Indexed OCR Text
Pages 21-40
الظن
لإدراك عقلي وتأكيدها، ألا وهو اليقين التام.
وفي الآية الثالثة: ﴿وَضَلَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ
يَدْعُونَ مِن قَبْلٌ وَظَنُّواْ مَا لَهُم مِّنِ تَحِيصٍ {
[فصلت: ٤٨] لدينا الإدراك العقلي نفسه، بعد
تخلي الشركاء تخليًا إراديًا مقصودًا ﴿قَالُوا
ءَذَنَّكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ ﴾ [فصلت: ٤٧].
ثم تأكيد لهذا التخلي بجملة تعقيبية لا
تدع مجالاً للشك أو الاحتمال، ﴿وَضَلَ
عَنْهُمْ مَّا كَانُوا يَدْعُونَ مِن قَبْلٌ﴾ بما في ذلك
الفعل الماضي من قطعية المضي وحتمية
الانقضاء، لتكون النتيجة بعد ذلك، اكتمال
هذا الإدراك العقلي وتيقنه، أنه: (ما من
محيص)(١).
قال الشنقيطي رحمه الله: ((الظن هنا
بمعنى اليقين؛ لأن الكفار يوم القيامة إذا
عاينوا العذاب، وشاهدوا الحقائق، علموا
في ذلك الوقت أنهم ليس لهم من محيص،
أي ليس لهم مفر ولا ملجأ»(٢).
وقال البغوي في قوله تعالى: ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ
بِهَ فَاقِرَةٌ
﴾ [القيامة: ٢٥]: ((تستيقن أن يعمل
بها عظيمة من العذاب، والفاقرة: الداهية
العظيمة، والأمر الشديد يكسر فقار الظهر.
قال سعيد بن المسيب: قاصمة الظهر. قال
ابن زيد: هي دخول النار. وقال الكلبي: هي
(١) الوجوه والنظائر في القرآن الكريم، سلوى
العواص ١٠٦.
(٢) أضواء البيان ٧/ ٩٣.
أن تحجب عن رؤية الرب عز وجل (٣).
رابعًا: حصول الهلاك:
إذا تتبعنا الآيات التي جاء فيها ظن الهلاك
وجدنا أن الظن فيها يقينيًا كما في قوله: ﴿
وَإِذْ نَشَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ
﴾ [الأعراف: ١٧١].
فبنو إسرائيل لما رأوا الجبل فوقهم
أيقنوا أنه سيقع عليهم؛ لأن الجبل لا يثبت
في الجو، ولأنهم كانوا يوعدون به، وإنما
أطلق الظن؛ لأنه لم يقع متعلقة وذلك أنهم
أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة لثقلها؛ فرفع
الله الطور فوقهم (٤). وكذلك الحال في
قوله: ﴿هُوَ الَّذِى يُسَبِّكُ فِ اَلْبَرِّ وَالْبَحْرِّ حَّى إِذَا
كُنْتُمْ فِي الْقُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِيجِ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ
◌ِهَا جَاءَتَّهَا رِيعٌ عَاصِفٌ وَجَآءَ هُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ
مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمٌ دَعَوُاللّهَ مُخْلِصِينَ
لَهُ أُلِّينَ لَيِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ، لَنَكُونَنَّ مِنَ
﴾ [يونس: ٢٢].
الشَّكرينَ
لقد ظهرت علامات الهلاك دفعة واحدة
ثم إنه قد أحاط بهم وأحدق من كل جانب،
يقول الرازي: رحمه الله في تفسيره لهذه
الآية: ((واعلم أن الإنسان إذا ركب السفينة
ووجد الريح الطيبة الموافقة للمقصود،
(٣) معالم التنزيل ص ١٣٦٧.
(٤) تنوير المقباس من تفسير ابن عباس ص ٢٩٩؛
تذكرة الأريب في تفسير الغريب، ابن الجوزي
ص١٩٢.
www. modoee.com
٣٧٧
حرف الظاء
حصل له الفرح التام والمسرة القوية، ثم قد جلاله: ﴿وََُّّواْ أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّ إِلَيْهِ ثُمَّ
تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ﴾ [التوبة: ١١٧-١١٨].
تظهر علامات الهلاك دفعة واحدة؛ فأولها:
أن تجيئهم الرياح العاصفة الشديدة. وثانيها:
أن تأتيهم الأمواج العظيمة من كل جانب.
وثالثها: أن يغلب على ظنونهم أن الهلاك
واقع، وأن النجاة ليست متوقعة، ولا شك
أن الانتقال من تلك الأحوال الطيبة الموافقة
إلى هذه الأحوال القاهرة الشديدة يوجب
الخوف العظيم، والرعب الشديد، وأيضا
مشاهدة هذه الأحوال والأهوال في البحر
مختصة بإيجاب مزيد الرعب، والخوف((١).
وإنما كان ظن الهلاك يقينيًا في هذه
الآيات لأمور منها: ماقرّره الزركشي من أن
كل ظن يتصل به أن المشددة فهو یقین(٢)،
وما يحيط بهذا الظن من دلائل تنبئ عن
تحقق وقوع هذا الهلاك.
خامسًا: اللجوء إلى الله:
من الآيات التي تبيّن هذا المعنى، قوله
تعالى: ﴿وَظَنَّ دَاوُرِدُ أَنَّمَا فَتَنَّهُ فَاسْتَغْفَرَرَبَّهُ وَخَرَّ
رَاكِمَا وَأَ نَابَ ﴾ ﴾ [ص: ٢٤].(٣)، وقوله جل
(١) التفسير الكبير ١٧/ ٧٠.
(٢) انظر: ص٦-٧ من هذا البحث.
(٣) قال الشنقيطي رحمه الله واعلم أن ما يذكره
كثير من المفسرين في تفسير هذه الآية
الكريمة، مما لا يليق بمنصب داود عليه
وعلى نبينا الصلاة والسلام، كله راجع إلى
الإسرائيليات، فلا ثقة به، ولا معول عليه،
وما جاء منه مرفوعا إلى النبي صلى الله
عليه وسلم لا يصح منه شيء. أضواء البيان
إن لفظ الظن في هذه الآيات ورد في
أمر من الأمور الثابتة في عقيدة المسلم
مما يؤكد أنه ظن یقیني، ثم لو تأملنا سياق
الآيات لوجدنا أن أشخاص القصتين من
عباد الله الصالحين الذين يقعون فيما
يقع فيه العبد الصالح من ذنب أو تفريط،
ويهيئ الله لهم برحمته أن يروا من الآيات
ما ينبههم إلى ذنبهم، فيتوبون عنه وتقبل
توبتهم. كما نجد أن الموضوع الأساسي
للقصتين هو قبول التوبة إذ يقول سبحانه
في قصة الثلاثة: ﴿لَّقَد تَّابَ اللّهُ عَلَى النَّبِيّ
وَالْمُهَجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ
فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ
قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمَّ إِنَّهُ بِهِمْ
رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ) وَعَلىَ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّقُواْ
حََّ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ
عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّ
إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ النََّّبُ
الرَّحِيمُ
[التوبة: ١١٧-١١٨].
(١١٨) #
ويقول في قصة داود عليه السلام: ﴿قَالَ
لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَئِكَ إِلَى نِعَاجِهِ. وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ
اْخُلَطَاءِ لَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَقَلِلٌ مَّا هُمُّ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا
فَثَنَّهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ، وَخَرَّرَاكِعًا وَأَنَابَ ﴾ ﴾ فَغَفَرْنَا
٣٧٨
مَوَسوبرا
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
٧/ ٠١٦،١٧
الظن
لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَثَابٍ )﴾
[ص:٢٤ -٢٥] فالظن في القصتين وقع على
أمر صحيح، ودليل هذا قبول التوبة؛ وإلا
کیف تقع التوبة على أمر لم يقع، فقد كان
الظن إذن ظنًا بما هو حق.
ففي قوله تعالى في قصة داود: ﴿فَغَفَرْنَا
لَهُ ذَلِكٌ﴾ دليل على صدق ظن داود عليه
السلام، وعمله من استغفار وركوع وإنابة
دليل على استقرار هذا الظن في نفسه بما
يقربه إلى اليقين. ولو أن الظن هنا بمعنى
الحسبان؛ لورد في السياق تصديق هذا الظن
وتأكيده، أو نفيه وتبرئة النبي عليه السلام
منه، بدلًا من ﴿فَغَفَرْنَا لَهُذَلِكَ﴾، الذي هو
استجابة لعمله (الاستغفار) المبني على
إدراكه الفتنة وتيقنه منها، اللذين عبر عنهما
بلفظ (ظن). وفي آية التوبة یکون قبول الله
توبتهم، دليلًا على صدق التوبة وتمكنها من
نفوسهم، وأنهم قد تابوا حقًا، أي أن ظنهم
﴿أَن ◌َّا مَلْجَأَمِنَ اللَّهِ إِلَّ إِليهِ﴾ لیس شكّا بل
يقينًا وعملًا، اقتضى لهم المغفرة كما وعد
الله سبحانه کل تائب صادق من عباده(١).
