Indexed OCR Text
Pages 21-34
العتاب زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا نَفَحْنَكَهَا لِكَ لَا يَكُونَ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيِ أَزَوَجٍ أَدْعِيَّابِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَرَأْ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب: ٣٧]. قال ابن كثير: ((قوله: ﴿لِكَنْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيَّ أَزَوَجِ أَدْعِيَآيِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ [الأحزاب: ٣٧]. أي: إنما أبحنا لك تزويجها وفعلنا ذلك لئلا يبقى حرج على المؤمنين في تزويج مطلقات الأدعياء، أي: الأبناء من التبني؛ وذلك أن رسول الله صلی الله عليه وسلم کان قبل النبوة قد تبنی زید بن حارثة، فكان يقال له: زيد بن محمد. فلما قطع الله هذه النسبة بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَجَكُمُ الَّتِى تُظَِهِرُونَ مِنْهُنَّ أُتَهَتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَرِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ اَلْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِى السَّبِيلَ ن ادْعُوهُمْ لِأَّبَايِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ [الأحزاب: ٤ - ٥]. ثم زاد ذلك بيانًا وتأكيدًا بوقوع تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش لما طلقها زيد بن حارثة؛ ولهذا قال في آية التحريم: ﴿وَحَلَبِلُ أَبْنَا بِكُمُ اُلَّذِينَ مِنْ أَصْلَبِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. وقوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ أي: وكان هذا الأمر الذي وقع قد قدره الله تعالى وحتمه، وهو كائن لا محالة، کانت زینب في علم الله ستصير من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم))(١). وأوضح منه فيما نريده ما قاله الطاهر ابن عاشور رحمه الله حيث قال: ((وأشار إلى حكمة هذا التزويج في إقامة الشريعة، وهي إبطال الحرج الذي کان یتحرجه أهل الجاهلية من أن يتزوج الرجل زوجة دعيه، فلما أبطله الله بالقول إذ قال: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَ كُمْ أَبْنَاءَكُمْ ﴾ [الأحزاب: ٤]. أكد إبطاله بالفعل؛ حتى لا يبقى أدنى أثر من الحرج أن يقول قائل: إن ذاك وإن صار حلالا فينبغي التنزه عنه لأهل الكمال، فاحتيط لانتفاء ذلك بإيقاع التزوج بامرأة الدعي من أفضل الناس، وهو النبي صلى الله عليه وسلم. والجمع بين (اللام) و(كي) توكيد للتعليل، كأنه يقول: ليست العلة غير ذلك»(٢). فكيف لتلك الأحكام والفضائل أن تظهر لولا وقوع التبني فعليًا من النبي صلى الله عليه وسلم، ثم تزويجه لابنه في التبني من ابنة عمته، ثم تزوج النبي صلى الله عليه ليحترز من الابن الدعي؛ فإن ذلك كان وسلم منها بعد إبطال التبني؟ کثیرًا فیهم. (١) تفسير القرآن العظيم ٦/ ٤٢٦. (٢) التحرير والتنوير ٣٩/٢٢. www. modoee.com ١٢٣ حرف العين تبوك: عاتب الله نبيه صلى الله عليه وسلم في قبوله لأعذار المنافقين، وإذنه لهم بالتخلف عن غزوة تبوك؛ وذلك مصداق قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَقَّ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ اَلْكَذِيِينَ ﴾ [ التوبة: ٤٣]. فتضمنت هذه الآية عتاب الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم حيث أذن لمن طلب منه التخلف عن النفور والنهوض إلى تبوك، وكان من السياسة الرشيدة عدم الإذن لأحد حتى يتميز بذلك الصادق من الكاذب. فقوله تعالى: ﴿عَفَا ◌َللَّهُ عَنكَ﴾ أي: تجاوز عنك ولم يؤاخذك، وقدم هذا اللفظ على العتاب الذي تضمنه الاستفهام أَذِنتَ لَهُمْ﴾ تعجيلًا للمسرة للنبي صلى الله عليه وسلم إذ لو أخر عن جملة العتاب لأوجد خوفًا وحزنًا. وقوله تعالى: ﴿حَقِّ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ اُلْكَذِبِينَ﴾ علة للعتاب على الإذن للمنافقين بالتخلف عن الخروج إلى تبوك(١). قال الطبري: ((هذا عتاب من الله تعالى ذكره، عاتب به نبيه في إذنه لمن أذن له في التخلف عنه حين شخص إلى تبوك لغزو (١) انظر: أيسر التفاسير، الجزائري ٣٧٢/٢. التجاوز عن المتخلفين عن غزوة الروم من المنافقين، يقول جل ثناؤه: ﴿عَفَا اللهُ عَنكَ﴾ يا محمد ما كان منك في إذن لهؤلاء المنافقين الذين استأذنوك في ترك الخروج معك، وفي التخلف عنك من قبل أن تعلم صدقه من