Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
العَطَاءُ
عناصر الموضوع
مفهوم العطاء
٣٣٠
العطاء في الاستعمال القرآني
٣٣١
الألفاظ ذات الصلة
٣٣٢
العطاء الإلهي
٣٣٤
أنواع العطاء الإلهي
٣٣٩
مجالات العطاء
٣٤٢
٣٤٥
مبطلات العطاء
٣٤٨
ثمرات العطاء على الفرد والمجتمع
المُجَلَّدَ الثَّالِثِ وَالْعَشْرُونْ

حرف العين
مفهوم العطاء
أولاً: المعنى اللغوي:
أصل مادة (عطو) تدل على أخذ ومناولة، فالعطو: التناول باليد، ومنه اشتق الإعطاء،
والمعاطاة: المناولة(١).
والعطاء والعطية: اسم لما يعطى، والجمع عطايا وأعطية، وأعطيات جمع الجمع،
والاسم العطاء(٢).
قال الراغب: ((والإعطاء: الإنالة، قال تعالى: ﴿حَتَّ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩].
واختص العطية والعطاء بالصلة، قال تعالى: ﴿هَذَا عَطَآؤُنَا فَأَمْتُنْ أَوْ أَمْسِكَ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ص:
٣٩]» (٣).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
قال ابن العربي: ((حقيقة العطاء: هي المناولة، وهي في اللغة والاستعمال عبارة عن كل
نفع أو ضر يصل من الغير إلى الغير))(٤).
وقال المناوي: ((العطاء: التناول، والمعاطاة: المناولة، لكن استعملها الفقهاء في مناولة
خاصة)» (٥).
يتبين مما سبق أن المعنى الاصطلاحي لا يخرج عن المعنى اللغوي.
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٥٤/٤.
(٢) لسان العرب ٦٩/١٥.
(٣) المفردات ص ٥٧٢.
(٤) أحكام القرآن ٤٠٥/٤.
(٥) التوقيف على مهمات التعاريف ص ٢٤٣.
٣٣٠
جوب
لِلْعُرآن الكَرِيمِ

العطاء
العطاء في الاستعمال القرآني
وردت مادة (عطو) في القرآن الكريم (٢٣) مرة (١).
والصيغ التي وردت عليها هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
٦
﴿فَمَّا مَنْ أَعْطَى وَأَنََّى ﴾ [الليل: ٥]
الفعل المضارع
٣
﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىَ ن﴾ [الضحى: ٥]
المصدر
٥
﴿عَطَآَةُ غَيْرَ مَجْذُونٍ (١٧)﴾ [هود: ١٠٨]
وجاء (العطاء) في الاستعمال في القرآني بمعناها اللغوي، وهو: الإعطاء والإنالة
والمناولة(٢)، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُواْ اَلْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩].
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص ٤٦٤.
(٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٥٧٢.
www. modoee.com
٣٣١

حرف العين
الألفاظ ذات الصلة
١
الرزق:
الرزق لغة:
الرزق: مصدر رزق يرزق رزقًا ((فالرزق بالفتح المصدر، وبالكسر الاسم)) وجمعه أرزاق،
والرزق: العطاء، وقد يسمى المطر رزقًا، قال تعالى: ﴿وَمَّ أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ
بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الجاثية: ٥](١) .
الرزق اصطلاحًا:
الرزق: هو العطاء الجاري تارةً دنيويًّا كان أم أخرويًّا، وللنصيب تارة، ولما يصل إلى
الجوف ويتغذى به تارة، يقال: أعطى السلطان رزق الجند، ورزقت علمًا (٢).
الصلة بين الرزق والعطاء:
نجد أن الرزق عند أهل اللغة مجتمع على أنه ما بين العطاء وما ينتفع به مما يؤكل.
الجود:
٢
الجود لغة خلاف البخل(٣)، وجاد الرجل بماله يجود جودًا بالضم، فهو جوادٌ، وقيل:
الجواد هو الذي يعطي بلا مسألة؛ صيانة للآخذ من ذل السؤال (٤).
الجود اصطلاحًا:
قال الجرجاني: ((الجود صفة، هي مبدأ إفادة ما ينبغي لا بعوض))(٥).
وقيل: هو («صفةٌ تحمل صاحبها على بذل ما ينبغي من الخير لغير عوض))(٦).
الصلة بين الجود والعطاء:
الجود كثرة العطاء من غير سؤال، من قولك: جادت السماء، إذا جادت بمطر غزير(٧).
البذل:
٣
(١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١١٥/١٠، مختار الصحاح، الرازي ١٢١/١.
(٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص٣٥١.
(٣) مجمل اللغة، ابن فارس ص ٢٠٢.
(٤) انظر: الصحاح في اللغة، الجوهري ٢/ ٤٦١، القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص ١٤٨٩، المعجم
الوسيط، مجمع اللغة العربية ٧٨٤/٢.
(٥) التعريفات ص٧٩.
(٦) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ص ١٤٦.
(٧) الفروق اللغوية، العسكري ص٣٥٣.
٣٣٢
فَضْو
القرآن الكريمِ

العطاء
البذل لغة:
بذل الشيء: أعطاه وجاد به، والبذل نقيض المنع، وكل من طابت نفسه لشيءٍ فھو باذٌ،
ورجلٌ بذال، وبذول: إذا كثر بذله للمال. يقال: بذل له شيئًا، أي: أعطاه إياه(١)
البذل اصطلاحًا:
قال المناوي: ((البذل: الإعطاء عن طيب نفس))(٢).
الصلة بين البذل والعطاء:
يظهر من تعريف البذل أنه إعطاء عن طيب نفس، وعليه فالعطاء أعم.
(١) العين، الفراهيدي ٨/ ١٨٧، تهذيب اللغة، الأزهري ٣١٢/١٤، مختار الصحاح، الرازي ص ٣١.
(٢) التوقيف على مهمات التعاريف ص ٧٣.
www. modoee.com
٣٣٣

