Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
الظَّالْ
عناصر الموضوع
مفهوم الظلم
٢٩٦
الظلم في الاستعمال القرآني
٢٩٧
الألفاظ ذات الصلة
٢٩٨
تنزيه الله سبحانه عن الظلم
٣٠٠
الظلم طبيعة إنسانية
٣٠٢
أنواع الظلم
٣٠٤
أسباب الظلم
٣٠٩
سبل الوقاية من الظلم وطرق العلاج
٣١٣
٣١٧
آثار الظلم وعاقبته في الدنيا
٣٢٢
عاقبة الظلم في الآخرة
المُجَلَدُ الثَانِى وَالعُشْرُونْ

حرف الظاء
مفهوم الظلم
أولًا: المعنى اللغوي:
قال ابن فارس: «الظلم مشتق من ظلم یظلم مظلمة بفتح اللام وکسرها، وأصله وضع
الشيء في غير موضعه))(١).
وقيل: هو الجور ومجاوزة الحد والميل عن القصد، والظّلمة: المانعون أهل الحقوق
(٢)
حقوقهم(٢).
ومن المجاز (ظلم الأرض) إذا حفرها في غير موضع حفرها، و(ظلم البعير) إذا نحره من
غير داء، و(ظلم الوادي ظلمًا) إذا بلغ الماء منه موضعًا لم يكن بلغه قبل، ولا ناله فیما خلا.
و(الظلمة) ذهاب النور، ومن المجاز أيضًا (شعرٌ مظلم) أي حالك شديد السواد، و(نبتٌ
مظلم) يضرب إلى السواد من خضرته(٣).
فالظلم: الميل عن القصد، ووضع الشيء في غير موضعه الذي يختص به، سواء بزيادة أو
نقص، أو بعدول عن وقته وزمانه، حسيًّا كان أو معنويًّا (٤).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
عبّر المفسرون عن الظلم في القرآن بمعانٍ متعددة: منها جعل العبادة في غير موضعها
اللائق بها، يعني جعلها لغير الله سبحانه، أو التوجه بالعبادة لغير الله سبحانه، ومنها معاملة
العباد بغير ما أنزل الله سبحانه، وعدم إعطائهم حقوقهم أو غير ذلك، وإذا تبيّن لك هذا
فيمكن الوقوف على تعريف عام يشمل ما سبق هو أن الظلم يعني: الميل عن الصواب
ووضع الشيء في غير موضعه الذي يختص به سواء بزيادة أو نقص أو بعدول عن وقته
وزمانه حسيًّا كان أو معنويًّا بقصد أو بدون قصد(٥)، فمن حاد عن طريق الحق لابد وأن يكون
قلبه حالگًا شديد السواد، وقد ذهب نور الإيمان منه؛ لأنه خالف شرع الله سبحانه، وفعل
غير ما أراد الله عز وجل. فالمعنى اللغوي والاصطلاحي متفقان تمامًا.
(١) مقاييس اللغة ٤٦٩/٣.
(٢) انظر: الصحاح، الجوهري ١٩٧٧/٥، لسان العرب، ابن منظور ٣٧٣/١٢.
(٣) انظر: تاج العروس، الزبيدي ٣٢/٣٣.
(٤) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ٣٢٥.
(٥) انظر: جامع البيان، الطبري ٤/ ١٨٣.
٢٩٦
جوبيه
القرآن الكريم

الظل
الظلم في الاستعمال القرآني
وردت مادة (ظـ ل م) في القرآن (٣١٥) مرة، يخص موضوع البحث منها (٢٨٩) مرة(١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
٦٥
وَمَا ظَلَمْنَهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوْاْأَنْفُسَهُمْ﴾ [هود: ١٠١]
الفعل المضارع
٤٥
( إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ
يَظْلِمُونَ ﴾ [يونس: ٤٤]
المصدر
٢٠
[لقمان: ١٣]
ولَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِّ كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
اسم الفاعل
١٣٥
﴾ [الأنبياء: ٨٧]
٨٧
صيغة المبالغة
٧
﴿إِنَ الْإِنسَنَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾ [إبراهيم: ٣٤]
اسم المفعول
١
﴿وَمَنْ قُئِلَ مَظْلُوْمًا فَقَدْ جَعَلْنَا لَوَلِّهِ، سُلْطَانًا
[الإسراء: ٣٣]
أفعل التفضيل
١٦
﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُواْ هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْنَى
[النجم: ٥٢]
٥٢
وورد الظلم في القرآن بمعناه اللغوي، وهو: وضع الشىء فى غير موضعه المختصّ به،
إما بنقصان أو بزيادة، وإما بعدول عن وقته أو مكانه، ويستعمل في الذنب الكبير؛ كالشرك،
والذنب الصغير؛ كصغائر الذنوب (٢).
(١) انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٤٣٤-٤٣٩، المعجم المفهرس الشامل،
عبدالله جلغوم، ص٧٢٩-٧٣٥.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص٣٢٦-٣٢٧، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص٤٢٦-
٤٢٨، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي، ٥٤٠/٣-٥٤٤.
www. modoee.com
٢٩٧
يَبْنَىَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
١٣

