Indexed OCR Text

Pages 41-49

الظن
التي آمنت مع طالوت أحسنت الظن بالله؛
فصبرت وأيقنت بأن الله معها؛ ففرج الله
كربتها وانتصرت على عدوها: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ
طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم
بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِّ وَمَنْ لَمْ
يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّىَ إِلَّا مَنِ أَغْتَرَفَ غُرْفَةٌ بِيَدِ،ً
فَشَرِيُواْ مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمَّ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ، قَالُواْ لَا طَاقَةً
لَنَا أَلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودٍِّ، قَالَ الَّذِينَ
يَظْنُونَ أَنَّهُم مُّلَقُواْ اللَّهِ كَم مِّنْ فِئَةِ
قَلِيلَةٍ غَتْ فِئَةً كَثِيرَةٌ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ
الصَّبِرِينَ
﴾ [البقرة: ٢٤٩].
٢٤٩
فثمرة حسن الظن بالله تجلّت في قوله
﴿فَهَزَ مُوهُم بِلأِنِ اللَّهِ وَقَّتَلَ
سبحانه:
دَاوُودُ جَالُونَ﴾ [البقرة: ٢٥١].
ويعقوب عليه السلام عندما اشتدت
عليه الكربة قال: ﴿عَسَى اللهُ أَن يَأْتِبَنِی پِهِمْ
جميعاً﴾[ يوسف: ٨٣].
وإنما قال يعقوب هذه المقالة؛ لأنه لما
طال حزنه واشتد بلاؤه ومحنته؛ علم أن الله
سيجعل له فرجًا ومخرجًا عن قريب؛ فقال
ذلك على سبيل حسن الظن بالله عز وجل؛
لأنه إذا اشتد البلاء وعظم؛ كان أسرع إلى
الفرج (١).
ونبي الله يونس عليه السلام كان حسن
(١) انظر: لباب التأويل، الخازن ٤ / ٤٤.
أمامه إلا الصبر ليظفر بالنصر. فهاهي الفئة الظن بالله، وهو في أحلك أوقات الحرج
والضيق، فكان له من حسن ظنه مخرج
من ضيقه، ونجاة من حرجه، ويسر من
عسره، وفرج من كربته، ونور في ظلمته،
يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَذَا اُلُّونِ إِذْ
ذَّهَبَ مُغَضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَّنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى
فِ الظُّلُمَتِ أَنْ لََّ إِلَهَ إِلَّّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِ
كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [ الأنبياء: ٨٧].
لقد ظلّ يونس في بطن الحوت بعض
الوقت، وظن أن الله لن یضیق علیه فیه، ولا
مانع من عروض هذا الظن للكل من الخلق
على وجه لا يستقر ولا يستمر عليه(٢)، ظلّ
يسبح الله ويدعوه أن ينجيه من هذا الكرب،
فاستجاب له الله ونجّاه ﴿فَأَسْتَجَبْنَا لَهُ
وَتَجَيْنَهُ مِنَ الْغَرِّ وَكَذَلِكَ نُشْجِى الْمُؤْمِنِينَ
[الأنبياء: ٨٨].
٨٨
حيث أمر الله الحوت أن يقذفه على
الساحل، ثم أنبت عليه شجرة ذات
أوراق عريضة تظلله وتستره وتقيه حرارة
الشمس(٣).
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ٥٢٩/١.
(٣) إذا قيل: ما الفائدة في إنبات شجرة اليقطين
عليه دون غيرها؟ فالجواب: أن يونس - عليه
السلام - خرج من بطن الحوت ضعيفًا مريضًا
وهزيلا في بدنه وجلده، فأدنى شيء يمر به
يؤذيه. وفي ورق اليقطين خاصية وهي أنه
إذا ترك على شيء لم يقربه ذباب، فأنبته الله
على يونس ليغطيه ورقها ويمنع الذباب ريحه
أن يسقط عليه فيؤذيه. وفي إنبات القرع عليه
حكم كثيرة منها: أن ورقه في غاية النعومة،
www. modoee.com
٣٩٧

حرف الظاء
قال تعالى: ﴿فَبَدْنَهُ بِالْعَرَآءِ وَهُوَسَقِيٌ
١٤٥
وَأَنْبَتْنَا عَلَيَّهِ شَجَرَةٌ مِّن يَقْطِينٍ
[الصافات: ١٤٥- ١٤٦].
