Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
العَدل
عناصر الموضوع
مفهوم العدل
١٥٦
العدل في الاستعمال القرآني
١٥٧
الألفاظ ذات الصلة
١٥٨
الحث على العدل
١٦٠
١٧٨
مجالات العدل
٢٠٣
ثمرات إقامة العدل
المُجَلَّدَ الثَّالِثِ وَالْعَشْرُونْ

حرف العين
مفهوم العدل
أولاً: المعنى اللغوي:
العدل مصدر عدل يعدل عدلًا، وهو مأخوذ من مادة ((ع د ل)) التي تدل على معنيين
متقابلين: أحدهما يدل على الاستواء، والآخر على الاعوجاج(١)، ويرجع لفظ العدل هنا
إلى المعنى الأول، وإذا كان العدل مصدرًا، فمعناه: خلاف الجور، وهو ما قام في النفوس أنه
مستقيم، وقد يستعمل هذا المصدر استعمال الصفات، ويرادفه في معناه المصدري العدالة
والعدولة والمعدلة والمعدلة، يقال: فلان من أهل المعدلة، أي: من أهل العدل، وعدل عن
الطريق عدولا مال عنه وانصرف(٢). والعَدل والعدل والعَديل: النظير والمثيل(٣).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
لا يخرج العدل عن معنى الاستقامة على الحق، العدل هو الحكم بالحق، أو فصل
الحکومة على ما في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لا الحكم بالرأي
المجرد (٤).
وقيل: ((بذل الحقوق الواجبة، وتسوية المستحقين في حقوقهم)) (٥).
وقال ابن حزم: «هو أن تعطي من نفسك الواجب وتأخذه))(٦).
وقال الجرجاني: ((العدل: الأمر المتوسط بين الإفراط والتفريط، فالعدالة في الشريعة:
عبارة عن الاستقامة على طريق الحق بالاجتناب مما هو محظور دينًا)) (٧).
فالمعنى الاصطلاحي لا يخرج عن المعنى اللغوي فكلاهما يدلان على الاستواء
والاستقامة، إلا أن المعنى الاصطلاحي خص بالاستقامة على الحق.
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٤٦/٤، مجمل اللغة، ابن فارس ٦٥١/١.
(٢) انظر: العين، الفراهيدي ٢/ ١١، جمهرة اللغة، ابن دريد ٦٦٣/٢، المصباح المنير، الفيومي ٢٠٦/١،
تاج العروس، الزبيدي ٢٩ / ٤٤٤.
(٣) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ١٢٣/٢.
(٤) انظر: فتح القدير، الشوكاني ١ / ٤٨٠.
(٥) الرياض الناضرة والحدائق النيرة الزاهرة، السعدي ص ٢٥٣.
(٦) مداواة النفوس ص ٨١.
(٧) انظر: التعريفات ص ١٥٣.
١٥٦
بَرُ النَِّّيَّـ
جوية
القرآن الكريمِ

العدل
العدل في الاستعمال القرآني
وردت مادة (عدل) في القرآن الكريم (٢٨) مرة، يخص موضوع البحث منها (٢٧)
مرة (١).
والصيغ التي وردت عليها هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل المضارع
١١
﴿وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ٧٠]
الفعل الأمر
٢
﴿أَعْدِ لُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]
المصدر
١٤
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ [النحل: ٩٠]
وجاء العدل في الاستعمال القرآني على أربعة أوجه (٢):
الأول: الفداء: ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة: ٤٨]
يعني: فداء.
[المائدة: ٩٥]
الثاني: القيمة: ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾
يعني: قيمة ذلك بصيام.
الثالث: الشرك: ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَتِهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] يعني:
یشرکون.
الرابع: الإنصاف: ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِ مَنَّكُمْ سَنَّكَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّ تَعْدِلُوا﴾
[المائدة: ٨].
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٤٤٨-٤٤٩.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص ٣٤٢-٣٤٣.
www. modoee.com
١٥٧

حرف العين
الألفاظ ذات الصلة
١
المساواة:
المساواة لغة:
مصدر سوي، والسوى: العدل، والسواء من المساواة تقول: بنو فلان سواء، إذا استووا
في خير أو شر، فإذا قلت: سواسية لم يكن إلا في شر (١).
المساواة اصطلاحًا:
اتفاق الشيئين في الكمية (٢).
الصلة بين العدل والمساواة:
إن المساواة هي الغاية التي تسعى العدالة إلى تحقيقها، وهي الغاية المرجوة منها، والعدل
-في مجال الحكم - هو الحكم بالسوية(٣)، ولما كانت العدالة خلقًا أو هيئة نفسانية تصدر
عنها المساواة؛ فقد اقترن الأمران، وارتبطا ارتباطًا وثيقًا؛ لأن العادل من شأنه أن يساوي بين
الأشياء التي هي غير متساوية؛ ولما كان الأمر كذلك، فإن كليهما قد يستعمل استعمال الآخر
تسامحًا (٤)، ولكنهما غالبًا ما يستعملان معًا.
الإنصاف:
٢
الإنصاف لغة:
إعطاء الحق، وأنصف الرجل صاحبه إنصافًا، أي: عدل، وأنصف: إذا أخذ الحق، وأعطى
الحق، والنصفة: اسم الإنصاف، وتفسيره: أن تعطيه من نفسك النصف، أي: تعطيه من الحق
كالذي تستحق لنفسك. ويقال: انتصفت من فلان أخذت حقي كاملاً(٥).
الإنصاف اصطلاحًا:
قال المناوي: ((الإنصاف: هو العدل في المعاملة بأن لا يأخذ من صاحبه من المنافع إلا
ما يعطيه، ولا ينيله من المضار إلا كما ينيله، وهو والعدل توأمان نتيجتهما علو الهمة، وبراءة
(١) انظر: جمهرة اللغة، ابن دريد ١/ ٢٣٧.
(٢) انظر: الكليات، الكفوي ص ٨٤٣.
(٣) تهذيب الأخلاق، ابن مسكويه ص٩٨.
(٤) تهذيب الأخلاق، ابن مسكويه ص١٠٧.
(٥) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٣٣٢/٩.
١٥٨
جَوَسُور
القرآن الكريم

العدل
الذمة باكتساب الفضائل، وتجنب الرذائل)»(١).
الصلة بين العدل والإنصاف:
((إن الإنصاف إعطاء النصف، والعدل يكون في ذلك وفي غيره، ألا ترى أن السارق إذا
قطع قيل: إنه عدل عليه، ولا يقال: إنه أنصف، وأصل الإنصاف: أن تعطيه نصف الشيء
وتأخذ نصفه من غير زيادة ولا نقصان، وربما قيل: أطلب منك النصف، كما يقال أطلب
منك الإنصاف)»(٢).
القسط:
٣
القسط لغة:
القسط بالكسر: العدل، يقال أقسط يقسط فهو مقسطٌ: إذا عدل، وقسط يقسط فهو قاسطٌ:
إذا جار، والقسط أيضًا: مكيال، وهو نصف صاع (٣).
القسط اصطلاحًا:
((القسط بالكسر، النصيب بالعدل)) (٤)
الصلة بين العدل والقسط:
إن القسط هو: العدل البين الظاهر، ومنه سمي المكيال قسطًا، والميزان قسطًا؛ لأنه يصور
لك العدل في الوزن حتى تراه ظاهرًا، وقد يكون من العدل ما يخفى ولهذا قلنا: إن القسط هو
النصيب الذي بينت وجوهه، وتقسط القوم الشيء تقاسموا بالقسط(٥).
(١) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ٦٤.
(٢) الفروق اللغوية، العسكري ص ٢٣٤.
(٣) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٣٦٢٦/٥، الصحاح، الجوهري ١١٥٢/٣.
(٤) التوقيف على مهمات التعاريف ص٢٧١.
وانظر: الكليات، الكفوي ص٧٣٣.
(٥) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص٢٣٤.
www. modoee.com
١٥٩