حرف الظاء
الألفاظ ذات الصلة
البغي:
١
البغي لغة:
مصدر بغی یبغي بغيًّا، إذا تعدى وظلم(١).
البغى اصطلاحًا:
طلب تجاوز الاقتصاد فيما يتحرّى، تجاوزه أم لم يتجاوزه(٢).
الصلة بين الظلم والبغي:
يلاحظ هنا أن القاسم المشترك بين الظلم والبغي هو تجاوز الحد، لكن الظلم دائمًا
مذموم، أما البغي فقد يكون محمودًا، وقد يكون مذمومًا، وغالب الاستعمال القرآني لهذه
المفردة على النوع الثاني، وهو المعنى القريب من معنى الظلم(٣).
الطغيان:
٢
الطغيان لغة:
تجاوز الحدّ في العصيان (٤).
الطغيان اصطلاحًا:
قال القرطبي: ((الطغيان تجاوز الحد في الظلم والغلو فيه؛ وذلك أن الظلم منه صغيرة
ومنه كبيرة، فمن تجاوز منزلة الصغيرة فقد طغى)»(٥).
الصلة بين الظلم والطغيان:
أن الظّلم ضررٌ لا يستحق ولا يعقب عوضًا سواء كان من سلطان أو حاكم أو غيرهما،
وأصله نقصان الحق، أما الطغيان فهو مجاوزة الحد في المكروه مع غلبة وقهر (٦).
(١) لسان العرب، ابن منظور ٧٧/١٤
(٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ١٣٦.
(٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٧٤/١.
(٤) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣/ ٤١٢.
(٥) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٤٥/٦.
(٦) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ٢٣٠.
٢٩٨
جوببيو
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

الظل
الجور:
٣
الجور لغة:
الجيم والواو والرّاء أصلٌ واحدٌ، وهو الميل عن الطّريق(١).
الجور اصطلاحًا:
قال السيوطي: الجور: الخروج عن الوسط بزيادة أو نقصان (٢)، وقال بعضهم: الجائر من
الناس هو الذي يمنع من التزام ما يأمر به الشرع(٣).
الصلة بين الظّلم والجور:
الجور خلاف الاستقامة في الحكم، تقول: جار الحاكم في حكمه والسّلطان في سيرته
إذا فارق الاستقامة في ذلك، والظّلم ضرر لا يستحق، ولا يعقب عوضًا، سواء كان من
سلطان أو حاكم أو غيرهما، وأصل الظّلم نقصان الحق، والجور العدول عن الحق، و نقيض
الظّلم الإنصاف، وهو إعطاء الحق على التّمام، ونقيض الجور العدل، وهو العدول بالفعل
إلى الحق (٤).
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١/ ٤٩٢.
(٢) مقاليد العلوم في الحدود والرسوم، السيوطي ص ٢٠٧.
(٣) انظر: الموسوعة القرآنية، إبراهيم الإبياري ١١٦/٨.
(٤) انظر: معجم الفروق اللغوية، العسكري ٤٩٣.
www. modoee.com
٢٩٩

حرف الظاء
تنزيه الله سبحانه عن الظلم
نّه الله سبحانه نفسه عن الظلم في العديد
من الآيات القرآنية-المكي منها والمدني-،
ونفی أن یظلم سبحانه أحدًا، فكل ما نسب
إلى الله سبحانه فهو خير، وإيجاد الله
سبحانه للعقوبة على الذنب الذي يقترفه
الإنسان لا يعدّ ظلمًا له، بل ذلك عدلٌ منه
سبحانه، وقد تبرأ الله عن الظلم بأكثر من
صيغة، ومن هذه الصيغ قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ
اللَّهَ لَيَّسَ بِظَلٍَّ لِلْعَبِيدِ﴾ وردت في خمسة
مواضع من القرآن الكريم، ثلاث منها مكية،
واثنتان مدنيتان، ومن هذه المواضع قوله
تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِ يكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ
لَيْسَ بِظَلَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الأنفال: ٥١].
قال الإمام القاسمي عند تفسيره لها:
((ذلك إشارة إلى ما ذكر من الضرب
والعذاب بما قدّمت أيديكم، أي: ما كسبتم
من الكفر والمعاصي، وأن الله ليس بظلام
للعبيد، أي: بأن يأخذهم بلا جرم، فإن قيل
ما سر التعبير بـ(ظلام) بالمبالغة مع أن
نفي نفس الظلم أبلغ من نفي كثرته، ونفي
الكثرة لا ينفي أصله، بل ربما يشعر بوجوده،
وبرجوع النفي للقيد.
وأجيب بأجوبة:
منها: أنه نفي لأصل الظلم وكثرته،
باعتبار آحاد من ظلم، كأنه قيل: ظالمٌ لفلان
ولفلان وهلم جرًّا، فلما جمع هؤلاء عدل
إلى (ظلام) لذلك، أي لكثرة الكمية فيه.
ومنها: أنه إذا انتفى الظلم الكثير انتفى
الظلم القليل، لأن من يظلم، يظلم للانتفاع
بالظلم، فإذا ترك كثيره مع زيادة نفعه في حق
من يجوز عليه النفع والضرر كان لقليله مع
قلة نفعه أکثر تركًا.
ومنها: أن (ظلامًا) للنسب أي لا ینسب
إليه الظلم أصلاً.
ومنها: أن كل صفة له تعالى في أكمل
المراتب، فلو كان تعالى ظالمًا، كان ظلامًا،
فنفى اللازم لنفي الملزوم.
ومنها: أن العذاب من العظم بحيث لولا
الاستحقاق لكان المعذّب بمثله ظلامًا بليغ
الظلم متفاقمه.
فالمراد تنزيهه تعالى، وهو جدير
بالمبالغة.
وأيضًا لو عذّب تعالى عبيده بدون
استحقاق وسبب لكان ظلمًا عظيمًا لصدوره
عن العدل الرحيم. وفي صحيح مسلم عن
أبي ذر رضي الله عنه عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم أن الله تعالى يقول: (إني
حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم
محرمًا فلا تظالموا))) (١)(٢).
يتبين مما سبق أن جميع الأجوبة السابقة
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الآداب،
باب تحريم الظلم، رقم ٢٥٧٧، ٤ /١٩٩٤.
(٢) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٣٠٩/٥.
٣٠٠
◌َةُ النَّفِيَة
جوبيع
القرآن الكريمِ