حرف العين
العطاء الإلهي
تحدث القرآن الكريم عن العطاء الإلهي،
وتكمن محاور هذا الحديث في النقاط
الآتية:
أولًا: تفرد الله عز وجل بالعطاء:
قال تعالى عن موسى عليه السلام وهو
يصف عطاء الربوبية: ﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِىَ أَعْطَى كُلَّ
شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّهَدَى﴾ [طه: ٥٠].
يخبر تعالى أن موسى عليه السلام قال
في رده على فرعون: يا فرعون ربنا وربك
هو الله الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي
أعطى كل مخلوق من مخلوقاته، وكل
شيء من الأشياء، الصورة التي تلائمه،
والهيئة التي تتحقق معها منفعته ومصلحته،
ثم هداه إلى وظيفته التي خلقه من أجلها،
وأمده بالوسائل والملكات التي تحقق هذه
الوظيفة.
فالله عز وجل أعطى الخلائق كل
شيء يحتاجون إليه، ثم هداهم إلى طريق
استعماله والانتفاع به (١).
والله سبحانه هو المتفرد وحده بالعطاء،
فهو الذي أعطى خلقه كل شيء يحتاجون
إليه في معاشهم، ثم هداهم إلى طرق
الانتفاع بما أعطاهم، کما أعطى كل نوع من
أنواع خلقه الصورة التي تناسبه، والشكل
الذي يتناسب مع جنسه.
ثانيًا: العطاء الدنيوي:
عطاء الله لا يحصى ولا يعد، وفي
هذه الأسطر يتم الحديث عن أهم العطاء
الدنيوي للإنسان.
١. نعمة الخلق.
قال تعالى: ﴿هَلْ أَنَ عَلَى الْإِنسَنِ حِينٌ
مِّنَ الذَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَّذْكُورًا إِنَّا خَلَقْنَا
اُلْإِنسَنَ مِن نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ تَبَتَلِيهِ فَجَعَلْنَهُ سَمِيعًا
بَصِيرًا﴾ [الإنسان: ١- ٢].
من أعظم النعم التي أنعم الله عز وجل
بها على الإنسان نعمة الخلق، ففي الآيتين
السابقتين يذكر الله عز وجل الإنسان بأنه
جاء عليه وقت غير محدد من الزمان، لم
يكن هذا الإنسان في ذلك الحين من الدهر
شیئا مذکورًا من بین أفراد جنسه، وإنما كان
شيئًا غير موجود إلا في علم الله عز وجل،
ثم أوجده سبحانه بعد ذلك من نطفة فعلقة
فمضغة، ثم أنشأه سبحانه بعد ذلك خلقًا
آخر، فتبارك الله أحسن الخالقين(٢).
وقال تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن
تُطْفَةٍ﴾ [النحل: ٤].
في هذه الآية يذكر الحق تعالى الإنسان
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٣١٦/١٨، (٢) انظر: تفسير السمر قندي، ٥٢٥/٣، معالم
التنزيل، البغوي ٢٨٩/٨.
الكشاف، الزمخشري ٦٧/٣.
جَوَسُولَةُ التَفيـ
القرآن الكريمِ
٣٣٤

العطاء
كيف خلقه من نطفه عندما كان في أول أمره، المخاطبين في هذه الآية بما تقره عقولهم،
إذ أنهم كانوا يقرون في ضمائرهم، ويقتنعون
ثم خلق النطفة في الرحم، وتطورت تلك
النطفة إلى أن أخرجه بشرًا سويًّا، أخرجه
رجلًا كاملًا (١).
بقلوبهم أن الرازق هو الله وحده، ولا
رازق غيره، والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء
المشركين: من الذي يرزقكم من السماء
وقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ خَلِقٌ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ
اَلْوَحِدُ اَلْقَهَّرُ﴾ [الرعد: ١٦].
بالأمطار وما يتولد عنها، ومن الأرض وما
أي: هو الخالق لكل شيء في هذا يخرج منها من نباتات وأشجار، وغير ذلك
مما تخرجه الأرض(٣).
الكون، وهو سبحانه الواحد الأحد الفرد
الصمد، القهار لكل ما سواه، والغالب لكل
من غالبه(٢).
ومنها أيضًا قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ
اللَّهَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ قَادِرُ عَلَى
أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًاً لََّ رَيْبَ فِيهِ
فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلََّ كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٩٩].
وغيرها من هذه الآيات.
٢. الرزق.
قال تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَآءِ
وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَاَلْأَبْصَرَ وَمَن يُخْرِجُ
الْحَىَّ مِنَ الْمَيْتِ وَيُخْرِجُ الْمَيْتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن
يُدِّرُ أَلْأَمْنَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا نَنَّقُونَ *
فَلِكُ اللّهُ رَبّكُمُ الْمَنّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلََّ الضَّلَّ
فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣١-٣٢].
في هاتين الآيتين محاججة للمشركين
الذين جعلوا مع الله إلهًا آخر، والاستفهام
في الآية تقريري، من فوائده إلجاء المشركين
(١) انظر: الوجيز، الواحدي ص١٢٥٧.
(٢) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٤٠٨/٥.
وقال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا
عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلُّ فِى
كِتَبٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦].
قال الألوسى: ((الدابة اسم لكل حيوان
ذي روح، ذكرًا كان أو أنثى، عاقلا أو غيره،
مأخوذ من الدبيب وهو في الأصل المشي
الخفيف)»(٤).
والمعنى: وما من شيء يدب على
الأرض، إلا على الله تعالی غذائه ومعاشه،
فضلًا منه سبحانه وكرمًا على مخلوقاته.
وقدم سبحانه الجار والمجرور ((عَلَى اللّهِ))
على متعلقه وهو ﴿رِزْقُهَا﴾؛ لإفادة القصر،
أي: على الله وحده لا على غيره رزقها
ومعاشها (٥).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ
الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨].
أي: إن الله عز وجل هو الرزاق ولا رازق
(٣) انظر: تفسير الوسيط، الزحيلي ٢/ ٩٦٨.
(٤) روح المعاني، ٦/ ٢٠٣.
(٥) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٥/١٢.
www. modoee.com
٣٣٥