حرف العين
الحث على العدل
تنوعت أساليب القرآن في الحث على
العدل، وهي كما يأتي:
أولًا: أسلوب الطلب:
هناك آیات کثیرة تأمر بالعدل، جملة
وتفصيلا في مجالات كثيرة، ومنها:
قوله تعالى: ﴿وَلْيَكْتُبِ بَيْنَكُمْ كَاتِبُ
بِالْعَدَلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
قال الطبري: ((يعني بذلك جل ثناؤه:
وليكتب كتاب الدين إلى الأجل المسمى
بين الدائن والمدين ﴿كَاتِبُ بِالْعَدْلِ﴾
يعني: بالحق والإنصاف في کتابه الذي یکتبه
بينهما، بما لا يتحيف ذا الحق حقه، ولا
پبخسه، ولا يوجب له حجة على من عليه
دينه فيه بباطل، ولا يلزمه ما ليس عليه))(١).
وقال الماوردي: ((وعدل الكاتب ألا
يزيد فيه إضرارًا بمن هو عليه، ولا ينقص
منه، إضرارًا بمن هو له))(٢).
وقوله تعالى: ﴿فَإِن كَانَ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ
سَفِيهَا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَ هُوَ
فَلْيُمْلِلٌ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
قال الزجاج: ((ومعنى: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ
بِالْمَدْلِ﴾ أي: الذي يقوم بأمره؛ لأن الله أمر
ألا نؤتي السفهاء الأموال، وأمر أن يقام لهم
(١) جامع البيان ٦/ ٥١.
(٢) النكت والعيون ٣٥٥/١.
بها، فقال: ﴿وَأَزْزُقُوهُمْ فِهَا وَاَكْسُوهُمْ﴾ [النساء:
٥].
فوليه الذي يقوم مقامه في ماله لو كان
مميزًا»(٣).
وقوله تعالى: ﴿وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَمَى
بِاَلْقِسْطِ ﴾ [النساء: ١٢٧].
وعن عائشة رضي الله عنها في قول
الله تعالى: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَبِ
فِي يَتَمَى النِّسَآءِ الَّتِ لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ
وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧].
قالت: «هذا في اليتيمة التي تكون عند
الرجل لعلها أن تكون شریکته في ماله، وهو
أولى بها، فيرغب عنها أن ينكحها؛ فيعضلها
لمالها، ولا ينكحها غيره كراهية أن يشركه
أحد في مالها)) (٤).
وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ الْكَبْلَ وَالْمِيزَانَ
بِالْقِسْطِ لَا تُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ
فَأَعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبٌَ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْ فُواْ
ذَلِكُمْ وَصَّنَكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾
[الأنعام: ١٥٢].
في هذه الآية يحذر المولى عز وجل
النفوس الضعيفة التي تطبق ميزان العدل،
وتشهد بالحق على الآخرين، وإذا كانت
(٣) معاني القرآن وإعرابه ١/ ٣٦٣.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح،
باب من قال: لا نكاح إلا بولي، ٧/ ١٦، رقم
٥١٢٨، ومسلم في صحيحه، كتاب التفسير،
٢٣١٥/٤، رقم ٣٠١٨.
١٦٠
جوبيع
القرآن الكريم

العدل
القضية تمسهم أو تمس أقاربهم فسرعان ما العادين، ذاك وصف العدل.
يميلون عن العدل، ويزيغون عن الحق.
قال ابن كثير: ((يأمر الله تعالى بإقامة الكلم التي خص بها النبي صلى الله
العدل في الأخذ والإعطاء، کما توعد على
تركه في قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾
[المطففين: ١])) (١).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ
وَاَلْإِحْسَنِ وَ إِيتَآَيِ ذِى الْقُرْفَ وَيَنْعَى
عَنِ الْفَحْشَآِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِّ يَعِظُكُمْ
لَعَلَّكُمْ تَذَّكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠].
في هذه الآية الكريمة إشارة إلى الفضل
مع العدل، ففيما يتعلق بالعدل فإن الإحسان
فوقه؛ لأنه إذا كان العدل يعني أن يأخذ
الإنسان ما له، ويعطي ما عليه؛ فإن الإحسان
يعني أن يأخذ الإنسان أقل مما له، وأن يعطي
أکثر مما علیه، فالإحسان بذلك زائد على
العدل، وإذا كان تحري العدل من الواجبات؛
فإن تحري الإحسان ندب وتطوع، وكلاهما
مأمور به، فالعدالة لابد منها لضبط الأمور،
وإنصاف بعضهم من بعض.
وعندما سأل عمر بن عبد العزيز محمد
بن كعب القرظي: صف لي العدل، قال:
بخ، سألت عن أمر جسیم، کن لصغير الناس
أبًا، ولكبيرهم ابنًا، وللمثل أخّا، وللنساء
كذلك! وعاقب الناس على قدر ذنوبهم، ولا
تضربن في غضبك سوطًا واحدًا؛ فتكون من
(١) تفسير القرآن العظيم ٢/ ١٩٠.
وقال ابن رجب الحنبلي: ((فجوامع
عليه وسلم نوعان: أحدهما: ما هو في
القرآن، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ
وَالْإِحْسَنِ وَإِيتَآٍَ ذِى الْقُرْبَ وَيَنْهَى عَنِ
اٌلْفَحْشَآِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠].
قال الحسن البصري: «لم تترك هذه الآية
خيرًا إلا أمرت به، ولا شرًا إلا نهت عنه))(٢).
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّ بِالْقِسْطِ ﴾
[الأعراف: ٢٩].
هذا أمر بالعدل المطلق في الأحكام
والأعمال، وهو الأصل العام لجميع
الأحكام بين الناس(٣).
وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللّهَ
وَقُولُواْقَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠].
قال الطبري: « السديد من الكلام: هو
العدل والصواب)» (٤).
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَبَ
وَاَلْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ﴾ [الحديد:
٢٥].
هذه الآية الكريمة تبين حرص الدعوة
الإسلامية على بناء مجتمع العدل والقوة،
وتوضح الأسس اللازمة لبناء مجتمع قوي
متحضر يقوم على العدل والقوة، فالكتاب
(٢) جامع العلوم والحكم ص٣.
(٣) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٩/ ٤٧٧.
(٤) جامع البيان ٢٦/٧.
www. modoee.com
١٦١