الظل
تتناسب مع السر وراء التعبير بـ(ظلَّام) حيث توعدوهم بعقاب الله))(٢).
بالمبالغة.
ومن الصيغ التي ورد فيها نفي الظلم عن
الله سبحانه في القرآن الكريم: قوله تعالى:
﴿وَمَا اللهُ يُرِيدُظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ حيث إنها وردت
في ثلاثة مواضع، ومن الأمثلة ما ورد عند
قوله تعالى: ﴿مِثْلَ دَأْبٍ قَوْمِ نُوحِ وَعَادٍ وَثَمُودَ
وَاَلَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظَلْمًا لِلْعِبَادِ﴾
[غافر: ٣١].
قال الطبري: ((وما أهلك الله هذه
الأحزاب من هذه الأمم ظلمًا منه بغير
جرمٍ اجترموه بينهم وبينه؛ لأنه لا يريد ظلم
عباده ولا يشاؤه، ولكنه أهلكهم بإجرامهم
وكفرهم وخلافهم أمره)) (١).
كما ورد نفي الظلم عن الله سبحانه في
القرآن الكريم بصيغة (وما ظلمهم الله)
قال الزحيلي عند تفسيره لقوله تعالى:
﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ
يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: ٣٣].
((أي: إن ما وقع بهم من العذاب لم
يكن بظلم من الله؛ لأنه تعالى أعذر إليهم
وأقام حججه عليهم بإرسال رسله، وإنزال
كتبه، ولكن ظلموا أنفسهم بمخالفة الرسل
والتكذيب بما جاءوا به، فعوقبوا وجوزوا
بسوء عملهم، وأحاط بهم العذاب الأليم بما
کانوا به یستهزءون أي يسخرون من الرسل
(١) جامع البيان ٣٧٩/٢١.
وورد نفي الظلم عن الله سبحانه في
القرآن الكريم بصيغة ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ
◌ِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُّوَاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾
في ثلاثة مواضع من القرآن الكريم، وقال
الطبري عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَلَـ
يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحِ
وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَّوْمِ إِبْرَهِيمَ وَأَصْحَبٍ
مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَتْ أَنَنْهُمْ رُسُلُهُم
بِلْبَِّنَتِّ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن
كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [التوبة: ٧٠].
((وقوله: ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾
يقول جل ثناؤه: فما أهلك الله هذه الأمم
التي ذكر أنه أهلكها إلا بإجرامها وظلمها
أنفسها، واستحقاقها من الله عظيم العقاب،
لا ظلمًا من الله لهم، ولا وضعًا منه جل
ثناؤه عقوبة من غير من هو لها أهل؛ لأن
الله حكيم لا خلل في تدبيره، ولا خطأ في
تقديره، ولكن القوم الذين أهلكهم ظلموا
أنفسهم بمعصية الله وتکذیبهم رسله، حتى
أسخطوا عليهم ربهم فحقت عليهم كلمة
العذاب فعذبوا))(٣)
يتضح من الأمثلة السابقة أن الله سبحانه
قد نفى الظلم عن نفسه بأكثر من صيغة،
وهذا يدل على أن الله سبحانه عدلٌ لا يظلم
(٢) التفسير المنير، الزحيلي ١٤ / ١٣٦.
(٣) جامع البيان، الطبري ١٤ / ٣٤٦.
www. modoee.com
٣٠١