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم
أنّ الذي تصيبه مصيبة أو شر ثم يدعو
بدعاء يونس عليه السلام، یفرّج الله عنه،
فقال صلى الله عليه وسلم: (دعوة ذي
النّون إذ دعا وهو في بطن الحوت، لا إله
إلّ أنت سبحانك إنّ كنت من الظّالمين.
فإنّه لم يدع بها رجلٌ مسلمٌ في شيءٍ قطّ
إلّ استجاب الله له) (١). كلمات بسيطة
أولها توحيد، وأوسطها تسبيح، وآخرها
استغفار. قال بعض الصالحين: ((استعمل
في كل بلية تطرقك حسن الظن بالله عز
وجل في كشفها؛ فإن ذلك أقرب إلى الفرج
((٢). إنّ حسن ظن المؤمن بالله ویقینه بأن
الله يدفع عنه ما يخطر بباله من الخواطر
الشيطانية التي تثبّطه عن التقوى؛ يحقق وعد
وأهمية تظليل ورقه عليه؛ لكبره ونعومته،
ويؤكل ثمره من أول طلوعه إلى آخره
ومطبوخًا وبقشره وببذره أيضًا، وقد ثبت أن
الرسول عليه الصلاة والسلام كان يأكل منه.
(١) أخرجه الترمذي في السنن، باب ما جاء
في عقد التّسبيح باليد حديث رقم ٣٥٠٥،
٥٢٩/٥؛ والنسائي في السنن الكبرى، باب
ذكر دعوة ذي النون، حديث رقم ١٠٤٩٢،
٦/ ١٦٨. قال الحاكم: هذا حديث صحيح
الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. انظر:
المستدرك على الصحيحين ٦٣٧/٢.
(٢) الفرج بعد الشدة، التنوخي ٧٦/١.
الله إياه بأن يجعل له مخرجًا. والمتأمل في
قصة نبي الله يوسف عليه السلام يجد أثر
ذلك واضحًا فلقد أحسن الظن بالله في أنه
سيخلصه من الشر الذي أراد به أخوته إلى
خير عميم حين قال: ﴿أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا
أَخِىّ قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَاً إِنَّهُ: مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ
فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)
[يوسف: ٩٠].
فمن أحسن الظن بربه؛ وتو کل علیه حق
تو کله؛ جعل الله له في کل أمره يسرا، ومن
كل كرب فرجًا ومخرجًا. ولقد بيّن سبحانه
ذلك الأثر جلیًا في حق رسله- وهم أحسن
عباده ظنًا به -حين قال: ﴿حَقََّإِذَا أُسْتَيْئَسَ
الرُّسُلُ وَظَنُواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَ هُمْ
نَصْرُنَا فَنُِّىَ مَن نَّشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ
الْمُجْرِمِنَ ﴾[ يوسف: ١١٠](٣).
(٣) في قوله تعالى: ﴿كُذِبُواْ﴾ قراءتان بالتشديد
وبالتخفيف: قرأ أهل الكوفة وهي قراءة
عاصم وحمزة والكسائي (كُذِبُواْ﴾
بالتخفيف من قولك: كذبتك الحديث: أي
لم أصدقك. وفي التنزيل: ﴿وَقَعَدُ أَلَّذِينَ كَذَبُوا
اَللَّهُ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
[التوبة: ٩٠]، أي لم يصدقوا مع الله ورسوله.
وفيها وجهان من التفسير: أحدهما: حتى
إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم، وظنّ
قومهم أن الرسل قد كذبوا، بمعنى أخلفوا
ما وعدوه من النصر، جاء الرسل نصرنا،
فجعلٍ الضمير في ظنوا للقوم، وجعل الظن
موافقًا لفظه ومعناه. الوجه الآخر: حتى
إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم، وظن
قومهم أن الرسل قد كذبتهم فيما أخبروهم به
٣٩٨
جَوَسُوع
القرآن الكريم

الظن
آثار سوء الظن:
١. الوقوع في العقوبة والإثم.