حرفالعین
والميزان لإقامة العدل، والحديد لإيجاد الله صلى الله عليه وسلم: (من اقتطع حق
امرئٍ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار،
وحرم عليه الجنة) فقال له رجلٌ: وإن كان
شيئًا يسيرًا يا رسول الله؟ قال: (وإن قضيبًا
من أراكٍ)(٢).
القوة التي تحمي العدل، وتكفل استمراره،
والعدل الشامل يمتد إلى المسلم والذمي
والكافر، والأغنياء والفقراء، والأقوياء
والضعفاء، والرجال والنساء، حيث تتحدد
حقوق الجميع وفق موازين العدل دون
احتکار، أو استغلال، أو استئثار، أو ظلم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((أخبر الله
في كتابه أنه أنزل الكتاب والحديد؛ ليقوم
الناس بالقسط، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا
رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَبَ
وَاَلْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا
الْحَدِيدَ فِيهِبَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥] الآية.
ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أمته
بتولية ولاة الأمور عليهم، وأمر ولاة الأمور
أن يردوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكموا
بين الناس أن يحكموا بالعدل، وأمرهم
بطاعة ولاة الأمور من طاعة الله تعالى)) (١).
ثانيًا: أسلوب النهي عن ضده:
ضد العدل: الظلم، وأصله: وضع الشيء
في غير موضعه، وكذلك ذكر غير واحد،
قالوا: والعرب تقول: من أشبه أباه فما ظلم،
أي: ما وضع الشبه في غير موضعه.
وأجمع العلماء سلفًا وخلفًا على تحريم
الظلم، -ولو کان شيئًا يسيرًا-، قال رسول
قال الزرقاني: ((لئلا يتهاون بالشيء
اليسير، ولا فرق بين قليل الحق وكثيره في
التحریم، أما في الإثم؛ فالظاهر أنه ليس من
اقتطع القناطير المقنطرة من الذهب والفضة
کمن اقتطع الدرهم والدرهمین، وهذا خرج
مخرج المبالغة في المنع، وتعظيم الأمر
وتهويله)) (٣). وقال الراغب الأصفهاني:
((الظلم هو الانحراف عن العدل؛ ولذلك
حد بأنه وضع الشيء في غير موضعه
المخصوص به، وقد يسمى هذا الانحراف
جورًا، ولما كانت العدالة تجري مجرى
النقطة من الدائرة؛ فإن تجاوزها من جهة
الإفراط عدوان وطغيان، والانحراف عنها
في بعض جوانبها جور وظلم، والظلم أعم
هذه الألفاظ استعمالً)) (٤).
((وقال أبو بكر بن الأنباري: الظلم وضع
الشيء في غير موضعه، يقال: ظلم الرجل
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة
بالنار، ١٢٢/١، رقم ١٣٧.
(٣) شرح الموطأ ٤/ ٥.
(٤) الذريعة إلى مكارم الشريعة، الراغب
ص٢٥٣.
(١) الحسبة ص١٩.
صَوسوبر التفسير
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
١٦٢

العدل
سقاءه، إذا سقا منه قبل أن يخرج زبده، قال
الشاعر (١)
وصاحب صدق لم تنلني شكاته
ظلمت وفي ظلمي له عامدا أجر
أراد بالصاحب: وطب اللبن، وظلمه
إياه: أن يسقيه قبل أن يخرج زبده، والعرب
تقول: هو أظلم من حية؛ لأنها تأتي الحفر
الذي لم تحفره فتسکنه، ويقال: قد ظلم
الماء الوادي إذا وصل منه إلی مکان لم یکن
يصل إليه فيما مضى (٢).
وهناك آيات كثيرة قاضية بتحريم الظلم
جملة وتفصيلاً، ومنها:
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ اٌلْفَوَِشَ
مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَآلْإِثْمَ وَالْبَغْىَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾
[الأعراف: ٣٣].
قال الزمخشري: ((البغي: الظلم والكبر،
أفرده بالذكر كما قال: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ
﴿مَا لَمْ يُنْزِّلْ إِه
وَاَلْمُنكَرِ وَالْبَغِي﴾
سُلْطَانًا﴾ [الأعراف: ٣٣].
فیه تهکم؛ لأنه لا يجوز أن ينزل برهانًا
بأن يشرك به غيره»(٣).
(١) البيت في لسان العرب ٣٧٥/١٢ دون نسبة،
وروايته: ((لم تربني)) بدل ((لم تنلني)).
وانظر: تهذيب اللغة، الأزهري ٢٧٦/١٤،
الإمتاع والمؤانسة، أبو حيان التوحيدي ص
٣١٠، أساس البلاغة، الزمخشري ١/ ٦٢٧.
(٢) زاد المسير، ابن الجوزي ١/ ٥٥.
وانظر: جامع الرسائل لابن تيمية ١/ ١٢٤.
(٣) الكشاف ٢/ ١٠١.
وقال الشوكاني: ((قوله: ﴿وَالْبَغَْ بِغَيْرِ
اَلْحَقِّ﴾ أي: الظلم المجاوز للحد، وأفرده
بالذکر بعد دخوله فیما قبله؛ لكونه ذنبًا
عظيمًا، كقوله:
﴿وَيَنْقَى عَنِ الْفَحْشَآءِ
وَالْمُنكَرِ وَاَلْبَغِيِ﴾))(٤).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِلْعَدْلِ
وَاَلْإِحْسَنِ وَ إِيتَآَيٍ ذِى الْقُرْبَ وَيَنْهَى
عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِّ يَعِفُكُمْ
لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠].
قال الواحدي: ((البغي: الكبر والظلم
﴿بَعِظُكُمْ ﴾ ینهاکم عن هذا كله، ویأمركم
أن تتحاضوا على ما فيه لله رضا؛ لكي
تتعظوا)) (٥).
ولم يقتصر التحريم على ظلم الغير،
بل نهانا ربنا سبحانه وتعالى عن ظلم
النفس كذلك، فقال: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ
عِندَ اللَّهِ أَثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَبِ اللَّهِ يَوْمَ
خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ
حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُّ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيِهِنَّ
أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦].
ومنع سبحانه كل سبب يؤدي إلى الظلم،
فقال تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الْرِزْقَ لِعِبَادِهِ، لَبَغَوْاْ
فِ الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ.
خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧].
(٤) فتح القدير ٢٢٩/٢.
وانظر: نيل المرام من تفسير آيات الأحكام،
صديق حسن خان ص٣٠١.
(٥) الوسيط في تفسير القرآن المجيد ٧٩/٣.
www. modoee.com
١٦٣