حرفالعین
سواه، وكل رزق إنما هو رازقه، وما من عطاءٍ أعطاه سبحانه من نعم ومنن(٢).
إلا وهو الذي أعطاه(١).
[انظر: الرزق: حقيقة الرزق وتنوع صوره]
ثالثًا: العطاء الأخروي:
هناك آيات تحدثت عن عطاء الله عز
وجل في الآخرة، في حق النبي صلى الله
عليه وسلم، والأنبياء بشكل عام، وفي حق
المؤمنین.
قال تعالى: ﴿وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى
، وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى:
٤-٥].
يبشر الحق تعالى نبيه صلى الله عليه
وسلم بأن الدار الآخرة وما أعده الله له فيها
من نعیم لا يحيط به وصف، خیر له من دار
الدنيا التي أعطيناه فيها ما أعطيناه فيها من
نبوة وکرامة ومنازل عالية، وخلق کریم،
وفضلاً عن كل ذلك فسوف يعطيه ربك
من خيرى الدنيا والآخرة كل ما يسعدك
ويرضيك من نصر عظيم، وفتح مبين،
وتمكين في الأرض، وإعلاء لكلمة الحق
على يدك، وعلى أيدى أصحابك الصادقين،
ومنازل عظمى في الآخرة لا يعلم مقدارها
إلا الله تعالى، كالمقام المحمود، والشفاعة،
والوسيلة؛ وبذلك يرضى رضاء تامًا بما
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص ٨١٣.
وجيء بحرف الاستقبال في قوله تعالى:
﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَ﴾؛ لإفادة
أن هذا العطاء مستمر غير مقطوع، وحذف
المفعول الثاني في قوله: ﴿يُعْطِيكَ﴾،
ليعم كل وجوه العطاء التي يحبها صلى
الله عليه وسلم، أي: ولسوف يعطيك ربك
عطاء يرضيك رضاء تاما، والتعبير بقوله
﴿فَتَرْضَ﴾ المشتمل على فاء التعقيب؛
للإشعار بأنه عطاء عاجل النفع، وأنه سیأتی
إليه صلى الله عليه وسلم في وقت قريب،
وقد أنجز سبحانه وعده(٣).
قال الجمل: ((وقوله: ﴿وَلَسَوْفَ
يُعْطِيكَ﴾ هذا وعد شامل لما أعطاه الله
تعالى له من كمال النفس، وظهور الأمر،
وإعلاء الدين واللام لام الابتداء، والمبتدأ
محذوف، أی: ولأنت سوف يعطيك ربك،
وليست لام القسم، لأنها لا تدخل على
المضارع، إلا مع نون التوكيد (٤)
وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ الْكَوْثَرَ﴾
[الكوثر: ١].
الكوثر: فوعل من الكثرة، مثل النوفل
من النفل، ومعناه: الشيء البالغ في الكثرة
حد الإفراط، والعرب تسمي كل شيء كثر
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٣١/ ١٩٣، زاد
المسیر، ابن الجوزي ٤/ ٤٥٧.
(٣) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٩/ ٤٩٠.
(٤) حاشية الجمل على الجلالين، ٥٥١/٤.
٣٣٦
مَشَرُ الْتَقِيقِ الحضور
جوسين
الْقُرآن الكَرِيْمِ

العطاء
عدده، وعظم شأنه: كوثرًا، وقد قيل الأعرابية تحدث عما أعده الله عز وجل لأنبيائه أيضًا.
بعد رجوع ابنها من سفر: بم آب ابنك؟
قالت: آب بكوثر. أي: بشيء كثير (١).
قال الإمام القرطبي ما ملخصه: ((واختلف
أهل التأويل في الكوثر الذي أعطيه النبي
صلى الله عليه وسلم على ستة عشر قولا:
الأول: أنه نهر في الجنة، الثاني: أنه حوض
للنبي صلى الله عليه وسلم في الموقف يوم
القيامة، الثالث: أنه النبوة والكتاب، الرابع:
أنه القرآن، الخامس: الإسلام، ثم قال-
رحمه الله- قلت: أصح هذه الأقوال الأول
والثاني؛ لأنه ثابت عن النبي صلى الله عليه
وسلم نص في الكوثر وجميع ما قيل بعد
ذلك في تفسيره قد أعطيه صلى الله عليه
وسلم زيادة على حوضه))(٢).
وافتتح سبحانه الكلام بحرف التأکید،
للاهتمام بالخبر، وللإشعار بأن المعطى
شيء عظيم، أى: إنا أعطيناك بفضلنا
وإحساننا- أيها الرسول الكريم - الكوثر،
أي: الخير الكثير الذي من جملته هذا النهر
العظيم، والحوض المطهر، فأبشر بذلك
أنت وأمتك، ولا تلتفت إلى ما يقوله أعداؤك
في شأنك(٣).
قال تعالى: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم
مِنَ النَّبْنَ مِنْ ذُرِيَّةِ ءَآدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن
ذُرِّيَّةِ إِنْزَهِيمَ وَإِسْرَّهِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَأَجْنَبَيْنَاْ إِذَا نُثْلَى
عَلَيْهِمْءَيْتُ الرَّحْمَنِ خَرُواْ سُجَّدًا وَتِكِيًّاً ﴾﴾ [مريم:
٥٨].
أي: ومن جملة من أنعم الله علیھم،
أولئك الذين هديناهم إلى طريق الحق
واجتبيناهم واخترناهم لحمل رسالتنا
ووحينا، فهنا نرى أن الله تعالى قد جمع
لهؤلاء المنعم عليهم جملة من المزايا
منها: أعمالهم الصالحة، ومناقبهم الحميدة
التي سبق الحديث عنها، ومنها: كونهم من
نسل هؤلاء المصطفين الأخيار، ومنها أنهم
ممن هداهم الله تعالى واصطفاهم لحمل
رسالته(٤).
وقد بين سبحانه في سورة النساء من
أنعم عليهم بصورة أكثر شمولاً، فقال:
﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْهَمَ
اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّئِنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ
وَالصَّلِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:
٦٩].
والمعنى: ومن يطع الله بالانقياد لأمره
وفي موضع آخر نجد التعبير القرآني قد ونهيه، ويطع الرسول في كل ما جاء به من ربه
فأولئك المطيعون مع الذين أنعم الله عليهم
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٦٤٥/٢٤.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، ٢١٦/٢٠.
(٣) انظر: الكشاف، الزمخشري ٨٠٦/٤، إيجاز
البيان، النيسابوري ٢/ ٨٩٣.
(٤) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ١٢٦/١٦،
تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤٩٦.
www. modoee.com
٣٣٧

