Indexed OCR Text

Pages 21-24

العبرة
فوائد العبرة في الدعوة
استخدام أسلوب العبرة في الدعوة إلى
الله تعالى يوصل إلى استشراف عواقب
الأمور.
فأخذ العبرة يجعل الداعية، بل و المدعو
يأخذان من الأمور الواقعة المحسوسة
دليلًا على ما يمكن أن يأتي في المستقبل
غير المحسوس، وهذا ما يشهد له التأمل
والتدبر الذي هو جوهر الاعتبار، وأخذ
العبرة، فالحق سبحانه وتعالى حينما قال:
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةٌ لِّأُوْلِى الْأَبْصَرِ﴾
[آل عمران: ١٣].
أي: ((إن ذلك الذي رأوه وشاهدوه
وهو أن الفئة القليلة المؤمنة التي تقاتل
في سبيل الله، غلبت الفئة الكثيرة الكافرة
التي تقاتل في سبيل الشيطان مع كثرتها
وعدتها وأموالها فيه اعتبار بأن يجعلوا منه
سبيلاً لإدراك المستقبل فكان على هؤلاء
أن يعرفوا من هذه الواقعة التي انتصر فيها
الإیمان مع قلة أهله علی الکفر مع کثرته، أن
القوة المادية ليست كل شيء))(١).
ويعلق سيد قطب على أخذ العبرة
قائلًا: ((إن وعد الله بهزيمة الذين يكفرون
ویکذبون وینحرفون عن منهج الله، قائم في
كل لحظة. ووعد الله بنصر الفئة المؤمنة-
(١) زهرة التفاسير، أبو زهرة ١١٢٩/٣ - ١١٣٠.
ولو قل عددها- قائم كذلك في كل لحظة.
وتوقف النصر على تأييد الله الذي يعطيه من
يشاء حقيقة قائمة لم تنسخ، وسنة ماضية لم
تتوقف.
وليس على الفئة المؤمنة إلا أن تطمئن
إلى هذه الحقيقة وتثق في ذلك الوعد وتأخذ
للأمر عدته التي في طوقها كاملة وتصبر
حتى يأذن الله ولا تستعجل ولا تقنط إذا
طال عليها الأمد المغيب في علم الله،
المدبر بحكمته، المؤجل لموعده الذي
يحقق هذه الحكمة»(٢).
وأكد الشيخ القاسمي على هذه الفائدة
عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِی
قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِ الْأَلْبَبِ﴾ [يوسف:
١١١].
بقوله: ((والعبرة: الحالة التي يتوصل
بها الإنسان من معرفة المشاهد إلى ما
ليس بمشاهد. والمراد منه التأمل والتفكر.
ووجه الاعتبار بهذه القصة أن الذي قدر
على إخراج يوسف من الجب بعد إلقائه
فيه، وإخراجه من السجن، وتمليكه مصر
بعد العبودية، وجمع شمله بأبيه وإخوته
بعد المدة الطويلة، واليأس من الاجتماع،
قادر على إعزاز محمد صلى الله عليه وسلم
وإعلاء كلمته، وإظهار دينه)) (٣).
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ١/ ٣٧٢.
(٣) محاسن التأويل، القاسمي ٢٣٨/٦.
www. modoee.com
٩٩

حرف العين
والحق سبحانه وتعالى حينما قال:
﴿ يُقَلِّبُ اللَّهُ الَّلَ وَاَلنَّهَارَّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَغِبْرَةً لِأُوْلِ
الْأَبْصَارِ﴾ [النور: ٤٤].
فإن الفائدة الدعوية هنا أن تأخذ من
الحاضر المشاهد دلالة على الغائب غير
المشاهد، ((فيأخذ المستبصر من رؤية تقلب
الليل والنهار، وانتظامه بإحكام ودوامه دليلا
على أن إرادة حكيمة متصرفة تفعل ذلك
بتدبير وإحكام))(١).
١. توسع مدارك الداعية وتجعله يسير على
هدى وبصيرة في جميع أموره.
فالداعية حينما يقف مع العبرة من
قصص الأنبياء مع أممهم، يلحظ إعراض
أقوامهم عن دعوتهم، ويرى أن الإعراض
عن قبول دعوة الأنبياء لیس ببدع من الأمم،
بل سبق به أقوام كثيرون، وفى ذلك تسلية
للدعاة، إلى ما فيه من التنبيه إلى أن الله لا
يهمل أمر المبطلين، بل يمهلهم، وتكون
العاقبة للمتقين، فيسير على هدى وبصيرة
في جميع أموره.
إذا المرء کانت له فکرة ففي كل شيء له
عبرة (٢).
وهذا ما يشهد له قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ
كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأَوْلِ الْأَلْبَبِ﴾
[يوسف: ١١١].
(١) زهرة التفاسير، أبو زهرة ٥٢٠٦/١٠.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ١٨٤.
٢. تمنع الداعية من الاغترار بالقوة
والاعتزاز بغير الله تعالی.
وهذه الفائدة حاضرة وبقوة في قوله
تعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ
١٢
وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمٌ وَيِفْسَ الْمِهَادُ
قَدْ كَانَ لَّكُمْ ءَايَةٌ فِي فِتَتَيْنِ الْتَقَتَّا فِئَةٌ تُقَتِلُ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَىَ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم
مِثْلَيْهِمْ رَأْىَ الْعَيْنَّ وَاللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ، مَن
يَشَآءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِى الْأَبْصَرِ
(١٣﴾ [آل عمران: ١٢ - ١٣].
((فاشتمل ذلك النص الكريم على حقيقة
مقررة، ودعوة إلى التأمل والاستبصار الأولي
الأبصار، ليمتنع الناس عن الاغترار بالقوة
والاعتزاز بغير الله تعالى. أما الحقيقة فهي
أن الله ينصر من يشاء، فهو الذي سينصر
ویخذل، وأن من یعتمد على قوته وحده من
غیر اعتبار بما تجري به المقادیر یخذله الله،
وإن شأن الذين يغترون بالقوة المادية دائما
ويعتزون بها لا يعتمدون على الله تعالى،
ولا يعملون حسابا للقدر الذي يجريه
خالق الكون حسب مشيئته وتدبيره، وأنهم
إذ ينسون هذا يأتي هم القدر من حيث لا
يحتسبون، فينهزمون حيث يرتقبون النصر؛
وإذا كان النصر والخذلان بيد الله تعالی،
فالله سبحانه ينصر من ينصره، ويخذل من
یكفره»(٣).
(٣) المصدر السابق ١١٢٩/٣.
١٠٠
مَ ◌َ ◌َُ النَّهَيَ
جوب
القرآن الكريم