كذبه ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ لأي شيء أذنت لهم؟! ﴿حَتَّ يَتَّبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَذِبِينَ ﴾ يقول: ما كان ينبغي لك أن تأذن لهم في التخلف عنك إذا قالوا لك: لو استطعنا لخرجنا معك؛ حتى تعرف من له العذر منهم في تخلفه، ومن لا عذر له منهم، فیکون إذنك لمن أذنت له منهم على علم منك بعذره وتعلم من الكاذب والمتخلف نفاقًا وشكًا في دين الله، وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. قال مجاهد: ﴿عَفَا اَللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لھُمْ﴾ ناس قالوا: استأذنوا رسول الله فإن أذن لکم فاقعدوا، وإن لم يأذن لكم فاقعدوا. قال قتادة: قوله: ﴿عَفَا اللهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ﴾ الآية، عاتبه كما تسمعون ثم أنزل الله التي في سورة النور، فرخص له في أن يأذن لهم إن شاء فقال: ﴿فَإِذَا أُسْتَنْذَنُوَكَ لِبَعْضٍ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لَّمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ [النور: ٦٢]. فجعله الله رخصة في ذلك من ذلك. قال عمرو بن ميمون الأودي: اثنتان ١٢٤ القرآن الكريمِ العتاب فعلهما رسول الله لم یؤمر فیهما بشيء: إذنه للمنافقين، وأخذه من الأساری، فأنزل الله: ﴿عَفَا اَللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ الآية. قال مورق: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ﴾ عاتبه ربه))(١). الصلاة على المنافقين: أتی عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول لما مات أبوه المنافق عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين، وحربة الحاسدين الناقمين على الإسلام، فقال: يا رسول الله، أعطني قميصك حتى أكفن أبي فيه. وأبوه عدو للإسلام، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام تقديرًا لابنه المسلم المؤمن، أعطاه قميصه، فکفن هذا المنافق فيه؛ جزاءً لابنه، وإكرامًا له. فلما أراد أن يصلي عليه جذبه عمر رضي الله عنه، فقال: أليس الله نهاك أن تصلي على المنافقين؟ فقال: (أنا بين خيرتين) قال: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَمُمْ سَبْعِينَ مَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اَللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]. فصلى عليه، فنزلت: ﴿ وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ يِاللّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَاتُواْ وَهُمْ فَسِقُونَ﴾ [التوبة ٨٤](٢). (١) جامع البيان ١١/ ٤٧٧-٤٧٩. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب الكفن في القميص، ٧٦/٢، رقم ١٢٦٩، ومسلم في صحيحه، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، ٢١٤١/٤، رقم ٢٧٧٤. فجعلها صلى الله عليه وسلم خاتمة عمله في هذه المسألة أن لا يصلي على من علم نفاقه وكفره وضرره على الإسلام والمسلمين. ثالثًا: الأساليب الرقيقة في عتابات الرسول صلى الله عليه وسلم: المتتبع لمواقف العتاب للرسول صلى الله عليه وسلم يجده عتابًا لصالحه -عليه الصلاة والسلام- رحمةً به، وشفقةً عليه، لا كما يقول البعض: إن الله تعالى يصحح للرسول خطأ وقع فيه (٣). فالقرآن ينتهج في العتاب نهجًا فريدًا، جامعًا فيه بين العذوبة والرقة والقوة، وهذان أمران أساسان في كل عتاب ناجح. لأن العتاب مقام يقتضي نوعين من المعاني والألفاظ؛ لأنه لا يكون إلا عن تقصير أو خطأ، هذا أحد سببیه الأقوى، ولا یکون إلا حین یرجی من المعاتب عود إلى الجادة، وتوخي الصواب. وعتاب القرآن الذي يهمنا هنا: عتاب الله رسوله صلی الله علیه وسلم. وقد جاء عتابه ناجحًا لاشتماله على تلك الخاصتين: تذكير بما كان مما استوجب العتاب. وإغراء على الرجوع إلى الحق والحث (٣) انظر: تفسير الشعراوي ٨٦١٨/١٤. www. modoee.com ١٢٥ حرف العين عليه بما يثيره النص من بوارق الأمل، وأسباب العفو. فمن عتاب الله رسوله صلی الله عليه وسلم الذي يتجلى فيه هذا المعنى: قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَِّ ) أَنْ جَةُ الْأَعْمَى ﴿ وَمَا يُدْرِبِكَ لَعَلَّهُ يَزََّّى الْ أَوْ يَذَكَّرُ فَفَعَهُ ٢ الذِّكْرَ ، أَمَّا مَنِ أَسْتَغْفَى ) فَأَنْتَ لَهُ، تَصَدَّى ( وَمَا عَلَيْكَ أَلَّ يَزَّكَّ ، وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى الْ وَهُوَ يَخْشَىِ ؟ فَأَنْتَ عَنْهُ نَلَقَّى كَلَّ إِنّهَا نَذْكِرَةٌ آ فَ مَشَّهَ ذَكَرُهُ فِ صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (٢ ◌َرْفُوعَقِ مُطَهَّرَةَم (١) بِأَيْدِى سَفَرَقْ ٥ اكِرَامِ بَقَ﴾ [عبس: ١-١٦]. وهذا أشد عتاب وجهه الله لرسوله عليه الصلاة السلام، وبين له فيه كثيرًا من الحقائق، وفي هذا العتاب -مع شدته- اشتمل القرآن علی کثیر مما يخففه. ويبين حسن نية الرسول -عليه الصلاة السلام- فیما بدر منه حین أعرض عن عبد الله بن أم مكتوم وأقبل على وفد قريش يحاورهم، فقد خفف من شدة هذا العتاب أن الله لم يسند العبوس والتولي للرسول مواجهًا له به، فجاء مسندًا إليه على طريقة الغيبة: ﴿عَبَسَ وَقَوَلٌَّ﴾ ولم يقل له: عبست وتوليت وهو مقتضى الحال ترقيقًا له في العتاب حتى لكأن العابس والمتولي شخص آخر غير محمد عليه الصلاة السلام، والجمهور يسمون هذا السلوك القولي: وضع الغيبة موضع الخطاب. ويسميه السكاكى: التفاتًا (١) إذ لا يشترط أن يسبقه التعبير بواحد من طرقه الثلاثة، وآیًا کان الخلاف بینهم فإن المؤدی واحد هو كراهة إسناد ما لا يليق بالرسول على سبيل الخطاب. وخفف منه أيضًا أن القرآن أبان أن ما حدث من الرسول لم يكن لغرض شخصي، بل لباعث من بواعث الرسالة التي جاء بها، وهو حرصه الشديد على هداية هؤلاء الناس، فكأنه أراد أن يستميلهم بحديثه وإقباله عليهم. كما أن في التعبير بضمير المخاطب في قوله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِبِكَ لَعَلَّهُ يَزََّى﴾ [عبس: ٣]. الإيناس بعد الإيحاش، والإقبال بعد توهم الإعراض، أما ابن أم مكتوم فمؤمن لا يتأثر بمثل هذه الأعمال التي بدرت من الرسول عليه الصلاة السلام لمصلحة دينية توقعها هو. فهكذا يكون العتاب الرقيق باستخدام الألفاظ الرقيقة التي لا تؤثر سلبًا على نفس سامعها، بحیث ینسی أنه عتاب ويتحول إلى مدافعٍ ومجادلٍ عن موقفه؛ ليثبت أنه على صواب، ولا يؤتي العتاب - في تلك الحالة- ثمرته المرجوة. وانظر إلى لطف العتاب في قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَقِّ يَتَبَيَّنَ (١) انظر: مفتاح العلوم السكاكي ص ١٧٥ . ١٢٦ جَوَسُبـ القرآن الكريمِ العتاب لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ اُلْكَذِيِينَ [التوبة: ٤٣]. فمبالغة في لطف عتاب الله له صدر العتاب بالعفو من أول الأمر، وقدم على ما استحق من أجله العتاب: ﴿لِمَّ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ وأن العتاب الرقيق يدل على عظم منزلة المعاتب عند المعاتب، أن یبادره بالعفو، ثم يأخذ معه في بيان ما خالف فيه مما ينبغي ألا یکون. وقد غلا الزمخشري في توجيه هذه الآية حيث قال: ((﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ﴾ كناية عن الجناية؛ لأن العفو رادف لها، ومعناه: أخطأت وبئس ما فعلت)) (١). وغلوه في هذا التوجيه ظاهر؛ لأنه حمل الكلمة ما ليس من طبيعتها، وصرح بما لم يصرح به الله في كتابه، ولو كان هذا الذي يقوله الزمخشري مطلوبًا لله من هذه الآية لما منع مانع من ذكره. ولو أنه فسر قوله تعالى: ﴿لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ بما قاله في تفسير: ﴿عَفَا اللَّهُ عنك ﴾ لکان لقوله شبهة قبول؛ لأن أَذِنتَ لَهُمْ﴾ هو موضوع المخالفة. وقد تعقب ابن المنير قول الزمخشري، وخطأه فيه. ثم قال: (ولقد أحسن من قال في هذه الآية: إن من لطف الله تعالى بنبيه أن بدأ (١) انظر: الكشاف، الزمخشري ٢٧٤/٢. بالعفو قبل العتب، ولو قال له ابتداءً: لتفطر قلبه عليه الصلاة السلام. أَذِنتَ لَهُـ فمثل هذا الأدب يجب احتذاؤه في حق سيد البشر عليه الصلاة والسلام» (٢) وقوله تعالى: ﴿بَأَيُّهَا النَِّىُّ لِمَ تُرِمُ مَآ أَحَلَّ اللّهُ لَكِّ تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَجِكَ وَاَللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [التحريم: ١]. قال الألوسي: ((﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ فيه تعظیم لشأنه صلی الله تعالى عليه وسلم بأن ترك الأولى بالنسبة إلى مقامه السامي الكريم یعد کالذنب، وإن لم یکن في نفسه كذلك، وأن عتابه صلی الله تعالی علیه وسلم- لیس إلا لمزيد الاعتناء به، وقد زل الزمخشري ها هنا كعادته، فزعم أن ما وقع من تحريم الحلال المحظور لكنه غفر له عليه الصلاة والسلام)» (٣). وقال سيد قطب: ((﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ يوحي بأن هذا الحرمان من شأنه أن يستوجب المؤاخذة، وأن تتداركه مغفرة الله ورحمته، وهو إيحاء لطيف)» (٤). ومن ذلك أيضًا ما رواه مسلم(٥) عن (٢) الانتصاف فيما تضمنه الكشاف، ابن المنير ٢٧٤/٢ - مع الكشاف. وانظر: خصائص التعبير القرآني وسماته البلاغية، عبدالعظيم المطعني ٢٧٣/١ - ٢٧٦. (٣) روح المعاني ١٤/ ٣٤٣. (٤) في ظلال القرآن ٣٦١٥/٦. (٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجهاد www. modoee.com ١٢٧ حرف العین ابن عباسٍ رضي الله عنهما أنه قال: (لما لَهُ أَشْرَى حَقَّ يُشْخِنَ فِ الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: أسروا الأسارى في بدر قال رسول الله ٦٧]. صلی الله عليه وسلم لأبي بكرٍ وعمر: (ما ترون في هؤلاء الأساری؟) فقال أبو بكر: يا نبي الله هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فديةً فتكون لنا قوةً على الكفار، فعسى الله أن يهدیھم للإسلام، فقال رسول الله صلی الله عليه وسلم: (ما تری یا ابن الخطاب؟) قلت: لا والله يا رسول الله، ما اری الذي رأی أبو بكرٍ ولكني أرى أن تمكنا فتضرب أعناقهم، فتمكن عليًا من عقيل فيضرب عنقه، وتمکني من فلانٍ -نسیبًا لعمر - فأضرب عنقه؛ فإن هؤلاء أئمة الكفر وصنادیدها فهوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكرٍ، ولم يهو ما قلت، فلما کان من الغد جئت، فإذا رسول الله صلى الله علیه وسلم وأبو بكرٍ قاعدین بیکیان، قلت: یا رسول الله أخبرني من أي شيء تبکي أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاءً بكيت وإن لم أجد بکاءً تباکیت لبکانکما، فقال رسول الله صلی الله عليه وسلم: (أُبکي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة) شجرةٍ قريبةٍ من نبي الله صلی الله عليه وسلم، وأنزل الله عز وجل: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيِّ أَن يَكُونَ والسير، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر، وإباحة الغنائم، ١٣٨٣/٣، رقم ١٧٦٣. فالنبي صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف آثر السلامة، وهو رأي كثير من أصحابه، ولكن الله -تبارك وتعالى- أرشده إلى الأولى من ذلك، وهو الشدة في هذا الموقف؛ لأن هؤلاء هم صناديد الكفر، وكبار أهل الضلال، فالأولى معهم القتل والتنكيل بدلًا من العفو والصفح، خاصة والدعوة في بداياتها، وتحتاج إلى أن تظهر بمظهر القوة بين قبائل العرب، وكان هذا هدفًا لا يعدله المال، ولذا سمي هذا اليوم بيوم الفرقان لعظمته في تاريخ الدعوة. فعاتبه الله بقوله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيّ﴾ فالخطاب لیس موجهًا مباشرة إلى رسولنا صلى الله عليه وسلم، ولكن المعنى: لا يحق لأي نبي مهما كان أن يكون في هذا الموقف وعنده أئمة الكفر الذين حاربوه وأخرجوه ومكروا به، وأرادوا قتله أن يعفو عنهم. وهكذا يكون العتاب الرقيق الذي لا يوجه مباشرة إلى الملوم؛ حتى لا يتشاغل بالدفاع عن نفسه، وينسى في ظل الجو شديد السخونة أن يتعلم ويفهم المراد من التوجيهات السديدة، والنصائح الرشيدة، ويفهم عن اقتناع ورضا نفس أن الأولى هو فعل ما يرشد إليه العاتب. ١٢٨ الْقُرآن الكَرِيمِ العتاب ولقد تعلم النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا فقه العتاب وفنه من أحاديث ومواقف الأنبياء التي قصها الله -تبارك وتعالى- عليه، وأعلمه بها، فمن ذلك ما رواه أبو هريرة أن النبي صلی الله عليه وسلم قال: (نزل نبيٌّ من الأنبياء تحت شجرةٍ، فلدغته نملةٌ، فأمر بجهازه، فأخرج من تحتها، ثم أمر بها فأحرقت فأوحى الله إليه فهلا نملةً واحدةً)(١). عاتب الله تبارك وتعالى هذا النبي الذي يقال: إنه العزير، بأنه قتل جماعة النمل لأنه لدغ من واحدة فقط، فاستدعى الله انتباهه وقال له: (فهلا نملةً واحدة). والناظر لقوله تعالى: (فهلا نملةً واحدةً) يجد أنها لطيفة موجهة لما هو أرفق بهذا النبي؛ حيث إن الموقف لا يستدعي الشدة، فالخطب يسير، وأمة النمل مهما بلغت لا تملك من أمرها شيئًا. وعلى هذا المنوال من الأدب الجم والفقه العميق لفن العتاب، تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه في المواقف التي تحتاج إلى ذلك، وتوجيههم إلى ما هو أصلح وأولى، فكان صلى الله عليه وسلم بذلك يهذب أصحابه ولا يلجئهم إلى الدفاع عن أنفسهم، بل يلفت (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب دخلت امرأة النار