حرف العين
بالنعم التي تقصر العبارات عن تفصيلها تفعل ذلك كثيرًا، وتأويل ذلك: وأما الذين
سعدوا برحمة الله، فهم في الجنة خالدين
فيها ما دامت السموات والأرض))(٢).
وبيانها، وأولئك المتصفون بتمام الطاعة
لله تعالی ولرسوله صلی الله علیه وسلم،
يكونون يوم القيامة في صحبة الأنبياء الذين
أرسلهم الله مبشرين ومنذرين فبلغوا رسالته
ونالوا منه سبحانه أشرف المنازل (١).
وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِى الْجَنَّةِ
خَلِينَ فِيَهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّ مَا شَآءَ
رَبُّكَّ عَطَآءُ غَيْرَ مَجْذُونٍ﴾ [هود: ١٠٨].
قال الطبري: ((قال أبو جعفر: واختلفت
القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء
المدينة والحجاز والبصرة وبعض الكوفيين:
(وأما الذين سعدوا))، بفتح السين، وقرأ
ذلك جماعة من قراء الكوفة: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ
سُعِدُواْ﴾، بضم السين، بمعنى: رزقوا
السعادة.
قال أبو جعفر: والصواب من القول في
ذلك أنهما قراءتان معروفتان فبأيتهما قرأ
القارئ فمصيبٌ الصواب، فإن قال قائل:
وكيف قيل: ﴿سُعِدُواْ﴾، فيما لم يسم فاعله،
ولم يقل: ((أسعدوا))، وأنت لا تقول في
الخبر فيما سمي فاعله: «سعده الله»، بل
إنما تقول: («أسعده الله»؟
قيل: ذلك نظير قولهم: ((هو مجنون ))
و «محبوب»، فیما لم یسم فاعله، فإذا سموا
فاعله قیل: ((أجنه الله ))، و ((أحبه)»، والعرب
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١١٦/٥.
فالذين سعدوا هم أهل السعادة، وهم
أتباع الرسل، فمأواهم الجنة، ﴿خَالِدِينَ
فِيهَا﴾، أي: ماكثين فيها أبدًا، مدة دوام
السماء والأرض، بمشيئة الله تعالى، عطاءً
غیر منقطع ولا ممنوع، ولکنه ممتد إلی غیر
نهاية(٣).
(٢) جامع البيان، ١٥/ ٤٨٧.
(٣) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ٢٧٩/٧،
أيسر التفاسير، الجزائري ٢/ ٥٨٠.
٣٣٨
مَوَسُولَة النَّقِين
القرآن الكريمِ

العطاء
أنواع العطاء الإلهي
ينقسم العطاء الإلهي إلى قسمين،
عطاء عام لجميع الخلائق، وعطاء خاص
يكون لبعض الناس كالأنبياء والمرسلين
والمؤمنين، وسيتم الحديث عن ذلك في
النقاط الآتية:
أولًا: العطاء العام:
وهذا العطاء يكون للخلائق جميعًا.
قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَّلْنَا
لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ، جَهَنَّمَ
يَصْلَنْهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا
وَمَنْ أَرَادَ
(١٨
اَلْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَكَ
كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (٥ كُلَّا تُمِدُّ هَؤُلَاءِ
وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَّ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ
محظورًا
٢٠)﴾ [الإسراء: ١٨- ٢٠].
قال الطبري: «یمد ربك يا محمد كلا
الفريقين من مريدي العاجلة، ومريدي
الآخرة، الساعي لها سعيها وهو مؤمن في
هذه الدنيا من عطائه، فيرزقهما جميعا من
رزقه إلى بلوغهما الأمد، واستيفائهما الأجل
ما كتب لهما، ثم تختلف بهما الأحوال بعد
الممات، وتفترق بهما بعد الورود المصادر،
ففريق مريدي العاجلة إلى جهنم مصدرهم،
وفريق مريدي الآخرة إلى الجنة مآبهم.
﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ تَحْظُورًا﴾ يقول:
وما كان عطاء ربك الذي يؤتيه من يشاء من
خلقه في الدنيا ممنوعا عمن بسطه عليه لا
يقدر أحد من خلقه منعه من ذلك، وقد آتاه
الله إياه، وإن الله عز وجل قسم الدنيا بين
البر والفاجر، والآخرة خصوصا عند ربك
للمتقين)»(١).
فالعطاء هنا هو تمكين العبد من الفعل
ومنحه القدرة والاستطاعة، كل على
حسب رزقه وقضاء الله وقدره، وإن الله
تبارك وتعالى يمد بعطائه في الدنيا أهل
طاعته، وأهل معصيته، حتى الكافرين به
والجاحدين له، فهذا النص يفسر الظاهرة
المشهودة في دنيا الناس، فبين أن الله تبارك
وتعالى يمد عباده بالعطاء غير المحظور،
أي: الذي لا تستطيع منعه قوة غير قوة الله.
فهو يمد أهل الدنيا الذين يريدون العجلة،
ولكن مالهم في الآخرة من نصيب، بل
لهم فيها العذاب جزاء كفرهم وعصيانهم،
ويمد بعطائه طلاب الآخرة، ويدخر لهم
العطاء الأَجَلَّ الأعظم يوم القيامة، فيمنحهم
بذلك عطاء الدنيا وعطاء الآخرة، فضلًا منه
وكرمًا(٢).
أما عطاء الدنيا فمشمول بقانون الابتلاء،
الذي يخضع له المؤمنون والكافرون على
سواء، وأما عطاء الآخرة فهو عطاء الفضل
العظيم، الذي يحرم من يحرم منه ضمن
(١) جامع البيان، ٤١١/١٧.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦٢/٥.
www. modoee.com
٣٣٩

حرف العين
قانون الجزاء.
قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِى الْجَنَّةِ
خَلِينَ فِيَهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّ مَا شَآءَ
رَبُّكٌّ عَطَاءُ غَيْرَ تَجْذُونٍ﴾ [هود: ١٠٨] ﴿غَيْرَ
مَجْذُونٍ﴾ أي: غير مقطوع، والجذ في اللغة
القطع (١).
وقد زاد الله في فضله وإكرامه، فسمی
هذا العطاء أجرًا، مع أنه في الحقيقة والواقع
من محض فضله وجوده، فقال الله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ لَهُمْ أَجْرُ
غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: ٨]. ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾
أي: غير مقطوع (٢).
ونظيره قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَنَ فیّ
أَحْسَنِ تَقْوِيِمِ ثُمَّ رَدَدْتَهُ أَسْفَلَ سَفِلِينَ (٥) إِلَّا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعِلُواْ الصَِّحَتِ فَلَهُمْ أَجْرُ غَيْرُ مَنُونٍ﴾
[التين: ٤- ٦].
ثانيًا: العطاء الخاص:
ومن ذلك:
١. تسخير الرياح والجن لسليمان
عليه السلام.
قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَغْفِرْ لِ وَهَبْ لِ
مُلْكَا لَّا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِىٌّ إِنَّكَ أَنْتَ أْوَضَّابُ
فَسَخَّرْنَا لَهُ الْرِّيَعَ تَّجْرِى بِأَمْرِه رُفَآءُ حَيْثُ أَصَابَ (٦)
وَالشَّيَطِينَ كُلَّ بَنٍَّ وَغَوَّاصٍ (٦) وَءَاخَرِينَ مُقَرَِّينَ
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٩ / ٩٤.
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤٠/٢٤.
فِىِ الْأَصْفَادِ ﴿ هَذَا عَطَآؤُنَا فَأْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ
حِسَابٍ﴾ [ص: ٣٥ - ٣٩].
من العطاء الخاص لسليمان عليه
السلام أن الله تعالى سخر له الريح تجري
بأمره حيث يريدها؛ لأنها تحمل بساطه أو
سفينته الهوائية التي غدوها شهر ورواحها
شهر ﴿رُخَةَ﴾ أي: لينة ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾
أي: أراد، كما سخر له شياطين الجن منهم
البناء الذي يقوم بالبناء للدور والمصانع،
ومنهم الغواص في أعماق البحر لاستخراج
اللآلئ، ومنهم من إذا عصاه وتمرد عليه
جمع یدیه إلى عنقه بصفد ووضعه تحت
الأرض.
وقوله تعالى: ﴿هَذَا عَطَآؤُنَا فَأُمْتُنْ أَوْ أَمْسِكْ
بِغَيِّرِ حِسَابٍ﴾ أي: أعطيناه ما طلب منا وقلنا
أي: أعط ما
له: هذا عطاؤنا لك
شئت لمن شئت وامنع ما شئت عمن شئت
بغير حساب منا عليك، وفوق هذا وإن لك
عندنا يوم القيامة للقربة وحسن المرجع(٣).
٢. استجابة دعوة زكريا عليه السلام
برزقه الولد.
وكذلك في دعاء نبي الله زكريا عليه
السلام فحقق الله مطلبه وأعطاه ما يتمناه في
قوله تعالى: ﴿وَ إِ خِفْتُ الْمَوَالِىَ مِن وَرَآءِى
وَكَانَتِ امْرَأَتِى عَاقِرًا فَهَبْ لِ مِنْ لَّدُنكَ
وَلِيَّا ن يَرِثُبِىِ وَيَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبٌ وَأَجْعَلَهُ
(٣) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ١٢ / ١٥٧.
فَضْوَ
مَوَسُوعَة النفسية
القرآن الكريمِ
٣٤٠

العطاء
رَبِّ رَضِيَّانِ يَزَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَمٍ
أَسْمُهُ يَحْيِى لَمْ تَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ [مريم:
٥ -٧].
يجتهد زكريا عليه السلام في الدعاء بأن
يرزقه الله الولد، لا من أجل شهوة دنيوية،
وإنما من أجل مصلحة الدين والخوف من
تضييعه وتبدیله والحرص على من يرثه في
علمه ونبوته، ویکون مرضيًّا عنده عز وجل،
والمعنى: وإني - يا إلهى- قد خفت ما يفعله
أقاربي ﴿مِن وَرَآءِى﴾ أي: من بعد موتی،
من تضييع لأمور الدين، ومن عدم القيام
بحقه.
﴿وَكَانَتِ آَمْرَأَتِ عَاقِرًا ﴾ لا تلد قط في
شبابها ولا في غیر شبابها.
﴿فَهَبْ لِ مِنْ لَّدُنكَ﴾ أي: من عندك
﴿وَلِيًّا﴾ أي: ولدًا من صلبي، هذا الولد
يرثني في العلم والنبوة ويرث أيضًا من آل
يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم العلم والنبوة
والصفات الحميدة، واجعلہ یا رب رضيًّا.
وفي قوله: ﴿فَهَبْ لِ مِن لَّدُنِكَ وَلِيًّا﴾
اعتراف عميق بقدرة الله تعالى؛ لأن مثل
هذا العطاء لا یرجی إلا منه عز وجل، بعد
أن تقدمت بزکریا السن، وبعد أن عهد من
زوجه العقم وعدم الولادة (١).
٣. عطاء المؤمنين في الآخرة.
(١) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٤٩/١٦،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢١١/٥.
قال تعالى: ﴿جَزَآءُ مِّن رَّيِّكَ عَطََّءَ حِسَابًا
[النبأ: ٣٦].
بعد أن سرد الله عز وجل ما أعده لعباده
المتقين من نعيم، يبين أن هؤلاء المتقين
کوفئوا مكافأة صادرة من ربك على سبيل
العطاء، أي: الإحسان والتفضل، حتى شبعوا
صفة للعطاء وهو
واكتفوا، فقوله:
بمعنی کاف، فهو مصدر أقيم مقام الوصف،
من قولهم: أحسبه الشيء، إذا کفاه حتى قال
حسبي، أى: کافینی(٢).
قال الزمخشري:
ـابًا صفة
((وفرجِـ
بمعنی کافیًا، من أحسبه الشيء إذا كفاه حتى
قال: حسبي، ويصح أن یکون قوله حسابًا
معناه محسوبًا، أي: کافاهم الله تعالى على
أعمالهم الحسنة في الدنيا مكافأة محسوبة،
على قدر أعمالهم الطيبة»(٣)
(٢) انظر: تفسير المراغي، ١٥/٣٠.
(٣) الكشاف، ٦٩٠/٤.
www. modoee.com
٣٤١

حرف العين
مجالات العطاء
تتنوع المجالات التي يشملها العطاء،
ففي هذا المبحث سنتطرق إلى أهم
المجالات التي يدخل فيها العطاء في النقاط
الآتية:
أولًا: النفس:
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَقْوَهُم بِأَنَّ لَهُمُ
الْجَنَّةُ يُقَئِّلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ
وَيُقْتَلُونٌَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَةِ
وَاُلْإِنِيلِ وَالْقُرْءَانِّ وَمَنْ أَوْقَ بِعَهْدِهِهِ
مِنَ اَللَّهِ فَاسْتَبْشِرُواْبِبَيْعِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُم بِهِ.
وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١].
تدل على أن هناك صفقة- عملية شراء
وبيع- وان كان هذا ملكا لله، فالله هو
المشتري، والله هو البائع، فلابد أن لهذا
الأمر رمزية، وهذه الرمزية يلحظها الإنسان
في الولي على اليتيم أو السفيه، فقد يصح
أن يكون عندي شيء وأنا ولي على یتیم،
فأشتري هذا الشيء بصفتي، ثم أبيعه بصفتي
الأخرى، فالشخص الواحد يكون هو
الشاري وهو البائع.
فكأن الله يضرب لنا بهذا المثل: ((إنكم
بدون منهج الله سفهاء، فدعوا الله يبيع
ودعوا الله يشتري))، وما الثمن ؟: يأتي
لَهُمُ الْجَنَّةَ
التحديد من الحق
هذا هو الثمن الذي لا يفنى ولا يبلى،
ونعيمك فيها على قدر إمكانيات الله التي
لا نهاية لها، أما نعیمك في حیاتك فھو علی
قدر إمکانیاتك أنت في أسباب الله، وهكذا
یکون الثمن غاليا (١).
قال أبو السعود: ((الآية الكريمة ترغيب
للمؤمنين في الجهاد، وقد بولغ في ذلك
علی وجه لا مزید علیه، حیث عبر عن قبول
الله تعالى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم
التي بذلوها في سبيله تعالى وإثابته
إياهم بمقابلتها الجنة بالشراء على طريقة
الاستعارة التبعية. ثم جعل المبيع - الذي
هو العمدة والمقصد في العقد - أنفس
المؤمنين وأموالهم، والثمن - الذي هو
الوسيلة في الصفقة - الجنة.
ولم يجعل الأمر على العكس بأن يقال:
إن الله باع الجنة من المؤمنين بأنفسهم
وأموالهم؛ ليدل على أن المقصد في العقد
هو الجنة، وما بذله المؤمنون في مقابلتها
من الأنفس والأموال وسيلة إليها، إيذانا
بتعليق كمال العناية بهم وبأموالهم، ثم
إنه لم يقل ((بالجنة)) بل قال: ﴿بِأَنَّ لَهُمُ
اَلْجَنَّةَ﴾ مبالغة في تقرر وصول الثمن
إليهم واختصاصه بهم، فكأنه قيل: بالجنة
الثابتة لهم، المختصة بهم (٢).
(١) انظر: تفسير الشعراوي، ٥٥٠٩/٩.
(٢) إرشاد العقل السليم، ١٠٥/٤.
٣٤٢
جوي
القرآن الكريم