إن سوء الظن بالله قد يؤدي إلى الكفر
والعياذ بالله، ولا شك أن سوء الظن بالناس
في حقيقته إيذاء للمظنون بهم، ويشتد الأمر
سوءًا إذا كان المساء بهم الظن ممن لهم شأن
ونفع لمجتمعهم؛ لأنه بذلك قد يحرم نفسه
وغيره من الانتفاع به، إضافة إلى وقوعه في
الإثم والعقوبة. ثم إنه قد يؤدي سوء الظن
بصاحبه حین یرید أن يتحقق أو يتأكد من
صحة ما ظن أن يقع في سلسلة طويلة من
المعاصي والسيئات من غيبة وتجسس
ونحوه. والله يقول: ﴿إِنَّ بَعْضَ اَلَّنِّ إِثْمٌ﴾
[الحجرات: ١٢].
فالإثم هو الذنب الذي يستحق فاعله
العقوبة عليه، فإن بقاء ظن السوء بالقلب،
لا يقتصر صاحبه على مجرد ذلك، بل لا
یزال به، حتى يقول ما لا ينبغي، ويفعل ما
من أنهم إن لم يؤمنوا بهم نزل بهم العذاب.
وقرأ أهل الحجاز والبصرة والشام وهي قراءة
ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر (كذّبوا)
بالتشديد. وفي التنزيل: ﴿وَلَقَدْكُذِّبَتْ رُسُلٌ﴾
[الأنعام: ٣٤]، وقوله: ﴿فَكَتَّبُاْ رُسُلٍ﴾ [سبأ:٤٥]،
وجعلوا الضمير في ظنوا للرسل، والظن
بمعنى اليقين. والأولى أن يجعل الضمير
للرسل فيكون الفعلان للرسل، ويصير كلامًا
واحدًا. ومعنى الآية: حتى إذا استيأس الرسل
من إيمان قومهم، وأيقنوا أن قد كذبوهم
جاءهم نصرنا، أي جاء الرسل نصرنا.
انظر: حجة القراءات. ابن زنجلة ص٣٦٦.
لا ينبغي(١).
ويقول سبحانه: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ
الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ بِغَيْرِ مَا أَكْتَسَبُواْ
فَقَدٍ أَحْتَمَلُواْ بُهْتَنَّا وَإِنْمَا قُّبِينًا
[الأحزاب: ٥٨].
ولا يخفى ما حل بالأقوام السابقة من
العذاب، حين ظنوا برسلهم وشكوا فيما
جاؤهم به فکان عقابهم کما قال سبحانه:
﴿فَكُلَّا أَخَذْنَا بِذَئِةٍ فَمِنْهُم مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ
حَاصِبًا وَمِنْهُم مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم
مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَنْ أَغْرَقْنَأَ
وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا
أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [العنكبوت: ٤٠].
لقد كذب كل هؤلاء الأقوام رسلهم
الكرام وظنوا بهم سوءًا، فوجب العقاب
الإلهي لهم، جزاء وفاقا.
وأخبر سبحانه عن أصحاب الإفك، أن
لکل منهم ما اكتسب من الإثم: ﴿لِكُلِ آمْرِي
مِنْهُم مَّا أَكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِّ وَالَّذِى تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ.
عَذَابٌ عَظِيمٌ
﴾ [النور: ١١].
وهذا وعيد للذين جاءوا بالإفك، وأنهم
سيعاقبون على ما قالوا من ذلك، وقد حد
النبي صلى الله عليه وسلم منهم جماعة (٢).
٢. التنافر والتدابر بين أفراد المجتمع.
بعض الظنون السيئة تنشأ عنها الغيرة
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٧٤٥.
(٢) المصدر السابق ص ٥١٢.
www. modoee.com
٣٩٩

حرف الظاء
المفرطة والمكائد والاغتيالات، والطعن
في الأنساب، والمبادأة بالقتال حذرًا من
اعتداء مظنون ظنًا باطلًا، کما قالوا: (خذ
اللص قبل أن يأخذك) (١).
فالانسياق وراء الظنون والشكوك له آثار
مدمرة على المجتمعات، فهي تعمل على
توهين الصف المسلم بنشر الإشاعات،
وأحيانًا تكون هذه الإشاعات موجهة إلى
رموز الخير ممن لهم في النفوس مكانة
وتقدیر؛ فتحدث البلبلة، والشقاق، وعندها
يرقص الشيطان؛ فرحًا على أشلاء وحدتنا؛
وتضعف الثقة في أهل الدعوة وأهل
الإصلاح والتوجيه.