حرف العين
قال الزمخشري: ((لبغوا من البغي، وهو دلالة قاطعة على الحق الذي من كفر بها فهو
الظلم، أي: لبغى هذا على ذاك، وذاك على في غاية الكفر والعناد، ويقتلون أنبياء الله
هذا؛ لأن الغنى مبطرة مأشرة، و کفی بحال
قارون عبرة))(١).
وكذلك هناك آيات كثيرة قاضية بوعید
الله للظالمين، ومنها:
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِتَايَتِ
اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّيْتِنَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ
الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [آل عمران: ٢١].
﴿يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ ﴾ أي: بالعدل(٢).
وتكرير الفعل ((يقتلون)) للإشعار بما
بين القتلين من التفاوت أو باختلافها في
الوقت (٣).
قال الطبري: ((تأويل الآية إذًا: إن الذين
يكفرون بآيات الله، ويقتلون النبيين بغير
حق، ويقتلون آمريهم بالعدل في أمر الله
ونهيه، الذين ينهونهم عن قتل أنبياء الله،
وركوب معاصیه» (٤).
وقال السعدي: ((هؤلاء الذين أخبر الله ما أجرأهم على الله وعلى أنبيائه وعباده
الصالحين)) (٥).
عنهم في هذه الآية أشد الناس جرمًا، وأي
جرم أعظم من الكفر بآيات الله التي تدل
(١) الكشاف ٢٢٣/٤.
وانظر: روح المعاني، الألوسي ٣٨/١٣،
تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٢٧.
(٢) معاني القرآن، النحاس ٣٧٥/١.
(٣) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود
١٩/٢، روح المعاني، الألوسي ١٠٥/٢.
(٤) جامع البيان ٦/ ٢٨٦.
الذين حقهم أوجب الحقوق على العباد بعد
حق الله، الذين أوجب الله طاعتهم والإيمان
بهم وتعزيرهم، وتوقيرهم، ونصرهم،
وهؤلاء قابلوهم بضد ذلك، ويقتلون أيضًا
الذين يأمرون الناس بالقسط، الذي هو
العدل، وهو الأمر بالمعروف، والنهي عن
المنكر الذي حقيقته إحسان إلى المأمور،
ونصحٌ له؛ فقابلوهم شر مقابلة فاستحقوا
بهذه الجنايات المنكرات أشد العقوبات،
وهو العذاب المؤلم البالغ في الشدة إلى
غاية لا يمكن وصفها، ولا يقدر قدرها،
المؤلم للأبدان والقلوب والأرواح.
وبطلت أعمالهم بما كسبت أیدیھم، وما
لهم أحد ينصرهم من عذاب الله، ولا يدفع
عنهم من نقمته مثقال ذرة، بل قد أیسوا من
كل خير، وحصل لهم كل شر وضير، وهذه
الحالة صفة اليهود ونحوهم،-قبحهم الله-
وبين سبحانه وتعالى أن الظالمين لا
ينتفعون بالقرآن الكريم؛ لفساد فطرتهم،
فقال تعالى: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ
وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلََّّ خَسَارًا﴾
[الإسراء: ٨٢].
(٥) تيسير الكريم الرحمن ص ١٢٦.
جوبيبو
القرآن الكريمِ
١٦٤

العدل
قال قتادة: قوله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا عُرُوشِهَا وَيَثْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾
[الحج: ٤٥].
هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ إذا سمعه المؤمن
انتفع به وحفظه ووعاه ﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ ﴾
به ﴿إِلََّّ خَسَارًا﴾ أنه لا ينتفع به، ولا يحفظه،
ولا يعيه(١).
وقال الشعراوي: ((لأنهم بظلمهم
واستقبالهم فيوضات السماء بملكات
سقيمة، وأجهزة متضاربة متعارضة، فلم
ينتفعوا بالقرآن، ولم يستفيدوا برحمات
الله»(٢).
ونهانا ربنا سبحانه وتعالى عن مجرد
الميل اليسير إلى من تلبس بأي أنواع الظلم
القليل، فقال: ﴿وَلَا تَرْكُنُوْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ
فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ
أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لَا نُنصَرُونَ﴾ [هود: ١١٣].
وَلَا
قال الزمخشري: ((تأمل قوله:
تَرْكَنُواْ﴾، فإن الركون هو الميل اليسير،
وقوله ﴿إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: إلى الذين وجد
منهم الظلم، ولم يقل: إلى الظالمين))(٣).
وبين المولى أن عاقبة الظالمين وخيمة
-وإن أمهلهم-، فقال: ﴿فَكَيِّنٍ مِّن قَرْيَةٍ
أَمْلَكْنَهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ فَهِىَ خَاوِيَةٌ عَ
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٧/ ٥٣٩.
(٢) تفسير الشعراوي ١٤/ ٨٧١٣.
(٣) الكشاف ٢/ ٤٣٣.
وانظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ١٥١/٣،
وفتح القدير، الشوكاني ٦٠١/٢، والمنار،
محمد رشيد رضا لمحمد رشيد ١٢/ ١٤٠-
١٤٦.
وقال تعالى: ﴿وَكَأَّيْنِ مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ
لَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَىَّ الْمَصِيرُ﴾
[الحج: ٤٨].
وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا أَخَذَّ
اَلْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَّةُ إِنَّ أَخْذَهُوَأَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:
١٠٢].
فهذه الآية الكريمة تبين أن الله تعالى
يمهل ولا يهمل، وقال عليه الصلاة والسلام:
(إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم
يفلته)، ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا أَخَذَ
الْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَّةً إِنَّ أَخْذَهُ وَلِمٌ شَدِيدٌ﴾ (٤).
وتزداد خيبة الظالم حسب حجم ظلمه
ونوعه، قال تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيّ
اَلْقَيُُّرٌ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه: ١١١].
قال الشنقيطي: ((خيبة كل ظالمٍ بقدر ما
حل من الظلم)» (٥).
فعذاب الظالمين ليس عذابًا عاديًا،
فوصفه الله عز وجل أنه كبير، فقال: ﴿وَمَن
يَظْلِمِ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيًا﴾
[الفرقان: ١٩].
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير
القرآن، باب قوله: (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ
القرى وهي ظالمة)، ٧٤/٦، رقم ٤٦٨٦،
ومسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة
والآداب، باب تحريم الظلم، ٤ /١٩٩٧، رقم
٢٥٨٣.
(٥) أضواء البيان ٤/ ١٠١.
www. modoee.com
١٦٥

