Indexed OCR Text

Pages 21-34

عاد
لنبيهم بعدما ذكرهم بنعم الله: ﴿سَوَآءُ عَلَيْنَآ مصرين على إجرامهم))(٢).
أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَعِظِينَ﴾ أي: الجميع
على حد سواء، وهذا غاية العتو، فإن قومًا
بلغت بهم الحال إلى أن صارت مواعظ
الله التي تذيب الجبال الصم الصلاب
وتتصدع لها أفئدة أولي الألباب وجودها
وعدمها عندهم على حدٍ سواء لقوم انتھی
ظلمهم واشتد شقاؤهم وانقطع الرجاء من
هدايتهم))(١).
وكل ما وجده نبيهم هود عليه السلام
منهم كما ذكرنا سابقا، إلا أنه أوضح لهم
أنه متوكل على الله سبحانه وتعالى ولن
يضروه بشيء، وهذا ما بينه أبو حيان في
تفسيره: ((مجاهرة هودٍ عليه السلام لهم
بالبراءة من أدیانهم وحضه إياهم علی کیده
هم وأصنامهم معجزةٌ لهودٍ، أو حرض
جماعتهم عليه مع انفراده وقوتهم و کثرتهم
فلم يقدروا على نيله بسوءٍ، ثم ذكر توكله
على الله معلمًا أنه ربه وربهم، ومنبهًا على
أنه من حيث هو ربكم يجب عليكم أن لا
تعبدوا إلا إياه، ومفوضًا أمره إليه تعالى ثقةً
بحفظه وإنجاز موعوده، ووعدهم هود عليه
السلام على الإيمان والتوبة بكثرة الغيث
وتضاعف القوة بالتناسل شرط أن لا يتولوا
ولا يعرضوا عما يدعوهم إليه، إلا أنهم
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٥٩٥.
ولهذا لم يؤمن منهم إلا القليل فكانت
لهم النجاة في الدنيا والآخرة.
ويستفاد من ذلك: أن قوم هود عليه
السلام تفننوا في كيفية صد دعوة نبيهم
بمختلف الطرق والوسائل، مما يدلل على
عنادهم وإصرارهم على الكفر.
(٢) البحر المحيط في التفسير ١٦٨/٦.
وانظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ١٣٨/٣.
www. modoee.com
٢٧

حرف العين
نعم الله عليهم وموقفهم منها
سبق أن ذكرنا أن نبي الله هود عليه
السلام حينما دعا قومه ذكرهم نعم الله
عليهم، وفي هذا المبحث نذكر هذه النعم
ثم نبين موقفهم من تلك النعم.
أولًا: نعم الله علی عاد:
فلقد عدد الله تعالى في كتابه نعمه
عليهم، وبيانها كما يلي:
١. نعمة القوة.
ذكرها الله سبحانه على لسان هود
عليه السلام في قوله: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى
قُوَّتِكُمْ﴾ [هود:٥٢].
وللمفسرين في بيان هذه القوة ثلاثة
أقوال:
أحدها: أنه الولد وولد الولد، رواه أبو
صالح عن ابن عباس.
والثاني: يزدكم شدة إلى شدتكم، قاله
مجاهد و ابن زید.
والثالث: خصبا إلى خصبكم، قاله
الضحاك (١). ولا مانع من أن يكون المراد
كل ذلك.
وجاء ذكرها أيضًا في سورة فصلت عند
قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَأَسْتَكْبَرُواْ فِى الْأَرْضِ
بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾ [فصلت: ١٥].
(١) زاد المسير، ابن الجوزي ١١٧/٤، فتح
القدير، الشوكاني ٧٣١/٢
قال الشوكاني: ((﴿وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّاقُوَّةٌ
وكانوا ذوي أجسام طوال وقوة شديدة))(٢).
وبين أبو السعود شيئًا من تلك القوة
فقال: (( وقد بلغ من قوتهم أن الرجل كان
ينزع الصخرة من جبل فيقتلعها بيده))(٣)،
فهذه قوة في أجسادهم، والسابقة زيادة
عليها كما هو ظاهر الآيتين.
٢. الخلافة في الأرض.
قال تعالى: ﴿وَأَذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ
خُلَفَآءَ مِنْ بَعْدٍ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩].
فهذه الخلافة نعمة أنعمها الله تعالى
على قوم عاد، قال ابن كثير: ((أي: واذكروا
نعمة الله عليكم في جعلكم من ذرية نوح
الذي أهلك الله أهل الأرض بدعوته لما
خالفوه و کذبوه)» (٤).
وقال القرطبي: ((من عليهم بأن جعلهم
سكان الأرض بعد قوم نوح)) (٥).
قال أبو السعود: (( اذكروا وقت جعله
تعالی إیاکم خلفاء من بعد قوم نوح أي: في
مساكنهم أو في الأرض بأن جعلکم ملوکا،
فإن شداد بن عاد ممن ملك معمورة الأرض
(٢) فتح القدير، الشوكاني ٤ / ٧٢٦.
(٣) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٨/٨.
وانظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير
٤ / ٠٦١٧
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٧٤/٢.
(٥) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٣٦/٧.
٢٨
جَوَنُوا
القرآن الكريم