حرف الظاء
أحدًا من مخلوقاته.
قال ابن القيم: ((وقد اتفق أهل الأرض
والسماوات على أن الله عدلٌ لا يظلم أحدًا
حتى أعداءه المشركين الجاحدين لصفات
كماله، فإنهم مقرون له بالعدل، ومنزهون
له عن الظلم، حتى إنهم ليدخلون النار وهم
معترفون بعدله كما قال تعالى: ﴿فَأَعْتَّرَفُواْ
پذئِمْ﴾ [الملك:
وقال تعالى: ﴿يَمَعْشَرَ الجِنْ وَالْإِنسِ
أَلَمْ يَأْتِّكُمْ رُسُلٌ مِّنَكُمْ يَقُصُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَِى
وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَأَ قَالُواْ شَهِدْنَا عَ
أَنْفُسِنَّ وَغَّتَهُمُ الْمَوَةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ
أَنَّهُمْ كَانُواْ كَفِرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٠].
فهو سبحانه قد حرّم الظلم على نفسه،
وأخبر أنه لا يهلك القرى بظلم وأهلها
غافلون))(١).
الظلم طبيعة إنسانية
كرّم الله سبحانه الإنسان على كثير من
مخلوقاته، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِيِّ
ءَدَمَ
[الإسراء: ٧٠].
وخلقه سبحانه في أحسن صورة.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِسَنَ فِي أَحْسَنِ
تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤].
ومیّزه بالعقل، وهداه إلى اختيار طريق
الخير أو الشر.
قال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّيِلَ إِمَّا
شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾﴾ [الإنسان: ٣].
كما يمتاز الإنسان عن غيره من
المخلوقات بالطبيعة الهادية له إلى الخير
والتوحيد، فهو مؤمن بالله بطبيعته التي خلق
عليها، وعهد الله سبحانه إليه قبل أن يخلق
بشرًا سويًّا.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِّ ءَآدَمَ
مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ
بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىُّ شَهِدْنَاْ أَن تَقُولُواْيَوْمَ الْقِيَئِمَةِ إِنَّا
كُنَّا عَنْ هَذَا غَفِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢].
فاتجاهه وميوله الداخلية تتجه إلى
الإيمان والتوحيد بالله عز وجل.
قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًاً
فِظْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَاْ لَا نَبْدِيَلَ
لِخَلْقِ اللَّهَّ ذَلِكَ الْذِينُ الْقَيِّمُ وَلَكِننَّ
أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠].
(١) مختصر الصواعق المرسلة ص٢٣١.
جَوَنُواحَرَ النَّفْسِير
القرآن الكريم
٣٠٢

الظلم
ورغم كل هذا فقد ذكر الله سبحانه في هذه الفواصل القرآنية: ﴿وَمَا كَانَ
اَللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ
يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٠].
القرآن الكريم طبائع ذميمة تتنافى مع طبيعة
الإنسان التي فطر الله الناس عليها، والتي
منها الظلم الذي أكد القرآن الكريم وجوده
في الطبيعة الإنسانية.
قال تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اَللَّهِ لَا
تُتْهُومَأُ إِنَ الْإِنسَنَ لَظَلُومُ كَفَّارٌ﴾
[إبراهيم: ٣٤].
يقول الطبري: ((إن الإنسان الذي بدّل وضعوها في غير موضعها، وأشغلوها
نعمة الله كفرًا لظلوم، أي: لشاكر غير من بالشهوات والمعاصي فضروها غاية الضرر
أنعم عليه، فهو بذلك من فعله واضع الشكر من حيث ظنوا أنهم ينفعوها))(٣).
في غير موضعه، وذلك أن الله هو الذي
أنعم عليه بما أنعم، واستحق عليه إخلاص
العبادة له فعبد غيره، وجعل له أندادا ليضل
عن سبيله، وذلك ظلمه))(١).
وقال السعدي في تفسيره للآية نفسها:
((أي: هذه طبيعة الإنسان من حيث هو ظالم
متجرئ على المعاصي مقصّر في حقوق
ربه، کفارٌ لنعم الله لا یشکرها ولا يعترف
بها إلا من هداه الله فشكر نعمه وعرف حق
ربه و قام به»(٢).
كما ورد في القرآن الكريم سبع آيات
ختمت فاصلتها بقوله تعالى: ﴿وَلَكِن
كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾
وقال السعدي عند تفسيره لأحد
(١) جامع البيان ١٧ /١٦.
(٢) تيسير الكريم الرحمن ص٤٢٦.
أي: ((وما ينبغي ولا يليق به تعالى أن
يظلمهم لكمال عدله، وغناه التام عن
جميع الخلق ﴿وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ
يَظْلِمُونَ﴾ منعوها حقها التي هي بصدده،
فإنها مخلوقة لعبادة الله وحده، فهؤلاء
يتبين مما سبق: أن الظلم طبيعة في
النفس البشرية، قد يظهر ويترعرع إذا وجد
بيئة شيطانية ملائمة له، وقد ينقلب هذا
الظلم إلى عدل إذا حدث العكس، وهو
وجود بيئة إيمانية تطبق تعاليم الإسلام،
وتسير على خطى الرسول صلى الله عليه
وسلم، وحاكم يعين المظلوم على استرداد
حقه من الظالم، وقد أكد ذلك أبو بكر رضي
الله عنه بقوله: «ألا إن القوي عندي ضعيف
حتى آخذ منه الحق، والضعيف عندي قوي
حتى آخذ له الحق» (٤).
ويقول ابن خلدون في هذا السياق:
((إن الطبيعة البشرية قد فطرت على الظلم
(٣) المصدر السابق ٦٣١.
(٤) أخرجه البيهقي في سننه، جماع أبواب تفريق
ما أخذ من أربعة أخماس الفيء، باب ما يكون
للوالي، رقم ٦،١٣٠٠٩/ ٥٧٤.
www. modoee.com
٣٠٣