حرف العين
وقال تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيرٍ وَلَا ثالثًا: وصف الله تعالى بالعدل في
صفاته وأفعاله:
شَفِيعِ بُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨].
﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ
وقال تعالى:
نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَأَ وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَانُواْ
بِمَآءِ كَالْمُهْلِ يَشْوِى الْوُجُوهُ بِئْسَ الشَّرَابُ
وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩].
وقال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْمَا
فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ, مَعَهُ لَأَقْتَدَوْاْ بِهِ، مِن سُوْءِ
الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَالَم مِّنَ اْللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ
يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧].
وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى
يَدَيْهِ يَقُولُ يَلَيْتَنِ اَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾﴾
[الفرقان: ٢٧].
وقال تعالى: ﴿فَيَوْمَيِدٍ لَّا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ
مَعْذِرَتُهُمْ وَلَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الروم: ٥٧].
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ
مَعْذِرَتُهُمَّ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوَّهُ الدَّارِ﴾
[غافر: ٥٢](١).
وغير ذلك من الآيات التي تبين حال
أهل الظلم وموقفهم بين يدي الله تعالى يوم
الفصل والقضاء.
(١) من أهل العلم من جعل المقصود بالظلم في
مثل هذه الآيات هو الشرك، ومنهم من أطلقه،
وأدخل فيه كل أنواع الظلم، وجعل العذاب
فيه مراتب.
الله سبحانه وتعالى حكم عدل، يضع
الأشياء مواضعها، لا يضع شيئًا إلا في
موضعه الذي يناسبه وتقتضیه حکمته وعدله
تبارك وتعالى، فلا يظلم مثقال ذرة، ولا
يجزي أحدًا إلا بذنبه، لا یزاد في سيئاته،
ولا ينقص من حسناته شيئًا، كما أنه تعالى
لا يسوي بين المؤمن والكافر، والصالح
والفاجر، بل يجازي كلا بعمله.
فهو سبحانه عدل فیما شرعه من الدين
عن الغلو والتقصير إلى التوسط، وخير
الأمور أوساطها، وليس لما جاوز العدل
حظ من رشد، ولا نصیب من سداد.
قال تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِ صُحُفٍ
وَإِبْرَهِيمَ اَلَّذِىِ وَقَ ) أَلََّ نَزِرُ
مُوسَى (6)
وَزِرَةٌ وِزْرَ أُغْرَى ﴿ وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلََّ مَا
سَعَى ) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ) ثُمَّ يُجْزَئُهُ
الْجَزَآءَ الْأَوْنَى﴾ [النجم: ٣٦-٤١].
ومن أسمائه تعالى: العدل(٢)، ودليله:
(٢) اختلف أهل العلم في عده اسمًا لله عز وجل،
فجعله د.محمد بن خليفة التميمي في معتقد
أهل السنة في أسماء الله الحسنى ص١٧٩
من الأسماء المقيدة لا المطلقة، معللًا أنه
لم يصح وروده مطلقًا، ولم يعده من الأسماء
الشيخ ابن عثيمين في القواعد المثلى، ولا
الشيخ محمد الحمود في النهج الأسمى.
وعده اسمًا الخطابي وابن منده والحليمي
والبيهقي وابن العربي والقرطبي وابن الأثير
١٦٦
جَوَنُور
القرآن الكريم

العدل
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَيْكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام:
١١٥].
قال ابن الأثير: ((في أسماء الله تعالى
«العدل» هو الذي لا یمیل به الهوی فیجور
في الحكم، وهو في الأصل مصدرٌ سمي به
فوضع موضع العادل، وهو أبلغ منه؛ لأنه
جعل المسمى نفسه عدلًا))(١).
وكذلك من أوصافه تعالى: العدل(٢)،
فهو سبحانه على صراط مستقيم، في کل ما
يقضيه ويقدره؛ فلا يخاف العبد جوره ولا
وابن القيم والسعدي والشرباصي ونور
الحسن خان، ودليلهم: ما ورد في طريق
الوليد بن مسلم عند الترمذي والطبراني
وابن حبان وابن خزيمة والبيهقي وابن منده
وغيرهم، ولكنه حديث ضعيف عند نقاد
الحديث.
وعده صفةً الشيخ علوي السقاف في صفات
الله عز وجل الواردة في الكتاب والسنة
ص٢٤٧ وقال: قد عد بعضهم [العدل] من
أسماء الله تعالى، وليس معهم في ذلك دليل،
والصواب أنہ لیس اسمًا له، بل هو صفة.
(١) النهاية، ابن الأثير ٣/ ١٩٠.
وقال ابن الأثير ٩٣/٤: في أسماء الله تعالى
المقسط هو العادل، يقال: أقسط يقسط فهو
مقسط إذا عدل.
وقال الحليمي [كما في فتح الباري
٥٣٩/١٣]: هو المعطي عباده القسط، وهو
العدل من نفسه، وانظر لسان العرب، ابن
منظور ٢٨٣٩/٥.
(٢) قال الدكتور صلاح الدين المنجد في
المجتمع الإسلامي في ظل العدالة ص ١٥:
لا نجد هذه الصفة لله في مفهوم اليهود
ولا النصارى، فهو جل وعز في المفهوم
الإسلامي العادل المطلق.
ظلمه؛ فإنه على صراط مستقيم، ماضٍ في
عبده حكمه، عدل فيه قضاؤه، له الملك،
وله الحمد، لا يخرج تصرفه في عباده عن
العدل والفضل، إن أعطى وأكرم وهدى
ووفق فبفضله ورحمته، وإن منع وأهان
وأضل وخذل وأشقی فبعدله وحكمته، وهو
على صراط مستقيم في هذا وهذا.
قال ابن القيم: («التوحيد والعدل هما
صفات الكمال، وصفات العدل
(٣)
جماع
والقبض والبسط، والخفض والرفع،
والعطاء والمنع، والإعزاز والإذلال، والقهر
والحكم ونحوها أخص باسم الملك)» (٤).
وقال القرطبي في قوله تعالى: ﴿قَالَتْ إِنَّ
اَلْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ
أَهْلِهَا أَذِلَّةَ﴾ [النمل (٣٤)]: ((أهانوا شرفاءها؛
لتستقيم لهم الأمور، فصدق الله قولها:
﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل (
قال ابن الأنباري: قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ
أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَزِلَّةَ﴾ هذا وقف تام، فقال
الله عز وجل تحقيقًا لقولها: ﴿وَكَذَلِكَ
(٣) الجماع بضم الجيم وتشديد الميم: مجتمع
أصل كل شيء.
(٤) مدارج السالكين ٣٣/١- ٤٣ باختصار
وتصرف.
وانظر أيضًا: شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي
العز ص ٨٩ حيث ذكر تحت عنوان أنواع
التوحيد التي دعت إليها الرسل نوعين: هما
توحيد الإثبات والمعرفة، والآخر توحيد
الطلب والقصد، ولخص كلام ابن القيم هنا.
www. modoee.com
١٦٧

حرف العين
يَفْعَلُونَ﴾(١).
وقال الشيخ ابن غازي: ((فعلى هذا يكون
قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴾ من تصدیق
الله تعالى لقول ملكة سبأ وهي كافرة، وهذا
غاية العدل والإنصاف» (٢).
وقال أبو حامد الغزالي: ((من أراد أن
یفهم وصف الله عز وجل بالعدل ينبغي له
أن یحیط علمًا بأفعال الله تعالی من ملكوت
السموات إلى منتهى الثرى.
حتى إذا لم ير في خلق الرحمن من
تفاوت، ثم رجع إليه بصره فما رأى من
فطور، ثم رجع مرة أخرى فانقلب إليه البصر
خاسئا وهو حسیر، وقد بهره جمال ما رأى،
وحیره اعتداله وانتظامه، فعند ذلك یعبق
بفمه شيء من معانى عدله تعالى وتقدس.
وقد خلق الله أقسام الموجودات،
جسمانيها وروحانيها، كاملها وناقصها،
وأعطى كل شيء خلقه، وهو بذلك جواد،
ورتبها في مواضعها اللائقة بها، وهو
بذلك عدل، ولينظر الإنسان إلى بدنه؛
فإنه مركب من أعضاء مختلفة، فقد ركبه
من العظم واللحم والجلد، وجعل العظم
عمادًا مستبطنًّا، واللحم صوانًا له مكتنفًا
إياه، و کذلك جعل الجلد صوانًا للحم، فلو
عكس هذا الترتيب وأظهر ما أبطن لبطل
النظام، واختل العدل، وعلى هذا ينبغي أن
تعلم أنه لم يخلق شيء فى موضع إلا لأنه
متعین له، ولو تیامن عنه أو تیاسر أو تسفل
أو تعلی؛ لکان ناقصًا أو باطلًا، أو قبيحًا، أو
خارجًا عن المتناسب، كريها في المنظر،
ألم تر أنه مثلًا لو خلق الأنف على غير
وسط الوجه أو لو خلق على الجبهة أو على
الخد لتطرق النقص إلیه، ثم إن الإنسان لو
ترقى ونظر في ملكوت السماوات والأرض
وعجائبها؛ لرأى ما يستحقر فيه عجائب
بدنه، وكيف لا؟ وخلق السموات والأرض
أکبر من خلق الناس.
هذا هو الطريق لمعرفة هذا الاسم؛ لأن
معرفة الأسامي المشتقة من الأفعال لا تفهم
إلا بعد فهم الأفعال، وأنت تعلم أن كل ما
في الوجود من أفعال الله، فإذا كان الأمر
كذلك فإن الواجب على العبد بعد إيمانه
بأن الله عدل أنه لا يعترض عليه في تدبيره
وحكمه وسائر أفعاله،-وافق مراده أم لم
یوافق-؛ لأن كل ذلك عدل، وتيقنه أنه لو
لم يفعل سبحانه وتعالى ما فعله؛ لحصل في
الوجود أمر آخر هو أعظم ضررًا مما حصل،
كما أن المريض لو لم يحتجم؛ لتضرر ضررًا
يزيد على ألم الحجامة)) (٣).
وهناك آيات كثيرة یتجلی فیھا وصف الله
(١) الجامع لأحكام القرآن ١٩٥/١٣.
(٢) الإنصاف، أبو الحسن بن غازي ص ١٨ [كما (٣) المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله
الحسنى ص٩٨ - ١٠١ بتصرف شدید.
في نضرة النعيم ٣/ ٥٩٥ ] ..
مَوَسُورًا
القرآن الكريم
١٦٨

