في مواضعها، وإعطاء كل ذي حق حقه، والمساواة في الإنصاف بميزان القوانين، وبتحقيقه تكون الثقة بين الحاكم والرعية أقوى من الجبال الرواسي. سأل الإسكندر حكماء أهل بابل: هل الشجاعة عندكم أبلغ أو العدل؟ فقالوا: إذا استعملنا العدل استغنينا عن الشجاعة، فإلى العدل انتهت الرياسة الكاملة، والمملكة الفاضلة (١). قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ (١) العدالة والحرية في فجر النهضة العربية الحديثة، د.عزت القرني ص ٧٦. اَلْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِّ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعِظُكُمْ بِّهِ إِنَّاللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨]. قال الطبري: ((أولى الأقوال بالصواب في معنى الآية قول من قال: هو خطاب من الله إلى ولاة أمور المسلمين بأداء الأمانة إلى من ولوا أمره في فيئهم وحقوقهم، أو ما ائتمنوا عليه من أمورهم بالعدل بينهم في القضية، والقسم بينهم بالسوية)) (٢). وقال القرطبي: ((فالله سبحانه وتعالى يأمر الحكام بإقامة العدل بين الناس في أحكامهم؛ حتى لا تضيع الحقوق، وتنتفي الأمانة)». وقال أيضًا: ((الأظهر في الآية أنها عامة في جميع الناس، فهي تتناول الولاة فيما إليهم من الأمانات في قسمة الأموال، ورد الظلمات، والعدل في الحكومات، وتتناول من دونهم من الناس في حفظ الودائع، والتحري في الشهادات وغير ذلك، کالرجل یحکم في نازلة ما ونحوه)) (٣). وقال البيضاوي: ((هو خطاب يعم المكلفين؛ ولأن الحكم وظيفة الولاة - قيل الخطاب لهم-، أي: وأن تحكموا بالإنصاف والسوية إذا قضيتم بين من ينفذ علیه أمركم، أو یرضی بحکمکم)»(٤). (٢) جامع البيان ٧/ ١٧١. (٣) الجامع لأحكام القرآن ٢٥٦/٥. (٤) أنوار التنزيل ٢/ ٨٠. www. modoee.com ٢٠٧ حرف العين وقال الرازي: (( أجمعوا على أن من بعد الأمر بالعدل، وأداء الأمانة؛ لأن هذين كان حاكمًا وجب عليه أن يحكم بالعدل، الأمرين قوام نظام الأمة، وهو تناصح الأمراء والرعية، وانبثاث الثقة بينهم)) (٣). وقد أوجب الله العدل على جميع الخلق -حتى الأنبياء-، قال تعالى: ﴿يَدَاوُدُإِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِ الْأَرْضِ فَأَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىُّ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾﴾ [ص: ٢٦]»(١). وقال الشوكاني: ((والعدل هو فصل الحكومة على ما في كتاب الله سبحانه، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لا الحکم بالرأي المجرد، فإن ذلك ليس من الحق في شيء إلا إذا لم يوجد دليل تلك الحكومة في كتاب الله، ولا في سنة رسوله؛ فلا بأس باجتهاد الرأي من الحاكم الذي يعلم بحكم الله سبحانه، وبما هو أقرب إلى الحق عند عدم وجود النص، وأما الحاكم الذي لا يدري بحکم الله ورسوله، ولا بما هو أقرب إليهما، فهو لا يدري ما هو العدل؛ لأنه لا يعقل الحجة إذا جاءته، فضلا عن أن یحکم بها بین عباد الله))(٢). وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِن نَزَعْنُمْ فِي شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَأَلْيَّوْمِ الْآَخِرَّ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]. قال الطاهر بن عاشور: ((وإنما أمر بذلك فهذه النصوص -وإن كانت تمتلئ بالتفخيم في أمر الحاكم-؛ فلأنه القائم بأمر الله في أرضه، فهي كذلك تحذره في نفس الوقت؛ لأنه ليس مالگًا للعباد، فطاعته ما قادهم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم (٤). فعلى الحاكم الاجتهاد في إقامة العدل والاستقامة، وأن لا تأخذه في الله لومة لائم، فیکون حکمه وشهادته لوجه الله، دون تحیز أو محاباة، ولو كان في ذلك الحكم وتلك الشهادة مس به شخصيا، أو إلحاق أذى أو مضرة بوالديه أو بأقاربه وأنسبائه؛ ذلك أن صلة البر لا تكون بكتمان الحق، ولا بإعانة هؤلاء على ما ليس لهم بحق، فالحق أحق بالإتباع، وهو الحاکم علی کل إنسان. «فالعدل الذي يجب أن يتحلى به الحاكم لا يميل ميزانه الحب والبغض، ولا تغير قواعده المودة والشنآن، العدل الذي لا يتأثر بالقرابة بين الأفراد، ولا بالتباغض بين الأقوام، فيتمتع به أفراد الأمة الإسلامية جميعًا، لا يفرق بينهم حسب ولا نسب، ولا مال ولا جاه، کما تتمتع به الأقوام الأخرى، (١) مفاتيح الغيب ١١٠/١٠. (٢) فتح القدير ١ / ٥٧١. مَوَسُولَة النفسية لِلْقُرْآن الكَرِيمِ (٣) التحرير والتنوير ٩٨/٥. (٤) الفصل في الملل والنحل، ابن حزم ٤/ ١٧٦. ٢٠٨ العدل ولو كان بينها وبين المسلمين شنآن، وتلك قمة العدل لا يبلغها أي قانون دولي إلى هذه اللحظة، ولا أي قانون داخلي كذلك)»(١). موضوعات ذات صلة: الإنصاف، التمكين، الحساب، الحكم، السياسة، الظلم، الوسطية (١) العدالة الاجتماعية في الإسلام، سيد قطب ص ١٠٥. www. modoee.com ٢٠٩