حرف الظاء
والعدوان، فيحاول كلٌ أن يعتدي على أخيه،
وأن ينتزع منه ما في يده، فيقع التنازع المفضي
إلى المقاتلة والهرج وسفك الدماء؛ ولذلك
استحال بقاء الجماعة فوضى دون حاكم
يدفع بعضهم عن بعض، واحتاجوا من أجلّ
ذلك إلى الوازع، وهو واحدٌ منھم یکون له
عليهم الغلبة والسلطان واليد القاهرة حتى لا
يصل أحدٌ إلى غيره بعدوان))(١).
أنواع الظلم
حذّر الشارع من الظلم ونهى عنه أشد
النهي، فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم
القيامة)(٢) .
وقال عز وجل في الحديث القدسي: (یا
عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته
بینکم محرمًا فلا تظالموا)(٣).
وللظلم أنواع كثيرة في واقع الناس،
وحقيقتها تعود إلى نوعين:
الأول: ظلم النفس:
فالإنسان یظلم نفسه، ويضع الأمور في
غير موضعها، وله صور كثيرة، منها:
١. ظلم الشرك.
فالشرك بالله أشد الظلم وأخطره؛
لأنه تجاوز للحد مع الله تعالى، إذ أمر
الله الإنسان بتوحيده، لكن المشرك يتخذ
معه شریگًا، وفي ذلك إرجاع الفضل لغير
صاحبه، ولأنه يؤدي بصاحبه إلى الخلود في
جهنم إن مات على الشرك، فيكون قد ظلم
نفسه وأوردها المهالك؛ لذلك ابتدأ لقمان
الحكيم وصاياه لابنه بعدم الشرك بالله؛ لأنه
(١) تاريخ ابن خلدون ٢٣٥/١.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الآداب،
باب تحريم الظلم، رقم ٢٥٧٨، ٤ /١٩٩٦.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الآداب،
باب تحريم الظلم، رقم ٢٥٧٧، ٤/ ١٩٩٤.
٣٠٤
القرآن الكريمِ

الظل
رأس كل فتنة.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَنُ لِأَبْنِهِ، وَهُوَ
يَعِظُهُ يَبُنَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ
عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].
يقوم الشرك على مجرد التعقب للهوى،
وتغليب المصلحة الفانية على الأخرى
الباقية، ولا يقوم على أي دليل مقنع، وهو
ظلم للنفس وللآخرین معًا، کما أنه انتقاص
لحق الله سبحانه في التوحید، وعدم تنزيهه
عن مشابهة الخلق في حاجتهم إلى الشريك
والمعين، لذلك توعّد الله سبحانه هؤلاء
بشديد العقاب في الدنيا والآخرة.
فقال تعالى: ﴿سَنُلْقِ فِ قُلُوبٍ اَلَّذِينَ
كَفَرُواْ الرَّعْبَ بِمَآ أَشْرَكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ
يُنَزِّلْ بِهِ، سُلْطَئِنَّا وَمَأْوَنُهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ
مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ١٥١].
فالشرك أعظم أنواع الظلم، ولهذا كان
جزاء صاحبه أن يخلد في النار يوم القيامة،
كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ, مَن يُشْرِكَ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ
اللّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَنُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ
مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢].
ومن الشرك: التقرّب إلى الموتى
وأصحاب القبور من الأولياء والصالحين
وغيرهم، وذلك بدعائهم والاستغاثة بهم،
والذبح والنذر لهم، والطواف بقبورهم،
والحلف بهم تعظيمًا لهم، واعتقاد النفع
والضر فيهم، وأن لهم تصرفًا في هذا الكون،
وقدرة على الدفع والرفع والضر والنفع
والعطاء والمنع.
قال تعالى: ﴿قُلُّ مَن رَّبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ
قُلِ اَللَّهَّ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم ◌ِّن دُونِ: أَوْلِيَآءَ لَا يَمْلِكُونَ
◌ِأَهْسِ نَفْعًا وَلَا ضَرَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِىِ الْأَعْمَى
وَالْبَصِيرُ أَمَّ هَلْ تَسْتَوِى الظُّلُمَتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ
لِلَّهِ شُرَكَّةُ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ، فَتَشَبَّهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمَّ قُلِ اللَّهُ
خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ أَلْوَجِدُ اَلْقَهَّرُ﴾
[الرعد:
١٦](١) .
٢. ظلم الكفر.
الكفر ظلمٌ أکبر یخرج من الملة، ویوجب
الخلود في النار، ويحبط جميع الأعمال،
ولا يغفره الله سبحانه إلا بالتوبة.
قال تعالى: ﴿وَالْكَفِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ
[البقرة: ٢٥٤].
٣. ظلم النفاق.
النفاق الأكبر مخرج من الملة، وهو الذي
يتعلق بالاعتقاد؛ كأن يبطن الكفر ويظهر
الإيمان، أو أن يأتي الشخص بمكفّرٍ من
المكفرات كاستهزائه بالشريعة أو استهزائه
بالرسول صلى الله عليه وسلم، أو استهزائه
بالصحابة رضي الله عنهم، فهذا نفاق أكبر
يخرج صاحبه من دين الإسلام وإن صلى
وصام، وزعم أنه مسلم.
ومما يؤكد هذا النوع قوله تعالى:
(١) انظر: بيان حقيقة التوحيد، صالح الفوزان
ص٤٥.
www. modoee.com
٣٠٥