في هرة، رقم ٣٠٧٢. انتباههم إلى العبرة والعظة من العتاب. ولقد حرص صلی الله عليه وسلم أن تكون الصيغ والكلمات معبرة وموحية بالحب والعطف والشفقة على محدثه؛ لتنفذ هذه النصائح والكلمات إلى قلبه؛ فيتأثر بها ويعمل بمقتضاها. وغيرها من المواقف التي تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يصرح باسم أحد من صحابته، بل يقول: (ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا)(٢) يعاتبهم بأسلوب مهذب رقيق، ليس فيه تجريح للمشاعر، ولا غض من قيمة الشخص الذي اقترف خطأ، فکان صلی الله عليه وسلم مثلًا حيًا للصحابة في فقه التعامل مع الناس؛ حتى قال أنس بن مالك رضي الله عنه: «كان النبي صلی الله عليه وسلم قلما يواجه رجلًا في وجهه بشيءٍ يكرهه»(٣). بل كان يتعامل مع أهله -أعني زوجاته- بهذا الفقه، فمن ذلك ما قصه ربنا - تبارك وتعالى- في سورة التحريم، حيث قال: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِىُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَِ حَدِينًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ (٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب في حسن العشرة، ٤ / ٢٥٠، رقم ٤٧٨٨. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم ٢٠٦٤. (٣) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الترجل، باب في الخلوق للرجال، ٤ /٨١، رقم ٤١٨٢. وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود، رقم ٤١٨٢. www. modoee.com ١٢٩ حرف العين بِهِ، وَأَظْهَرَهُ اَللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ، وَأَغْضَعَنْ بَعْضِّ فَلَمَّا نَبََّهَا بِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نََّنِىَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم: ٣]. أي أن النبي صلى الله عليه وسلم استكتم حفصة سرًا بتحريم العسل على نفسه، وأن أباك وأبا عائشة يكونان خليفتي على أمتي من بعدي؛ فذكرته حفصة لعائشة، فأظهره الله عليه، فعرف بعضه وأعرض عن بعض. أي: قال لها: إن الله أوحى إلي ما أفشيت من السر في تحريم العسل، وأنك أخبرت عائشة بذلك. وهذا التغاضي عن كثير من أخطاء الأحبة والمقربين من شيم الكرام الأخيار الذين لا يلومون أحبابهم على كل ما يفعلون، أو يأتون من أخطاء، ولكن يكفي التعريض ببعضها والكف عن البعض الآخر. ويعد هذا من قمة فقه العتاب وفنه بمكان، لا يصل إليه إلا من تأدب بآداب القرآن، وتعلم من النبي العدنان صلى الله عليه وسلم. قال الحسن: ((ما استقصى كريم قط))(١). وقال سفيان: ((ما زال التغافل من فعل الكرام» (٢). وعلى هذا يجب علينا أن نتعلم من النبي صلى الله عليه وسلم الأساليب اللطيفة (١) انظر: معالم التنزيل، البغوي ١٦٤/٨. (٢) انظر: عون المعبود، العظيم آبادي ٩/ ٦٣١. في العتاب والمحاورة الرقيقة التي تجعل المعاتب لا يخرج عن حب معاتبه، ولا يجنح إلى الإعراض عنه، بل يسمع ويطيع؛ لأن معاتبه لا يبغي إلا صلاحه و کماله سواء في الفعل أو القول. هذه بعض المواقف من حياته صلى الله عليه وسلم التي تبرز وتوضح ما للعتاب من قيمة حيوية في ديننا وشريعتنا، لعلنا نعتبر بها في عصر الجفاء والغلظة علها أن تبرد أكبادنا، وتطفئ نار قلوبنا، وتهدئ من روعنا(٣). ونلحظ ثلاثة جوانب في آيات الذكر الحكيم من عتاب لبعض الأنبياء والمرسلين: أولها: إثبات بشرية هؤلاء الأنبياء، وأنهم وإن بلغوا قمة الكمالات البشرية فلا تزول عنهم صبغة البشر المخلوق الذي تتنازعه الطاقات والقوى المودعة فيه، فإن صلتهم بالملأ الأعلى، وسعيهم الحثيث لتطبيق ما يوحى إليهم، والمسارعة إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى يجعل منهم قدوة لأتباعهم في الإيمان والعمل الصالح، إلا أن دواعي الحاجة الإنسانية من طعام وشراب وسير في الأسواق للكسب والمعاش، وعدم الاطلاع على الغيب ومستقبل الأيام، وما يعتريهم من مرض ونسيان وضعف في القوى الجسمية كل ذلك يؤكد بشريتهم، فلا يستطيعون (٣) موقع صيد الفوائد. ١٣٠ القرآن الكريم العتاب النجاة منها، وإلى هذا الجانب أشار القرآن وضخمته، ونفت عنهم المزايا التي يتميزون الكريم في دحض شبهة من زعم أن عيسى بها عن غيرهم، فنسبت إليهم كل نقيصة ظلمًا وزورًا فضلوا وأضلوا، كما فعل اليهود في سير أنبيائهم، والمنهج العدل أن يعتقد في اصطفائهم من البشر لحمل رسالة ربهم وتبليغها إلى الناس على خير وجه، وصلتهم بالملأ الأعلى، وتلقيهم عن طريق الوحي إليهم، وهي مكانة لا تدانيها مكانة غيرهم من البشر. وأمه إلهين من دون الله ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَدٌ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَبَنِيّ إِسْرَّهِيلَ أُعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّ وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ, مَن يُشْرِكِ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اَللّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَنُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارِ ) لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّ إِلَهٌ وَحِدٌ وَإِن إلا أنهم يبقون من البشر ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَّ﴾ [الكهف: ١١٠]. لَّمْ يَنْتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿ أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَةُ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ مَّا الْمَسِيحُ أَبْثُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ ٧٤ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُتُّهُ صِدِيقَةً كَانَا يَأْكُلَانِ الفِّعَامُّ أَنْظُرْ كَيْفَ نُبَيٌِّّ لَهُمُ الْآَيَتِ ثُمَّ أَنْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة: ٧٢ -٧٥]. فبلوغ الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه الدرجات العليا من القربى والطاعة لا تخرجهم عن طبيعة البشر، ولا يجوز اتخاذهم شرکاء مع الله سبحانه وتعالى. وقد ضلت الأمم السابقة في هذا الأمر فاختلطت عليهم المقاييس، فبلغ من تقدیسهم لأنبيائهم وصالحیهم أن عبدوهم من دون الله، كما فعلت النصارى فضلوا وأضلوا. فوجود النسيان والسهو من بعض الأنبياء تأكيد لهذا الجانب، من غير أن يؤثر على مكانتهم الرفيعة عند ربهم ومولاهم جل جلاله. ثانيها: جانب تربوي تعليمي: إن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يمثلون قمة العبودية لله تعالى، وهم القدوة لغيرهم في ذلك. كما أن سيرتهم الذاتية هي النبراس لغيرهم أثناء السير إلى الله تعالى، فلئن وقع منهم بمقتضى الطبيعة البشرية ما يعاتبون عليه سرعان ما يرجعون إلى الله، ويلتجئون إلى عفوه ومغفرته، ويتفيؤون ظلال رحمته ورضوانه. إن في رسم معالم التوبة والاستغفار واستدرار الرحمة والرضوان من خلال وأبرزت بعض الأمم جانب البشرية فيهم سيرة الأنبياء تشريعًا للأمم، ولو لم تكن هذه www. modoee.com ١٣١ حرفالعین الوقائع في سيرهم فأنى للمذنبين أن يدركوا لنفسه شئون حياته الدنيوية، إن (الدعاء هو العبادة)(١). طريق الإنابة إلى ظلال رحمة ربهم. إن في لجوء آدم عليه السلام إلى ربه بالابتهال والإنابة ﴿رَبَّنَا ظَلَقْنَا أَنْفُسَنَا وَإِن أَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]. وفي استسلام نوح عليه السلام لربه ورجوعه إليه، وإيثار رضوانه على ما تطلعت إليه نفسه بشأن ابنه أكبر المعالم التربوية إلى يوم القيامة ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْتَلَكَ مَالَّسَ لِى بِهِ، عِلْمٌ وَإِلََّ تَغْفِرْ لِ وَتَرْحَمْنِىّ أَكُن مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧]. وفي ابتهال ذي النون في بطن الحوت ﴿فَتَادَىْ فِ الظُّلُمَتِ أَنْ لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِّ كُنْتُ مِنَ الَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. زادٌ لمن وقع في ضيق الدنيا وتقلبات أحوالها، وسدت في وجهه السبل. وفي إنابة داود عليه السلام واستغفاره وإقباله على ربه بالطاعة والعبادة، إدراك للصلة بين العبد وخالقه ومولاه ومالكه ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَثَنَّهُ فَأَسْتَغْفَرَ رَبَّهُ، وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ ﴾ ﴿ فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكٌّ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَشَابٍ﴾ [ص: ٢٤ -٢٥]. لو ترك البشر يشرعون لأنفسهم طريق التوبة والإنابة والاستغفار لما اهتدوا إلى رضوان ربهم، ولضلوا كما ضل من شرع والشرائع التعبدية كلها من الله سبحانه وتعالى، وليس لأحد أن يشرع لنفسه، والمقربون إلى الله سبحانه وتعالى يدركون ما يليق بالذات القدسية من كمالات وما تنزع عنها الذات القدسية من نقص