سادسًا: لحظة الفراق (الموت):
في قوله تعالى: ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ
٢٨
[القيامة: ٢٨].
فسر الظن بمعنى اليقين؛ لأنه إن كانت
(١) الوجوه والنظائر في القرآن الكريم، سلوى
العواص ١١٢.
الروح قد بلغت التراقي واستبعد وجود
الراقي، فلا بد أن الإنسان في هذه الحال قد
أدرك بل علم واستيقن أنها آخر ساعة وهي
ساعة الفراق، فتضافر الجملتين ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ
[ القيامة: ٢٦-٢٧]
الثَّانِى(٦) وَقِيلَ منَ رِ)﴾
واستحال النجاة، يجعلنا كل هذا نميل إلى
وجاهة معنى اليقين هنا في لفظ الظن، وهي
ساعة لا يخطئها إنسان، إذ یکون أقرب إلى
الآخرة فيها منه إلى الدنيا (٢).
وقال المفسرون: ((المراد أنه أيقن
بمفارقته الدنیا، ولعله إنما سمي الیقین ههنا
بالظن، لأن الإنسان ما دام يبقى روحه متعلقا
ببدنه، فإنه يطمع في الحياة؛ لشدة حبه لهذه
الحياة العاجلة على ما قال: ﴿كَابَلْ تُحِبُّونَ الْعَامِلَةَ
[القيامة: ٢٠] ولا ينقطع رجاؤه عنها
فلا يحصل له يقين الموت، بل الظن الغالب
مع رجاء الحياة، أو لعله سماه بالظن على
سبیل التهكم (٣).
(٢) المصدر السابق ص ١٠٧ .
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٣١/٣٠.
www. modoee.com
٣٧٩
حرف الظاء
أوهام مظنونة
إن الطريق إلى المعرفة الصحيحة هو
العلم الراسخ، فهو كالإيمان الذي يفتح
القلب للنور، أما العلم السطحي واتباع
الظنون فإنهما يحولان بين القلب وبين
المعرفة الصحيحة. والبشر حينما يتركون
هدي ربهم، سيجدون أنفسهم منغمسين في
ظنون لا تغني عن الحق شيئًا.
فالاعتقادات التي لم يقم عليها أي دليل،
هي ظنون مجردة من العلم، قائمة على
الهوى، مخالفة للشرع، وكلها أوهام؛ وفيما
يلي صورًا منها في القرآن:
أولًا: عدم قيام الساعة:
الحياة في نظر المشركين هي ما يرونه
في الدنيا رأي العين، جیل یموت وجیل
یحیا وفي ظاهر الأمر لا تمتد إليهم ید
بالموت، إنما هي الأيام تمضي، والدهر
ينطوي فإذا هم أموات، فالدهر إذن هو الذي
ينهي آجالهم، ويلحق بأجسامهم الموت
فيموتون (١) ﴿وَقَالُواْ مَا هِىَ إِلَّا حَيَانُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ
وَتَخْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلَّ الدَّهْرُّ وَمَالَهُم ◌ِذَلِكَ مِنْ عِلَيْ إِنْ هُمْ
[الجاثية: ٢٤].
٢٤٠
إِلَّا يَظُنُّونَ (
﴿وَقَالُواْ إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَانُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ
[الأنعام: ٢٩].
٢٩
بِمَبْعُوثِينَ
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٢٣٢/٥.
﴿إِنَّ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا
غَحْنُّ بِمَبْعُوثِينَ ﴾ [المؤمنون: ٣٧].
وقد ظن الجن كما ظنت الإنس أن
الله لن يبعث أحدًا، على قول من قال إن
المقصود في قوله: ﴿وَنَهُمْ ظَنُواْ كُمَا ظَنَنُ أَن ◌َّن
يَبْعَثَ اَللَّهُ أَحَدًا ﴾ [الجن:٧] هو البعث بعد
الموت. يظنون ظنًا غامضًا واهيًا، لا يقوم
علی تدبر، ولا يستند إلى علم، ولا يدل على
إدراك لحقائق الأمور، ولا ينظرون إلى ما
وراء ظاهرتي الحياة والموت من سر يشهد
بإرادة أخرى غير إرادة الإنسان، ویسبب آخر
غير مرور الأيام (٢).
إن المشرکین لا يؤمنون ببعث ولا نشور،
بل هم في شك ووهم وعمى من ذلك،
ويعدونه من الأساطير والسحر، لعظمه
واستحالته في تصورهم وما هذا إلا لجهلهم
وسفههم. يقول الله مخبرًا عن حالهم
بأسلوب بديع يبين لنا اضطرابهم في هذا
الأمر: ﴿ بَلِ أَذَّرَكَ عِلْمُهُمْ فِ الْآخِرَةَ بَلْهُمْفِ
شٍَّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ أَوِذَا كُنَا تُرَيَا وَءَابَاؤُنَا أَيِنَّا لَمُخْرَجُونَ
لَقَدْ وُعِدْ نَا هَذَا نَحْنُ وَءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَآ
٦٧
إِلََّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴾ [النمل: ٦٦ - ٦٨].
ويقول عز وجل: ﴿وَلَيْن قُلْتَ
إِنَّكُمْ مَبْعُولُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ
الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَآ إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ
(٢) المصدر السابق ٣٢٣٢/٥.
٣٨٠
جَوَسُولَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكريمِ
الظن
[هود: ٧].
وقد رد الله علیھم ظنهم وزعمهم الباطل
بأن هذا يسيرٌ عليه سبحانه: ﴿زَعَمَ الَّذِينَكَفَرُوا
أَنْ أَنْ يُبْعَثُوَ قُلْ بَى وَرَبِ لَُعَثُنَّثُمّ ◌َُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ
[التغابن: ٧].
عَلَى الَهِ يَسِيرٌ﴾
وقال: ﴿أَيَحْسَبُ آلْإِسَنُ أَّنْ أَجْمَعَ عِظَامَهُ. (
٣
بَنْ قَدِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِىَ بَنَانَهُ (١)﴾ [القيامة:٣-٤].
بل قد نزّه نفسه سبحانه عما يترتب على
هذا الوهم والظن من العبث في الخلق؛ فقال
عز وجل: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَكُمْ عَبَثًا
وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١٥) فَتَعَلَى اللَّهُ الْمَلِكُ
الْحَقَّ لَا إِلَهَ إِلََّّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيِ
﴾ [المؤمنون: ١١٥، ١١٦].
قال ابن كثير رحمه الله في تفسير قوله
تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْتَكُمْ﴾: ((أي:
أفظننتم أنکم مخلوقون عبئًا، بلا قصد، ولا
إرادة منكم، ولا حكمة لنا. وقيل: للعبث.
أي: لتلعبوا وتعبثوا کما خلقت البهائم، لا
ثواب لها ولا عقاب، وإنما خلقناكم للعبادة
وإقامة أوامر الله عز وجل. ﴿وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا
تُرَجَعُونَ﴾ أي: لا تعودون في الدار الآخرة.
كما قال تعالى: ﴿أَخْسَبُاَلْإِنسَنُ أَنْ يُتْرَكَ سُدَّى
[القيامة: ٢٦] يعني هملّاً((١).
فمن ظن بالله أن يترك خلقه سدى
معطلين عن الأمر والنهي، ولا يرسل إليهم
رسله ولا ينزل عليهم كتبه بل يتركهم هملًا
(١) تفسير القرآن العظيم ٢٦٠/٣.
كالأنعام فقد ظن به ظن السوء (٢). قال ابن
القيم رحمه الله واصفًا هذا الظن: ((من
ظن أنه لن یجمع عبيده بعد موتهم للثواب
والعقاب في دار يجازي المحسن فيها
بإحسانه، والمسيء بإساءته، ويبين لخلقه
حقيقة ما اختلفوا فيه، ويظهر للعالمين كلهم
صدقه وصدق رسله، وأن أعداءه كانوا هم
الكاذبين، فقد ظن به ظن السوء (٣).
وقد أنكر سبحانه على من وهم وشك
في ذلك؛ فالبعث من أمور العقيدة الغيبية
ويحتاج إلى يقين؛ قال سبحانه: ﴿أَلَا يَظُنُ
أُوْلَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُونُونَ ل لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾
[المطففين: ٤ -٥].
ومجيء الآيات بأسلوب الاستفهام
الاستنكاري دليل على أن ظنهم في منتهى
السوء الذي قدیوصل للكفر، بل عدّه سبحانه
من الاستكبار حيث قال: ﴿ وَأُسْتَكْبَرَهُوَ
وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ
إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ ﴾
[القصص: ٣٩].
