Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ عَادَ عناصر الموضوع التعريف بعاد ٨ عاد في القرآن ١١ رسول الله إلى عاد ورسالته ١٢ موقفهم من رسولهم ومعجزاته ٢٢ نعم الله عليهم وموقفهم منها ٢٨ ٣٢ عاقبة عاد ٣٧ اقتران عاد وفرعون في القرآن ٤٠ العبر والدروس من قصة عاد المُجَلَّدَ الثَّالِثِ وَالْعَشْرُونْ حرف العين التعريف بعاد ذكر الله سبحانه وتعالى الكثير من القصص القرآنية في كتابه العزيز، يتحدث في هذه القصص عن أقوام وأمم سابقة، كيف الحال معهم من حيث: عبادة الله عز وجل، وموقفهم من الأنبياء المرسلة إليهم، وما هو الجزاء الذي يستحقونه نتيجة أفعالهم ؟ كل ذلك لحكمة يقضيها الله سبحانه وتعالى، ومن الأقوام الذين قص الله خبرهم قوم عاد. أولًا: التسمية: هذه القبيلة ينسبون إلى جدهم عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، قال ابن إسحاق مبينًا ذلك: ((عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح)) (١). وقال الطبري: ((وكان ممن طغا وعتا على الله عز وجل بعد نوح، فأرسل الله إليهم رسولًا فكذبوه وتمادوا في غيهم، فأهلكهم الله هذان الحيان من إرم بن سام بن نوح أحدهما: عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح وهي عاد الأولى))(٢). ولكن هل هما عادان أم عاد واحدة ؟ ذكر أهل العلم في ذلك قولين: القول الأول: إنها عاد واحدة، وقد نسب الألوسي هذا القول إلى الجمهور فقال: ((﴿وَأَنَّهُ, أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾ [النجم: ٥٠] أي: القدماء؛ لأنهم أولى الأمم هلاكًا بعد قوم نوح، كما قاله ابن زيد والجمهور))(٣). القول الثاني: إنهما عادان، وقد نقله الطبري عن ابن إسحاق، وقال به ابن كثير (٤). وسبب اختلافهم يرجع إلى قول الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُوْلَى﴾ [النجم: ٥٠]. فمن فهم من لفظة الأولى أن هناك أخرى جعلهما عادين، أما أصحاب القول الأول فقد فهموا من هذا الوصف أنها أولی باعتبار هلاكها فهي أولى الأمم هلاكًا بعد قوم نوح، وأول العرب ذكرًا، وأول العرب البائدة، أو إن الأولى بمعنى القديمة (٥). (١) السيرة النبوية، ابن هشام ١١٤/١. (٢) تاريخ الأمم والملوك، الطبري ١/ ١٣٣. (٣) روح المعاني، الألوسي ٢٧ / ٧٠. (٤) جامع البيان، الطبري ٢٢/ ٥٥٢، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٧٣/٢. (٥) جامع البيان، الطبري ٢٢/ ٥٥٣، أنوار التنويل وأسرار التأويل، البيضاوي ٥/ ٢٦٠، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٨٨/١٤. ٨ الْقُرآن الكَرِيمِ عاد ثم إن أصحاب القول الثاني اختلفوا في تسمية عاد الأولى والأخرى على قولين: أحدهما: إن عادًا الأولى عاد بن إرم، وهم الذين أهلكوا بريح صرصر عاتية، وعادًا الآخرة قوم هود. الثاني: إن عادًا الأولى قوم هود والآخرة قوم كانوا بحضرموت (١). والله أعلم. ثانيًا: المكان: تحدث القرآن الكريم عن مكان وجودهم وسكناهم، وقد سميت سورة من سور القرآن الکریم باسم المكان الذي سكنوه وهو الأحقاف. فالأحقاف اسم المنطقة التي سكنها قوم عاد، وهم قوم نبي الله هود عليه السلام لقوله تعالى: ﴿وَذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ [الأحقاف: ٢١]. وقبل أن نقوم بتحديد مكان منطقة الأحقاف، لا بد من معرفة معنى الأحقاف كما ذكر في تفاسير القرآن، فقد ذكر ابن كثير في تفسيره ((أن الأحقاف جمع حقف وهو: الجبل من الرمل» (٢). أما الماوردي فقد عرفها تعريفًا دقيقًا في تفسيره فقال: ((الأحقاف هي ما استطال واعوج من الرمل العظيم ولا يبلغ أن يكون جبلا)» (٣). أما مكان الأحقاف التي هي ديار عاد فقد اختلف المفسرون في ذلك على أقوال يجمعها ما قاله الحافظ ابن كثير: (( وكانوا عربًا يسكنون الأحقاف - وهى جبال الرمل - وكانت باليمن بين عمان وحضر موت، بأرض مطلة على البحر يقال لها الشحر، واسم واديهم مغيث)) (٤). وعلى العموم فالمقصود من القصة أخذ العظة والعبرة مما حدث لهؤلاء القوم، وتحديد المكان ليس فيه مزيد عبرة سوى النظر في عاقبة الظالمين، وما أحسن قول الإمام الطبري بعد أن استعرض تلك الأقوال ثم قال: (( وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: أن الله تبارك وتعالى أخبر أن عادا أنذرهم أخوهم هود بالأحقاف، والأحقاف ما وصفت من الرمال المستطيلة المشرفة، وجائز أن یکون ذلك جبلا بالشام، وجائز أن یکون واديًا بین عمان وحضرموت، وجائز أن يكون الشحر، وليس في العلم به أداء فرض، ولا في الجهل (١) النكت والعيون، الماوردي ٤٠٥/٥، زاد المسير، ابن الجوزي ٨٤/٨، أنوار التنزيل، البيضاوي ٢٦٠/٥. (٢) تفسير القرآن العظيم ٧ /٢٨٥. (٣) النكت والعيون ٢٨٢/٥. (٤) قصص الأنبياء ١/ ١٢٠ www. modoee.com ٩ حرف العين به تضييع واجب، وأين كان فصفته ما وصفنا من أنهم كانوا قوما منازلهم الرمال المستعلية المستطيلة)) (١). ثالثًا: الزمان: ذكر الله تعالى في قوله: ﴿وَأَذْكُرُوْاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف:٦٩]. زمان قوم عاد، فهم كانوا من ذرية نوح عليه السلام، وبعده في الزمان. قال الطبري في تفسير هذه الآية: ((واذكروا ما حل بقوم نوح من العذاب إذ عصوا رسولهم، وكفروا بربهم، فإنكم إنما جعلكم ربكم خلفاء في الأرض منهم، لما أهلكهم أبدلكم منهم فيها، يعني في الأرض، ﴿مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ أي: من بعد إهلاكهم)) (٢). وقال ابن كثير: (( وكان زمانهم بعد قوم نوح، كما قال في سورة الأعراف: ﴿وَأَذْكُرُواْ إِذْجَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِ اَلْخَلْقِ بَصْطَةً﴾ [الأعراف: ٦٩]](٣). [انظر: هود: التعريف بهود عليه السلام وقومه] (١) جامع البيان، الطبري ١٢٤/٢٢. (٢) جامع البيان، الطبري ١٢ / ٥٠٥. (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤١٥/٣. ١٠ ◌َالنَّبـ جوبيه القرآن الكريم عاد عاد في القرآن ورد ذكر (عاد) في القرآن الكريم (٢٤) مرة، في (١٨) سورة. وأما قصتهم فقد وردت في السور الآتية: السورة الآيات الأعراف ٦٥-٧٢ هود الشعراء ١٢٣-١٤٠ الأحقاف ٢١-٢٦ الذاريات ٤١-٤٢ القمر ١٨-٢١ الحاقة ٦-٨ www. modoee.com ٥٠-٦٠ فصلت ١٥-١٦ حرف العین رسول الله إلى عاد ورسالته أولا: اسم نبیھم ونسبه: ذكر الله تعالى أن نبي الله هودًا عليه السلام أخ لقبيلة عاد، قال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥]. إلا أن المفسرين اختلفوا في هذه الأخوة على قولين: القول الأول: إنها أخوة نسب، وإن هودًا من قبيلة عاد، وممن صرح بذلك ونص عليه الإمام البغوي فقال: ((أي: وأرسلنا إلى عاد -وهو عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام، وهي عاد الأولى - ((أخاهم)) في النسب لا في الدين))(١). وعلى هذا فالأخوة هنا مطلق القرابة كما يقال: يا أخا العرب؛ إذ إن هودا من بني عاد(٢). القول الثاني: إنه ليس من قبيلة عاد، أما إطلاق الأخوة عليه فلأنه بشر مثلهم، أو لكون الجميع من ولد آدم عليه السلام، وممن قال بذلك ابن إسحاق والزجاج. يقول ابن الجوزي: « المعنى: وأرسلنا إلى عاد أخاهم هودًّا، قال الزجاج: وإنما قيل أخوهم؛ لأنه بشر مثلهم من ولد أبيهم (١) معالم التنزيل، البغوي ٢٤٢/٣. (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٢٣/٥. جوبيه الْقُرآن الكَرِيمِ آدم))(٣). وبناء على هذا الخلاف ذكر في نسبه عليه السلام قولان: القول الأول: إنه هود بن عبد الله بن رباح بن الجارود بن عاد بن عوص بن ارم بن سام بن نوح عليه السلام. وهذا على قول من جعل الأخوة أخوة النسب. القول الثاني: إنه هود بن شالخ بن أرفحشذ بن سام بن نوح عليه السلام(٤). وعليه لا قرابة بینه وبین عاد. فأما اسم نبيهم عليه السلام فقد ذكر أهل العلم قولين في ذلك: الأول: إن اسمه هود كما سبق. والثانی: إن اسمه عابر. يقول الإمام الطبري: (( فأما عاد فإن الله عز و جل أرسل إليهم هود بن عبد الله بن رباح بن الخلود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، ومن أهل الأنساب من يزعم أن هودا هو عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح)) (٥). والذي يظهر أن الراجح هو أن اسمه هود كما نص عليه في غير ما آية من كتاب الله تعالى، وأنه من قبيلة عاد، وأن نسبه (٣) زاد المسير، ابن الجوزي ٢٢٢/٣. (٤) البداية والنهاية، ابن كثير ١/ ١٢٠، الكامل في التاريخ، ابن الأثير ٢٧/١. (٥) تاريخ الأمم والملوك، الطبري ١٣٣/١، وانظر: الأنساب، السمعاني ٢٥/١. ١٢ عاد هو ما يلتقي فيه مع عاد، وذلك لظاهر الآية لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنْصُرُنَّةُ، قَالَ ءَ أَقْرَرْتُمْ السابقة، والله أعلم. وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِىٌّ قَالُواْ أَقْرَوْنَا قَالَ فَأَشْهَدُواْ وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّهِدِينَ ﴾ [آلـ عمران: ٨١]. و کان هود عليه السلام أشبه الناس بآدم، وقد تحدث القرآن كثيرًا عن هود فيمن تحدث عنهم من رسل الله الكرام، ویعتبر هود عليه السلام من أوسطهم بيتًا، وأكرمهم حسبًا، وأعزهم رهطًا، وذلك ليمنع من سفاهة قومه حتی یبلغهم رسالات الله، و نصح لهم هود بکل جهده وآتاهم بالحق من ربه (١) . [انظر: هود: نسب هود عليه السلام] ثانيًا: رسالة هود عليه السلام: أما رسالة النبي هود عليه السلام إلى قومه، مثل رسالة أي نبي من الأنبياء إلى أقوامهم، وذلك بدعوتهم إلى عبادة الله وحده لا شريك؛ لكي لا يتخبطوا في بحر من الظلمات، وتحذيرهم وإنذارهم من غضبه وسخطه وعقابه، وتبشيرهم بجنته ورضوانه، والسمع والطاعة لأنبيائه، وهذا هو العهد والميثاق الذي أخذه على أنبيائه جميعًا بتبليغه للناس؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ النَّبِيْنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ (١) انظر: البداية والنهاية، ابن كثير ٢٨٤/١، الأعلام، الزركلي ١٠١/٨، معترك الأقران في إعجاز القرآن، السيوطي ٢٤١/١، التيجان في ملوك حمير، عبد الملك الحميري ٣٣٨/١. ومجمل رسالة النبي هود عليه السلام ما ورد عن يحيى بن يعلى قال: ((قال هود لقومه حين أظهروا عبادة الأوثان: يا قوم، إني بعثة الله إليكم، وزعيمه فیکم، فاتقوه بطاعته، وأطيعوه بتقواه، فإن المطيع لله يأخذ لنفسه من نفسه بطاعة الله للرضاء وإن العاصي لله يأخذ لنفسه من نفسه بمعصية الله للسخط، وإنکم من أهل الأرض، والأرض تحتاج إلى السماء، والسماء تستغنى بما فيها، فأطيعوه تستطيبوا حياتكم، وتأمنوا ما بعدها، وإن الأرض العريضة تضيق عن التعرض لسخط الله)» (٢). ولهذا بعثه الله فيهم عليه السلام لكي لا يكون لهم حجة علي الله يوم القيامة. وأصول رسالة هود عليه السلام ثلاثة: الأصل الأول: الدعوة للتوحيد وترك عبادة الأصنام. لم يبعث الله تعالى رسولا إلا دعا قومه إلى عبادة الله وحده. قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إِلَّا نُوحِيّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَآ إِلَإِلَّآ أَنْ فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٢٥]. (٢) تاريخ دمشق، ابن عساكر ٨٣/٧٤. www. modoee.com ١٣ حرف العین وقال أيضًا: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِ كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنْ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَجْتَنِبُواْ الَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. قال الشنقيطي: ((ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه بعث في كل أمة رسولا بعبادة الله وحده، واجتناب عبادة ما سواه. وهذا هو معنى «لا إله إلا الله))، لأنها مركبة من