العطاء
ومن الأمور العظيمة في هذا المجال وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسُِّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ
اَلْكَفِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٧].
من العطاء هو إيثار الغير على نفسك
مصداقًا لقول الحق تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّهُو
الدَّارَ وَالْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ
إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِ صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآً
أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ
خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ
الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الحشر: ٩].
والإيثار معناه: أن يؤثر الإنسان غيره
على نفسه، على سبيل الإكرام والنفع.
والخصاصة: شدة الحاجة، وأصلها من
خصاص البيت، وهو ما يبقى بين عيدانه
من الفرج والفتحات، أى: إن من صفات
الأنصار أنهم كانوا يقدمون في النفع
إخوانهم المهاجرين على أنفسهم، ولو كانوا
في حاجة ماسة، وفقر واضح إلى ما يقدمونه
لإخوانهم المهاجرين (١).
ثانيًا: العلم:
المعطاء فى هذا المجال هو الذي لا
يدخر عنده علمًا ولا معرفة عمن يحسن
الانتفاع بذلك، والبخيل هو الذي يحتفظ
بمعارفه وعلومه لنفسه، فلا ينفق منها
لمستحقيها، ضَنَّا بها ورغبة بالاستئثار.
﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ
قال تعالى:
إِلَيكَ مِن رَّبِّكٌ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ.
(١) انظر: نظم الدرر، البقاعي ٤٣٤/١٩، لباب
التأويل، الخازن ٤/ ٢٧١.
وبعض البخلاء بعطاء العلم إذا بذلوا
منه شيئا فإنما يبذلون منه بقدر، كأنهم
يخشون النفاد، مع أن المعارف والعلوم تربو
بالعطاء، فهي تزيد ولا تنقص؛ إلا أن دافع
البخل في نفوسهم یجعلھم یضنون حتى في
الأمور التي تزيد ولا تنقص، فسوابق أوهام
نفوسهم - التي سيطر عليها أن العطاء ينقص
من الأشياء التي يمتلكونها - هي التي جعلت
نفوسهم تمتنع عن عطاء العلم وتبخل به،
دون أن تنير أجواء نفوسهم المظلمة بصيرة
واعية، أو تخفف من غواء أنانيتهم الضيقة
أخلاق كريمة فاضلة (٢).
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنْزَلْنَا
مِنَ الْبَيْنَتِ وَأَلْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيِّنَهُ لِلنَّاسِ فِى
الْكِنَبِّ أُوْلَكَ يَلْعَنَّهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّعِنُونَ
[البقرة: ١٥٩].
أي: إن الذين يخفون عن قصد وتعمد
وسوء نية ما أنزل الله على رسله من آيات
واضحة دالة على الحق، ومن علم نافع
يهدى إلى الرشد، من بعد ما شرحناه
وأظهرناه للناس في كتاب يتلى، أولئك
الذين فعلوا ذلك ﴿يَلْعَنُّهُمُ اللَّهُ﴾ بأن يبعدهم
عن رحمته ﴿وَيَلْعَنَّهُمُ اللَّعِنُونَ﴾ أى:
ويلعنهم كل من تتأتى منه اللعنة - كالملائكة
(٢) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٢١٤/١.
www. modoee.com
٣٤٣

حرف العين
والمؤمنين- بالدعاء عليهم بالطرد من رحمة إحصاؤها.
الله لكتمانهم لما أمر الله بإظهاره(١).
ولما كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم كامل الخلق، ومن كمال خلقه أنه
جواد بعطاء ما يختصه الله به من معارف
غيبية لم يأمره بكتمها، وصفه الله بخلق
الجود في هذا المجال، فقال تعالى: ﴿إِنَّهُ.
لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرٍِ ) ذِى قُوَّةٍ عِنْدَ ذِى الْمَرْشِ مَكِينِ
ث ◌ُطَاع ◌َمَّ أَمِينِ ) وَمَا صَاحِبُّكُم بِسَجْنُونٍ
وَلَقَدْ رَءَاهُ بِالْأَفُقِّ الُِْينِ ) وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ
بِضَنِينٍ﴾ [التكوير: ١٩ - ٢٤].
ففي وصف الله لرسوله بأنه ليس بضنين
على الغيب، أي: ليس بشحيح ولا بخيل
بعطاء المعارف والعلوم الغيبية التي يصطفيه
الله بها، وإثبات لصفة جوده صلى الله عليه
وسلم بعطاء العلم الذي يملك معرفته،
ویسمح له ببذله(٢).
ثالثًا: المال:
المال هو كل ما يمتلك الإنسان
من أشياء ينتفع بها، كالذهب والفضة،
والخيل، والأنعام، والحرث، و کل ماکول،
أو مشروب، أو ملبوس، أو مركوب، أو
مسكون، إلى غير ذلك من أشياء يصعب
(١) انظر: الدر المصون، السمين الحلبي
١٩٣/٢.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٣٩/٨،
التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٧٤/٢٧.
القرآن الكريمِ
قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ
مِنَ النِّسَدِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَطِيرِ الْمُقَنطَّرَةِ
مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ
وَالْأَنَْمِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَعُ الْحَيَوَةِ
الدُّنْيَّا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَشَابِ﴾ [آل عمران:
١٤].
فالعطاء من المال في سبيل الله من أعظم
القربات إلى الله عز وجل، ولقد امتدح الله
تعالى الذين يجودون بأموالهم في سبيل الله
تعالى في آيات كثيرة من القرآن الكريم.
قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلٍ حَبَّةٍ أَثْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ
فِي مُلِّ سُتْبُلَةٍ مِّئَةُ حَّةٌّ وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءُ
وَاَللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١].
مثل صدقة الذين ينفقون أموالهم في
سبیل الله، كمثل حبة ألقيت في أرض طيبة،
أصابها الغيث، فخرجت الحبة على هيئة
زرع قوي جميل فأنبتت في الوقت المناسب
لإنباتها سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة،
فهنا نرى أن الله عز وجل قد شبه حال
الصدقة التي يبذلها المؤمن في سبيل الله
فيكافئه الله تعالى عليها بالثواب العظيم،
بحال الحبة التي تلقى في الأرض النقية
فتخرج عودًا مستويًا قائمًا قد تشعب إلى
سبع شعب، في كل شعبة سنبلة، وفي كل
سنبلة مائة حبة.
٣٤٤