من رمل عالج إلى شحر عمان)) (١).
وقال ابن عاشور: ((والمعنى: اذكروا
الوقت الذي ظهرت فيه خلافتكم عن قوم
نوح في تعمير الأرض والهيمنة على الأمم،
فإن عادا كانوا ذوي قوة ونعمة عظيمة)) (٢).
.
فظهر من هذه النقولات أنهم خلفوا
قوم نوح في مساكنهم، ومکن الله لهم في
الأرض ملكا وتعميرا وهيمنة على من
سواهم من الأمم.
٣. بسطة الخلق.
قال تعالى: ﴿وَزَادَكُمْ فِ الْخَلْقِ بَشْطَةً﴾
[الأعراف: ٦٩].
وقد ذكر المفسرون أن المراد بالبسطة إما
(٣)
القوة أو بسطة البدن وطول الجسم
والصحيح أن المراد بالبسطة طول
الجسم، قال ابن كثير: ((أي: زاد طولكم على
الناس بسطة أي: جعلكم أطول من أبناء
جنسکم»(٤).
وقد نقل البغوي وغيره أقوالا تبين هذا
الطول، قال البغوي: ((طولا وقوة، قال
الكلبي والسدي: كانت قامة الطويل منهم
مائة ذراع، وقامة القصير منهم ستون ذراعا.
وقال أبو حمزة الثمالي: سبعون ذراعا. وعن
ابن عباس رضي الله عنهما: ثمانون ذراعا.
(١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢٣٩/٣.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٢٦/٥.
(٣) النكت والعيون، الماوردي ٢٣٣/٢.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٧٤/٢.
وقال مقاتل: كان طول كل رجل اثني عشر
ذراعا. وقال وهب: كان رأس أحدهم مثل
القبة العظيمة، وكان عين الرجل تفرخ فيها
الضباع، وكذلك مناخرهم)) (٥).
وفي هذه الأقوال أقوال مبالغة، فقد ورد
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فكل
من يدخل الجنة على صورة آدم وطوله ستون
ذراعًا فلم يزل الخلق ینقص بعده حتى الآن)
(٦) . ففي هذا الحديث دليل على أن کل قول
فيه زيادة علی ستین ذراعا غیر صحیح، أما
ما دونها فهو محتمل، قال رشيد رضا: «وفي
التفسير المأثور روايات إسرائيلية الأصل في
المبالغة في طولهم وقوتهم لا يعتمد عليها
ولا يحتج بشيء منها، ولكن نص على
قوتهم وجبروتهم في سورة هود والشعراء
وفصلت))(٧).
٤. الأنعام والبنين.
قال تعالى: ﴿وَأَتَّقُواْ الَّذِىّ أَمَذَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ
أَمَدَّكُمُ بِأَنْعَمِ وَيَنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٢ -
١٣٣].
وقدم الأنعام على البنين للطيفة ذكرها ابن
(٥) معالم التنزيل، البغوي ٢٤٣/٣.
وانظر: الكشف والبيان، الثعلبي ٤ /٢٤٦.
(٦) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة
وصفة نعيمها وأهلها، باب يدخل الجنة أقوام
أفئدتهم مثل أفئدة الطير، ٢١٣٨/٤، رقم
٢٨٤١.
(٧) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٤٤٣/٨.
www. modoee.com
٢٩

حرف العين
عاشور فقال: ((وابتدأ في تعداد النعم بذكر بصرية لكل من شاهد آثار هؤلاء الأقوام
البائدین.
الأنعام لأنها أجل نعمة على أهل ذلك البلد،
لأن منها أقواتهم ولباسهم وعليها أسفارهم
وكانوا أهل نجعة فهي سبب بقائهم، وعطف
عليها البنين لأنهم نعمة عظيمة بأنها أنسهم
وعونهم على أسباب الحياة وبقاء ذكرهم
بعدهم وكثرة أمتهم))(١).
٥. الجنات والعيون.
قال تعالى: ﴿وَحَثَّتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الشعراء:
١٣٤].
قال البغوي: ((﴿وَحَثَّتٍ وَعُيُونٍ ﴾ أي:
بساتين وأنهار)) (٢).
٦. أنهم تميزوا بإرم ذات العماد.
كما وصفهم الله بذلك في قوله تعالى:
إِرَمَ ذَاتِ
﴿أَمْ تَرَكَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ
اَلْمِمَادِ ى الَّتِ لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِ الْبِلَدِ
[الفجر: ٦-٨].
المعنى: ذكر الله سبحانه وتعالى على
سبيل الاستشهاد ما أنزله من عذاب مهين
بالأقوام المكذبين، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ
الرؤية هنا علمية،
تر کیفَ فَعَلَ رَبِّكَ بِعَادِ﴾
تشبيها للعلم اليقيني بالرؤية في الوضوح
والانكشاف، لأن أخبار هذه الأمم كانت
معلومة للمخاطبين، ويجوز أن تكون الرؤية
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٧٦/١٠.
(٢) معالم التنزيل، البغوي ٦/ ١٢٣.
وانظر: فتح القدير، الشوكاني ١٥٨/٤.
والمراد بعاد: تلك القبيلة المشهورة بهذا
الاسم، والتي كانت تسكن الأحقاف، وهو
مكان في جنوب الجزيرة العربية، معروف
للعرب، وسموا بذلك نسبة إلى أبيهم عاد بن
عوص پن إرم بن سام بن نوح عليه السلام،
فقوله تعالى: ﴿إِرَمَ﴾ عطف بيان لعاد، لأنه
جده الأدنى.
وقوله تعالى: ﴿ذَاتِ اَلْعِمَادِ﴾ صفة
لعاد، والمقصود بهذه القبيلة عادًا الأولى،
التي أرسل الله تعالى إليهم هودًا عليه
السلام وكانوا معروفين بقوتهم وضخامة
أجسامهم، وقد جاء الحديث عنھم کثیرًا
في القرآن الكريم، وقوله سبحانه: ﴿أَلَِّلَّمْ
يُخْلَقْ مِثْلُهَا فى البلدِ﴾ صفة أخرى لقبيلة عاد،
والتي كانت تسكن بيوتا ذات أعمدة ترفع
عليها خيامهم ومبانيهم الفارهة، و﴿أَِّ لَمْ
يُخْلَقْ مِثْلُهَا﴾ [الفجر: ٨]، أي: مثل هذه القبيلة
لم يخلق أحد في ضخامة أجسام أفرادها،
وفي قوة أبدانها، وفيما أعطاها الله تعالى من
غنى وقوة.
وذكر أن ﴿أَِّ لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِ اَلْبِلَدِ﴾
أي: القبيلة التي لم يخلق مثلها في بلادهم،
لقوتهم وشدتهم وعظم تركيبهم، فالضمير
في ﴿مِثْلُهَا﴾ يعود إلى القبيلة(٣).
(٣) انظر: التفسير الوسيط، محمد طنطاوي
٣٠
القرآن الكريمِ