وصدق الشاعر(٢) إذ قال:
فلا تتبع الظنّ إنّ الظنون
تريك من الأمر ما لم يكن
وهذا يدل على أن الظان لن يكتفي
بما في نفسه من الحديث والخطرات بل
سيتبعها بالتجسس والغيبة؛ ولذلك يقول
سبحانه بعد الأمر باجتناب الظن والتحذير
منه: ﴿يَّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَجْتَنِبُواْ كَثِيرً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ
بَعْضَ اُلَّنِّ إِنَّ وَلَا تَتَّسُواْ وَلَا يَغْتَبِ بَّعْضُكُم
بَعْضًا﴾ فقد اشتملت الآية الكريمة على
الأمر باجتناب الظن باجتناب أثره، ثم النهي
عن طلب تحقيق ذلك الظن بقوله:
◌َّجْتَسُواْ﴾ ثم النهي عن ذكر ما عسى أن
يكون المتجسس قد وقف عليه﴿وَلَا يَغْتَب
بَعْضُكُمبَعْضًا﴾،فهذه ثلاثة مترتبه: ظنّ، فعلم
من طريق التجسس، فاغتاب (٣). كذلك من
حكم بشرّ على غيره بمجرد الظن، حمله
الشيطان على احتقاره، وعدم القيام بحقوقه
والتواني في إكرامه، بل وإطالة اللسان في
عرضه. وكل ذلك من شأنه الفرقة والتنافر
بین أفراد المجتمع؛ لذا نجد أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قد اتبع النهي عن
الظن والتحذير منه بقوله: (وكونوا عباد
اللّه إخوانا) في حديث: (إيّاكم والظّ؛ فإنّ
الظّنّ أكذب الحديث. ولا تحسّسوا، ولا
تجسّسوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا
ـضوا، وكونوا عباد الله إخوانا) (٤).
٣. الخسارة.
بالخسارة من وقع في الأوهام والظنون
السيئة؛ لقد أردتهم تلك الظنون وجعلتهم
يخسرون كل شيء حتى أنفسهم، وسوف
يخسرون منازلهم في الجنة يرثها عنهم
المؤمنون، ويرثون هم المؤمنين منازلهم
في النار ذلك هو الخسران المبين. ﴿وَمَا
كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعَّكُمْ وَلَّ
أَبْصَرَّكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا
يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ وَذَلِكُمْ ظَنَّكُ الَّذِى
وَلَا
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٤ / ٢٥.
(٢) ديوان ابن مقبل ص ١٤٣.
(٣) تفسير آيات الأحكام، السايس ص٧١٣.
(٤) سبق تخريجه ص ٢٠.
٤٠٠
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

الظن
ظَنَنْتُمْ بِرَبَّكُمْ أَرْدَنَكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَسِرِينَ
:[فصلت: ٢٢ - ٢٣].
٢٣
قال ابن كثير رحمه الله: (( هذا الظن
الفاسد -وهو اعتقادکم أن الله لا یعلم کثیرًا
مما تعملون-هو الذي أتلفکم وأرداکم عند
ربكم، ﴿فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَسِرِينَ﴾ أي: في
مواقف القيامة خسرتم أنفسكم وأهليكم(١)؛
لأنكم من أجل هذا الظن؛ اجترأتم على
محارم الله فقدمتم عليها، ورکبتم ما نهاكم
الله عنه؛ فحقت عليكم كلمة العقاب
والشقاء، ووجب عليكم الخلود الدائم في
العذاب، الذي لا يفتر عنهم ساعة (٢). ثم
إن الله تعالى بيّن أن الكفار الذي أضلّهم
قرناؤهم من الشياطين يظنون أنهم على
هدى، فهم يحسبون أشد الضلال أحسن
الهدى، كما قال تعالى عنهم: ﴿ وَإِنَّهُمْ
◌َصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ
(٣)﴾ [الزخرف: ٣٧].
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمُ أَتَّخَذُواْ الشَّيَطِينَ
أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ
مُهْتَدُونَ ﴾ [الأعراف: ٣٠].
وبيّن سبحانه أنهم بسبب ذلك الظن
هم أخسر الناس أعمالًا في قوله: ﴿قُلْ هَلْ
تُنِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَلًّا (٢. الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي
اَلْيَوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا
١٠٤
(١) تفسير القرآن العظيم ٤ / ٩٧.