العطاء
وفي هذا التشبيه ما فيه من الحض على
العطاء في وجوه الخير، ومن الترغيب في
فعل البر ولا سيما النفقة في الجهاد في سبيل
الله (١).
وقال تعالى: ﴿فَمَّا مَنْ أَعْطَى وَأَنَّقَى * وَصَدَّقَ
بِ أَصْفَ* فَسَنْيَسِرُ لْيُسْرَى﴾ [الليل: ٥-٧].
فأما من أعطى حق الله تعالى، بأن أنفق
من ماله في وجوه الخير: كإعتاق الرقاب،
المحارم
ومساعدة المحتاجين واتقى
والمعاصي، وأيقن بالخصلة الحسنى،
وهي الإيمان بکل ما یجب الإيمان به، أو
أيقن بالملة الحسنى، وهي ملة الإسلام،
أو بالمثوبة الحسنى وهي الجنة، فسنهيئه
للخصلة التي توصله إلى اليسر والراحة
وصلاح البال، بأن نوفقه لأداء الأعمال
الصالحة التي تؤدي إلى السعادة(٢).
(١) انظر: الكشاف، الزمخشري ٣١٠/١، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٦٩١.
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٩٢٦، التفسير الوسيط، الزحيلي
٢٨٨٦/٣.
مبطلات العطاء
الأمور التي تبطل العطاء كثيرة في هذا
المبحث، سنتعرف على أهم الأشياء التي
تبطل العطاء کالمن والأذى والرياء وغيرها.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَانُبْطِلُواْ
صَدَقَتِكُمْ بِأَلْمَنِ وَالْأَذَى كَلَّذِى يُنفِقُ مَالَهُ.
رِشَآءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِّ فَمَثَلُهُ.
كَمَثَلٍ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ, وَابِلٌ فَتَرَكَهُ.
صَلْدًّا لَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ
وَاَللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ اَلْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٦٤].
هذا نداء من الله تعالى للمؤمنين ينهاهم
عن المن والأذى، لأنهما یؤدیان إلی ذهاب
الأجر من الله تعالى وإلى عدم الشكر
من الناس، ثم أكد سبحانه هذا النهي عن
المن والأذى بذكر مثلين فقال في أولهما:
﴿كَلَّذِى يُنفِقُ مَا لَهُرِئَآءَ النَّاسِ﴾.
والمعنى: يا من آمنتم بالله تعالى لا تبطلوا
صدقاتكم بأن تحبطوا أجرها، وتمحقوا
ثمارها، بسبب المن والأذى، فیکون مثلكم
في هذا الإبطال لصدقاتكم بسبب ما ارتكبتم
من آثام، كمثل المنافق الذي ينفق ماله من
أجل أن يرى الناس منه ذلك ولا يبغي به
رضاء الله ولا ثواب الآخرة؛ لأنه كفر بالله،
وكفر بحساب الآخرة.
وفي هذا التشبيه تنفير شديد من المن
والأذى؛ لأنه سبحانه شبه حال المتصدق
www. modoee.com
٣٤٥

حرف العين
المتصف بهما في إبطال عمله بسببهما بحال
هذا المنافق المرائي الذي لا يؤمن بالله
واليوم الآخر (١).
وأما المثال الثاني فقال سبحانه: ﴿كَمَثَلِ
صَقْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ، وَابِلٌ فَتَرَكَةُ صَلْدًا
لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ﴾.
والمعنى: يا أيها المؤمنون لا تبطلوا
صدقاتكم بالمن والأذى فيكون مثلكم
کمثل المنافق الذي ينفق ماله من أجل الرياء
لا من أجل رضا الله، وإن مثل هذا المنافق
في انكشاف أمره وعدم انتفاعه بما ينفقه رياء
وحبًّا للظهور كمثل حجر أملس لا ينبت
شيئا، ولكن عليه قليل من التراب الموهم
للناظر إليه أنه منتج فنزل المطر الشديد
فأزال ما عليه من تراب، فانكشف حقيقته،
وتبین للناظر إليه أنه حجر أملس صلد لا
يصلح لإنبات أي شيء عليه.
فالتشبيه في الآية الكريمة بين الذي ينفق
ماله رياء وبين الحجر الكبير الأملس الذي
علیہ قدر رقیق من التراب ستر حاله، ثم ينزل
المطر فیزیل التراب و تنكشف حقيقته ويراه
الرائي عاريًا من أي شيء يستره، وكذلك
المنافق المرائي في إنفاقه يتظاهر بمظهر
السخاء أمام الناس ثم لا يلبث أن ينكشف
أمره؛ لأن ثوب الرياء یشف دائما عما تحته،
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٢١/٥، تفسير
السمر قندي ١ / ١٧٦.
وإن لم يكشفه فإن الله كاشفه(٢).
ومن المفسرين من يرى أن التشبيه
في الآية الكريمة بين المنفق الذي يبطل
صدقته بالمن والأذى وبين الحجر الأملس،
وأن الضمير في قوله: ﴿فَمَثَلُهُ، كَمَثَلِ
صَفْوَانٍ﴾ يعود إلى هذا المبطل لصدقته
بالمن والأذى. فيكون المعنى: لا تبطلوا
صدقاتكم بالمن والأذى فيكون مثلكم
كمثل الحجر الأملس الذي عليه تراب
کان یرجی أن یکون منبتا للزرع فنزل المطر
فأزال التراب فبطل إنتاجه، فالمن والأذى
ببطلان الصدقات ویزیلان أثرها النافع، كما
يزيل المطر التراب الذي يؤمل منه الإنبات
من فوق الحجر الأملس(٣).
ثم قال تعالى: ﴿لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ
مِّمَّا كَسَبُواْ﴾ أي: إن الذين يبطلون
صدقاتهم بالمن والأذى، والذين يتصدقون
رياءً ومفاخرة لا يقدرون على تحصيل شيء
من ثواب ما عملوا؛ لأن ما صاحب أعمالهم
من رياء ومن أذى محق بركتها، وأذهب
ثمرتها، وأزال ثوابها.
والذي ينظر في هذه الآيات الكريمة
يرى أن الله تعالى قد حذر المنفقين من
المن والأذى في ثلاث آيات متواليات،
كما حذرهم من الرياء، وساق أكثر من
(٢) انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين
٢٥٨/١، الكشف والبيان، الثعلبي ٢٥٨/٢.
(٣) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٥٧/١.
٣٤٦
جَوَسُو ◌َرُ النَّقِين
القرآن الكريمِ