العبرة
٣. تقي الداعية شر الحمق وتضفي عليه
ملامح النجابة والفطنة والذكاء.
وهذا أمر واضح الظهور فيمن يعايش
قصص السابقين ويستخرج العبرة منها؛ لأن
هذه القصص تبعث على العظة والاعتبار،
خاصة ما حدث للأمم السابقة، فيمييز بين
الطيب والخبيث، والفاسد والصحيح،
وفي ذلك قيمة عقلية كبرى تؤدي إلى يقظة
الأفراد ونهضة الأمم.
٤. توظيف العبرة الكامنة في إشارات
الإعجاز العلمي في الدعوة إلى الله
تعالى.
وهذا التوظيف له فائدتان:
الأولى: تقوية للإيمان بالنسبة لبعض
المسلمين، أو إيقاظ للإيمان المخدر عند
البعض الآخر.
والثانية: وسيلة دعوية مؤثرة في غير
المسلين؛ فما أكثر الآيات التي كانت سببًا
في إيمان الكثير من المشركين زمن نزول
القرآن، واليوم لا تزال هذه الآيات-وخاصة
التي فيها إشارات الإعجاز العلمي - تملك
قوة التأثير على غير المسلمين، فإبراز العبرة
الكامنة في الحقائق العلمية اليقينية التي
استقر عليها البحث العلمي التجريبي كانت
سببًا في إسلام الكثير من علماء الغرب.
المضامين التربوية في آيات العبرة
لا شك أن آيات العبرة الواردة في القرآن
الكريم تحتوي على كثير من المضامين
التربوية، سواء في الجانب العقدي، أو
الجانب الاجتماعي، أو الجانب العلمي، أو
في غير ذلك من الجوانب الأخرى، ومنها:
١. أنها تربي المؤمن على اليقين بنصر
الله تعالى للفئة المؤمنة: ومن شأن
هذا اليقين أنه ينمي في نفس المسلم
الشعور بأن الله معز دينه، وناصر
رسوله، ومعلٍ أمره)» (١)، فالعبرة تربي
المسلم على الإيمان بأن هناك قوةً فوق
جميع القوى -الإرادة الإلهية- تؤيد
الفئة القليلة فتغلب الكثيرة بإذن الله،
فإن النفس تتوجه إليه بكل ما فيها من
قوةٍ وشعورٍ ووجدانٍ، وما يمكنها من
تدبير و استعدادٍ مع الثقة بأن وراء قوتها
معونة الله وتأييده (٢).
٢. تربي وتنشط على عبادة النظر والتأمل
والتدبر: سواء أكان في هذا الكون
المهيب كما أمر الله تعالى: ﴿قُلِ
أُنْظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَِّ وَمَا
تُغْنِ الْآَيَتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾
(١) تفسير القاسمي ٢/ ٢٩٠.
(٢) تفسير المنار، محمد رشيد رضا٣/ ١٩٣،
١٩٤ . بتصرف.
www. modoee.com
١٠١

حرفالعین
[يونس: ١٠١]. أم في خلق الإنسان
العجيب كما قال تعالى: ﴿وَفِّ أَنْفُسِكُمْ
أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١]. أم في
خلق الحيوان، والطير كما قال تعالى:
﴿ وَإِنَّ لَّكُمْ فِي الْأَنْعَمِ لَعِبْرَةً﴾ [النحل:
٦٦]. ﴿أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَتٍ
فِي جَوّ السَّمَآءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُّ إِنَّ
فِي ذَلِكَ لَيَتِ لِّقَوٍَّ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل:
٧٩]. أم النبات كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ
يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ الْمَآءَ إِلَى الْأَرْضِ اَلْجُرُزِ
فَتُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْهَمُهُمْ
وَأَنْفُسُهُمَّ أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾ [السجدة: ٢٧].
أم في غير ذلك. وتعد هذه العبادة أولى
خطوات المرء نحو تحصيل العبرة
والعظة.
موضوعات ذات صلة:
الآيات الكونية، البصر، التفكر، الرؤية،
القرآن
٣. تورث الخوف والخشية من الله عز
وجل: فالعبرة تكسب المؤمن خوفًا من
الله عز وجل ومهابة من عقابه، وتجعله
يعرف الدنيا، ويوقن أنها ظل زائل، وأن
الآخرة هي دار القرار، فيقنع المؤمن
بما رزقه الله عما في أيدي الناس،
فیعیش المؤمن بسعادة واطمئنان.
٤. تعبر العبر على معالم الخير والشر:
فينتفع بذلك في معاشه ومعاده، فيأتي
الخیر ويجتنب الشر.
مصري
البَسيـ
جوبي
القرآن الكريمِ
١٠٢