حرف الظاء
﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلَّمُّ إِنَّ اللَّهَ لَا
يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٤].
تَّخُوضُ وَنَلْعَبُّ قُلْ أَبِاللَّهِ وَءَايَتِهِ، وَرَسُولِهِ، كُنتُمْ
تَسْتَهْزِءُونَ ﴿ لَا تَعْنَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ
إِسَنِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥-٦٦].
وقال تعالى: ﴿إِذَا جَآءَكَ الْمُنَفِقُونَ قَالُوا
نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ, وَاللّهُ
يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَكَذِبُونَ﴾ [المنافقون:
١](١).
٤. ظلم التعدي على حدود الله،
واقتراف الكبائر.
قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اَللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَاًوَمَن
يَنَعَدَّ حُدُودَ اَللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:
٢٢٩].
ومن ذلك: الصد عن مساجد الله سبحانه
أن یذکر فیها اسمه.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَجِدَ
اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا أَسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَاً
أُوْلَكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَيِفِينٌ
لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْىٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ
عَظِيمٌ﴾ [البقرة:
ومن ذلك أيضًا كتم الشهادة.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ
شَهَادَةٌ عِندَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِفَفِلٍ عَمَّا
تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٠].
وكذلك الكذب على الله تعالى.
قال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اُفْتَرَى عَلَى
(١) انظر: المصدر السابق ص٢٥.
ومعناه: اختلاق القول على الله تعالى،
وتقوّل الأقوال عنه بإيرادها ابتداءً، أو
بالتبديل والتحريف فيها (٢).
الثاني: ظلم الغير:
وله صور كثيرة ومتنوعة، وهي منتشرة
بصورة كبيرة في مجتمعاتنا، وقد عرض
القرآن الكريم لنماذج متعددة، وبيان ذلك
فيما يأتي:
١. ظلم العباد بعضهم لبعض.
ويندرج تحته عدة أمور، منها:
الغيبة والنميمة والسباب والشتم
والاحتقار والتنابز بالألقاب والاستهزاء
والقذف ونحو ذلك مما تناولته سورة
الحجرات.
وشهادة الزور، کما قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (ألا أنبتكم بأكبر الكبائر ..
ألا وقول الزور)(٣).
وقتل النفس بغير حق، كما قال تعالى:
﴿ وَلَا نَقْتُلُواْ النَّفْسَ أَلَّتِ حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِآلْحَقِّ﴾
[الإسراء: ٣٣].
أخذ أرض الغير أو شيء منها بغير وجه
(٢) انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم
الخطيب ٦ / ٩٧٤.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب ما جاء في الكبائر، رقم ٨٧، ١ / ٩١.
٣٠٦
بَرُ النَّفِيَة
جوية
القرآن الكريم

الظل
صور الظلم الاجتماعى، وقد أمر الإسلام
حق، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(من أخذ شبرًا من الأرض ظلمًا فإنه يطوقه بالإحسان إلى الوالدين، فقال تعالى:
يوم القيامة من سبع أرضين)(١).
وأكل أموال الناس بالباطل، كما قال
تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ
أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِلْبَطِلِ إِلَّ أَنْ تَكُونَ
تَجَرَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
والتعامل بالربا، كما قال تعالى: ﴿فَيْطَلْمٍ
مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَتٍ أُحِلَّتْ لَمْ
وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (٦ وَأَخْذِهِمُ
الرِّبَوأ وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَلَ النَّاسِ بِلْبَطِلِ
وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ [النساء:
١٦٠ - ١٦١].
والغش في المعاملات، كما قال صلى
الله عليه وسلم: (من غشنا فليس منا)(٢).
ومماطلة من له حق علیه، قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: (مطل الغنى
ظلم)(٣) (٤).
٢. الظلم الواقع بين الأرحام.
عقوق الوالدين: يعد عقوق الوالدين من
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البيوع،
باب من اقتطع شبرًا من الأرض ظلمًا، رقم
٣،١٦١٠ /٠١٢٣٠
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب من غشنا فليس منا، رقم ١،١٠١ / ٩٩.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
الحوالات، باب الحوالة وهل يرجع في
الحوالة، رقم ٢٢٨٧، ٣/ ٩٤.
(٤) انظر: مفاتح الغيب، الرازي ١/ ٢٢٦.
﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ إِيَّاهُ وَ بِالْوَلِدَيْنِ
إِحْسَنَا﴾ [الإسراء: ٢٣].
لكن هناك من يخالف شرع الله ويعقّ
والديه، وقد ظهر العقوق بأشكال متنوعة،
منها: أن يسبّ الرجل والديه، وقد بيّن
الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله:
(إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه)،
قيل: وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال:
(يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه
فيسب أمه)(٥).
ومن صوره: منع النفقة عن الآباء، رغم
حاجة الآباء إلى النفقة مع قدرة الأبناء،
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهم قال،
قال صلى الله عليه وسلم: (أنت ومالك
لأبيك)(٦).
ومنه: ميل الوالد لبعض أولاده، ويكون
ذلك بعدم العدل بينهم في الهدية والعطية؟
وبالتالي فإن هذا يؤدي إلى العقوق، وكراهية
بعضهم لبعض، ودافع للعداوة بين الإخوة.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب،
باب لا يسب الرجل والديه، رقم ٥٩٧٣،
٠٣/٨
(٦) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب التجارات،
باب مال الرجل من مال والده، رقم ٢٢٩٢،
٧٦٩/٢.
وصححه الألباني صحيح وضعيف سنن ابن
ماجة ٢٩١/٥، رقم ٢٢٩١.
www. modoee.com
٣٠٧