العدل
تعالی بالعدل، ومنها:
أو من هو والعامل فيها معنى الجملة،
قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أي: تفرد قائمًا، أو أحقه؛ لأنها حال مؤكدة،
أو على المدح، أو الصفة للمنفي، وفيه
ضعف للفصل، وهو مندرج في المشهود به
إذا جعلته صفة، أو حالًّا من الضمير.
﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ أي: بالعدل(١).
هُوَ وَالْمَلَئِكَةُ وَأُوْلُواْ أَلْعِلْمِ قَابِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل
عمران: ١٨].
قال الطبري: ((وأما قوله: ﴿قَآَيِّمًا
بِاَلْقِسْطِ﴾ فإنه بمعنى: أنه الذي يلي العدل
بین خلقه.
والقسط هو العدل، من قولهم: ((هو
مقسط))، و((قد أقسط))، إذا عدل، ونصب
﴿قَائِمًا﴾ على القطع)» (٢).
وقال الراغب الأصفهاني: «و قوله:
﴿قَيِّمًا بِالْقِسْطِ﴾ أي: هو تعالى مراعٍ للعدالة
بكل حال؛ وذلك حال مؤكدة)»(٣).
وقال البيضاوي: ((﴿قَابِمًا بِالْقِسْطِ ﴾ مقيمًا
للعدل في قسمه وحكمه، وانتصابه على
الحال من الله، وإنما جاز إفراده بها، ولم
يجز: جاء زيد وعمرو راكبًا؛ لعدم اللبس؛
كقوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ
نَافِلَةٌ ﴾ [الأنبياء: ٧٢].
(١) غريب القرآن، ابن قتيبة ١٠٣/١، معاني
القرآن، النحاس ٣٧١/١.
(٢) جامع البيان ٦/ ٢٧٠.
والقطع هو الحال، إذ بينه الفراء في كلامه في
معاني القرآن ١/ ٢٠٠ إذ قال: منصوب على
القطع، لأنه نكرة نعت به معرفة، والزجاج في
كلامه في معاني القرآن ١/ ٣٨٧ إذ قال: حال
مؤكدة، لأن الحال المؤكدة تقع مع الأسماء.
(٣) تفسير الراغب ٢/ ٤٦٥.
وقريء (القائم بالقسط) على البدل عن
﴿هُوَ﴾، أو الخبر المحذوف)» (٤).
وقال ابن القيم: ((وقوله تعالى:
﴿قَابِمًا بِالْقِسْطِ﴾ القسط هو العدل، فشهد
سبحانه أنه قائم بالعدل في توحيده،
وبالوحدانية في عدله، والتوحيد والعدل:
هما جماع صفات الكمال؛ فإن التوحيد
يتضمن تفرده سبحانه بالكمال والجلال،
والمجد والتعظيم الذي لا ينبغي لأحد
سواه، والعدل يتضمن وقوع أفعاله كلها
على السداد والصواب، وموافقة الحكمة.
والمقصود: أن قوله تعالى: ﴿قَايِمًا
بِاَلْقِسْطِ﴾ هو كقوله: ﴿إِنَّ رَبٍِّ عَلَى صِرَطِ
مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦])) (٥).
وقال محمد رشيد رضا: ((أما قوله تعالى:
﴿قَآپمًا پآلْقِسْطِ﴾ فمعناه: أنه تعالى شهد هذه
الشهادة قائما بالقسط، وهو العدل في الدین
والشريعة، وفي الكون والطبيعة.
فمن الأول: تقرير العدل في الاعتقاد،
كالتوحيد الذي هو وسطُ بين التعطيل
(٤) أنوار التنزيل ٢ / ٩.
(٥) مدارج السالكين ٣٣/١- ٤٣ باختصار
وتصرف.
www. modoee.com
١٦٩

حرف العين
والشرك، ومن الثاني: جعل سنن الخليقة في الأكوان والإنسان الدالة على حقية الاعتقاد
قائمةً على أساس العدل، فمن نظر في هذه السنن ونظامها الدقيق يتجلى له عدل الله العام،
فالقيام بالقسط على هذا من قبيل التنبيه إلى البرهان على صدق شهادته تعالى في الأنفس
والآفاق؛ لأن وحدة النظام في هذا العدل تدل على وحدة واضعه.
وهذا مما يفند تفسير بعضهم للشهادة بأنها عبارةٌ عن خلق ما يدل على الوحدانية من
الآيات الكونية والنفسية، كذلك كانت أحكامه تعالى في العبادات والآداب والأعمال مبينةً
على أساس العدل بين القوى الروحية والبدنية وبين الناس بعضهم مع بعضٍ؛ فقد أمر بذكره
وشكره في الصلاة وغير الصلاة؛ لترقية الروح وتزكيته، وأباح الطيبات والزينة؛ لحفظ البدن
وتربيته، ونهى عن الغلو في الدين والإسراف في الدنيا وذلك عين العدل، فهذا هو القسط
في العبادات والأعمال الدنيوية.
وأما القسط في الآداب والأخلاق فهو صريحٌ في القرآن كصراحة الأمر بالعدل في
الأحكام.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَاَلْإِحْسَنِ﴾ [النحل: ٩٠].
وقال: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُواْ بِالْعَدَّلِ ﴾ [النساء: ٥٨].
وإذ قد تجلى لك صدق الشهادة؛ فعليك أن تقر بها قائلًا: لا إله إلا هو العزيز الحكيم،
تفرد بالألوهية، وكمال العزة والحكمة، فلا يغلبه أحدٌ على ما قام به من سنن القسط، ولا
يخرج شيءٌ منها عن مقتضى الحكمة البالغة))(١).
وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ مَايَتُ الَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا ◌َللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران:
١٠٨].
قال الشوكاني: ((بالحق: هو العدل)»(٢).
وقوله تعالى: ﴿أَلَوْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِن يَشَأْ يُذْهِبَّكُمْ وَبَأْتِ يِخَلْقٍ
جَدِيدٍ
[إبراهيم: ١٩].
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَيِدٍ يُوَفِيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٢٥].
عن سعيد بن جبيرٍ: ((﴿يَوْمَيذٍ﴾ في الآخرة ﴿يُوَفِّهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ حسابهم العدل لا
يظلمهم ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّاللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُِّينُ﴾ يعني: العدل المبين)» (٣).
(١) تفسير المنار ٢١١/٣.
(٢) فتح القدير ٤٢٤/١.
(٣) أخرجه الطبراني في الكبير ١٥٥/٢٣-٢٣٧ بإسناد فيه ابن لهيعة، وابن أبي حاتم في التفسير
١٧٠
مَوْسُور
القرآن الكريم

العدل
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَالْحَقُّ﴾
[لقمان: ٣٠].
وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ
يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَاعُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ:
٢٦].
وقوله تعالى: ﴿ وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ
رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَبُ وَجَِّْ بِالنَّبِنَ وَالشُّهَدَآءِ
وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الزمر:
٦٩].
وصف الله عز وجل، أو خلق السموات
والأرض، أو إنزال الكتاب بالحق، الذي
معناه العدل.
ومما نفاه الله عن نفسه مما يقتضى نقصًا
في حقه -تبارك وتعالى- الظلم المنافي
لکمال عدله، وذلك في آیات عديدة، ومنها:
قوله تعالى: ﴿وَمَا ◌َللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَلَمِينَ﴾
[آل عمران: ١٠٨].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ
ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ
شَيْئًا وَلَكِنَّالنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس:
٤٤].
وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدُ واْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرَأُ وَلَا
يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾ [الكهف: ٤٩].
وقوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ
٨/ ٢٥٦٠، رقم ١٤٣٠٧.
لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
[التوبة: ٧٠].
وغير ذلك كثير جدًا من الآيات
الكريمات التي ينفي الله فيه صفة من أنقص
الصفات وأشنعها، ألا وهي الظلم الذي هو:
«وضع الشيء في غير موضعه المختص به،
إما بنقصان أو بزيادة، وإما بعدول عن وقته
أو مكانه)» (١).
وقال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوْزِنَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ
وغير ذلك من عموم الآيات التي فيها اٌلْقِيَامَةِ فَلَا نُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ
مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَنَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا
حَسِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧].
قال الطبري: ((يقول تعالى ذكره:
ونـ
الْمَوَزِينَ﴾ العدل وهو القسط، وجعل القسط
-وهو موحد- من نعت الموازين، وهو
جمع؛ لأنه في مذهب عدل ورضا ونظر.
وقوله: ﴿فَلَا نُظْلَمُ نَفْسُ شَيْئًا﴾ يقول:
فلا یظلم الله نفسًا ممن ورد عليه منهم شيئًا؛
بأن یعاقبه بذنب لم یعمله، أو یبخسه ثواب
عمل عمله، وطاعة أطاعه بها، ولكن يجازي
المحسن بإحسانه، ولا يعاقب مسيئًا إلا
بإساءته))(٢).
وقال الزجاج: ((﴿الْقِسْطَ﴾ العدل،
(١) انظر: المفردات، الراغب ص٥٣٧، النفي في
باب صفات الله عز وجل، أرزقي سعيداني
ص ٣٣٢٣٣١، الجامع الصحيح في الأسماء
والصفات، أبو عزيز المروعي ص ٢٦٥.
(٢) جامع البيان ١٨/ ٤٥١.
www. modoee.com
١٧١

حرف العين
المعنى: ونضع الموازين ذوات القسط، فقيل: إنه يدل بظاهره على أن لكل مكلفٍ
وقسط مثل عدل، مصدر يوصف به، تقول: ميزانًا توزن به أعماله؛ فتوضع الحسنات
ميزان قسط، وميزانان قسط، وموازين
قسط))(١).
وقال الفراء: ((وقوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ
الْقِسْطَ ﴾ القسط من صفة الموازين، وإن كان
موحدًا، وهو بمنزلة قولك للقوم: أنتم رضًا
وعدلٌ، و کذلك الحق إذا كان من صفة واحدٍ
أو اثنين أو أكثر من ذلك كان واحدًا)»(٢).
وقال البغوي: ((﴿وَنَضَعُ الْمَوَزِنَ الْقِسْطَ﴾
أي: ذوات القسط، والقسط: العدل ليوم
ينقص من ثواب حسناتها، ولا يزاد على
سيئاتها))(٣).
وقال ابن عطية: ((لما توعدهم بنفحة
من عذاب الدنيا؛ عقب ذلك بتوعده بوضع
الموازین، وإنما جمعها -وهو میزان واحد-
من حیث لكل أحد وزن يخصه، ووحد
القسط وهو جاء بلفظ الموازين مجموعًا،
من حيث القسط مصدر وصف به، كما
تقول: قوم عدل ورضا» (٤).
وقال القرطبي: «﴿الْمَوَزِينَ﴾ جمع میزانٍ،
(١) معاني القرآن وإعرابه ٣٩٤/٣.
وانظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٣ / ١٩٢،
وفتح القدير، الشوكاني ٣/ ٤٨٥.
(٢) معاني القرآن ٢٠٥/٢.
(٣) معالم التنزيل، البغوي ٢٩٠/٣.
(٤) المحرر الوجيز ٤ / ٨٥.
في كفةٍ، والسيئات في كفةٍ، وقيل: يجوز
أن يكون هناك موازين للعامل الواحد،
یوزن بکل میزان منھا صنفٌ من أعماله، کما
قال(٥).
ملكٌ تقوم الحادثات لعدله
فلكل حادثةٍ لها ميزان
ويمكن أن يكون میزانًا واحدًا عبر عنه
بلفظ الجمع.
و ﴿الْقِسْطَ ﴾ العدل، أي: ليس فيها بخس
القيامة ﴿فَلَانُظْلَمُ نَفْسُ شَيْئًا﴾ أي: لا ولا ظلمٌ، کما یکون في وزن الدنیا.
و﴿الْقِسْطَ﴾ صفة الموازين، ووحد لأنه
مصدرٌ، يقال: ميزان قسطٍ، وميزانان قسطٌ،
وموازين قسطٌ، مثل رجالٌ عدلٌ ورضًا)) (٦).
وقال البيضاوي: ((﴿وَنَضَعُ الْمَوْزِنَ الْقِسْطَ﴾
العدل، توزن بها صحائف الأعمال، وقيل:
وضع الموازين تمثيل لإرصاد الحساب
السوي والجزاء على حسب الأعمال
بالعدل، وإفراد القسط لأنه مصدر وصف به
(٥) البيت لم نجده في كتب اللغة والأدب، ولم
نعثر له على قائل، وإنما ذكره، دون نسبة،
القرطبي في التفسير ٢٩٣/١١، والقسطلاني
في إرشاد الساري شرح صحيح البخاري
١٠/ ٤٨٠، والقرطبي في التذكرة بأحوال
الموتى وأمور الآخرة ص ٧٣٥، والشنقيطي
في أضواء البيان ١٥٩/٤ وبعده:
تتصرف الأشياء في ملكوته
ولكل شيء مدة وأوان
(٦) الجامع لأحكام القرآن ١١/ ٢٩٣.
مَوَسُو ◌َة النفسية
الْقُرآن الكَرِيْمِ
١٧٢