على عماد، وقد وصفوا في القرآن بالقوة
والبطش، فقد كانت قبيلة عاد هي أقوى
قبيلة في وقتها وأميزها: ﴿أَلَِّ لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَافِى
أَلْبِلَدِ﴾ في ذلك الأوان (١).
ثانيًا: موقف قوم عاد من تلك النعم:
نصحهم نبيهم عليه السلام بتذكر نعم الله
وشكره عليها والخوف من عقابه إن كفروا
بها، وأنكروها، ولكن كان موقفهم موقف
الجاحد لأنعم الله غير المبالي من سخطه،
مما جعلهم يطغون في البلاد، ويتكبرون
ويستكبرون فيها بغير حساب، ويبطشون في
الأرض، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ
جَبَّارِينَ (٣)﴾ [الشعراء: ١٣٠].
أي: وإذا بطشتم بسوط أو سيف أو أخذتم
أحدًا لعقوبة بطشتم جبارين مسلطين، قاسية
قلوبكم، بلا رأفة ولا رقة، ولا قصد تأدیب،
ولا نظرًا للعواقب، والجبار الذي يضرب أو
يقتل على الغضب، فاتقوا الله في البطش،
وأطيعون فيما أدعوكم إليه فإنه أنفع لكم،
واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون من ألوان
النعماء وأصناف الآلاء، فأمدكم بأنعامٍ
وبنين، وقرن البنين بالأنعام لأنهم يعينونهم
على حفظها والقيام بها، وجناتٍ بساتين
٣٨٥/١٥، مختصر تفسير القرآن العظيم، ابن
كثير، اختصار وتحقيق الصابوني ٢/ ٦٣٦.
(١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٩٠٣/٦.
و((عاد إرم)): كانوا بدوا ذوي خيام تقوم وعيونٍ، وأنهار خلال الجنات، إني أخاف
عليكم عذاب يومٍ عظيمٍ إن عصيتموني،
أو: إن لم تقوموا بشكرها، فإن كفران النعم
مستتبع للعذاب، كما أن شكرها مستلزم
لزيادتها، لقوله تعالى: ﴿لَين شَكَرْتُمْ
لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَيِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَاإِ لَشَدِيدٌ﴾
[إبراهيم: ٧](٢).
ولكن لا مطيع ولا مجيب، واستمروا
على ما هم عليه، لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ
طَغَوْاْ فِ اَلْبِلَدِ ﴿ فَأَكْثَرُواْ فِيَهَا الْفَسَادَ ﴾
[الفجر: ١١- ١٢].
والمعنى: وصف الله من سبق ذكرهم
في الآيات السابقة بأقبح الأوصاف جزاء
كفرهم بالله وبنعمه عليهم فقال: ﴿الَّذِينَ
طَغَوْاْ فِ اَلْبِلَدِ ﴿ فَأَكْثَرُواْ فِيهَا الْفَسَادَ (١).
أي: هؤلاء الذين سلف ذكرهم من عاد
وثمود وفرعون قد استعملوا سلطانهم
وقوتهم في هضم حقوق الناس، واغتروا
بعظیم قدرتهم، فکانوا سببًا في إفساد البلاد،
ذاك أن من اغتر بنفسه وتهاون بحقوق غيره
واعتدى عليها وأخذ ما ليس له ولم يعط
الذي عليه يكون قد فكك شمل الجماعة
وأفسد في البلاد، فيختل نظام العمران،
ويقف دولاب التعامل، ويوجس كل امرئ
خیفة من بنی جلدته، ولا شك أن أمما هذه
حالها تكون عاقبتها الخراب والدمار، وبيان
(٢) البحر المديد، ابن عجيبة، ١٥٢/٤ بتصرف.
www. modoee.com
٣١

حرفالعین
هذا العقاب في المبحث الذي يليه إن شاء
الله تعالى (١).
بل إنهم ردوا على نبيهم الذي يدعوهم
إلى أفضل النعم ألا وهي عبادة الله،
وتذكيرهم بنعم الله عليهم كما ذكر في
قوله تعالى: ﴿فَذَّكُرُوَاْ ءَالَآءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٦٩] قائلين: أجئتنا لأجل
أن نعبد الله وحده ونترك ما كان يعبد آباؤنا ؟
إن هذا لشيء عجاب !! فجئنا بما تعدنا
من العذاب، فنحن مستعجلون، إن كنت من
الصادقين في دعواك. وهذا منتهى الغرور
والتكبر والجبروت (٢).
ويستفاد من ذلك: نعم الله عز وجل على
الإنسان كثيرة لا تعد ولا تحصى، ولهذا لا
بد من شكر الله وحمده، ليزيدنا الله سبحانه
وتعالى من فضله، ومن أنكر وجحد فله
العقاب العظيم في الدنيا والآخرة.
عاقبة عاد
الله سبحانه وتعالى يجازي المؤمنين
على إيمانهم، ويكافئهم على صبرهم وقدرة
تحملهم، وفي المقابل يعاقب الكافرين
ويحاسبهم على طغيانهم وجبروتهم،
وأوضح الله عز وجل أنه بعد ما أوحى إلى
هود عليه السلام أنه لن يؤمن من قومه إلا
القليل الذين استجابوا له، ولم تعد هناك
فائدة من استمرار دعوة هود عليه السلام
قومه، فنصره الله على قومه الذين كذبوا
بالله سبحانه وتعالى وأدلته، فأنجاه منهم
ومن معه من المؤمنين، وأهلك الكافرين
أجمعين، وجاءت الكثير من الآيات التي
تتحدث عن هلاك قوم عاد، وتوضيح ذلك
على النحو الآتي:
أكد الله عز وجل في كتابه العزيز على
هلاكهم في الدنيا والآخرة ليكونوا عبرة
لغیرهم بعد أن تهاونوا بتحذير نبيهم لهم من
عذاب الله رادين عليه بهذا القول كما ذكر
في قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَ بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ
الصَّدِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٢].
وكذلك أنكروا عذاب يوم القيامة
واستبعدوه، لقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ
بِالْقَارِعَةِ ﴾ [الحاقة: ٤].
والنتيجة أنهم يستحقون العذاب في
الدنيا والآخرة جزاء كفرهم، كما في قوله
(١) انظر: تفسير المراغي ١٤٥/٣٠.
(٢) انظر: التفسير الواضح، محمد حجازي
ص ٧٣٠.
٣٢
القرآن الكريم