حرف الظاء
وقد روي عن النعمان بن بشير رضي وقسمتها على غير ما أمر الله سبحانه.
الله عنهما أن أمه بنت رواحة سألت أباه
بعض الموهوبة من ماله لابنها، فالتوى
بها سنة، ثم بدا له، فقالت: لا أرضى حتى
تشهد رسول الله صلی الله علیه وسلم علی
ما وهبت لابني، فأخذ أبي بيدي وأنا غلام
فأتى رسول الله صلی الله عليه وسلم،
فقال: يا رسول الله: إن أم هذا بنت رواحة
أعجبها أن أشهدك علی الذي وهبت لابنها،
فقال رسول الله صلی الله عليه وسلم: (یا
بشير ألك ولد سوى هذا؟ قال: نعم، فقال:
أکلهم وهبت له مثل هذا؟ قال: لا، قال: فلا
تشهدني إذًا فإني لا أشهد على جور)(١).
وأكل حقوق النساء في الميراث، فقد
جاء الإسلام لیبطل ما فيه ظلم وجور من
توريث الأبناء دون البنات في الجاهلية،
وحدد لكل مستحق من التركة حقه.
قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلَدِكُمْ
لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْشَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١].
والمتأمل في الواقع يجد أن أكثر ذلك
الظلم يقع على الأخوات من أقرب الناس
إلیهن، وهم إخوتهن، و کثیرًا ما نسمع ونری
من المشاكل التي أدت إلى قطع الأرحام
والعداوات بين الأقارب، والتي كان
سببها تعطيل قسمة الفرائض والجور فيها،
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفرائض،
باب العدل بين الأولاد في العطاء، رقم
٠١٢٤٣/١٦٢٣،٣
ومنه أيضًا قطيعة الرحم، وقد فشى في
مجتمعات المسلمین، ومن أخطرها من لا
يعرف الناس قرابته بصلة، ولا بمال ولا بأي
شيء، تمضي الشهور وربما الأعوام وما قام
بزیارتهم، ولا تودد إليهم بصلة أو هدية، ولا
دفع عنهم حاجة أو أذية، بل ربما أساء إليهم
بالقول أو الفعل أو بهما معًا، وقد قال تعالى:
﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ
وَتُقَطِّعُواْ أَرْ حَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢].
وقال صلی الله عليه وسلم: (لا يدخل
الجنة قاطع)(٢) (٣).
والحاصل أن الظلم الاجتماعي له صورٌ
متعددة ذكرنا بعضًا منها، والواجب على
المسلم أن يحاسب نفسه، ويتأمل تعاملاته
مع أقربائه وجيرانه وزملائه، ویجب أن یعلم
أن حبه لأحد لا يقتضي الغلو والمبالغة فيه
وعدم نصحه، كما أن بغضه أو عدم ارتياحه
لأحدٍ لا يسوّغ له ظلمه، أو التعدي عليه،
أو ترك ما يجب له من التكريم والصلة،
وهذا هو العدل الذي قامت به السماوات
والأرض، وأمر به الشرع، قال تعالى: ﴿وَإِذَا
قُلْتُمْ فَأَعْدِلُواْ ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، وقال تعالى:
﴿أَعْدِ لُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾ [المائدة: ٨].
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب،
باب إثم القاطع، رقم ٥٩٨٤، ٨/ ٥.
(٣) انظر: منهج القرآن الكريم في دعوة المشركين
إلى الإسلام، حمود الرحيلي ٧٣٢/٢.
٣٠٨
جُوبُواحَرَ النَّفْسَيْ
القرآن الكريمِ