العدل
للمبالغة)»(١).
وقال السعدي: ((يخبر تعالى عن حكمه
العدل، وقضائه القسط بین عباده إذا جمعهم
في يوم القيامة، وأنه يضع لهم الموازين
العادلة التي يبين فيها مثاقيل الذر الذي توزن
بها الحسنات والسيئات))(٢).
وقال الشنقيطي: ((ذكر -جل وعلا - في
هذه الآية الكريمة أنه يضع الموازين القسط
ليوم القيامة، فتوزن أعمالهم وزنًا في غاية
العدالة والإنصاف، فلا یظلم الله أحدا شيئًا،
وأن عمله من الخير والشر -وإن كان في
غاية القلة والدقة كمثقال حبةٍ من خردلٍ-؛
فإن الله يأتي به؛ لأنه لا يخفى عليه شيءٌ،
وكفى به -جل وعلا - حاسبًا؛ لإحاطة علمه
بكل شيءٍ.
وقوله في هذه الآية: ﴿اَلْقِسْطَ﴾ أي:
العدل، وهو مصدرٌ وصف به؛ ولذا لزم
إفراده، كما قال في الخلاصة (٣):
ونعتوا بمصدرٍ كثيرًا
فالتزموا الإفراد والتذكيرا
كما قدمناه مرارًا، ومعلومٌ أن النعت
بالمصدر، يقول فيه بعض العلماء: إنه
المبالغة، وبعضهم يقول: هو بنية المضاف
المحذوف، فعلى الأول كأنه بالغ في عدالة
(١) أنوار التنزيل ٤/ ٥٣.
(٢) تيسير الكريم الرحمن ص٥٢٤.
(٣) البيت من ألفية ابن مالك في النحو (الخلاصة)
ص ٤٥.
الموازين حتى سماها القسط الذي هو
العدل، وعلى الثاني فالمعنى: الموازين
ذوات القسط)) (٤).
وترك الأخذ على يدي الظالم آذنٌ بعقوبة
الجمیع، فعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه
قال: (أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية:
وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُّكُم مَّن
ضَلَّ إِذَا أَهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥].
وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول: (إن الناس إذا رأوا الظالم فلم
يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله
بعقاب)(٥).
ولما كان كثير من الظلمة لا يباشر
الظلم بنفسه، بل يتخذ أعوانًا يعينونه
ويسهلونه عليه، ولا يعلمون أنهم في الإثم
سواء، نهانا سبحانه عن مساعدة الظالم،
فقال: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى أَلْبِّ وَالنَّقْوَىّ وَلَا تَعَاوَنُواْ
عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَنَّ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ
اَلْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢].
(٤) أضواء البيان ٤/ ١٥٨.
(٥) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الملاحم،
باب الأمر والنهي، ١٢٢/٤، رقم ٤٣٣٨،
واللفظ له، والترمذي في سننه، أبواب الفتن،
باب ما جاء في نزول العذاب إذا لم يغير
المنكر، ٣٧/٤، رقم ٢١٦٨، وابن ماجه في
سننه، كتاب الفتن، باب الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر، ٢/ ١٣٢٧، رقم ٤٠٠٥،
وأحمد في مسنده، ٢٠٨/١، رقم ٣٠.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٣٩٨/١، رقم ١٩٧٣
www. modoee.com
١٧٣

حرفالعین
رابعًا: الثناء على أهل العدل:
جاء في غير موطن من الكتاب
العزيز إعلان الحب الإلهي بكل وضوح
المقسطين، أهل العدل والإنصاف، ومنها
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾
[المائدة: ٤٢ - الحجرات: ٩ - الممتحنة: ٨].
وأثنى سبحانه على أهل العدل، فقال:
﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَىَ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِاَلْقِّ وَبِهِ،
يَعْدِلُونَ ﴾ [الأعراف: ١٥٩].
مِن
قال الطبري: ((يقول تعالى ذكره:
قَوْرِ مُوسَى﴾ يعني: بني إسرائيل ﴿أَمَّةٌ﴾
يقول: جماعة ﴿يَهْدُونَ بِاَلَقِّ﴾ يقول:
يهتدون بالحق، أي: يستقيمون عليه
ويعملون ﴿وَبِهِ، يَعْدِلُونَ﴾ أي: وبالحق
يعطون ويأخذون، وينصفون من أنفسهم فلا
يجورون»(١).
وقال تعالى: ﴿وَمِمَنْ خَلَقْنَا أُنَّةٌ يَهْدُونَ
بِالْحَقِّ وَبِهِ، يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨١].
قال الطبري: ((يقول تعالى ذكره: ومن
الخلق الذين خلقنا ﴿أُمَّةٌ﴾ يعني: جماعة
﴿يَهْدُونَ﴾ يقول: يهتدون بالحق، ﴿وَبِهِ،
يَعْدِلُونَ ﴾ يقول: وبالحق يقضون، وينصفون
الناس)) (٢).
(١) جامع البيان ١٣ /١٧٢.
وانظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج
٣٨٢/٢، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير
٤٩١/٣.
(٢) جامع البيان ٢٨٥/١٣.
وقال محمد رشيد رضا: ((الأصل
السابع (٣): هداية الناس بالحق والعدل
به، وقد وصف الله تعالى بذلك خيار قوم
موسى عليه السلام في آية (١٥٩) وخيار
أمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم في الآية
(١٨١) فهذا من أصول دين الله العامة
في جميع شرائعه، والحق هو الأمر الثابت
المتحقق في الشرع إن كان شرعيًا، وفي
الواقع ونفس الأمر إن كان أمرًا وجوديًا،
والعدل ما تحري به الحق من غير ميلٍ إلى
طرفٍ من الطرفين أو الأطراف المتنازعة
فيه أو المتعلقة به، ويدخل في هذا الأصل
الدعوة إلى الحق والخير والأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر، والتضحية العامة
والخاصة، والإصلاح بين الناس)) (٤).
ووصف المولى سبحانه وتعالى من
يمتنع عن الظلم والبغي بالإيمان والعمل
الصالح، وأن إيمانهم هو الذي يمنعهم من
هذا السلوك المستشري بين معظم الشركاء،
فقال تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَِّ لَتْعِبَعْضُهُمْ عَلَى
بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَقَلِلٌ مَّا
هُمْ﴾ [ص: ٢٤].
قال نظام الدين النيسابوري: ((إن أكثر
وانظر: معالم التنزيل، البغوي ٢٥٤/٢، زاد
المسير، ابن الجوزي ١٧٣/٢، تفسير القرآن
العظیم، ابن كثير ٥١٦/٣.
(٣) من أصول التشريع في سورة الأعراف.
(٤) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٩/ ٤٧٧.
١٧٤
القرآن الكريمِ