وهو من ظلم النفس كما قال تعالى:
﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَّا
أَخُلُّ أَنْ تِيدَ هَذِهِهِ أَبَدًا (٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ
قَآئِمَةً وَلَيِن زُِّدْتُ إِلَى رَبِّ لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا
مُنْقَلَبَا ﴾ [الكهف: ٣٦-٣٥].
ففي قوله: ﴿ وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآئِمَةً﴾
(٢) انظر: زاد المعاد، ابن القيم ٢٣٠/٣.
(٣) إغاثة اللهفان ١ / ٦٢.
www. modoee.com
٣٨١
حرف الظاء
قال الطبري رحمه الله: يقول تعالى ذكره:
هذا الذي جعلنا له جنتین من أعناب، دخل
جنته- وهي بستانه-وهو ظالم لنفسه، وظلمه
نفسه: كفره بالبعث، وشكّه في قيام الساعة،
ونسیانه المعاد إلى الله تعالى، فأوجب لها
بذلك سخط الله وأليم عقابه (١).
ثانيًا: دوام الدنيا ونعيمها:
هذه الدنيا التي يستغرق فيها بعض
الناس، ويضيعون الآخرة كلها لينالوا منها
بعض المتاع، ظانين دوامها؛ لا أمن فيها
ولا اطمئنان، ولا ثبات فيها ولا استقرار،
ولا يملك الناس من أمرها شيئا إلا بمقدار.
وقد ضرب سبحانه المثل لحالها بسرعة
تقضيها وزوال نعيمها؛ فقال: ﴿حَّ إِذَا
أَخَذَتِ آلْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَأَزَّيَّنَتْ وَظَرَ أَهْلُهَا
أَنَّهُمْ قَدِرُونَ عَلَيَّهَا أَتَمُهَا أَمَّرُنَا لَيْلًا أَوْ
نَهَارًا فَجَعَلْنَهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسَِّّ
كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ ﴾
[يونس: الآية ٢٤].
وهذا المثل من أحسن الأمثلة، وهو
مطابق لحالة الدنيا، فإن لذاتها وشهواتها
وجاهها ونحو ذلك یزهو لصاحبه إن زها
وقتًا قصيرًا، فإذا استكمل وتم؛ اضمحل،
وزال عن صاحبه، أو زال صاحبه عنه،
فأصبح صفر اليدين منها، ممتلئ القلب من
همها وحزنها وحسرتها(٢).
(١) جامع البيان ١٥/ ٢٤٦.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٣١٨.
لقد بين الله لنا حقيقة الدنيا، بتقريب
المعاني إلى الأذهان، وضرب الأمثال وهي
نافعة لمن أعمل فكره وعقله وهداه الله،
وأما الغافل المعرض، فهذا لا تنفعه الآيات،
ولا یزیل عنه الشك البیان، بل يتعلق بأوهام
ظانًا دوام هذه الدنیا، وأن نعیمها لن یزول.
ويظلم نفسه بهذا الظن كما أخبر سبحانه
عنه: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ، وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، قَالَ مَآ
﴾ [الكهف: ٣٦].
٣٥
أَخْلُقُّ أَن تَبِدَ هَذِهِأَبَدًا
فصاحب البستان قد ظلم نفسه؛ وذلك
لسوء ظنه بالله تعالى وشكه في إبادة
جنته (بستانه)، وقيام الساعة (٣).
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٥/ ٢٤٦.
٣٨٢
مُؤَ الَرُ النَّفِيـ
جوسين
القرآن الكريمِ
الظن
ثانيًا: الشك في قدرة الله (١).
إن الإیمان بکمال الله وقدرته علی کل
شيء من أمور العقيدة التي لا بد أن تبنى
على اليقين، فهذا الخلق العظيم يحمل دلالة
(١) أثيرت شبهة حول القرآن يتهم النبي يونس
بأنه شك في قدرة الله؛ لقوله تعالى: ﴿وَذَا
التُّونِ إِذْ ذَّهَبَ مُغَضِبًا فَنَّ أَنْ لَّنْ تَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَتَادَى
فِي الظُّلُمَتِ أَنْ لَّ إِلَّهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِ كُنتُ
مِنَ النَّكْلِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. والجواب عن
هذه الشبهة: أن القارئ لن يجد كتابًا عند
أمة من الأمم يعظم الأنبياء كما عظمهم
القرآن الكريم، فهو الكتاب الوحيد الذي
ينزه الأنبياء عن الكبائر والنقائص، فضلاً
عن الكفر والشرك بالله تعالى، فقد فضل
الله يونس مع إخوانه الأنبياء على العالمين:
﴿وَإِسْمَعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًاً وَكُلًا فَضَّلْنَا عَلَى
اٌلْعَلَمِينَ﴾ [الأنعام: ٨٦] وإنما أتي القائل لهذه
الشبهة من سوء فهمه للآية، فليس مقصودها
أن يونس ظن أنه معجز الله بهربه، بل المعنى
أنه ظن أن الله لن يقدر عليه، أي لن يضيق
عليه ويلومه في ترك قومه حين لم يستجيبوا
لدعوته، فهي كقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ
رِفْقُّهُ، فَلْيُنفِقِ مِنَّاً ءَالَنْهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧]: أَي ضيّق
عليه، ومثله قوله تعالى: ﴿اَللَّهُ يَسُ اَلْرِزْقَ لِمَن يَشَاءُ
وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦]، وهذا المعنى منقول
عن ابن عباس رضي الله عنه وعن غيره من
التابعين. وحفاظًا على منزلة يونس بن متى
في قلوب المؤمنين؛ نهى النبي صلى الله عليه
وسلم عن تفضيل المرء نفسه على هذا النبي
الكريم بقوله: (لا ينبغي لعبد أن يقول إنه خير
من يونس بن متى). أخرجه البخاري رقم
٣٣٩٦، وفي رواية: (من قال: أنا خير من
يونس بن متى؛ فقد كذب). أخرجه البخاري
رقم ٤٦٠٤، فثبت بذلك براءة القرآن من فرية
الإساءة إلى يونس عليه السلام.
انظر: تأويل مشكل القرآن، ابن قتيبة ص٤٠٨.
طلاقة قدرة الله تعالى الذي لا يعجزه شيء
في الأرض ولا في السماء. إلا أن بعض
الناس قد ساقهم كبرياؤهم وظنونهم السيئة
إلى التعالي على الله والشك في قدرته
سبحانه حتى على أنفسهم وهذا ما يفيده
قوله: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ أَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ﴾
[البلد: ٥].
فالإنسان في نفسه وقوته يظن أن لن
يقدر عليه أحد، لأنه في عنفوان شبابه وقوته
وكبريائه وغطرسته، فيقول لا أحد يقدر
علي، أنا أعمل ما شئت، ومنه قوله تعالى في
قوم عاد: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَأَسْتَكْبَرُواْ فِي الْأَرْضِ
بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَةٌ أَوَلَ بَرَوْا أَنَّ اللَّهَ
الَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ﴾ [فصلت: ١٥].
حتى الرب عز وجل يظنون أنه لا يقدر
عليهم، وهذا لا شك بالنسبة للكافر، أما
المؤمن فإنه يعلم أن الله قادر عليه، وأنه
على كل شيء قدير فيخاف منه (٢).
وكذلك الحال في يهود بني النضير
حينما ظنوا أن حصونهم ستمنعهم من
الله، فالمسلمون ظنوا عدم خروجهم من
ديارهم، لحصانتها ومنعتها وعزهم فيها،
وهذا حسبان في محله. لكنهم هم تمادوا في
ظنهم فأعجبوا بحصونهم وقوتها وغرتهم،
وحسبوا أنهم لا ينالون بها، ولا يقدر عليها
(٢) تفسير القرآن الكريم، جزء عم، ابن عثيمين
ص٢١٧.
www. modoee.com
٣٨٣
حرف الظاء
أحد، وقدر الله تعالى وراء ذلك كله، لا العلية عن مستوى هذا الظن أو الفهم أو
التصوّر، فهو الغني بكل معاني الغنى عن
تغني عنه الحصون والقلاع، ولا تجدي
فيهم القوة والدفاع.
كل ما يخطر وما لا يخطر على البال مما
يقتضي وجود الولد. والمقتضيات هي التي
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ
أَهْلِ الْكِتَبِ مِنْ دِيَّرِمٍ لِأَوَّلِ الْحَشْرِّ مَا ظَنَنْتُمْ أَن
يَخْرُجُواْ وَظَنُّوْ أَنَّهُم مَّنِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اَللَّهِ
فَأَنَّهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ ◌ِ قُلُوبِهِمُ
الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى الْمُؤْمِنِينَ
فَأَعْتَيِرُواْ يَتَأُوْلِ الْأَبْصَرِ ﴾ [الحشر: ٢].