عاد
تعالى: ﴿وَأُتْبِعُوا فِى هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيْمَةِ
أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَبَّهُمّ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ
[هود: ٦٠].
٦٠
فأهلكهم الله سبحانه عن بكرة أبيهم في
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى:
[النجم: ٥٠].
والمعنى: اختلفوا في قوله تعالى:﴿عَادًا
الأُولَ﴾ منهم من قال: کانوا عادین:
أحدهما: قوم هود، وهم أول، فأهلكوا
بالریح، و کانت أخرى في زمن فارس الأول.
ومنهم من قال: عادًا الأولى: الذين
أهلكوا من قبل من الأمم، وأهل مكة وهؤلاء
عاد أخرى (١).
وقوله تعالى أيضًا: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ
سَوْطَ عَذَابٍ { إِنَّ رَبَّكَ لَبِأَلْمِرْصَادِ ))
[الفجر: ١٣- ١٤].
والمعنى: يذكر الله عاقبة أمرهم
فقال: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ أي:
فأنزل الله تعالی بهم ألوانًا من البلاء، وشديد
العقاب.
وقد شبه سبحانه ما أوقعه بهم من
صنوف العذاب وما صبه عليهم من ضروب
الهلاك بالسوط، من قبل أن السوط يضرب
به في العقوبات، والله يوقع العذاب بالأمم
عقوبة لها على ما يقع منها من أنواع التفريط
في أوامر دينه.
(١) تأويلات أهل السنة، الماتريدي ٩ / ٤٣٧.
ثم ذكر العلة في تعذيبه لهم فقال: ﴿إِنَّ
رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادٍ﴾ أي: إن شأن ربك ألا يفوته
من شؤون عباده نقير ولا قطمير، ولا يهمل
أمة تعدت في أعمالها حدود شرائعه القويمة،
بل يأخذها بذنوبها أخذ العزيز المقتدر، كما
يأخذ الراصد القائم على الطريق من يمر به
بما یرید من خير أو شر، لا یفرط فیما رصد
له (٢).
«وكان بدء عذابهم بإمساك الله المطر
عنهم ثلاث سنین، حتى جهدهم، ثم أنشأ
الله سحاباتٍ ثلاثا، بيضاء وحمراء وسوداء،
ثم نادى منادٍ من السماء لزعيمهم قيل بن
عثر: يا قيل، اختر لنفسك وقومك. فقال:
اخترت السوداء، فإنها أکثرهن ماء !!
فخرجت على عادٍ من وادي المغيث،
فاستبشروا بها وقالوا: هذا عارضٌ ممطرنا.
فجاءتهم منها ريح عقيم، فأهلكتهم
ونجا هود والمؤمنون معه، فأتوا مكة
وعبدوا الله فيها حتى ماتوا)) (٣)
وهذا ما ذكر في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوَهُ
عَارِضًا تُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَنِهِمْ قَالُواْ هَذَا عَارِضْ تُمْطِرُنَاً
بَلَّ هُوَ مَا أَسْتَعْجَلْتُمْ بِهِهُ رِيحٌ فِيَهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ
تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍ بِأَمْرِ رَيِّهَا فَأَصْبَحُواْ لَا يُرَىَ إِلَّا
مَسَكِنُهُمَّ كَذَلِكَ نَجْزِىِ الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ
٢٥
[الأحقاف: ٢٤-٢٥].
(٢) انظر: تفسير المراغي ١٤٥/٣٠.
(٣) القرآن ونقض مطاعن الرهبان، د.صلاح
الخالدي ص١٦٠.
www. modoee.com
٣٣