(٢) جامع البيان، الطبري ٢٤/ ١١٠، تيسير
الكريم الرحمن، السعدي ص ٦٩٣.
(٣)
[الكهف: ١٠٣ - ١٠٤]
٤. الوقوع في الهاوية والعذاب الشديد.
من أعظم الذنوب عند الله: إساءة الظن
به؛ ولهذا توعد الله سبحانه الظانّين به ظن
السوء بما لم يتوعد به غيرهم.
﴿عَلَيْهِمْ دَابِرَةُ السَّوْءٌ وَغَضِبَ اَللَّهُ عَلَيْهِْ
وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّهٌ وَسَآءَتْ مَصِيرًا ﴾
[الفتح: ٦].
فدائرة السوء (٤) والعذاب تحيط بهم من
كل جانب في الدنيا والآخرة، إضافة إلى
غضب الله، ولعنته، واستحقاق جهنم.
(٣) أضواء البيان، الشنقيطي ٧/ ٢٨.
(٤) وقرأ ابن كثير وأبو عمرو (دائرة السوء)
بالضم. والفرق بينه وبين (السوء) بالفتح،
على ما في الصحاح: أن المفتوح مصدر،
والمضموم اسم مصدر بمعنى المساءة. وقال
غير واحد: هما لغتان بمعنى كالكره والكره
عند الكسائي. وكلاهما في الأصل مصدر،
غير أن المفتوح غلب في أن يضاف إليه ما
يراد ذمه، والمضموم جرى مجرى الشر.
ولما كانت الدائرة هنا محمودة وأضيفت إلى
المفتوح في قراءة الأكثر تعيّن على هذا أن
يقال: إن ذاك على تأويل أنها مذمومة بالنسبة
إلى من دارت عليه من المنافقين والمشركين.
واستعمالها في المكروه أكثر، وهي مصدر
بزنة اسم الفاعل أو اسم فاعل، وإضافتها
على ما قال الطيبي من إضافة الموصوف إلى
الصفة للبيان على المبالغة. وفي [الكشف]:
الإضافة بمعنى [من] على نحو: دائرة ذهب.
فتدبّر. والكلام إما إخبار عن وقوع السوء بهم،
أو دعاء عليهم. انظر: الكشاف، الزمخشري
٣٤١/٦؛ روح المعاني، الألوسي ٩٥/٢٦؛
تفسير أبي السعود ١٦٦/٦.
www. modoee.com
٤٠١

حرف الظاء
وفي قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوِيَ كِسَبَهُ, وَرَآءَ
ظَهْرِ ، فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُرًا (١) وَيَصْلَى سَعِيرًا
إِنَّهُ كَانَ فِ أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَّنْ يَحُرَ
١٢
﴾ [الانشقاق: ١٠ - ١٤].
هذه الجملة ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن ◌َّنْ يُورَ﴾
موقع التعليل لمضمون جملة: ﴿وَأَمَّ مَنْ
أُوِّ كِبَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ﴾. وحرف (إنّ) فيها مغنٍ
عن فاء التعليل، فالمعنى: يصلى سعيرًا لأنه
ظن أن لن یحور، أي لن يرجعإلى الحياة بعد
الموت، أي لأنه يكذّب بالبعث(١).
والله هدّد الكفار على ظنهم السيئ
بالويل من النار، فقال عز وجل: ﴿وَمَا خَلَقْنَا
السَّمَآءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَطِلَاْ ذَلِكَ خَنُّ الَّذِينَ
كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النَّارِ ﴾ [ص:٢٧].
وقال: ﴿ وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ
اَلْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَمَةُ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ
عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ
[يونس: ٦٠].
موضوعات ذات صلة:
الشك، العلم، اليقين
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٠٠/٣٠.
ضـ
٤٠٢
جَوُورُ
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

الِحُونَات
فهرس المحتويات
الطّعام.
٧
٨
مفهوم الطّعام.
١٠٥
٩
الطعام في الاستعمال القرآني
١٠٨
١٠
ألفاظ ذات صلة
١١٨
موضوعات لها صلة بالطلاق
الله تعالى هو المطعم لخلقه
١٢
١٧
الرسل بشر يأكلون الطعام
٢٩
الإطعام في القرآن الكريم ..