تسمح بوجود المقتضيات، فلا يوجد شيء
عبثًا بلا حاجة ولا حكمة ولا غاية. له ما
في السماوات وما في الأرض فكل شيء
ملكه، ولا حاجة به سبحانه لأن يملك شيئًا
بمساعدة الولد، فالولد إذن عبث، تعالى الله
عن العبث! (٢).
ومن الشك في قدرة الله الظن بأن الله
محتاج إلى الولد أو الشريك، يقول ابن
القيم رحمه الله ((ومن ظن بأن لله سبحانه
ولدًا أو شریگًا أو أن أحدًا يشفع عنده بدون
إذنه، أو أن بينه وبين خلقه وسائط يرفعون
حوائجهم إليه، أو أنه نصب لعباده أولياء من
دونه يتقربون بهم إليه، ويجعلونهم وسائط
بینهم وبینه فیدعونهم ویحبونهم کحبه،
ويخافونهم كخوفه فقد ظن به أقبح الظن
وأسوأه(١).
لقد نزّه الله نفسه عن الولد وبيّن أنّه في
غنى، فقال عز وجل: ﴿قَالُواْ أَتَّخَذَ
اللَّهُ وَلَدَّأْ سُبْحَنَةٌ هُوَ اَلْفَنِىُّ لَهُ مَا فِى
السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِّ إِنْ عِندَكُم مِّن
سُلْطَانٍ بِهَذَأْ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا
﴾ [يونس: ٦٨].
تَعْلَمُونَ
ففي قوله: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ تنزيهًا لذاته
(١) زاد المعاد، ابن القيم ٣/ ٢٠٤.
جَوَسُو ◌َرَ النفسية الوضوي
القرآن الكريم
ثم إنّ الشرك والتعطيل مبنيان على سوء
الظن بالله والشك فى قدرته سبحانه؛ فلما
واجه إبراهيم عليه السلام الصّابتين (٣)
المشركين من قومه، ذكّرهم بما أوقعهم في
شركهم، وهو ظن السّوء بربّ العالمين.
قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا
تَعْبُدُونَ ﴿ أَبِفِكا ءَالِهَةٌ دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ ) فَمَا
◌َنَّكُمْ بِرَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾[الصافات ٨٥-٨٧].
يقول ابن القيم رحمه الله في تقرير ذلك:
((كل شرك في العالم فأصله التعطيل، فإنه
(٢) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ١٨٠٦/٣.
(٣) الصابئة نوعان: صابئة حنفاء موحدون،
وصابئة مشركون. فالأولون هم الذين أثنى
الله عليهم بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ
هَادُواْ وَالنَّصَرَى وَالصَِّينَ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ اَلَآَخِ
وَعَمِلَ صَدِحًا فَلَهُمْ أَبْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ
[البقرة: ٦٢]. أما المشركون
وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
فهم الذي كانوا يعبدون الكواكب. الرد على
المنطقيين، شيخ الإسلام ابن تيمية ص٢٨٨.
٣٨٤
الظن
لولا تعطيل كلامه سبحانه أو بعضه وظن ثالثًا: عدم نصر الله لأنبيائه وأوليائه:
السوء به ما أشرك به، كما قال إمام الحنفاء
(٨٦) فَمَا
لقومه: ﴿أَبِفْكًا ءَالِهَةٌ دُونَ اَللَّهِ تُرِيدُونَ (
طَنَّكُمْ بِرَبِّ الْعَلَمِينَ (١﴾ [الصافات: ٨٦-٨٧].
أي: فما ظنكم به أن يجازيكم، وقد
عبدتم معه غيره؟ وما الذي ظننتم به حتى
جعلتم معه شركاء؟ أظننتم أنه محتاج إلى
الشركاء والأعوان؟ أم ظننتم أنه يخفى
عليه شيء من أحوال عباده حتى يحتاج إلى
شركاء تعرفه بهم كالملوك؟ أم ظننتم أنه لا
يقدر وحده على الاستقلال بتدبيرهم وقضاء
حوائجهم؟ أم هو قاسٍ فيحتاج إلى شفعاء
يستعطفونه على عباده؟)) (١).
إنّ المشرك إما أن يظن أن الله سبحانه
يحتاج إلى من يدبر أمر العالم ... ؛ وهذا
أعظم التنقيص لمن هو غني عن كل ما
سواه بذاته، وكل ما سواه فقير إليه بذاته،
وإما أن يظن أن الله سبحانه إنما تتم قدرته
بقدرة الشريك، وإما أن يظن بأنه لا يعلم
حتى يعلمه الواسطة، أولا يرحم حتى يجعله
الواسطة يرحم، أو لا يكفي عبده وحده، ...
أو لا يجيب دعاء عباده حتى يسألوا الواسطة
أن ترفع تلك الحاجات إليه، كما هو حال
ملوك الدنيا؛ وهذا أصل شرك الخلق(٢).
(١) مدارج السالكين ٣٤٧/٣.
(٢) انظر: إغاثة اللهفان ١ / ٦٢.
لا یتمّ للعبد إیمان ولا توحید حتی یعتقد
جميع ما أخبر الله به من أسمائه وصفاته
وكماله وتصديقه بكل ما أخبر به، وأنه
يفعله، وما وعد به من نصر الدين وإحقاق
الحق وإبطال الباطل، فاعتقاد هذا من
الإيمان، وطمأنينة القلب بذلك من الإيمان.
وكل ظن ينافي ذلك فإنه من ظنون الجاهلية
النافية للتوحيد؛ لأنها سوء ظن بالله، ونفي
لکماله وتکذیب لخبره، وشك في وعده(٣).
ففي غزوة أحد لما حصل ما حصل من
هزيمة المسلمين، وكان من المنافقين من
انخذل من الجيش فرحوا بذلك أشدّ الفرح،
وظنوا أنه لا قائمة للإسلام بعد ذلك:
﴿وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ
غَيّرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَهِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ
آلْأَمْرِ مِن شَىْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلّهِ يُخْفُونَ فِىّ
أَنْفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَّ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ
اْأَمْرِ شَىْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَهُنَّأُ قُل لَّوْ كُمْفِي بُيُوتِكُمْ
لَبَرَزَّ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَ مَضَاحِعِهِمّ
وَلِيَبْتَلِىَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى
#10٤[آل
قُلُوبِكُمْ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ
عمران: ١٥٤].
عن ابن جريج قال: ((قيل لعبد الله بن
أبي: قتل بنو الخزرج؟ قال: وهل لنا من
(٣) القول السديد شرح كتاب التوحيد، السعدي
ص١٢٢.
www. modoee.com
٣٨٥
حرف الظاء
الأمر من شيء (١). وقال الزّبير رضي الله الجاهلية، وهو الظن المنسوب إلى أهل
الجهل الذين يزعمون بعد نفاذ القضاء
عنه: «لقد رأيتني مع رسول الله صلی الله
علیه وسلم حين اشتدّ الخوف علینا، أرسل
اللّه علينا النّوم، فما منّا من رجلٍ إلا ذقنه في
صدره، قال: فوالله إنّي لأسمع قول معّب
بن قشيرٍ، ما أسمعه إلا كالحلم: لو كان لنا
من الأمر شيءٌ ما قتلنا ها هنا، فحفظتها منه،
وفي ذلك أنزل اللّه: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ
شَىْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَهُنَّأُ﴾ لقول معتّبٍ))(٢).
والقدر الذي لم يكن بد من نفاذه أنهم كانوا
قادرين على دفعه، وأن الأمر لو كان إليهم
لما نفذ القضاء فكذّبهم الله بقوله: ﴿قُلٌ إِنَّ
اَلْأَمْرَ كُلَّهُ لِلّهِ﴾ وقد فسر هذا الظن الذي لا
يليق بالله سبحانه بأنه لا ینصر رسوله، وأن
أمره سيضمحل، وأنه يسلمه للقتل، وفسر
بظنهم أن ما أصابهم لم يكن بقضاء الله
وقدره ولا حکمة له فيه(٣).
فليس مقصودهم بالكلمة الأولى والثانية
إثبات القدر ورد الأمر کلہ إلی الله، ولو كان
ذلك مقصودهم بالكلمة الأولى لما ذمّوا
عليه، ولما حسن الرد عليه بقوله: ﴿قُلْ إِنَّ
اُلْأَمْرَ كُلّهُ لِلَّهِ ﴾ ولا كان مصدر هذا الكلام
ظن الجاهلية.
ولهذا قال غير واحد من المفسرين:
((إن ظنهم الباطل ها هنا هو التكذيب
بالقدر وظنهم أن الأمر لو كان إليهم، وكان
رسول الله صلی الله عليه وسلم وأصحابه
تبعًا لهم يسمعون منهم؛ لما أصابهم القتل
ولكان النصر والظفر لهم، فأكذبهم الله عز
وجل في هذا الظن الباطل، الذي هو ظن
(١) فتح المجيد شرح كتاب التوحيد، عبد الرحمن
آل الشيخ ص٦٨٠.