حرف العين
والمعنى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا﴾ سحابًا الرمال، وكانوا تحت الرمل، سبع ليال
وثمانية أيام لهم أنين، ثم أمر الله الريح
فكشفت عنهم الرمال، فاحتملتهم فرمت
بهم في البحر (٢).
﴿مُستَقْبِلَ آَوْدِينِم ﴾ أودية ريحهم ومطرهم
﴿قَالُوا هَذَا عَاِضٌ﴾ سحاب ﴿قُطِرُنا﴾ سيمطر
حرثنا. قال لهم هود: ﴿بَلَ هُوَ مَا أُسْتَعْجَلْتُم
بِهِ﴾ من العذاب ﴿رِيحٌ فِيَهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
وجميع ﴿تُدَمِّرُ﴾ تهلك ﴿كُلَّ شَىْءٍ يَأَمْرِرَبِّهَا}
بإذن ربها ﴿فَأَصْبَحُوا﴾ فصاروا بعد الهلاك
﴿لَا يُرَّ إِلَّا مَسَكِنُهُمْ﴾ منازلهم ﴿كَذَلِكَ﴾
هكذا ﴿َجْزِى الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ المشركين (١).
وذکر معنى قوله: ﴿فلما رأوهُ﴾ يعني: ما
يوعدون به من العذاب ﴿عَارِضًا ﴾ سحابًا
﴿مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَنِهِمْ﴾ فخرجت عليهم
سحابة سوداء من واد لهم يقال له: المغيث،
وكانوا قد حبس عنهم المطر، فلما رأوها
استبشروا ﴿قَالُواْ هَذَا عَارِضٌ مُخْطِرُنَ﴾، يقول
الله تعالى: ﴿بَلَ هُوَ مَا أَسْتَعْجَلْتُمْ بِهْ رِيحُ فِيهَا
عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ فجعلت الريح تحمل الفسطاط
وتحمل الظعينة حتى ترى كأنها جرادة،
﴿تُدَمِّرُكُلَّ شىءٍ﴾ مرت به من رجال عاد
وأموالها ﴿بِأَمْرِرَبِّهَا﴾ فأول ما عرفوا أنها
عذاب رأوا ما كان خارجًا من ديارهم من
الرجال والمواشي تطير بهم الريح بين
السماء والأرض، فدخلوا بيوتهم وأغلقوا
أبوابهم، فجاءت الريح فقلعت أبوابهم
وصرعتهم، وأمر الله الريح فأمالت عليهم
(١) انظر: تنوير المقباس من تفسير ابن عباس،
الفيروزآبادي ص٢٢٤.
وتفصيل كيفية عذابهم:
إن الله سبحانه وتعالى أرسل عليهم
الرياح ووصف الله عز وجل هذه الرياح في
كتابه بصفتين: مرة أنها ريحُ صرصرٌ، ومرة
أخرى أنها ريح عقیم.
وبين مدة مكوث هذه الرياح على قوم
عاد عقوبة لهم، وبيان ذلك على النحو
الآتي:
قال تعالى: ﴿ كَذَّبَتْ عَادُ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى
وَقُذُرٍ ﴿ إِنَّ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيْهَا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَخِْ
مُسْتَمِّرِّ ٥ تَزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَفْلٍ مَُّقَعٍِ
﴾ [القمر: ١٨ - ٢٠].
كَذَّبَتْ عَادٌ﴾ هودًا عليه السلام،
﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَاِ﴾ إياهم ﴿وَنُذُرِ﴾
وإنذاري لمن بعدهم بما جرى عليهم،
وبالجملة: إنا بمقتضى عظم قهرنا وجلالنا
قد ﴿أرسلنا عليهم﴾ أي: على عاد حین أردنا
انتقامهم وإهلاكهم ﴿رِيحًا صَرْصَرًا﴾ باردة
شديدة الجري والصوت ﴿فِي يَوْمٍ غَخْسٍ﴾
شؤم منحوس، ﴿ُسْتِرِ﴾ شؤمه ونحوسته
عليهم إلى أن يستأصلوا بما فيه بالمرة من
(٢) انظر: توفيق الرحمن في دروس القرآن،
فيصل النجدي ٤ / ٨٢.
وانظر: البداية والنهاية، ابن كثير ١/ ٢٩٤.
جَوَسُولَةُ النَّفي
القرآن الكريمِ
٣٤

عاد
شدة جريها وحر کتها، ﴿تُ﴾ وتقلع الناس
من أماكنهم مع أنهم قد دخلوا في الحفر
وتشبثوا بالأثقال، ﴿كَنَّهُمْ أَعْجَازُ فَعْلٍ﴾ أي:
أصولها ﴿ُنقَعِرٍ﴾ منقلب عن مغارسه ساقط
على الأرض، يعنى هم سقطوا على الأرض
جميعًا موتی بلا روح، ﴿فَكْفَ كَانَ عَذَابِ﴾
إياهم ﴿وَنْذُرٍ﴾ لمن بعدهم(١)
وقوله تعالى: ﴿وَفِ عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَّهِمُ
الرِّيحَ الْعَقِيَمَ آ مَا نَذَرُ مِن شَىْءٍ أَنَتْ عَلَيْهِ إِلَّا
جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ ﴾ [الذاريات: ٤١-٤٢].
عن ابن عباس رضي الله عنهما: في قوله
﴿الْرِيعَ الْعَقِيمَ﴾ قال: الشديدة التي لا تلقح
شيئًا، أم: الريح العقيم التي لا تلقح الشجر
ولا تثير السحاب، أم: ریح لا بركة فيها،
ولا منفعة، ولا ينزل منها غيث، ولا يلقح
منها شجر. وعن علي بن أبي طالب رضي
الله عنه: الريح هي النكباء. وعن سعيد بن
المسيب رضي الله عنه هي الجنوب. وعن
مجاهد رضي الله عنه هي الصبا التي لا
تلقح شيئًا.
وفي قوله: ﴿إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ قال:
كالشيء الهالك، وقيل: كرميم الشجر (٢).
أما مدة مکوث هذه الریاح علی قوم عاد
عقوبة لهم كما ذكر في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا عَادٌ
فَأَهْلِكُواْ بِرِيجِ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ سَخَّرَهَا
(١) انظر: الفواتح الإلهية، نعمة الله النخجواني
٣٧٠/٢.
(٢) الدر المنثور، السيوطي ٧/ ٦٢١ باختصار.
عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى
اَلْقَوْمَ فِيَهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ غَخْلٍ خَاوِيَةٍ
: [الحاقة: ٦-٨].
فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ
والمعنى: ﴿وَأَنَا عَادٌ فَأُفْلِكُواْ بِرِيجٍ﴾
فالآية من قبیل الجمع والتفریق، والحدث لا
يناسب العين، (صَدْصَر﴾شديدة الصوت،
لها صرصرة في هبوبها، أو من الصر وهو
البرد، كأنها التي كرر فيها البرد ﴿عَلَِةٍ﴾
على قوم عادٍ، فلم يقروا على دفعها، وعن
على بن أبي طالب رضي الله عنه قال: عتت
على خزانها، فخرجت بغير حساب.
﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ﴾ سلطها ﴿سَبْعَ لَيَالٍ
وَثَمَلِيَةَ أَيَّامٍ﴾ استئناف لبيان الكمية بعد
الكيف؛ ليتكامل الهول، ﴿حُسُومًا﴾
حاسمات كل خير، والحسم: إزالة أثر
الشيء، ومنه الحسم للکي المستأصل للداء،
أو متابعة هبوب الريح حتى استأصلتهم،
كأن كل هبة كية، ويجوز أن يكون مصدر
الفعل مقدرًا أي: يحسم حسومًا، أي: يفرق
بينهم تفريقًا شديدًا لا اجتماع بعده، لكمال
النحوسة، ﴿فَرَى آلْقَوْم فيها﴾ في مهابها،
﴿صَرْعَى﴾ ملقى على الأرض كالأخشاب
اليابسة، قيل: كانت من صبيحة الأربعاء إلى
غروب الأربعاء. وسميت أيام العجوز؛ لأن
عجوزًا توارت في سربٍ فوجدها الريح في
اليوم الثامن، وقيل: أيام العجز، وهي آخر
الشتاء. وأسماؤها: ((الضن، والضبر، والأمر،
www. modoee.com
٣٥