العطاء
تشبيه لتقبيح الصدقات التي لا تكون المعطي إلى ذلك إظهار الإنعام زاد ذلك
في انكسار قلبه فيكون في حكم المضرة
بعد المنفعة، وفي حکم المسيء إليه بعد أن
أحسن إليه.
خالصة لوجه الله، فلماذا كل هذا التشديد
في النهى؟ والجواب عن ذلك: أن المن
والأذى في الإنفاق كثيرًا ما يحصلان بسبب
والثاني: أن إظهار المن يبعد أهل الحاجة
عن الرغبة في صدقته إذا اشتهر من طريق
ذلك.
استعلاء كاذب، أو رغبة في إذلال المحتاج
وإظهاره بمظهر الضعيف: وكلا الأمرين لا
يليق بالنفس المؤمنة المخلصة، ولا يتلاقى
مطلقًا مع الحكم التي من أجلها شرعت
الصدقات.
بل إنه ليتنافر معها تنافرًا تامًّا؛ لأن أن لله عليه نعمًا عظيمة حيث وفقه لهذا
الصدقات شرعها الله لتهذيب النفوس
وتطهير القلوب، ولتربط بين الأغنياء
والفقراء برباط المحبة والمودة والإخاء،
فإذا ما صاحبها المن والأذى أثمرت نقيض
ما شرعت له، لأنها تثير في نفس المعطي
بسبب ذلك الكبر والخيلاء وغير ذلك من
الصفات الذميمة، وتثير في نفس الآخذ
شعورًا بالحقد والانتقام ممن أعطاه ثم آذاه
وبذلك تنقطع الروابط، ويتمزق المجتمع،
وتتحول المحبة إلى عداوة(١).
ولقد تحدث الإمام الرازي عن الآثار
السيئة للمن والأذى فقال: ((وإنما كان المن
مذموما لوجوه:
الأول: أن الفقير الآخذ للصدقة منكسر
القلب لأجل حاجته إلى صدقة، فإذا أضاف
(١) انظر: الكشاف، الزمخشري ١/ ٣١٢، الجامع
لأحكام القرآن، القرطبي ٣١١/٣.
الثالث: أن المعطي يجب أن يعتقد أن
هذه النعمة من الله تعالى عليه- وأن يعتقد
العمل، ومتى كان الأمر كذلك امتنع عن أن
يجعل ما ينفقه منة على الغير.
الرابع: أن المعطي في الحقيقة هو الله،
ومتى اعتقد العبد ذلك استنار قلبه، أما إذا
اعتقد غير ذلك فإنه يكون في درجة البهائم
الذين لا يترقى نظرهم عن المحسوس إلى
المعقول، وعن الآثار إلى المؤثر وأما الأذى
فيتناول كل ذلك وغيره مما يسيء إلى الفقير
بأن يقول له: فرج الله عنى منك، وأنت أبدا
تأتى إلي بما يؤلم. إلخ))(٢)
وجاء في الحديث عن أبى ذر رضي
الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة،
ولا ینظر إلیھم ولا یز کیھم ولهم عذاب أليم،
قال: فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم
ثلاث مرارا قال أبو ذر: خابوا وخسروا، من
(٢) مفاتيح الغيب، ٤٣/٧.
www. modoee.com
٣٤٧

حرفالعین
هم يا رسول الله؟ قال: المسبل، والمنان،
والمنفق سلعته بالحلف الكاذب)(١).
والمنان: هو الذي لا يعطي شيئا إلا منه
كما في رواية، وقيل: أي يمن بما يعطيه
لغيره بأنه يذكر ولو لواحد، فالمبالغة غير
شرط کأعطيت فلانا كذا وفلان يكره ذلك
القول، فهي من المنة التي هي الاعتداد
بالصنيعة، وهي إن وقعت في الصدقة
أبطلت المثوبة، وإن وقعت في المعروف
كدرت الصنيعة (٢).
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار، رقم ١٠٦،
١٠٢/١.
(٢) انظر: شرح صحيح مسلم، النووي ١١٤/٢،
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، الملا
علي القاري ١٩٠٩/٥.
ثمرات العطاء على الفرد والمجتمع
للعطاء فوائد وثمرات فردية واجتماعية
عظيمة، ذکر الباحث أهمها:
١. تطهير النفس وتزكيتها من
الأنانية.
قال تعالى: ﴿وَنَفْسِ وَمَا سَوَّنَهَا فَأَْمَهَا
◌ُرَهَا وَتَقْوَنَهَا (٢٥) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَّكَّنْهَا، وَقَدْ
خَابَ مَن دَسَّنَهَا﴾ [الشمس: ٧ - ١٠].
أي: أفلح من طهر نفسه من أدناس
الرذائل الخلقية والسلوكية، وخاب من
غمسها في هذه الأدناس، ومن هذه الرذائل
المدنسة للنفس الإنسانية الشح والأنانية
المفرطة المقيتة، ولذلك سميت الزكاة
بهذا الاسم، فھي مطهرة للنفوس من دنس
الشح والبخل والأنانية المفرطة، وهي أيضًا
مطهرة للمال من الحقوق المتعلقة به للفقراء
والمساکین(٣).
ولما في العطاء من تزكية للنفس، قال
﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَفَّى لَا يَصْلَنَّهَا إِلَّا
تعالى:
الَّذِى كَذَّبَ وَتَوَلَّى ◌َ وَسَيُجَنَبُهَا
١٥
اُلْأَشْقَى
الْأَنْقَى ◌ِ الَّذِى يُؤْتِ مَالَهُ يَتَزََّى﴾ [الليل: ١٤
-١٨].
وهذه التزكية لا تكون إلا بمخالفة أهواء
النفس وشهواتها، وقضية مخالفة أهواء
النفوس يمكن أن تكون بتحويل ذكي فيه
(٣) انظر: الأخلاق الإسلامية وأسسها ٣٧٧/٢.
جَوَسُ بَرُ النَّفين
القرآن الكريمِ
٣٤٨