(٢) تفسير ابن أبي حاتم ٣/ ٢٣٠؛ جامع البيان،
الطبري ١٤٣/٤؛ لباب النقول، السيوطي
ص٥٩؛ الصحيح من أسباب النزول، عصام
الحميدان ص ٩٧؛ الصحيح المسند من
أسباب النزول، مقبل الوادعي ص ٥٠.
قال الطبري رحمه الله: ((يعني بذلك
جل ثناؤه وطائفة منكم أيها المؤمنون قد
أهمتهم أنفسهم. يقول: هم المنافقون لا
همّ لهم غير أنفسهم، فهم من حذر القتل
على أنفسهم وخوف المنية عليها في شغل
قد طار عن أعينهم الكرى (٤)، يظنون بالله
(٣) زاد المعاد، ابن القيم ٣/ ٢٢٩.
(٤) الكرى هو النعاس، فلقد جعل الله النعاس
يغشى المؤمنين المقاتلين في غزوة بدر ليزيل
شعورهم بالخوف، وأحد ليزيل شعورهم
بالغم، حيث قال سبحانه عن تثبيت المؤمنين
في بدر: ﴿إِذْ يُغَشِيَكُمُ النَّمَاسَ أَمْنَةٌ مِّنْهُ وَيَزِّلُ
عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاوِ مَآءَ لِيَطَهِّرَكُمْ بِهِ. وَيُذْهِبَ عَنْكُوْرِجْزَ
اَلشَّيْطَنِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَيْتَ بِهِ الْأَقْدَامَ ﴾
[الأنفال: ١١]، فالأمنة هي شعور المجاهد
بالأمان والطمأنينة أثناء خوض المعركة،
لكن أسباب الخوف ما زالت موجودة لأنه
على أرض المعركة. أما الأمن فهو الطمأنينة
بعد زوال سبب الخوف. فسبحان منزل هذا
الكتاب المعجز بألفاظه.
انظر: لطائف قرآنية، صلاح الخالدي
٣٨٦
جوب
القرآن الكريمِ
الظن
الظنون الكاذبة ظن الجاهلية من أهل الشرك
بالله؛ شگًا في أمر الله وتكذيبًا لنبيه صلى
الله عليه وسلم ومحسبة منهم أن الله خاذلٌ
نبيه، ومعلٍ عليه أهل الكفر به))(١).
فالمقصود بـ ﴿وَطَآَيِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ
أَنْفُسُهُمْ﴾ المنافقين. وهم: معتّب بن
قشير (٢) وأصحابه، وكانوا خرجوا طمعًا
في الغنيمة، وخوف المؤمنين؛ فلم يغشهم
النعاس. وجعلوا يتأسفون على الحضور،
ويقولون الأقاويل(٣).
ثم لما كانت غزوة الخندق عاود
المنافقين ظنّهم السيئ وقالوا مقولاتهم
المرجفة: ﴿إِذْ جَاءُوَكُم مِّنْ فَوْقَكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ
مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَرُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ
الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الْقُّنُونَأْ مُنَالِكَ أَبْتُلِىَ
الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالََّ شَدِيدًا ، وَإِذْ يَقُولُ
الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضَُّ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ
[الأحزاب: ١٠- ١٢].
وَرَسُولُهُ إِلََّ غُرُودًا)
ص١٠٣.
(١) جامع البيان ٤ / ١٤١.
(٢) بضم الميم وفتح العين المهملة وتشديد التاء
فوقها نقطتان، معتب بن قشیر بن ملیل بن زيد
بن العطاف بن ضبيعة بن زيد بن مالك بن
عوف بن عمرو بن عوف الأنصاري. شهد
بدرًا وأحدًا، وكان قد شهد العقبة. يقال: إنه
كان منافقًا وإنه الذي قال يوم أحد: لو كان لنا
من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا. وقيل: إنه تاب.
انظر: الاستيعاب، ابن عبد البر ١٤٢٩/٣؛
الإصابة، ابن حجر ١٣٨/٦.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤ /٢٤٢.
قال الحسن رحمه الله: ((ظنون مختلفة،
ظن المنافقون أن محمدًا صلى الله عليه
وسلم وأصحابه يستأصلون، وأيقن
المؤمنون أن ما وعد الله ورسوله حق، وأنه
سيظهره على الدين كله ولو كره المشركون
(٤). لقد ظهر نفاق المنافقين؛ لأن ظنهم
السيئ هداهم إلى أن دعوة الإسلام على
مشارف الانتهاء والاضمحلال، وأخذوا
یشککون في وعد الله ورسوله، حتى قال
قائلهم: ((كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز
كسرى وقيصر، وأحدنا لا يقدر أن يذهب
إلى الغائط! (٥). وخيب الله ظنهم، فحفظ
المؤمنين، ورد الكافرين على أعقابهم لم
ينالوا خيرًا ﴿وَكَفَى اَللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ اَلْقِتَالُ وَكَانَ
اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا ﴾ [الأحزاب: ٢٥].
ويتواصل الظن السيئ مع المنافقين؛ لأن
قلوبهم قد مردت على النفاق، فتكون غزوة
الحديبية التي ما خرج فيها مع المؤمنين أحد
من المنافقين؛ لأنهم لا يحبون أن يراهم
المشركون متلبسين بأعمال المسلمين،
مظاهرين لهم، وكانوا يحسبون أن المشركين
يدافعون المسلمين عن مكة، وأن النصر
سیکون للمشرکین.
لقد ظنوا أن الله تعالى لم يعد رسوله
صلى الله عليه وسلم بالفتح، ولا أمره
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧٣٥/٣.
(٥) المصدر السابق ٣/ ٧٣٥.
www. modoee.com
٣٨٧
حرف الظاء
بالخروج إلى العمرة، ومن ثم لن ينصر لقلة
أتباعه وقوة أعدائه؛ فسجل القرآن عليهم
هذا الظن السيئ، وجعل عليهم دائرة السوء
﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَالْمُشْرِكِينَ
وَالْمُشْرِكَتِ الَّائِينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءَّ عَلَيْهِمْ
دَآبِرَةُ السَّوْءٌ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ
لَهُمْ جَهَنَّدٌ وَسَآَمَتْ مَصِيرًا ﴾ [الفتح: ٦].
وتمادی بهم ظنهم السيئ، وامتلأت به
قلوبهم، وزينه لهم شياطينهم؛ حتى اعتقدوا
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لن
يرجع من الحديبية سالمًا، وهذا هو شأن
العقول الواهية، والنفوس الهاوية أن لا
تأخذ من الصورة التي تتصور بها الحوادث
إلا الصورة التي تلوح لها في بادئ الرأي
والتي تهواها وتحبها(١).
وما أحقر المنافقين: يعيشون بين
المؤمنین، وينعمون بحمايتهم، وتبادل
المنافع معهم، وهم يودون لهم الشر
والهلاك. تخلفوا عن الحديبية ثم جاؤوا
بأعذار كاذبة، وطلبوا من النبي صلى الله
عليه وسلم أن يستغفر لهم؛ لكن القرآن كان
أسرع في تنزله؛ إذ راحت آياته تفضحهم
وتبين مخازيهم: ﴿بَلْ ظَنَمْتُمْ أَنْ أَنْ يَنْقَلِبَ
الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِهِمْ أَبَدًا وَزُيْنَ ذَلِكَ
فِى قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْهِ وَكُنْتُمْ قَوْمً
بُورًا ﴾
[الفتح: ١٢].
(١) التحرير والتنوير، بن عاشور ١٥٣/٢٦.
إنهم تخلفواعنرسول اللهصلی اللهعلیه
وسلم وظنوا أن أهل مكة سيقتلون محمدًا
وصحبه، ویستأصلون شأفتهم، ویبیدون
خضراءهم؛ فلا يرجع منهم مخبر حتى
كانوا يقولون: إن محمدًا وأصحابه أكلة
رأسٍ لا يرجعون. وذلك كناية عن القلة،
أي: يشبعهم رأس بعير من قلتهم، فما هم
بالنسبة لقريش والأحابيش وكنانة ومن في
حلفهم؟! (٢). هكذا ظنوا وتمنوا ولكن الله
خیب ظنهم، ونکس أمانيهم فعاد رسول الله
صلى الله عليه وسلم من الحديبية سالمًا
مظفرًا، وقد فات المنافقين شرف صحبته،
وفضل بيعة الرضوان.
وفي قوله عز وجل: ﴿وَقَالُواْ إِن تَّنَّبِعِ
الْمُدَى مَعَكَ نُنَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَاً أَوَلَمْ نُمَكِّن
لَهُمْ حَرَمًا ءَامِنًا يُحْبَ إِلَيْهِ ثَمَرَتُ كُلِّ شَىْءٍ رِزْقًا
مِّن لَُّنَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
[القصص: ٥٧].