حرف العين
والمؤتمر، والمعلل، ومطفئ الجمر)).
﴿وَنَّهُمْ أَعْجَازُ غَهْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ أصول نخلِ
متآكلة الأجواف، ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِّنْ بَاقِبَةٍ﴾
بقية، أو نفس باقية، أو بقاء (١).
إذًا أهلك الله الذين لم يؤمنوا بهذه
الرياح التي بقت عليهم سبع ليال وثمانية
أيام حسومًا، الحسوم الدائم، فلم تدع من
عاد أحدًا إلا هلك، غير هود والمؤمنين
معه، فإنهم اعتزلوا في حظيرة، وكان
نصيبهم النجاة، لقوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيَّنَهُ
وَالَّذِينَ مَعَدُ بِرَحْمَةٍ مِّنَا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ
كَذَّبُواْ بِعَايَئِنَا وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ ﴿
[الأعراف: ٧٢].
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّاجََّ أَمْرُنَا غَيْنَا هُودًا
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةِمِنَا وَنَتْنَهُمْ مِّنْ عَذَاپٍ
غَلِيظٍ ﴾ [هود: ٥٨].
والمعنى: استعمال الماضي في
قوله: ﴿جَآءَ أَمْرُنَا﴾ بمعنى اقتراب المجيء؛
لأن الإنجاء كان قبل حلول العذاب.
والأمر أطلق على أثر الأمر، وهو ما
أمر الله به أمر تكوينٍ، أي: لما اقترب
مجيء أثر أمرنا، وهو العذاب، أي: الريح
العظيم، والباء في ﴿بِرَحْمَةٍمِّنَا﴾ للسببية،
فكانت رحمة الله بهم سببًا في نجاتهم.
والمراد بالرحمة فضل الله عليهم؛ لأنه لو
(١) انظر: غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني،
أحمد الشافعي ١/ ٢٢٠.
لم يرحمهم لشملهم الاستئصال فكان نقمةٌ
للكافرین وبلوی للمؤمنين.
﴿وَخَيْنَهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾
وجملة
معطوفةٌ على جملة ﴿وَلَمَّاجَاءَ أَمْرُنَا﴾،
والتقدير أيضًا نجيناهم من عذابٍ شديد
وهو الإنجاء من عذاب الآخرة وهو العذاب
الغليظ، ففي هذا منةٌ ثانيةٌ على إنجاءٍ ثانٍ،
أي: نجیناهم من عذاب الدنيا برحمةٍ منا،
ونجيناهم من عذابٍ غليظٍ في الآخرة،
◌َيْنَهُ﴾على
ولذلك عطف فعل
﴿فَيْنَا﴾، وهذان الإنجاءان يقابلان جمع
العذابين لعادٍ في قوله: ﴿وَأَنَّمُواْفِى هَذِهِ الدُّنْيَا
لَغْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ [هود: ٦٠].
وقد ذكر هنا متعلق الإنجاء وحذف
السبب، عكس ما في الجملة الأولى؛ لظهور
أن الإنجاء من عذاب الآخرة كان بسبب
الإيمان وطاعة الله، كما دل عليه مقابلته
بقوله: ﴿وَتِلْكَ عَادٌّ جَحَدُواْبِثَايَتِ رَيْهِمْ وَعَصَوْاْ
رُسُلَهُ﴾ [هود: ٥٩](٢).
وقد ذكر طنطاوي في معناها: أي: وحين
جاء أمرنا بتحقیق وعیدنا في قوم هود وبتنفيذ
ما أردناه من إهلاكهم وتدميرهم نجينا هودا
والذين آمنوا معه تنجية مصحوبة برحمةٍ
عظيمة كائنة منا بسبب إيمانهم وعملهم
الصالح.
ونجيناهم كذلك من عذابٍ غليظٍ أي:
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٢/ ١٠٣.
٣٦
القرآن الكريمِ