طعام الآخرة.
٣٨
الطعام وعبادة التفكر
٤٥
الطغيان.
٤٩
مفهوم الطغيان
٥٠
الطغيان في الاستعمال القرآني .
٥١
٥٢
التحذير من الطغيان
٥٤
أسباب الطغيان
٦٠
مظاهر الطغيان وآثاره
٧٢
أساليب الطغاة
٧٨
جزاء أهل الطغيان
٨٨
الطلاق
٩٣
مفهوم الطلاق
٩٤
الطلاق في الاستعمال القرآني ..
٩٥
الألفاظ ذات الصلة
٩٦
أنواع الطلاق
٩٨
الأحكام المتعلقة بالطلاق
حقوق المطلقة
منهج القرآن في تقرير أحكام الطلاق. ١٢٥
التدابير الوقائية من الطلاق
١٣١
٢١
أنواع الأطعمة في القرآن الكريم
١٣٩
شبهات حول الطلاق
الطهارة
١٤٣
مفهوم الطهارة
١٤٤
الطهارة في الاستعمال القرآني
١٤٥
الألفاظ ذات الصلة
١٤٦
الحث على الطهارة
١٤٨
أنواع الطهارة
١٦١
الألفاظ ذات الصلة
١٨٢
آثار الطهارة
الطيبات
١٨٧
مفهوم الطيب.
١٨٨
الطّيّبات في الاستعمال القرآني.
١٨٩
الألفاظ ذات الصلة
١٩٠
الحث على ابتغاء الطيب
١٩٢
صور الطيبات المعنوية
٢٠٠
www. modoee.com
٤٠٣

لحُوَنَات
فِزَّرْ
٢٠٧
صور الطيبات الحسية
٣٠٠
تنزيه الله سبحانه عن الظلم
٢٢١
آثار ابتغاء الطيبات المعنوية
٣٠٢
الظلم طبيعة إنسانية
٢٢٣
آثار ابتغاء الطيبات الحسية
٣٠٤
٢٢٥
الطير .
٣٠٩
أنواع الظلم
٢٢٦
مفهوم الطير
أسباب الظلم
سبل الوقاية من الظلم وطرق العلاج . ٣١٣
٢٢٧
الطير في الاستعمال القرآني.
٣١٧
٢٢٨
الألفاظ ذات الصلة.
٢٣٠
الطیر آية من آيات الله تعالى
٢٣٦
الطير في القصص القرآني.
٢٤٨
الطير في المثل القرآني.
٢٥٠
الطير والتشاؤم
٢٥٣
الطير في الجنة
أنواع الظلمات
٢٥٥
الظّل
٣٣٠
وسائل النجاة من الظلمات الحسية ... ٣٣٨
وسائل النجاة من الظلمات المعنوية .. ٣٤١
عاقبة البقاء في الظلمات
٣٤٨
الظن
٣٥٧
مفهوم الظن
٣٥٨
الظن في الاستعمال القرآني
٣٦٠
دلالة الظل على قدرة الله وعظمته
٢٨٣
٢٩٥
الظّلم
مفهوم الظلم
٢٩٦
الظلم في الاستعمال القرآني .
٢٩٧
٢٩٨
الألفاظ ذات الصلة
آثار الظلم وعاقبته في الدنيا
عاقبة الظلم في الآخرة.
٣٢٢
الظلمات
٣٢٥
مفهوم الظلمات
٣٢٦
الظّلمات في الاستعمال القرآني.
٣٢٧
الألفاظ ذات الصلة
٣٢٨
مفهوم الظل
٢٥٦
الظل في الاستعمال القرآني.
٢٥٧
الألفاظ ذات الصلة
٢٥٨
٢٥٩
الظل آية ونعمة
٢٦٣
الحكمة من الظل
٣٦١
الألفاظ ذات الصلة
أنواع الظن
٣٦٥
الظن اليقيني
٣٧٤
مَوَسُور
القُرآن الكَرِيْمِ
٤٠٤

المُحْبُوَنَات
أوهام مظنونة
٣٨٠
غلبة الظن في الأحكام الشرعية
٣٩٢
٣٩٤
آثار الظن
٤٠٣
فهرس المحتويات
www. modoee.com
٤٠٥