یخبر تعالی أنّ المكذبين من قریش وأهل
مکة یقولون للرسول صلی الله عليه وسلم:
﴿إِن نََّّبِعِ الْمُدَى مَعَكَ نُنَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَاً﴾
بالقتل والأسر ونهب الأموال، فإن الناس
قد عادوك وخالفوك، فلو تابعناك لتعرضنا
لمعاداة الناس كلهم، ولم يكن لنا بهم طاقة.
وهذا الكلام منهم يدل على سوء الظن بالله
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧٣٥/٣؛
التحرير والتنوير، بن عاشور ١٥٣/٢٦.
٣٨٨
فَضْو
مَشَارَةُ الْبَقِيَة
الْقُرآن الكَرِيمِ
الظن
تعالى، وأنه لا ينصر دينه، ولا یعلي كلمته،
بل يمكن الناس من أهل دينه، فيسومونهم
سوء العذاب، وظنوا أن الباطل سيعلو على
الحق (١). ولقد نهى سبحانه عن هذا الظن
والحسبان فقال: ﴿ فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ
وَعْدِهِ، رُسُلَةُ: إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو أنتِقَاءٍ ﴾
[ إبراهيم: ٤٧].
ورد علی من کان یظن أن الله لا ينصر
ومَن
رسوله، وأن دينه سيضمحل بقوله:
كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَّنْ يَنصُرَهُ اللهُ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ
فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَآءِ ثُمَّ لَيُقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ
يُدْهِبَنَّ كَيْدُهُ، مَا يَغِيظُ (٥)﴾ [الحج:١٥].
وهذه الآية الكريمة فيها من الوعد
والبشارة بنصر الله لدينه ولرسوله وعباده
المؤمنين ما لا يخفى، ومن تأييس
الکافرین الذین یریدون أن يطفئوا نور الله
بأفواههم(٢).
قال ابن كثير رحمه الله: ((من ظن أن
الله لیس بناصر محمدًا وکتابه ودینه،
فلیذهب فليقتل نفسه إن كان ذلك غائظه؛
إِنَّا لَنَنصُرُ
فإن الله ناصره لا محالة،
٢٢
رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ
يَوْمَ لَا يَنفَعُ الَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمَّ
٥١
الأَشْهَدُ
وَلَهُمُ اٌللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوَهُ الذَّارِ
٥٢
[غافر: ٥١-٥٢] (٣).
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦٢١.
(٢) المصدر السابق ص ٥٣٥.
(٣) تفسير القرآن العظيم ٢١١/٣.
إن الظن السيئ بالله هو نتاج قلب فاسد
جاهل به سبحانه وأسمائه وصفاته، خالٍ
من ذكر الله وتعظيمه. وهكذا كان حال
المنافقين مع رسول الله صلى الله عليه
وسلم کانوا یتعلقون بأي شيء فيه إضعاف
للحق، وإرجاف بين المؤمنين؛ رجاء أن
يزول هذا الحق الذي لا يريدونه، وتكررت
منهم الظنون السيئة في مواقف كثيرة، سجل
القرآن منها ظنونهم في أحدٍ والأحزاب
والحديبية، واستمر المنافقون منذ ذلك
الوقت إلى اليوم على هذا المنهج الفاسد،
تدفعهم إليه قلوبهم المريضة.
ومع بالغ الأسف فإن كثيرًا من المسلمين
يقعون في الظن الفاسد الذي هو من
خصال المنافقين من حيث لا يعلمون،
فقد ينظر بعض المسلمين إلى أحوال
الأمة الإسلامية، وما أصابها من الضعف
والهوان؛ فيصيبه اليأس من صلاح أحوالها؛
فيقعد عن العلم والدعوة، ويتخلف عن
الخير والصلاح. يظن ظنًّا سيئًا أنه لا صلاح
يرجى، ولا خير ينتظر. ويبصر البعض الآخر
الكفار وما يملكون من أسلحة متطورة،
وصناعة متقدمة، وقوة ضاربة، ويقارن ذلك
بأحوال المسلمين، الذين يقتلون ويشردون
ويمنعون أبسط الحقوق الضرورية للعيش
على الأرض !! فلربما يقدح الشيطان في
قلوبهم أن تلك القوة عند الكفار دليل على
www. modoee.com
٣٨٩
حرف الظاء
الحق، وأن ذلك الضعف عند المسلمين
دليل على الباطل، فيطلقون لأنفسهم العنان
في هذه الأوهام الفاسدة، والظنون السيئة؛
حتى ربما خرجوا من الإسلام وهم لا
يشعرون.
ثالثًا: عدم علم الله لما يسرون:
قد أنكر الله في كتابه من ظن ذلك
الظن، فقال سبحانه: ﴿أَمْ يَصْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ
سِرَّهُمْ وَّتَّوَمُهُمَّ بَلَى وَرُسُلْنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ﴾
[الزخرف: ٨٠].
ويقول عز من قائل: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ
أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعَّكُمْ وَلَا أَبْصَرَّكُمْ وَلَا ◌ُلُودُ كُمْ
وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَوُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ
﴾ [فصلت: ٢٢].
٢٢
وسبب نزول الآية كما ذكر ابن مسعودٍ
رضي الله عنه قال: اجتمع عند البيت ثلاثة
نفرٍ: قرشيّان وثقفيٌّ أو ثقفيّان وقرشيٍّ،
قليلٌ فقه قلوبهم، كثيرٌ شحم بطونهم،
فقال أحدهم: أترون اللّه يسمع ما نقول؟
وقال الآخر: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن
أُخفینا! وقال الآخر: إن کان یسمع إذا جهرنا
فهو يسمع إذا أخفينا، فأنزل الله عزّ وجل:
﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعَّكُمْ
وَلَا أَبْصَرُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا
[فصلت: ٢٢](١).
(٢٢
يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَا تَعْمَلُونَ(
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير،
رقم ٨٧/١٦،٤٨١٦؛ ومسلم في صحيحه،
أي: الخفیات من أعمالکم، وهذا الظن کفر
وجهل بالله وسوء معتقد یؤدي إلی تکذیب
الرسل والشك في علم الإله (٢).
يقول ابن القيم رحمه الله في ذلك: ((من
ظن أنه سبحانه لا سمع له ولا بصر، ولا علم
له ولا إرادة، وأنه لم يكلم أحدًا من الخلق
ولا یتکلم أبدًا، وأنه ليس فوق سماواته على
عرشه بائنًا من خلقه، أي بلا کیف، وكما
وصف الله به نفسه، فقد ظن به أقبح الظن
وأسوأه(٣).
رابعًا: كذب الرسل:
إنّ من أسس العقيدة الإسلامية الإيمان
بجميع الرسل والأنبياء عليهم السلام وبما
جاؤا به من عند الله، فالمؤمنون يعتقدون
إيمانًا راسخًا ثابتًا لا يتزعزع بالرسل والأنبياء
عليهم السلام. وقد وصف القرآن الكريم
إيمان المؤمنين حيث قال سبحانه: ﴿مَامَنَ
الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَّ كُلُّ
ءَامَنَ بِالَّهِ وَمَلَيْكَئِهِ، وَكْتُهِ، وَرُسُلِهِ، لَا تُفَرِّقُ
بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ، وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَاً
[البقرة :
غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ اَلْمَصِيدُ (٥).
٢٨٥].
فما من نبي دعا قومه إلى الله إلا وجاءهم
ببينّة على صدقه في دعواه من حجة عقلية
كتاب الصفات، رقم ٢٧٧٥، ص٢١٤١.
(٢) البحر المحيط، أبو حيان ٧/ ٤٧٢.
(٣) انظر: زاد المعاد ٢٣٢/٣.
٣٩٠
القرآن الكريم
الظن
وآية كونية. فمن شكّ أو ظنّ في صدق صالح عليه السلام: ﴿قَالُواْ يَصَلِحُ قَدْكُنْتَ
الرسل وبما جاؤوا به فقد أساء الظن بالله فِيِنَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَنَنْهَيْنَا أَنْ تَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ
ءَابَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكِ مِّمَّا تَدْعُونَّ إِلَيْهِ مُرِيبٍ)
[هود: ٦٢].
وبرسله إساءة تورده الهلاك في الدنيا
والآخرة (١).
ولا يخفى ما حلّ بالأقوام السابقة من
العذاب العظيم حينما أساءوا الظن برسلهم
وشكوا بهم فكذبوهم. فمن قوم نوح
عليه السلام من كذب وشك فيما فضّله
الله به عليهم، يقول الله عز وجل مخبرًا
عنهم: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ قَوْمِهِ مَا
نَرَئِكَ إِلَّا بَشَرًّا مِثْلَنَا وَمَا نَرَئِكَ أَتَّبَعَكَ إِلَّا
الَّذِينَ هُمْ أَرَافِلْنَا بَادِىَ الرَِّ وَمَا نَرَى لَكُمْ
عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلَّ نَطُّكُمْ كَذِينَ )
[هود:٢٧].