عاد
من عذاب ضخم شدید مضاعف ترك هؤلاء
الطغاة وراءه صرعى كأنهم أعجاز نخل
خاوية.
ووصف العذاب بأنه غليظ بهذا التصوير
المحسوس يتناسب كل التناسب مع جو
هذه القصة، ومع ما عرف عن قوم هود من
ضخامة في الأجسام ومن تفاخر بالقوة (١).
وبقي هود كذلك حتى مات، وقبره
بحضرموت، وقيل: بالحجر من مكة (٢).
ويستفاد من ذلك: أن الله سبحانه وتعالى
لا يغفل عن شيء، ولا يترك أحدًا، فیثیب
المؤمنين الصالحين، ويعاقب الكافرين
المفسدين، فالعبرة يا أولي الألباب من
هلاك الأقوام قبل فوات الأوان.
(١) انظر: التفسير الوسيط ٢٢٨/٧.
(٢) انظر: المختصر في أخبار البشر، عماد الدين
ابن أيوب ١/ ١٢.
اقتران عاد وفرعون في القرآن
من المعروف في لغة العرب أن لا يقترن
شيئان إلا کانت بينهما نوع علاقة سببت هذا
الاقتران، ولما كان القرآن الكريم بلسان
عربي مبين فقد اقترن ذكر عاد وفرعون فيه
في مواضع نذكرها ونحاول أن نبین حکم
اقترانهما، فأما المواضع فهي:
الموضع الأول: في سورة ص، قال
تعالى: ﴿كَذََّتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو
الْأَوْنَادِ﴾ [ص:١٢].
الموضع الثاني: في سورة ق، قال تعالى:
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَبُ الرَّيْ وَثَمُودُ )
وَعَادٌّ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَنُ لُوطٍ﴾ [ق: ١٢ -١٣].
الموضع الثالث: في سورة الفجر، قال
تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَكَيْفَ فَعَلَى رَبُّكَ بِعَادٍ ﴿ إِرَمَ
ذَاتِ الْعِمَادِ ) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِ اَلْبِلَدِ(
٨
وَفِرْعَوْنَ ذِی
وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُواْ الصَّخْرَ بِالْوَادِ
اَلْأَوْثَارِ ث الَّذِينَ طَغَوْاْ فِ اَلْبِلَدِ ، فَأَكْثَرُواْ
فِيَهَا الْفَسَادَ ا نَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ
(٣) إِذَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ٦ - ١٤].
والذي يظهر - والعلم عند الله- أن سبب
الاقتران يرجع إلى التشابه بين فرعون وقومه
مع عاد إلى أمور:
الأمر الأول: الملك والعزة والسلطان:
فعند تأمل المواضع الثلاثة نجد أن الموضع
الثاني في سورة ق ذکر کلًّا من عاد وفرعون
www. modoee.com
٣٧

حرف العين
مطلقين بدون قيد، أما الموضعين الآخرين
فهما مقيدان بما يعلم منه الحكمة وسر
اقترانهما في ذلك، وبيانه كما يلي:
في الموضع الأول من سورة ص قید
فرعون بكونه ذي الأوتاد، وبذات القيد
في سورة الفجر، وعلى معنى ذي الأوتاد
يكون سر الاقتران، قال ابن كثير: « قال
العوفي عن ابن عباس: الأوتاد الجنود
الذین یشدون له أمره. ويقال: كان فرعون
پوتد أيديهم وأرجلهم في أوتاد من حديد
یعلقهم بها. وكذا قال مجاهد: كان يوتد
الناس بالأوتاد. وهكذا قال سعيد بن جبير
والحسن والسدي. قال السدي: كان يربط
الرجل في كل قائمة من قوائمه في وتد ثم
يرسل عليه صخرة عظيمة فيشدخه. وقال
قتادة: بلغنا أنه کان له مظال وملاعب يلعب
له تحتها من أوتاد وحبال. وقال ثابت البناني
عن أبي رافع: قيل لفرعون ذي الأوتاد لأنه
ضرب لامرأته أربعة أوتاد، ثم جعل على
ظهرها رحى عظيمة حتى ماتت(١).
فحاصل المعاني: إما أن تكون الأوتاد
حقیقیة ویکون المعنی أنه ذو جنود لهم خيام
كثيرة یشدونها بالأوتاد، أو یعذب الناس
عليها أو يلعب له بها، أو يكون تشبيها يشبه
الجنود بالأوتاد لأنهم یشدون ملکه.
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤ /٦١٨.
وانظر: فتح القدير، الشوكاني ٦١٨/٥
وإذا استحضرنا ما سبق من صفات لعاد
وجدنا شبها بينا: ففرعون صاحب الملك
المؤسس بالجنود وبالبطش بالخصوم
وقتلهم، وکان عاد کذلك، کما أن له البناء
العظيم من الأهرامات والصرح الذي هو
القصر العظيم الشاهق المرتفع، ولابد أن
یکون عظیما جدا لأن القصد منه أن يبلغ
أسباب السماء ليطلع إلی إله موسى كما
زعم، قال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَهَمَنُ أَبْنِ
أَسْبَابَ
لِ صَرْحًا لَّعَلِ أَبْلُغُ الْأَسْبَ
السَّمَوَتِ فَأَطَّلِعَ إِلَ إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ
كَذِبًا﴾ [غافر: ٣٦-٣٧]
قال السعدي: ((﴿وَقَالَ فِرْعُونُ﴾ معارضًا
لموسی ومکذبًا له في دعوته إلى الإقرار برب
العالمين الذي على العرش استوى وعلى
الخلق اعتلى: ﴿يَهَمَنُ أَبْنِ لِ صَرْحًا﴾ أي:
بناء عظيمًا مرتفعًا، والقصد منه ﴿فَأَطَّلِعَ إِلَى
إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَذِبًا﴾ في دعواه
أن لنا ربًا، وأنه فوق السماوات))(٢)، وقد
ذكر الله بناء عاد وبطشهم في قوله تعالى
﴿أَتَبَّنُونَ بِكُلِّ رِيع ءَايَةٌ تَعَبَتُونَ () وَتَتَّخِذُونَ
وَإِذَا بَطَشْتُم
مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ )
بَطَشْتُمْ جَّارِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٨ - ١٣٠].
قال البقاعي: ((ولما كان لهم من القوة
والملك في جميع الأرض وبناء إرم ذات
العماد ما يتضاءل معه ملك كل ملك أتبعهم
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٧٣٧.
٣٨
القرآن الكريمِ