نفي وإثبات، فنفيها هو خلع جميع المعبودات غير الله تعالى في جميع أنواع العبادات، وإثباتها هو إفراده جل وعلا بجميع أنواع العبادات بإخلاص، على الوجه الذي شرعه على ألسنة رسله عليهم صلوات الله وسلامه)) (١). وقوم عاد كانوا عبادًا للأصنام مشركين بالله تعالى، إذ كانت لهم ثلاثة أصنام يعبدونها من دون الله تعالى، قال ابن إسحاق: « کانت منازل عاد وجماعتهم، حين بعث الله فيهم هودا، الأحقاف كانوا أصحاب أوثانٍ يعبدونها من دون الله: صنم يقال له: «صداء»، وصنم یقال له: ((صمود))، وصنم یقال له: «الهباء»» (٢). فكان أول ما دعا إليه قومه وهو إفراد الله تعالى بالعبادة وحده قال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًاً قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرَهُو [الأعراف: ٦٥]. (١) أضواء البيان، الشنقيطي ٢/ ٣٧٤. (٢) جامع البيان، الطبري ١٢ / ٥٠٧، تاريخ الأمم والملوك، الطبري ١/ ١٣٣. قال البغوي: ﴿قَالَ يَنقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللّهَ [الأعراف: ٦٥]: وحدوا الله)) (٣). (و) لقد وقال ابن كثير: (( يقول تعالى أرسلنا ﴿إِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥]. آمرًا لهم بعبادة الله وحده لا شريك له ناهيًا لهم عن الأوثان التي افتروها واختلقوا لها أسماء الآلهة)» (٤). وفي آية أخرى بين الله تعالى على لسان قوم عاد ما أمرهم به رسولهم عليه السلام فقال: ﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ. وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُءَابَآؤُنَّاً فَأَيْنَا بِمَا تَعِدُنَاً إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾ [الأعراف: ٧٠]. يقول الطبري: ((يقول تعالى ذكره: قالت عاد له: أجئتنا تتوعدنا بالعقاب من الله على ما نحن عليه من الدین، کي نعبد الله وحده، وندين له بالطاعة خالصًا، ونهجر عبادة الآلهة والأصنام التي كان آباؤنا يعبدونها، ونتبرأ منها؟ فلسنا فاعلي ذلك، ولا نحن متبعوك علی ما تدعونا إليه)»(٥) . فتضمنت هذه الآية أمرين: الأول: الأمر بعبادة الله تعالى وحده. والثاني: ترك عبادة ما كانوا يعبدونه من الأصنام، فهم وإن كانوا قالوا ذلك استبعادا فهو بيان لما دعاهم إليه عليه السلام. (٣) معالم التنزيل، البغوي ٤ /١٨٢. (٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٥٤٧. (٥) جامع البيان، الطبري ١٢/ ٥٢٠. ١٤ مَوَسُولَة القرآن الكريمِ عاد الأصل الثاني: الإيمان برسالة هود اَللَّهِمَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٦١-٦٢]. عليه السلام. قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُهُمْ هُودُّ أَلَا نَفَّقُونَ ، إِّ لَكُ رَسُولُ أَمِينٌ (٥) فَأَنَّقُواْ اللَّهَ (١٢٤ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٢٤ - ١٢٦]. فهو يصف نفسه بالرسالة والأمانة وهذا يقتضي طاعته، قال الطبري: ((يقول تعالى ذكره: ﴿إِّ لَكُّ رَسُولُ﴾ من ربي يأمركم بطاعته، ويحذركم على كفركم بأسه، ﴿أَمِينٌ﴾ على وحيه ورسالته، ﴿فَنَّقُوا اللَّهَ﴾ بطاعته والانتهاء إلى ما يأمركم وينهاكم، ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ فيما آمركم به من اتقاء الله وتحذیر کم سطوته)) (١). وقال السعدي: ((﴿إِّ لَكُ رَسُولُ أَمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٢٥]. أي: أرسلني الله إلیکم، رحمة بكم، واعتناء بكم، وأنا أمين، تعرفون ذلك مني، رتب على ذلك قوله: ﴿فَأَنَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٢٦]أي: أدوا حق الله تعالى، وهو التقوى، وأدوا حقي، بطاعتي فيما آمركم به، وأنهاكم عنه، فهذا موجب، لأن تتبعوني وتطيعوني)»(٢). وقال تعالى أيضًا مبينا هذا الأصل: ﴿وَلَكِنِّى رَسُولٌ مِّن رَبِّ الْعَلَمِينَ (١) أَبَلِّمُكُمْ رِسَلَتِ رَبٍِّ وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَّمٌ مِنَ (١) جامع البيان، الطبري ٣٧٢/١٩. (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٥٩٥. فهو عليه السلام رسول إليهم مبلغ لهم ما أرسل به إليهم، قال الطبري: ((﴿وَلَكِنِّى رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ﴾ أرسلني، فأنا أبلغكم رسالات ربي، وأؤدیھا إلیکم کما أمرني أن أؤديها»(٣). وقال ابن كثير: « وهذه الصفات التي يتصف بها الرسل البلاغ والنصح والأمانة)) (٤). فظهر مما سبق أنه رسول إليهم ناصح لهم وأمين وهذا يقتضي أن يؤمنوا برسالته ويطيعوه. الأصل الثالث: الإيمان بالبعث. قال تعالى: ﴿أَيَدُّكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُمْ وَكُمْ تُرَبًا وَعِظَمًا أَنَّكُمْ تُخْرَجُونَ ﴿ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٦) إِنْ هِىَ إِلَّ حَيَانُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٥ - ٣٧]. ففي هذه الآيات الكريمات يبين الله تعالى لنا كفر عاد بالبعث من بعد الموت فهم يستبعدون ذلك أولًا، ثم ينفونه ثانية. قال الطبري: « ﴿مَهَاتَ مَيْهَاتَ﴾: أي بعيد ما توعدون أيه القوم، من أنكم بعد موتكم ومصيركم ترابا وعظاما مخرجون أحياءً من قبور کم، يقولون: ذلك غیر کائن وقوله: ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَانُنَا الدُّنْيَا﴾ يقول: ما (٣) جامع البيان، الطبري ١٢/ ٥٠٤. (٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٧٤/٢. www. modoee.com ١٥ حرف العين حياة إلا حياتنا الدنيا التي نحن فيها ﴿نَمُوتُ وَفَحْيَا﴾ يقول: تموت الأحياء منا فلا تحيا، ويحدث آخرون منا فيولدون أحياء ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ يقول: قالوا: وما نحن بمبعوثين بعد الممات)»(١). إلا أنه قد يقول قائل: إن هذه الآيات من سورة المؤمنون اختلف بالمقصود بها على قولين: القول الأول: إنهم ثمود، ونبيهم صالح عليه السلام. قال الطبري: (( يقول تعالى ذكره: وقالت الأشراف من قوم الرسول الذي أرسلنا بعد نوح، وعنى بالرسول في هذا الموضع: صالحًا، ویقومه: ثمود»(٢). وقال السعدي: ((قال: ﴿ثُرَّ أَشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنَاءَاخَرِينَ﴾ [المؤمنون: ٣١]. الظاهر أنهم ثمود قوم صالح عليه والأول أظهر))(٥). السلام، لأن هذه القصة تشبه قصتهم)) (٣). واستدل أصحاب هذا القول بقوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتَهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ﴾ [المؤمنون: ٤١] قال ابن عاشور: (( والأظهر أن المراد به هنا ثمود لأنه الذي يناسبه قوله في آخر القصة ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ﴾: [المؤمنون: ٤١]؛ لأن ثمود أهلكوا بالصاعقة، ولقوله: ﴿قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَكِمِينَ﴾ (١) جامع البيان، الطبري ٣٠/١٩-٣١. (٢) جامع البيان، الطبري ٢٨/١٩. (٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٥٥١. [المؤمنون: ٤٠ ]. مع قوله في سورة الحجر: ﴿فَآَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٨٣]. فكان هلاكهم في الصباح. ولعل تخصيصهم بالذكر هنا دون عاد خلافًا لما تكرر في غير هذه الآية لأن العبرة بحالهم أظهر لبقاء آثار ديارهم بالحجر كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَنَّمُونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ ١٣٧) وَيَأَلَّيْلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧ - ١٣٨](٤). القول الثاني: إنهم قوم عاد، ونبيهم هود عليه السلام. قال البغوي: ((﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولَا مِنْهُمْ /٠٠٠ أَنْ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُ أَفَلَا نَتَّقُونَ [المؤمنون: ٣٢ ]. يعني: هودا وقومه. وقيل: صالحا وقومه. أَنشَأَنَا مِنْ بَعْدِهِْ وقال ابن الجوزي: ( قَرْنَا مَاخَرِينَ﴾ يعني عادًا ﴿فَرْسَلْنَا فِيِهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ وهو هود هذا قول الأكثرين، وقال أبو سليمان الدمشقي: هم ثمود والرسول صالح)»(٦). واستدل أصحاب هذا القول بما هو معهود في القرآن الكريم من ذكر قصة عاد بعد ذكر قوم نوح. (٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٩/ ٤٣٤. (٥) معالم التنزيل، البغوي ٤١٦/٥. (٦) زاد المسير، ابن الجوزي ٤٧١/٥. ١٦ القرآن الكريمِ عاد قال أبو السعود: «﴿ثُمَّ أَشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي من بعد إهلاكهم ﴿قَرْنَاءَاخَرِينَ﴾ هم عاد الله تعالى والإيمان برسوله وبالبعث أن دعاهم إلى ما يلي: حسبما روی عن ابن عباس رضي الله عنهما وعليه أكثر المفسرين وهو الأوفق لما هو المعهود في سائر السور الكريمة من إيراد قصتهم إثر قصة قوم نوح»(١). والذي يظهر أن الراجح هو القول الثاني؛ لما ذكروه من سياق القرآن الكريم، وأما استدلال الأولين بهلاكهم بالصيحة فلا يمنع أن يجتمع عليهم الريح والصيحة؛ قال ابن كثير: ((والظاهر أنه اجتمع عليهم صيحة مع الريح الصرصر العاصف القوي الباردة)» (٢). ثم إن الصيحة ليست مختصة بهم حتى تکون دلیلا لإخراج السیاق عن ظاهره، فقد أهلك الله بها أقواما غير ثمود، قال تعالى: ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِ دِيَرِهِمْ جَثِينَ﴾ [هود: ٩٤]. ففي هذه الآية بيان أن هلاك قوم شعيب بالصيحة، وقوم لوط أهلكوا بالصيحة. قال تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ ﴾ [الحجر: ٧٣]. وأصحاب القرية المذكورون في سورة یس أهلکوا بها. هُمْ خَلِمِدُونَ﴾ [يس: ٢٩]. (١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٦/ ١٣٢. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣/ ٣٠٠ ثم کان مما دعاهم إليه زيادة على توحيد ١. الاستغفار والتوبة. قال تعالى: ﴿وَيَقَوْمِ أَسْتَغْفِرُواْرَبَّكُمْثُمَّ تُوبُواْإِلَيْهِ﴾ [هود: ٥٢]. والاستغفار هو طلب مغفرة الذنوب وسترها فلا يجازى بها، والتوبة هي الندم على ما فات والعزم على عدم الرجوع إلى الذنب مستقبلا قال ابن كثير: (( ثم أمرهم بالاستغفار الذي فيه تكفير الذنوب السالفة وبالتوبة عما يستقبلون، ومن اتصف بهذه الصفة يسر الله عليه رزقه وسهل عليه أمره وحفظ شأنه))(٣). ولا يتنافى هذا مع من قال: إن الاستغفار هنا هو الإيمان والتوحيد. قال الطبري: ((والاستغفار: هو الإيمان بالله في هذا الموضع، لأن هودًا صلى الله عليه وسلم إنما دعا قومه إلى توحيد الله ليغفر لهم ذنوبهم، كما قال نوح لقومه: ﴿أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ) يَغْفِرْ لَكُمِّن ذُنُوبِكُرْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى﴾ [نوح: ٣- ٤]»(٤)؛ وذلك لأن طلب المغفرة من الشرك قال تعالى: ﴿إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَحِدَةً فَإِذَا يكون بالإيمان والتوحيد، والله أعلم. ٢. أنکر علیھم العبث. (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٥٤٧. (٤) جامع البيان، الطبري ٣٥٨/١٥. www. modoee.com ١٧ حرف الحين قال تعالى: تَعَبَثُونَ ﴾ [الشعراء: ١٢٨]. لبنائهم؟ ذكر المفسرون في ذلك ستة أقوال في معناها، يجمعها كلها أن الربع المكان المرتفع عند الطرق المشهورة يتخذ مكانا لبنائهم. قال ابن كثير: ((اختلف المفسرون في الربع بما حاصله أنه المكان المرتفع عند جواد الطرق المشهورة))(١). أما نوع البناء الذي وصف بأنه آية فالقول الجامع لأقوال المفسرين إنه بناء ظاهر مشهور إذ الآية هي العلامة والدلالة ولا يكون البناء آية إلا إذا كان ظاهرًا مشهورًا(٢). وأما عبثهم فاختلف في تعيينه على قولین: أحدها: اللهو واللعب، قاله عطية. الثاني: أنه عبث العشارین بأموال من يمر (٣) بهم (٣). ومما سبق في تفسير هذه الآية أن نبيهم عليه السلام نهاهم عن العبث واللعب في بناء ما لا يحتاجون إليه، أما إذا كان البناء (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤١٥/٣. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩/ ٣٧٤، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤١٥/٣ (٣) النكت والعيون، الماوردي ٤ / ١٨١، معالم التنزيل، البغوي ٦/ ١٢٢. ءَايَةٌ أَتَبْنُونَ بِكل مما لهم به حاجة فلا يمكن أن ينهاهم عنه؛ قال ابن كثير: ((أي وإنما تفعلون ذلك عبثًا فما هو الريع الذي يتخذونه مكانا لا للاحتياج إليه بل لمجرد اللعب واللهو وإظهار القوة، ولهذا أنكر عليهم نبيهم عليهه السلام ذلك؛ لأنه تضييع للزمان وإتعاب للأبدان فى غير فائدة، واشتغال بما لا يجدي في الدنيا ولا في الآخرة» (٤). ٣. أنكر عليهم اتخاذ المصانع. قال تعالى: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَائِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٩]. وفي معنى المصانع يقول الطبري: ((والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن المصانع جمع مصنعة، والعرب تسمي كل بناء مصنعة، وجائز أن یکون ذلك البناء كان قصورًا وحصونًا مشيدة، وجائز أن يكون كان مآخذ للماء، ولا خبر يقطع العذر بأي ذلك كان، ولا هو مما يدرك من جهة العقل. فالصواب أن يقال فيه، ما قال الله: إنهم کانوا یتخذون مصانع»(٥). ولكن من الملاحظ أن نبيهم عليه السلام ينهاهم عن هذه الأبنية حينما تتعلق بها قلوبهم على أمر مذموم، فبناؤهم لهذه المصانع لكي يخلدوا فيها، وهذا أمر محال ولهذا جاءهم استنكار نبيهم. قال ابن كثير: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَائِعَ لَعَلَّكُمْ (٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤١٥/٣. (٥) جامع البيان، الطبري ٣٧٦/١٩. مَوَبُوالَةُ النفسي لِلْقُرْآن الكَرِيمِ ١٨ ska تَّخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٩] أي: لكي تقيموا فیھا أبدًا وذلك لیس بحاصل لکم بل زائل عنکم، کما زال عمن كان قبلكم»(١). ٤. أنكر عليهم أيضًا تجبرهم على الناس. قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٠]. فالبطش هو: الضرب عند الغضب بسوط أو سيف، والجبارين جمع جبار، والجبار: الشديد في غير الحق، الذي يقتل ويضرب على الغضب، فالمعنى: إذا بطشتم كان بطشكم في حالة التجبر، أي الإفراط في الأذى وهو ظلم. فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [القصص: ١٩]. وشأن العقاب أن یکون له حد مناسب للذنب المعاقب عليه بلا إفراط ولا تفريط، فالإفراط في البطش استخفاف بحقوق الخلق (٢). وسبب إنكارهم يبينه الإمام ابن الجوزي بقوله: ((وإنما أنكر عليهم ذلك لأنه صدر عن ظلم إذ لو ضربوا بالسيف أو بالسوط في حق ما ليموا))(٣). ثالثًا: أسلوبه في دعوة قومه: (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤١٥/٣. (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٧٥/١٠، معالم التنزيل، البغوي ٦/ ١٢٣. (٣) زاد المسير، ابن الجوزي ٦/ ١٣٦ لابد لهذا النبي الكريم من أسلوب في دعوته قومه ليتم بذلك بلاغه على أكمل وجه، وإن المتأمل في دعوته عليه السلام لقومه يجد أن له أسلوبا واضحا سلكه حينما عرض علیھم دعوته يتمثل فيما يلي: ١. تخويفهم عذاب الله. ذكر الله تعالى عنه هذا في آيتين: الأولى: قوله تعالى: ﴿إِ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٣٥]. فقد بين لهم عليه السلام أن عاقبة تكذيبهم العذاب العظيم. قال الشوكاني: ((﴿إِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ قال تعالى: ﴿إِن تُرِيدُ إِلَّ أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٣٥] إن كفرتم وأصررتم على ما أنتم فيه ولم تشكروا هذه النعم والمراد بالعذاب العظيم الدنيوي والأخروي)) (٤). وقال البيضاوي: (( ثم أوعدهم فقال: ﴿إِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْرٍ عَظِيمٍ﴾ في الدنيا والآخرة، فإنه كما قدر على الإنعام قدر على الانتقام» (٥). والثانيـ : قوله سبحانه: ﴿وَأَذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيّهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ اللَّهَ إِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُوْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٢١]. آخَافُ قال ابن عاشور: ((وجملة (٤) فتح القدير، الشوكاني ١٥٨/٤. (٥) أنوار التنويل، البيضاوي ٢٤٨/٤. www. modoee.com ١٩ حرف العین عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ تعلیل للنهي في قوله: ﴿أَلَّتَعْبُدُواْ إِلَّا اللَّهَ﴾، أي إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم بسبب شرکكم)) (١). وقال السعدي: ((فأمرهم بعبادة الله الجامعة لکل قول سدید وعمل حميد، ونهاهم عن الشرك والتنديد وخوفهم -إن لم يطيعوه - العذاب الشديد، فلم تفد فيهم تلك الدعوة)) (٢) . ٢. تذکیر نعم الله عليهم. والتذكير بنعمة الله تعالى طريق من طرق مواعظ الرسل (٣). قال تعالى: ﴿وَأَذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنْ بَعْدٍ قَوْمٍ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِ اَلْخَلْقِ بَصْطَةٌ فَأَذْكُرُوَاْ ءَالَآءَ اللّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٦٩]. قال ابن كثير: ((أي: واذكروا نعمة الله عليكم في جعلكم من ذرية نوح الذي أهلك الله أهل الأرض بدعوته لما خالفوه وكذبوه ﴿وَزَادَكُمْ فِ الْخَلْقِ بَصْطَةٌ ﴾ أي: زاد طولكم على الناس. ﴿بَصَّطَةٌ﴾ أي: جعلكم أطول من أبناء جنسكم؛ كقوله في قصة طالوت: ﴿وَزَادَهُ. بَسْطَةً فِىِ الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: ٢٤٧]. ﴿فَذْكُرُوَاْ ءَالَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٤٧/١٣. (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٧٨٢. (٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٥١/٣. أي: نعمة ومننه عليكم لعلكم تفلحون)) (٤). وقال أبو السعود: « فاذكروا آلاء الله التي أنعم بها عليكم من فنون النعماء التي هذه من جملتها وهذا تكرير للتذكير لزيادة التقرير وتعميم إثر تخصيص لعلكم تفلحون کی یؤدیکم ذلك إلى الشكر المؤدي إلى النجاة من الكروب والفوز بالمطلوب)»(٥). وزاد ذلك إيضاحًا في سورة الشعراء فقال تعالى: ﴿وَأَثَّقُواْ الَّذِىّ أَمَذَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ ﴿ أَمَّكُم بِأَنْعَمِ وَيَنِينَ (٦) وَحَنَتٍ وَعُيُونٍ ﴾ [الشعراء: ١٣٢ - ١٣٤]. قال ابن عاشور: (( وقد جاء في ذكر النعمة بالإجمال الذي يهيىء السامعين لتلقي ما يرد بعده فقال: ﴿وَأَتَّقُواْ الَّذِىّ أَمَذَّكُرُ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ [الشعراء: ١٣٢]. ثم فصل بقوله: ﴿أَمَتَّكُ بِأَنْعَمٍ وَبَنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٣] وأعيد فعل ﴿أَمَدِّكُ﴾ في جملة التفصيل لزيادة الاهتمام بذلك الإمداد فهو للتوكيد اللفظي)»(٦). ٤. استعطافهم بإلانة القول لهم. قال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، أَفَلَا نَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ٦٥]. فهو علیه السلام ینادیھم بـ (يا قوم)؛ ليبين لهم أنهم هم أولى من يحرص على نجاته إذ (٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٧٤/٢. (٥) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢٣٩/٣. (٦) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٧٦/١٠. ٢٠ جوية القرآن الكريمِ عاد هم قومه، وأقاربه ثم يستعطفهم بقوله: ﴿أَفَلا نَثَّقُونَ﴾: مستخدما أداة العرض؛ وفي هذا من لطف الخطاب، والوعظ بأداة العرض الجاذبة للقلوب، ما لا يخفى (١). قال ابن عطية: ((وقوله: ◌َّقُونَ﴾ ﴿أَفَلا استعطاف إلى التقى والإيمان))(٢). وقال أبو السعود: ((قال مستعطفا لهم ومستميلا لقلوبهم مع ما سمع منهم ما سمع من الكلمة الشنعاء الموجبة لتغليظ القول والمشافهة بالسوء یا قوم ليس بي سفاهة أي شيء منها ولا شائبة من شوائبها))(٣). ٥. الشدة في الخطاب لهم. يبين ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوَدَّا قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرٌ مَُّإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾ [هود: ٥٠]. فجملة ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾ توبيخ وإنکار، أي: ما أنتم إلا كاذبون في ادعاء إلهية غير الله تعالى (٤). قال الطبري: ((يقول: ما أنتم في إشراككم معه الآلهة والأوثان إلا أهل فرية مكذبون»(٥). ويبينه أيضًا قوله تعالى: ﴿وَلَ نَنَوَلَوْاْ مُجْرِمِينَ﴾ [هود: ٥٢]. (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٥٥٧. (٢) المحرر الوجيز، ابن عطية ٢/ ٤٨٤. (٣) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢٣٨/٣ (٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٣٠/٧. (٥) جامع البيان، الطبري ٣٥٧/١٥ يقول الطبري: ((يقول: ولا تدبروا عما أدعوكم إليه من توحيد الله، والبراءة من الأوثان والأصنام ﴿مُجْرِمِينَ﴾، يعني: کافرین بالله» (٦). فحاصل أسلوبه في دعوته لهم هو الجمع بين الترغيب والترهيب والشدة واللين إذ لكل مقام مقال، ولکن لم ينفع معهم ذلك، قال ابن کثیر: «فدعاهم إلى الله بالترغيب والترهيب، فما نفع فيهم» (٧). ويحسن بنا في نهاية هذا المبحث أن نذكر بعضا من هدايات الآيات الكريمة التي ذكرت فيه؛ فمن ذلك: كون هود عليه السلام من قبيلة عاد وأخ لهم نسباً، فهذا أدعى لأن تعرف صفاته وأخلاقه التي تبعث على تصديق قومه له لهم. أهمية الدعوة إلى توحيد الله تعالى، والإيمان بالرسل وبالبعث، وهذا الأصول تنتظم أركان الإيمان الأخرى. من الله تعالى على رسوله هود عليه السلام وغیره من الرسل بصفات كانت دليل صدق على دعواهم النبوة من أهمھا کونه ناصحًا أمینًا. من كان مستغفرًا عما سلف من ذنوبه، عازمًا على عدم العودة لارتكاب (٦) المصدر السابق ١٥/ ٣٦٠. (٧) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤١٦/٣. www. modoee.com ٢١ حرف العين المعصية في مستقبل الأيام يسر الله له رزقه وسهل عليه أمره وحفظ شأنه. شدة خوف الأنبياء على أقوامهم يدعوهم إلى بذل الجهد في محاولة استجابة الدعوة. إبداء مشاعر الداعية لمدعويه كالمحبة لهم وخوفه عليهم من العذاب، وتذكيره إياهم بنعمة الله تعالی، مدعاة لقبول ما يدعو إليه ممن أراد الله به خيرًا. تنوع الخطاب في الدعوة لينا وشدة وترغيبًا وترهيبًا يراعى فيه مقتضى حال المدعو وطبيعته، فمن الناس من يستجيب إذا ألنت له في الخطاب، ومنهم من تكون الشدة والقسوة رادعًا له (١). [انظر: هود: عناصر رسالة هود عليه السلام وأسلوبه في الدعوة إلى الله] (١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٣٨٣، أيسر التفاسير، الجزائري ٥٥٢/٢، وغيرهما من كتب التفسير موقفهم من رسولهم ومعجزاته حال قوم عاد كحال الأقوام التي سبقتها والتي جاءت بعدها من حيث تكذيب أنبيائهم ورسولهم، وجحودهم، وكفرهم بالله سبحانه وتعالى. ﴿ كَذََّتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوح قال الله تعالى: وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَنُ لُوطٍ وَأَصْحَبُ الرَّسِ وَثَمُودُ) وَأَصْحَبُ الْأَبْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعْ كُلُّ كَذَّبَ الرُّسُلَ خَنَّ ١٣ وَجِدِ أ ﴾ [ق: ١٢ - ١٤]. وقال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْنَادِ ، وَثَمُودُ وَقَّوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَبُ إِن كُلُّ إِلَّا ◌َيْكَةِّ أُوْلَئِكَ الْأَحْزَابُ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابٍ ﴾ [ص:١٢ - ١٤]. ((أخبرنا الله في القرآن عن قصة قوم عاد، وكفرهم بالله، وتكذيبهم نبيهم هودا عليه السلام وقد ذكرت قصتهم بالتفصيل في سور: الأعراف وهودٍ والشعراء وفصلت والقمر وغيرها)) (٢). ونبین موقفهم من نبیهم إن شاء الله على النحو الآتي: قوم عاد کانت لهم أصنام يعبدونها دون الله تسمى «صداء، وبغاء، وصمود )) فبعث الله إليهم نبيه هودًا عليه السلام برسالاته وداعيًا إلى عبادته، فبلغهم الرسالة ونصح (٢) القرآن ونقض مطاعن الرهبان، د صلاح الخالدي ١ / ١٦٠. ٢٢ جوية القرآن الكريم عاد لهم ما استطاع، وكان أمينًا في نصحه لهم، وشكرت له، ﴿أَلَابُعْدَ الْعَادٍ قَوْمِ هُورٍ﴾ أي: لا لقوله تعالى: ﴿إِّ لَكُّرَسُولُ أَمِينٌ ) فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴾ [الشعراء: ١٢٥ - ١٢٦]. فردوا نصيحته وطرحوا قوله، وكرهوا ما جاءهم به، وتمثل ذلك في صور، وهي: ١. الكفر بالله. وما كان رد قومه على دعوته إلا أنهم أَلَّ إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ كفروا بالله، لقوله تعالى: رَّهُمُّ ◌َلَ بُعْدَالْعَادِ قَوْمِ هُورٍ﴾ [هود: ٦٠]. والمعنى: ﴿أَلَّ إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَبَّهُمْ﴾ («فهذه شهادةٌ مؤكدةٌ عليهم بالكفر، أي: كفروا نعمه عليهم بجحودهم بآياته وتكذيبهم لرسله كبرًا وعنادًا، يقال: كفره وكفر به، وشكره وشكر له، ومعنى مادة الكفر في الأصل التغطية. و﴿أَلَا بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُورٍ﴾ أي: دعاءٌ عليهم بالهلاك والبعد من الرحمة حكايةً لبدئه، وتسجيلًا لدوامه، كرر ألا المنبهة لما بعدها تعظيمًا لأمره، وكرر اسمهم ووصفهم بـ قوم هودٍ ليفيد السامع بالتكرير تقرير استحقاقهم للعنة والإبعاد وسببه، أنھم لیس لهم شبهة عذرٍ لرد الدعوة المعقبة للحرمان مما كانوا فيه من خيرٍ ونعمةٍ، والانتهاء إلى ضده من شقاءٍ ونقمةٍ)) (١). ﴿أَلَّ إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَبَّهُمْ﴾ ((أي بنعمة ربهم، يقال: كفرته وكفرت به مثل شكرته (١) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ١٢/ ١٠٠. زالوا مبعدين من رحمة الله، والبعد الهلاك والتباعد عن الخير، يقال: بعد يبعد بعدًا إذا تأخر وتباعد، وبعد يبعد بعدًا إذا هلك، والمبالغة في التنصيص والتكرير بعبارتين مختلفتين تدل على تقوية التأكيد ونهاية التحقيق، وقد تقدم أن العرب تستعمله في الدعاء بالهلاك))(٢). على الرغم من أن هودًا عليه السلام الذي جاء بعد نوح عليه السلام دعا قومه فأعرضوا عنه، كما كانت دعوة نوح، ولقي منهم ما لقي نوح من قومه من تكذيب وتسفيه، ولكنه مضی معھم کما مضى نوح مع قومه ناصحًا، متلطفًا، يلقى السيئة بالحسنة، والشر بالخير، وهم مع هذا لا يزدادون إلا عنادًا وإصرارًا على ما هم فيه من عمی وضلال. وتجيء الخاتمة التي لا تختلف أبدا نجاة للمؤمنين، وهلاك للمكذبين المعاندين (٣). وهذا أكبر دليل على إصرارهم على الكفر بالله تعالى. ٢. الجحود والاستنكار. لم يقتصر ردهم بالكفر على دعوة نبيهم، وإنما قابلوها بالجحود والاستنكار، وهذا ما ذكره الله في كتابه العزيز: ﴿قَالُوا (٢) فتح البيان في مقاصد القرآن، محمد القنوجي ٢٠٤/٦. (٣) انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب ٤ / ٤٢٠. www. modoee.com ٢٣ حرف العين يَهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيْنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِّءَالِهَئِنَا وارجعوا إليه بالطاعة، أي: اطلبوا المغفرة ٥٣ عَنْ قَوْلِكَ وَمَا شَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ [هود: ٥٣]. من الله بالإيمان، ثم توسلوا إليها بالتوبة، ثم لا يكون التبري من الآخرين إلا بالإيمان بالله والرغبة فيما عنده، (يرسل السماء) الغيث، وكانوا قد منعوه واشتدت حاجتهم إلیه؛ لأنهم كانوا أصحاب زروع، و(يزدكم قوة إلى قوتكم) أي: يزدكم قوة مع قوتكم بالمال والولد، أو يضاعف قوتكم بالتناسل والأموال، (ولا تتولوا مجرمين) مشركين. والمعنى: ((قالوا: يا هود أي قالوا لنبيهم: ما جئتنا بحجة وبرهان على ما تدعيه أنك رسول من عند الله، ولن نترك عبادة آلهتنا بمجرد قولك: اتركوهم، وما نحن لك بمصدقين، وما نظن إلا أن بعض آلهتنا أصابك بجنون وخبل في عقلك بسبب شتمك لها ونهیك عن عبادتها وعیبك لها. فكان جوابهم متضمنا أربعة أشياء كلها عناد وحماقة واستكبار، وهي المطالبة بالبينة والإصرار على عبادة الآلهة، مع أنهم كانوا يعترفون بأن النافع والضار هو الله تعالى، وأن الأصنام لا تنفع ولا تضر، وعدم التصديق برسالة هود مما يدل على الإصرار والتقليد والجحود، وإفساد عقله، وجعله مجنونًا بواسطة الآلهة)»(١). فرغم كل ذلك من دعوتهم لعبادة الله، والاستغفار والتوبة إليه وإتيانهم بالمعجزات إلا أنهم أنكروا ذلك وقالوا ما جئتنا ببينة، كما ذكر في الآية السابقة، وهذا ما بينه الزحيلى في تفسيره: قال لهم: (استغفروا ربكم) من الشرك، (ثم توبوا إليه) أخلصوا التوبة من المعاصي والكفر بالله، (١) التفسير المنير، الزحيلي ١٢ / ٩١. وانظر: التيجان في ملوك حمير، عبد الملك الحميري ٣٣٨/١. فكان ردهم: (ما جئتنا ببينة) ببرهان على قولك، وبحجة تدل على صحة دعواك، وهذا لفرط عنادهم، وعدم اعتدادهم بما جاءهم من المعجزات، (وما نحن بتاركي آلهتنا) وعبادتها، صادرين عن قولك أو لقولك، (وما نحن لك بمؤمنين) إقناطٌ له من الإجابة والتصديق. (إن نقول) ما نقول في شأنك، (اعتراك) أي: أصابك بعض آلهتنا بسوء بجنون، لسبك إياها وصدك عنها، فأنت تهذي وتتكلم بالخرافات (٢). وما يدلل على جحودهم بآيات الله وعدم إيمانهم بها، قوله تعالى: ﴿وَتَلَكَ عَاءًّ جَحَدُواْ بِثَايَتِ رَيْهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ، وَأَتَّبَعُواْ أَقْرَكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ﴾﴾ [هود : ٥٩] أي: ((تلك الآية فيها إجابة عن سؤال هو: ماذا كان من أهل تلك الدیار حتی حل بهم هذا المسخ ؟ فکان (٢) انظر: التفسير المنير ١٢/ ٨٨. فَضْو جَوَسُولَةُ النَّفِيَّة الْقُرآن الكَرِيْمِ ٢٤ الجواب: ((جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد)» ! والجبار العنيد هو كل رأس من رؤوس الكفرة والمشركين الذین یتولون کبر الحرب التي يعلنها أعداء الله علی رسل الله. وفي قوله: ﴿وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ﴾ ما يسأل وَعِيدِ ﴾ [ق: ١٢ - ١٤]. عنه: أنھم عصوا رسل الله مع أنھم لم یعصوا إلا رسولھم هودا الذي أرسل إلیھم؟ والجواب: أن رسل الله على طريق واحد، يقومون على أداء رسالة واحدة هي الدعوة إلى الله سبحانه والإيمان به وبكتبه ورسله، واليوم الآخر. فهم من جهة بمنزلة رسول واحد، يتجدد مع الزمن في صورة من ظهر منهم من الرسل، وهم من جهة أخرى رسل كثيرون يجيء بعضهم إثر بعض في صورة رسول؛ إذ لا يختلف أحد منهم عن صاحبه في مفهوم الرسول وفى مضمون رسالته ومحتواها، فهم رسل في رسول، وهم رسول في رسل!))(١). ٣. التكذيب بالرسل. هذا ما صدر عنهم التكذيب بالأنبياء والرسل وبكل ما جاؤوا به، مثلهم مثل (١) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب ٠١١٥٩/٦ الأقوام التي سبقتها لقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادُ اَلْمُرْسَلِينَ (١٣)﴾ [الشعراء: ١٢٣]. وقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوج وَأَصْحَبُ الرَّسِّ وَثَمُودُ ﴿ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَنُ لُوطٍ وَقَوْمُ تُبَّعْ كُلَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ لَّ ﴿ وَأَصْحَبُ اٌلْأَبْكَةِ وَفَوْمُ نِيَّ والمعنى: ﴿كَنَّبَتْ﴾ وسم الفعل بالتاء كيف جاء النظم القرآني محدثا عن إشارة إلى هوانهم في جنب هذا المجد ولما كان هؤلاء الأحزاب المذكورون لقوتهم وكثرتهم كأنهم أهل المجد قاطبة قد استغرقوا زمانها ومکانها، ﴿كل ﴾ أي من هذه الفرق ﴿كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ أي كلهم قاموا بتکذیب رسولهم، فإن الكل متساوون فيما يوجب الإيمان من إظهار العجز والدعاء فتسبب عن تكذيبهم ـفق إلى الله، لهم أنه ثبت عليهم ووجب ﴿وعیدِ﴾ أي: الذي كانوا يكذبون به عند إنذارهم لهم إياه، فعجلنا لهم منه في الدنيا ما حكمنا به عليهم في الأزل فأهلكناهم إهلاكًا عامًا كإهلاك نفس واحدة على أنحاء مختلفة كما هو مشهور عند من له بأمثاله عناية، وأتبعناه ما هو في البرزخ، وأخرنا ما هو في القيامة إلى البعث، بإهلاكنا لهم على تنائي ديارهم وتباعد أعصارهم وكثرة أعدادهم، إن لنا الإحاطة البالغة فتسل بإخوانك المرسلين وتأس بهم، ولتحذر قومك ما حل بمن www. modoee.com ٢٥ حرف العین كذبهم إن أصروا (١). ٤. الاستكبار بغير حق. ومن شدة افترائهم قالوا: من أشد منا قوة ؟! مما جعلهم يتكبرون في الأرض بغير حق، لقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَأُسْتَكْبُرُواْ فِي الْأَرَضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةٌ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهُالَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةٌ وَكَانُواْ بِثَّايَتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥)﴾ [فصلت: ١٥]. والمعنى: ((فأما عادٌّ فاستكبروا على عباد الله في الأرض التي هي محل الاختبارات الإلهية بغير الحق، أي بلا إطاعة وانقياد وسابقة دین ونبي پرشدهم إلى طريق الحق، وهم من شدة تعنتهم وبطرهم قد قالوا على سبيل الشرف والمباهات: من أشد على وجه الأرض منا قوةً وأكثر عددًا وعددًا، وأتم بسطة واستيلاء؟! وإنما قالوا هذه حين تخويف الرسل إياهم بإلمام العذاب عليهم، وهم قد كانوا أعظم الناس جسامة وأوفرهم قوة وقدرة، لذلك اغتروا بما عندهم من الثروة والرياسة، فكذبوا الرسل وقالوا لهم: نحن ندفع العذاب الذي ادعیتم نزوله أيها الكاذبون المفترون بوفور حولنا وقوتنا. أيغترون على قوتهم وجسامتهم وينكرون كمال قدرة الله وشدة انتقامه، ولم يروا ولم يعلموا أن الله العزيز القدير الذي خلقهم وأظهرهم من كتم العدم، ولم يكونوا شيئًا (١) انظر: نظم الدرر، البقاعي ٤١/١٨. مذكورا؟! هو سبحانه بعلو شأنه ويكمالات أسمائه وصفاته أشد منهم قوةً، وأتم حولا وقدرة، وأحكم بطشًا وانتقامًا، ولكن قد كانوا بآياتنا يجحدون وينكرون بحسب الظاهر عنادًا ومكابرة واغترارًا بما معهم من الثروة والجسامة بعدما تمادوا على غيهم وأصروا على عتوهم وضلالهم)) (٢). ولم يتوقفوا عند هذا الحد وإنما ازدادوا في طغيانهم إلى أن قالوا لنبيهم: ﴿سَوَآءُ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ اَلْوَعِظِينَ ١٣ [الشعراء: ١٣٦]. أي: لما سمعوا منه ما سمعوا من العظة والتذكير والنصيحة على طريق المبالغة قالوا من نهاية استكبارهم واستنكافهم وشدة إنكارهم: سواءٌ علينا يا هود أوعظت بما وعظت أم لم تكن أنت من الواعظين المذکرین، أي: وعظك وعدمه سواء عندنا لا نبالي بشيء منه، ولا نلتفت إلى ما تقوله، إذ نحن ما نسمع منك خرافاتك، ولا نمتثل بها، ولا نترك لأجلها وأجلك أخلاق أسلافنا التي قد كانوا عليها (٣). وقيل: ((فقالوا معاندين للحق مكذبين (٢) الفواتح الإلهية، نعمة الله النخجواني ٢٧٥/٢ (٣) انظر: فتح القدير، الشوكاني ١٢٩/٤، الفواتح الإلهية، نعمة الله النخجواني ٤٨/٢، المنتظم في تاريخ الأمم والملوك، ابن الجوزي ١/ ٢٥٢. ٢٦ مَوَسُو ◌َة النفسية القرآن الكريمِ