وقال سبحانه عن قوم هود: ﴿قَالَ
الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَغَرَئِكَ فِى
سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَذِبِينَ (
٦٦
[الأعراف: ٦٦].
قد تشابهت أقوال قوم هود وأقوال
قوم نوح في تكذيب الرّسل؛ لأنّ ضلالة
المكذّبين متّحدة، وشبهاتهم متّحدة،
كما قال عز وجل:
ـمَتْ قَلُوبُهُمْ
تشـ
[البقرة: ١١٨].
فكأنّهم لقّن بعضهم بعضًا كما قال
تعالى: ﴿أَتَوَاصَوْ بِهِ، بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاعُونَ (
[الذاريات: ٥٣] (٢). وقال سبحانه عن قوم
(١) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ١٢/ ١٧٠.
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٥ / ٣٤٨.
ونجد أن قوم شعیب علیه السلام عندما
دعاهم إلى الله ظنوه كاذبًا، ولم يقفوا عند
ذلك بل طلبوا بأنفسهم العذاب إن كان
صادقًا، فقالوا: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَخَّرِينَ:
(١٨٥)
وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِن نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَذِبِينَ
فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفَا مِّنَ السَّمَاءِ إِن كُنْتَ
١٨٦
[الشعراء: ١٨٥- ١٨٧].
١٨٧
مِنَ الصَّدِقِينَ
و قوم موسى عليه السلام اختلفوا وشكّوا
فيما جاءهم به ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ
فَأَخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلًا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ
لَقُضِىَ يَلْنَهُمْ وَإِنَّهُمَّلَفِى سٍَّ مِنْهُ مُرِيبٍ (
[هود: ١١٠].
ثمّ إنّ فرعون ظنّ أنه حين دانت له
البلاد، وذلّ له العباد، استحق ما ليس له
فقال: ﴿فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾ [النازعات:
٢٤]، فأخذه الله نكال الآخرة والأولى،
وأراه الآيات العظام على يد موسى عليه
السلام فكذب وعصى، وقال في حق
موسى: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَذِبًا﴾ [غافر: ٣٧].
وفي آية أخرى أراد أن يحقق ظنه
فقال: ﴿بَأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ
إِلَهٍ غَيْرِى فَأَوْقِدْ لِ يَهَمَنُ عَلَى الطِّينِ
فَلَجْعَل ◌ِ صَرْحًا لَّعَلِّ أَطَّلِعُ إِلَ إِلَهِ مُوسَى
www. modoee.com
٣٩١
حرف الظاء
وَإِنّ لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَذِبِينَ {
٣٨].
كذب موسی، وادّعى أنه إله، ونفى أن
يكون له علم بالإله الحق، وفعل الأسباب
ليتوصل إلى إله موسى، وكل هذا ترويج،
ولكن العجب من هؤلاء الملأ، الذين
يزعمون أنهم كبار المملكة، المدبرون
لشئونها، كيف لعب هذا الرجل بعقولهم،
واستخف أحلامهم، وهذا لفسقهم الذي
صار صفة راسخة فيهم (١).
[القصص:
غلبة الظن في الأحكام الشرعية
كثير من المسائل الفقهية ظنية: إما لخفاء
الدليل، أو خفاء الدلالة؛ فليس كل مسألة
في الفقه يقول بها الإنسان على سبيل اليقين
أبدًا، بل بعضها يقين وبعضها ظن، والظن
إذا تعذر اليقين مما أحل الله، ومن نعمة الله
أنه إذا تعذر اليقين رجعنا إلى غلبة الظن،
فليس كل ظن منكرًا، لكن الظن الذي ليس
له أصل یینی علیه منکر. فهؤلاء الذين سموا
الملائکة تسمية الأنثی لا علم لهم بذلك بل
هو ظن مبني على وهم، وربما يكون مبنيًا
على أهواء، يعني لم يطرأ على بالهم أنهم
إناث، ولكن تبعوا آباءهم، ﴿وَمَا لَمُ بِهِ مِنْ
عِلْمٍ إِن يَتَبِعُونَ إِلَّا الَّنِّ وَإِنَّ الَّنَّ لَا يُغْنِى مِنَ الْحِّ
شَيْئًا (٥)﴾ [النجم: ٢٨].
أي: هذا الظن المبني على الوهم لا على
القرائن لا يغني من الحق شيئًا، أي لا يفيد
شيئًا من الحق، لأنه وهم باطل، والوهم
الباطل لا یمکن أن یفید (٢).
إن مسائل الشريعة التي لا يمكن الوصول
فيها إلى درجة اليقين؛ لا بد فيها من الاستناد
إلى الظن الغالب. والمقصود بالظن الغالب
هنا هو الظن الذي يغلب الظنون الأخرى،
فالظّن ضرب من أفعال القلوب،یحدث عند
بعض الأمارات، وهو رجحان أحد طرفي
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٥٦٦.
(٢) تفسير القرآن [جزء الذارايات]، ابن عثيمين
ص٢٢٣.
٣٩٢
مَوْقَ الَرُ النَّفسيد
القرآن الكريمِ
الظن
التّجوّز، وإذا حدث عند أمارات غلبت
وزادت بعض الزیادة، فظنّ صاحبه بعض
ما تقتضيه تلك الأمارات، سمي ذلك: غلبة
الظّن (١).
وهذا المعنى هو المصطلح عليه عند
علماء أصول الدين وأصول الفقه. وهو
العلم المستند إلى دليل راجح مع احتمال
الخطأ احتمالاً ضعيفًا. وهذا الظن هو مناط
التكليف بفروع الشريعة.
وغلبة الظن تنزل منزلة اليقين والعلم في
الأحكام الشرعية، قال الشاطبي: ((الحكم
بغلبة الظن أصل في الأحكام(((٢) بل عدّ
الجصّاص الاقتصار على غالب الظن
وإجراء الحكم عليه واجب (٣).
وإنما أجري الظن مجرى العلم؛ لأنّ
الظن الغالب يقوم مقام العلم في العادات
والأحكام؛ ولأنّ ما يدرك بالاجتهاد قلّما
يخلو عن الوسواس والخواطر وهي تفضي
إلى الظنون؛ فجاز إطلاق لفظ الظن عليها؛
لما لا يخلو عنه (٤).
والمشهور من مذهب مالك أن الغالب
مساوٍ للمحقق في الحکم(٥). وقد دل على
ذلك قوله تعالى في شأن المهاجرات:
(١) الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري ١/ ٣٤٣.
(٢) الاعتصام ٢/ ١٤.
(٣) أحكام القرآن ٥٣٩/٣.
(٤) مدارك التنزيل، النسفي ٤ / ٢٧٥.
(٥) القواعد، المقري ١٤١/١.
﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُتَّارِ﴾
[الممتحنة: ١٠].
ومعلوم أنه لا سبيل إلى العلم اليقيني
بإيمانهن، وإنما المقصود حصول غلبة الظن
بأنهن مؤمنات، وقد سمی الله حصول هذه
الغلبة علمًا، وفي الصحيح من حديث أم
سلمة مرفوعًا: « عن رسول اللّه صلى الله
عليه وسلم آنّه سمع خصومةً بباب حجرته
فخرج إليهم، فقال: (إنّما أنا بشرٌ وإنّه يأتيني
الخصم، فلعلّ بعضكم أن يكون أبلغ من
بعض، فأحسب أنّه صادقٌ فأقضي له بذلك،
فمن قضيت له بحقّ مسلم، فإنّما هي قطعةٌ
من النّار فليأخذها، أو ليتركها) (٦). فقوله:
فأحسب أنه صادق دليل على العمل بالظن
الغالب.
قال البيضاوي رحمه الله في تفسير
قوله تعالى: ﴿إِن ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اَللَّهِ﴾
[البقرة: ٢٣٠] «إن كان في ظنهما أنهما يقيمان
ما حدده الله وشرعه من حقوق الزوجية.
وتفسير الظن بالعلم هاهنا غير سديد؛ لأن
عواقب الأمور (غيب) تظن ولا تعلم؛
ولأنه لا یقال: علمت أن یقوم زید؛ لأن (أن
الناصبة) للتوقع، وهو ینافي العلم (٧).
ولعل البيضاوي أراد غلبة الظن بقوله:
(٦) رواه البخاري في صحيحه، كتاب الأحكام
)) باب من قضي له بحقّ أخيه فلا يأخذه ..
حدیث رقم ٦٦٧٢.
(٧) أنوار التنزيل ١/ ٥٢٠.
www. modoee.com
٣٩٣
حرف الظاء
(في ظنهما) والذي هو دون العلم والله
أعلم.