عاد
ملكًا ضخمًا قهر غيره بعز سلطانه وكثرة القدرة)) (٢).
الأمر الثالث: مفاجأة العذاب لكل من
أعوانه، ولما نص علی کفره وصفه بما يدل
مع الدلالة على مشاركة عاد في ضخامة
عاد وفرعون، قال ابن عاشور: « کان العذاب
الذي أصاب هؤلاء عذابا مفاجئا قاضيا، فأما
عاد فرأوا عارض الربح فحسبوه عارض مطر
فما لبثوا حتى أطارتهم الريح كل مطير، وأما
فرعون فحسبوا البحر منحسرا فما راعهم إلا
الحيل بالسحر وغيره وجودة التدبير بالعدل وقد أحاط بهم)) (٣).
نادٍ
الأمر وعلى كفر قومه فقال: ﴿
أي الأسباب الموجبة لثبات الملك وتقويته
من علو السلطان بكثرة الأعوان والتفرد
بالأوامر وسعة العقل ودقة المكر وكثرة
فيما يزعم وصولة القهر))(١).
الأمر الثاني: ويتشابهون في أن أصل
هلاكهم واحد هو الريح، فعاد أرسلت
عليهم الريح العقيم قال تعالى: ﴿وَأَمَا عَادٌ
فَأَهْلِكُواْ بِرِيجِ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦].
وأما فرعون وقومه فإنه وإن نص على
غرقهم بالبحر كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّ
أَنْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَهُمْ
ءَاسَفُونَا
أَجْمَعِينَ﴾ [الزخرف: ٥٥].
فمن المعلوم أن أمواج البحار تحركها
الريح، فهي التي دفعت الأمواج حتى
أغرقتهم، قال البقاعي: ((ولما اتفق قوم هود
عليه السلام والقبط بالإهلاك بالريح أولئك
مع الحجارة والرمل وهؤلاء بالماء الذي
فرقه الله بالريح عند ضرب العصا وكان
لكل منهما من ضخامة الملك وعز السلطان
ما هو مشهور قدم أشدهما أبدانًا وأوسعهما
ملگا؛ لأن إهلاكهم كان أدل دليل على
(١) نظم الدرر، البقاعي ٦/ ٣٦٥.
(٢) نظم الدرر، البقاعي ٧/ ٢٥٣.
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٨٤/٣٠-
٢٨٥.
www. modoee.com
٣٩

حرف العين
العبر والدروس من قصة عاد
بين الله تعالى أن الغاية من قصص
القرآن هي العظة والعبرة فقال: ﴿ لَقَدْ كَانَ
فِ قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِىِ الْأَلْبَبِّ مَا كَانَ حَدِيثًا
يُفْتَرَ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ
وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍ وَهُدَى وَرَحْمَةً لِقَوَّرِ
يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١].
وفي هذا المبحث نبين الدروس والعبر
المستفادة من قصة عاد بإيجاز:
١. الجزاء من جنس العمل، فلما استخدم
عاد قوتهم في البطش بالناس بطش بهم
الله سبحانه الذي هو أشد منهم قوة.
٢. كفر النعمة سبب لزوالها، فلما كفروا
النعم نزعت منهم بهلا کھم.
٣. لزوم الاستغفار والتوبة مجلبة للرزق
وصحة البدن وتیسیر الأمور.
٤. من توكل على الله تعالى واعتمد عليه
حماه من کید الکائدین.
٥. اتباع الملأ الذين هم السادات والكبراء
الضالين عن الحق يوقع في الهلاك.
٦. العبث واللهو وطول الأمل تمنع من
الاستجابة للحق فيكون ذلك سببا
للهلاك.
٧. الالتفات إلى قوة الله تعالى وبطشه
واستحضار يوم القيامة وما فيه من
الأهوال والعذاب يمنع من المعصية.
٨. أهمية دفع التهمة عن النفس لئلا
يكون ذلك حاجزا عن سماع الدعوة
والاستجابة لها.
٩. تذكر نعم الله تعالى وشكرها سبب
للفلاح في الدنيا والآخرة.
الأصل فى معرفة الحق معرفة دليله
١٠.
لا التقليد المذموم.
١١. من آثار رحمة الله تعالى أنه ينجي
المؤمنين، ومن آثار بطشه وقوته هلاك
الکافرین.
١٢. عجيب قدرة الله تعالى في أن
يجمع في الشيء الواحد المتناقضات،
ومن ذلك الريح، فهي نعمة على قوم
تسوق السحاب لبلدهم الميت فيحيا
بالمطر، ونقمة على عاد فبها هلكوا.
١٣. من سنة الله تعالى أن من تشابهت
صفاتهم ومواقفهم من الدين يتشابه
مآلهم وخاتمتهم، ففرعون شابه قوم
هود فكان سبب هلاكهم واحدًا وهو
الريح (١).
موضوعات ذات صلة:
آدم، ثمود، صالح، هود
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص ٥٩٥، في ظلال القرآن، سيد قطب
١٩٠٦/٤، ٢٦٠٩/٥، أيسر التفاسير،
الجزائري ٣/ ٦٦٧.
٤٠
جوبي
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