ومحال، والبشر عاجزون عن ذلك، فما يكون كمالًا في حق البشر، قد يكون نقصًا محالًا على الذات الإلهية؛ إن وجود الولد والزوجة والقرين والشريك من متطلبات الحياة الإنسانية، وتعتبر من الكمالات البشرية ومن عدمها اشتكى من نقص في نفسه. أما بالنسبة لله تعالى: ﴿وَقَالُواْ أَتَّخَذَ الرَّحْنُ وَلَدًا ﴿ لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِذَا تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَنَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُ الْأَرْضُ وَخِرٌ لَلْجِبَالُ هَذَّا أَنْ دَعَوْاْ لِلرَّحْمَنِ وَلَدًّا ) وَمَا يَنْبَغِى لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًّا إِن كُلُّ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلَّ مَاتِ الرَّحْمَنِ ﴾ [مريم: ٨٨-٩٣]. ٩٣ عَبْدًا ! (١) أخرجه أبو داود في سننه، تفريع أبواب الوتر، باب الدعاء، ٧٦/٢، رقم ١٤٧٩، والترمذي في سننه، أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة البقرة، ٦١/٥، رقم ٢٩٦٩، وابن ماجه في كتاب الدعاء، باب فضل الدعاء ١٢٥٨/٢، رقم ٣٨٢٨، وأحمد ٣٤٠/٣٠، رقم ١٨٣٩١. قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح))، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ١٢٧/٢، رقم ١٦٢٧. مَوَسُو ◌َرَا القرآن الكريمِ ١٣٢ العتاب ﴿وَجَعَلُواْ لِلَِّ شُرَّكَآءَ لَلِنَّ وَخَلَفَهُمَّ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَتٍِ بِغَيْرِ عِلَّمَّ سُبْحَانَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يَصِفُونَ ( بَدِيعُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ أَّ يَكُونُ لَهُ, وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَرِحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلّ شَىْءٌ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ٦ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ فَأَعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ ﴿ لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرِّ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الأنعام: ١٠٠ - ١٠٣]. ١٠٣ ثالثها: إن من يمعن النظر في الأقوال والأعمال التي عوتب عليها الأنبياء صلوات الله علیھم یجدها لا تخرج عن دائرة الأقوال والأفعال التي تدخل في دائرة الاجتهاد وورود الاحتمالات عليها، والموقف الذي اتخذه النبي في الغالب یکون مما يقال عنه أن الأولى كان الوجه الآخر، إلا أن هذه الأولوية لا تدرك إلا بعد التنبيه الرباني ولا يمكن الاستدلال عليها بالظواهر والأسباب المتاحة عند وجود الحادثة، وإلا لأدى إلى ارتكاب النبي المخالفة الواضحة، وهم منزهون عن ذلك. وإذا كان العتاب یرد على خلاف الأولى، والتهديد يرد على الأمر المفروض غير الواقع. ولمن العتاب؟ ولمن التهديد؟ الصفوة الله من خلقه وأنبيائه المرسلین إلی عباده، فكيف يكون الحال بالنسبة لمن خالف صریح أمره، وارتکب صریح نهیه، وعصى محکم شرعه؟ إن في ذكر هذه الألوان من العتاب إيجاد حاجز نفسي بين العباد وبين المعصية، ومخالفة شرائع الله (١). ومن أهم آداب العتاب التي تستنبط من القرآن الكريم: ١. عدم الإكثار من العتاب. فلا تعتب على أخيك بكل كبيرة وصغيرة، وإذا کنت في کل الأمور معاتبًا صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه؛ فکثرة العتاب تودي إلى القطيعة، فلابد من الحكمة في العتاب. ٢. لا نترك العتاب مطلقًا. فمن حین إلى آخر، إن رأيت من أخيك شيئًا أقلقك ينبغي أن تعاتبه، فهذا دلیل صدق المحبة، والحرص على دوام الوصال، فأکبر عقاب من الله عز وجل للكافر عدم استعتابه، حيث قال: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَثُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْنَبُونَ﴾ [النحل: ٨٤] فالكافر لا يستعتب؛ لأنه خارج العناية الإلهية، أما المؤمن فيستعتب. ٣. الإنصاف. فعند العتاب لابد أن تذكر محاسن أخیك، وتشیر إلی فضائله. وفي ذلك فوائد -أي: في ذكر المحاسن (١) انظر: مباحث في التفسير الموضوعي، مصطفى مسلم ص٢٦٢ - ٢٦٧. www. modoee.com ١٣٣ حرفالعین فالمؤمن مرآة أخيه، أن يكون القصد والإشارة إلى الفضائل - فوائد كثيرة من هذه الفوائد: أولًا: ذكر المحاسن والفضائل هو مدخل إلى تقبل العتاب، وتطييب لنفس صاحبك لما هو