آثار الظن
أولًا: آثار حسن الظن:
١. المبادرة بالتوبة إلى الله.
إذا أحسن العبد ظنه بربه؛ فإنه يسعى
للمبادرة إلى طلب عفوه، ورحمته، ورجائه،
ومغفرته، ليطرق بعد ذلك العبد باب ربه
منطرحًا بين يديه، راجيًا مغفرته، تائبًا من
معصيته مستحضرًا قول النّبي صلى الله عليه
وسلم: (إنّ الله عزّ وجلّ يبسط يده بالليل
ليتوب مسيء النّهار، ويبسط يده بالنّهار
ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من
مغربها) (١).
حسن الظن بالله من أقوى ما يدفع به
القنوط؛ فالمؤمن حين يصيبه الغم والهم
من ذنب اقترفه، یعلم بحسن ظنه أنه لا يغفر
الذنوب إلا الله فيبادر بالتوبة، وهذا ماحصل
الثلاثة الذين خلفوا؛ إذ يقول سبحانه
عنهم: ﴿وَعَلَىَ الثَّلَثَةِ الَّذِينَ خُلِفُواْ حَتَّى إِذَا
ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ
أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَنْ لََّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّ إِلَيْهِ ثُمَّ
تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ النََّّابُ الرَّحِيمُ
[التوبة: ١١٨].
في قوله تعالى: ﴿حَتََّ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب التوبة، باب
قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت الذنوب
والتوبة، حديث رقم ٤٩٥٤.
٣٩٤
البَشَبـ
قَضوري
جوي
القرآن الكريمِ
الظن
﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ
اَلْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ
أَنْفُسُهُمْ ﴾ ﴿وَنُّواْ أَنْ لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلَّ
إِلَيْهِ﴾ جاءت هذه الجمل في كنف (إذا)
في غاية الحسن والترتيب. ذكر أولًا: ضيق
الأرض علیهم وهو كناية عن استیحاشھم،
ونبوة الناس عن كلامهم. وثانيًا: وضاقت
عليهم أنفسهم وهو كناية عن تواتر الهم
والغم على قلوبهم، حتى لم يكن فيها شيء
من الانشراح والاتساع. فذكر أولًا ضيق
المحل، ثم ثانيًا ضيق الحال فيه؛ لأنه قد
يضيق المحل وتكون النفس منشرحة ... ثم
ثالثًا: لما يئسوا من الخلق علقوا أمورهم
بالله وانقطعوا إليه، وعلموا أنه لا يخلص
من الشدة ولا يفرجها إلا هو تعالى (١).
ولاشك أن نبي الله داود عليه السلام كان
حسن الظن بالله تعالى حينما أيقن أنه
سبحانه سيغفر له ذنبه، فبادر عليه السلام في
الإنابة له والاستغفار، وفي ذلك يقول عز
وجل: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَنَنَّهُ فَاسْتَغْفَرَرَبَّهُ، وَخَّ
رَاكِعَاً وَأَنَابَ ا﴾ [ص: ٢٤].
٢. حسن العمل.
إنّ من أحسن الظن أحسن العمل. فنبي
الله إبراهيم عليه السلام قد لاقى ما لاقى من
أبيه ومع ذلك قال: ﴿سَلَمُ عَلَيْكٌ سَأَسْتَغْفِرُ
لَكَ رَبِّ إِنَّهُ كَانَ بِ حَفِيًّا ﴾ [مريم: ٤٧].
فقد أحسن الظن والعمل مع والده بقوله:
(١) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ١١٣/٥.
﴿سَلَمُ عَلَكَ سَأَسْتَغْفِرْلَكَ رَبِ﴾ فلم ييأس
منه ويتركه. وأحسن الظن بربه حينما قال:
﴿إِنَّهُ, كَانَ بِ حَفِيًّا﴾ أي: لطيفًا، يجيب
الدعاء. قال الحسن البصري رحمه الله: ((إنّ
المؤمن أحسن الظن بربه فأحسن العمل،
وإن الفاجر أساء الظن بربه فأساء العمل»(٢).
ونلحظ هذا الأثر في قوله سبحانه:
﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَّةُ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةُ إِلَّا
عَلَى الْخَشِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَقُواْ رَيِّهِمْ
وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَجِعُونَ (٦)﴾ [ البقرة: ٤٥ - ٤٦].
ومن أحسن الظن بربه فأيقن صدق وعده،
وتمام أمره، وما أخبر به من نصرة الدين
والتمكين في الأرض للمؤمنين؛ اجتهد في
العمل لهذا الدين العظيم، والدعوة إلى الله،
والجهاد في سبيله بماله ونفسه (٣). فالعبد
إنّما يحمله على حسن العمل حسن ظنه بربه
أن يجازيه على أعماله ويثيبه عليها ويتقبلها
منه.
٣. الشعور بالطمأنينة.
إنّ المؤمن حين يحسن الظن بربه لا يزال
قلبه مطمئنًا ونفسه آمنة تغمرها سعادة الرضا
بقضاء الله وقدره وخضوعه لربه سبحانه.
فها هم المؤمنون بعد غزوة أحد أخذهم
(٢) انظر: معاني القرآن، الفراء ٣ /٦٩؛ جامع
البيان، الطبري ٢٤/ ١١٠؛ تفسير القرآن
العظيم، ابن كثير ٤ / ٦٥٠؛ فتح القدير،
الشوكاني ٣٥٢/٤.
(٣) البرهان في علوم القرآن، الزركشي ٤ / ٩٦.
www. modoee.com
٣٩٥
حرف الظاء
نوم مریح، و غلبهم نعاس هانئ ولذيذ، وهم
في عدة الحرب، في الوقت الذي كان فيه
المنافقون وضعاف الإيمان والجبناء يعانون
من کابوس الأوهام والوساوس طوال الليل،
ولم یذوقوا لذة النوم، فکانوا-من حيث لا
يشعرون ولا يقصدون- يحرسون المؤمنين
الحقيقيين الذين كانوا يستريحون في تلك
النومة الطارئة اللذيذة -إن صح التعبير-،
وإلى هذا كلّه يشير الكتاب العزيز في الآية
أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ
الحاضرة إذ يقول سبحانه:
مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةُ نُّعَاسًا يَغْشَىْ طَآئِفَةٌ
مِنْكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ ﴾[ آل
عمران: ١٥٤].
النفوس والإيمان لم يزرهم النوم ولا
حتى النعاس في تلك الليلة خوفًا على
نفوسهم، وعلى أرواحهم، وجريًا وراء
الوساوس الشيطانية، والمخاوف التي هي
من طبيعة ولوازم النفاق وضعف اليقين
ووهن الإيمان، بينما المؤمنون الصادقون
يستريحون في ذلك النعاس اللذيذ، وتلك
النومة الطارئة الهانئة، وهذا هو أحد آثار
حسن الظن وثماره المهمة البارزة، فإن
المؤمن يحظى بالراحة والطمأنينة حتى في
هذه الدنيا، على العكس من غير المؤمنين
من الكفار أو المنافقین أو ضعاف الإيمان،
فإنهم محرومون من الطمأنينة والراحة
اللذيذة تلك.
وها هي هاجر زوج إبراهيم عليه السلام
عندما تركها ووليدها إسماعيل في الصحراء
لا أنیس ولا جلیس، وقلیل من الزاد ثم ولی
عنها، نادته:لمن تتركنا هنا. فلم يرد عليها
فقالت: آللّه الّذي أمرك بهذا؟، قال: نعم،
فقالت: إذن لا يضيّعنا (١).
أحسنت الظن بالله فاطمأنت، فكان ما
كان من أمر زمزم والبيت الحرام. فالعبد إذا
أحسن الظن بالله فإنّ الاطمئنان والسكينة
تعمران قلبه، وتنفيان كل دواعي الخوف
والوجل من المخاليق الضعفاء الذين لا
يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا فضلًا عن أن
أجل، إنّ المنافقين والجبناء وضعاف يملكوا شيئًا من ذلك لغيرهم، ويبقى مطمئنًا
إلى حسن اختيار الله له، يستشرف رحمة ربه
وخيره في كل ما يقضيه الله عليه؛ ولو ظهر
في هذا المقضي من الشر والألم ما ظهر،
فمن يدري؟! فلعل في طيات المحنة منحة
و نعمة.
٤. النجاة من الشدائد.
لن يجد المؤمن في أوقات الشدة مثل
حسن الظن بالله؛ ينير له طريق الأمل
والثبات والغلبة، فالذي يحسن الظن بربه-
وخاصة في الملمات- يعلم أنه سبحانه لن
يضيعه مهما طال الوقت، وبذلك لن يكون
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث
الأنبياء، باب قول الله تعالى: (واتخذ الله
إبراهيم خليلًا)، رقم ٣١١٣.
٣٩٦
الْقُرآن الكَرِيمِ