فيها. ففي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل) قالت: حفصة فكان بعد لا ينام إلا قليلًا(١). وقال صلى الله عليه وسلم: (ثكلتك أمك يا زياد، إن كنت لأعدك من فقهاء المدينة)(٢). بل امدح على قليل الصواب يكثر من الممدوح الصواب. ثانيًا: من الذل أن تذكر المساوئ والأخطاء، وتوجع قلب أخيك بتكرار ما علیه، ولا تشیر إلی فضائله ومحاسنه، ولا شك أن هذا ظلم العباد، أن تنقل عنهم شرهم، وتخفي خيرهم. ٤. سلامة المقصد. (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التهجد، باب فضل قيام الليل، ٤٩/٢، رقم ١١٢٢، ومسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب من فضائل عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، ٤/ ١٩٢٧، رقم ٢٤٧٩. (٢) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في ذهاب العلم، ٣٢٨/٤، رقم ٢٦٥٣. وصححه الألباني في صحيح الجامع ١١٧٣/٢، رقم ٢٣٢٨. من العتاب مقصدًا شريفًا؛ لأجل النصح والتوجيه، وليس بتتبع الزلات والسقطات، وروي أن رجلًا صحب رجلًا فلما أراد أن يفارقه قال له: أخبرني عن عيوبي، فقال: سل غيري؛ فإني كنت أراك بعين الرضا. وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا (٣) فبعض الناس يفعل ذلك بشكل منفر للنفس والعياذ بالله، وهنا إذا حصل ذلك يخرج العتاب عن معناه الصحيح، ويصبح هذا العتاب هو الشرارة الأولى للعداوة، وهو الذي عبر عنه الشاعر بقوله(٤): فدع العتاب فرب شر هاج أوله العتاب بل يكن لسان حالك وأنت تعاتب أخاك أو زوجك أو ولدك: أنت عيني وليس من حق عيني طبق أجفانها على الأقذاء ٥. فتح للرجوع والعود. وذلك عن طريق التماس العذر، فلا (٣) البيت للشافعي في ديوانه ص١٢٣ ت: د.عمر فاروق الطباع. ونسب لعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر. انظر: الحيوان، الجاحظ ٢٣٦/٣، عيون الأخبار، ابن قتيبة ١٦/٣، العقد الفريد، ابن عبدربه ٢/ ١٩٤. (٤) البيت من شواهد تهذيب اللغة ٢/ ١٦٥، تاج العروس ٣١١/٣، لسان العرب ٥٧٨/١ دون نسبة. ١٣٤ الْقُرآن الكَرِيمِ العتاب يغلق عليه الأبواب بعتاب غليظ جاف، ثم صلى الله عليه وسلم ويقول له: (إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول، ولا القذر، إنما هي لذكر الله عز وجل والصلاة وقراءة القرآن) (٤). یریدہ أن يعتذر منه، ألم تر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جاءه المتخلفون عن غزوة تبوك يعتذرون عن تخلفهم، أخذ بظواهرهم وقبل اعتذارهم، ووكل سريرتهم إلى الله تعالى. وتأمل صنيع الشافعي، قال يونس الصدفي: ((ما رأيت أعقل من الشافعي، ناظرته يومًا في مسألة ثم افترقنا، فلقيني فأخذ بيدي، ثم قال: يا أبا موسى ألا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن لم نتفق في مسألة؟))(١). ٦. الرفق. فقد قال صلی الله عليه وسلم: (لم يدخل الرفق في شيء إلا زانه)(٢) . وقال عليه السلام: (إن هذا الدين متين، فأوغلوا فيه برفق!)(٣). يدخل أعرابي المسجد فيبول في ناحية منه، فيغضب عليه بعض الصحابة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينهاهم عن فعلهم هذا حتى فرغ الأعرابي، ثم يناديه رسول الله (١) انظر: تاريخ دمشق، ابن عساكر ٣٠٢/٥١. (٢) أخرجه أحمد في مسنده، ١٦٧/٢١، رقم ١٣٥٣١. وصحح الألباني في صحيح الجامع ٢/ ٩٨٧، رقم ٥٦٥٤ لفظ: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه)). (٣) أخرجه أحمد في مسنده، ٣٤٦/٢٠، رقم ١٣٠٥٢. وحسنه الألباني في صحيح الجامع ١/ ٤٤٧، رقم ٢٢٤٦. كلمات يسيرة، تخرج في رحمة وإشفاق، فتلامس شغاف قلب رجل البادية، فيرفرف قلبه حبورًا ويقول في ذهول: «اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا))(٥). ومن الرفق استخدام العبارات اللطيفة في إصلاح الخطأ والعتاب، فمثلًا حينما نقول للمخطئ: لو فعلت كذا، ما رأيك لو نفعل كذا؟ أنا أقترح أن تفعل كذا، عندي وجهة نظر أخرى ما رأيك لو تفعلها؟ فلا شك أنها أفضل مما لو قلت له: يا قليل التهذيب والأدب، وعديم المروءة والرجولة ألا تفقه؟! ألا تفهم؟! ألا تسمع؟! ألا تعقل؟! والعتاب يمحو كل ما يعتلي القلب من كراهية وأحقاد وأحزان. موضوعات ذات صلة: الحوار، الدعوة، النصيحة (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة، باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات، ٢٣٦/١، رقم ٢٨٥. (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم، ٨/ ١٠، رقم ٦٠١٠. www. modoee.com ١٣٥