الظلم
أسباب الظلم
للظلم أسباب كثيرة ومتعددة، تؤدي
إليه، وتوقع الإنسان به، وبيان هذه الأسباب
متمثلة في المطالب الآتية:
أولًا: الكفر:
إن الكفر بنعم الله سبحانه وجحودها
من أبرز أسباب الظلم، وقد أكد ذلك القرآن
الكريم.
قال تعالى: ﴿وَالْكَفِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ
[البقرة: ٢٥٤].
قال الطبري في تفسيرها: ((فإنه يعني
تعالى ذكره بذلك والجاحدون لله
المكذبون به وبرسله هم الظالمون، يقول:
هم الواضعون جحودهم في غير موضعه،
والفاعلون غير ما لهم فعله، والقائلون ما
ليس لهم قوله»(١).
هَمَ
وَالْكَفِرُونَ
وقد قال تعالى:
الظَّالِمُونَ﴾ ولم يقل: والظالمون هم
الكافرون؛ لأن معنى الآية أن کل کافر ظالم،
ولیس کل ظالم کافرًا.
ولو قال: (الظالمون هم الكافرون) لکان
قد حكم على كل ظالم - وهو من يضع
الشيء في غير موضعه- بالكفر (٢).
(١) جامع البيان، الطبري ٥/ ٣٨٤.
(٢) انظر: الوسيط، الزحيلي ١٤٥/١.
ثانيًا: اتباع الهوى واتباع الظن:
الظلم ليس وليد نفسه، بل له منابع
وأسباب، ومن هذه الأسباب: تسلّط الأهواء
والغرائز على الظالمين حكامًا أو محكومين،
قال تعالى: ﴿بَلِ أَتَّبَعَ الَِّينَ ظَلَمُواْ أَهْوَآءَ هُم
بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الروم: ٢٩].
ومعنى الآية: أن أولئك الظالمين اتبعوا
أهواءهم جهلا منهم لحق الله عليهم،
فأشركوا الآلهة والأوثان في عبادته، ولو
قّبوا وجوه الرأي، واستعملوا الفكر والتدبر
لربما ردهم ذلك إلى معرفة الحق، ووصلوا
إلى الرشد، ولكن أنى لهم ذلك(٣).
ثالثًا: الاستكبار والترف:
من الناس من ينعم الله سبحانه عليه
بالنعم الكثيرة، ولكنه لا يدرك قدرها،
فيستخدمها في غير ما خلقت له، ومثال
ذلك: نعمة الصحة والمال، فیتکّر ویتجبّر،
قال تعالى: ﴿كَلَّ إِنَّ الْإِنسَنَ لَيَطْفَ أَنْ رَّمَاءُ
أُسْتَغْىَ﴾ [العلق: ٦ - ٧].
ومعنى ذلك: أن أمر هذا الإنسان
عجيب، فإنه متى أحس من نفسه قدرة
وثروة خرج من الحد الذي يجب أن يكون
عليه، واستكبر عن الخشوع لربه، وتطاول
بأذى الناس، وعدّ نفسه فوقهم جميعًا،
وقد كان من حقه أن يكون وإياهم أعضاء
(٣) انظر: تفسير المراغي ٤٤/٢١.
www. modoee.com
٣٠٩

حرف الظاء
أسرة واحدة، يتعاونون في السراء والضراء، الأرض، حيث حسد ابن آدم قابيل أخاه
هابيل؛ لأن الله سبحانه تقبّل قربان هابيل
ويحب الخير لهم كما يحبه لنفسه (١).
الذي قدمه؛ لأنه طيب، ومن نفس طيبة،
ومن الأمثلة التي ساقها القرآن الكريم
عن أولئك الذين طغوا بسبب النعم: قصة
النمرود بن كنعان، الذي أعطاه الله الملك
ثم بعد ذلك ادعى الربوبية.
أما قابيل فلم يقبل منه؛ لأنه أسوأ حالة، ولم
يجد بها إلا مكرهًا، وكانت علامة القبول
نزول نار فتحرق المقبول، وتترك الذي لم
يقبل، فحسد قابيل أخاه فقتله، فأصبح من
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِى حَجَّ إِنَّهِمَ
فِى رَبِّهِ أَنْ ءَاتَنُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ [البقرة: ٢٥٨].
الخاسرين، وكان عليه وعلى الشيطان كفلٌ
من يقتل ظلمًا إلى يوم القيامة (٢).
خامسًا: الولاء للأعداء:
حذر القرآن الكريم من موالاة الظالمين
ومساندتهم بأي صورة كانت.
فقال تعالى: ﴿ وَلَا تَزَكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ
فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ
أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [هود: ١١٣].
ومعنى الآية: أنه يجب عليكم أيها
المؤمنون ألا تستندوا إلى الذين ظلموا،
وهم المشركون وغيرهم، فتجعلوهم ركنًا
لكم تعتمدون عليه، فتقرونهم على ظلمهم،
وتوالوهم في شئونكم الحربية وأعمالكم
الدينية، فإن الظالمين بعضهم أولياء بعض،
وخلاصة ذلك لا تستعينوا بالظلمة، فتكونوا
كأنكم رضيتم على أعمالهم، فإن فعلتم
ذلك أصابتكم النار التي هي جزاء الظالمين،
وبالحسد سفك أول دم حرام على وجه بسبب ركونكم إليهم، والاغترار بهم،
(١) انظر: المصدر السابق ٢٠٢/٣٠.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٠٦/١٠.
٣١٠
بَرُ النَّفِيَة
جوبيع
لِلْطَرَآن الكَرِيمِ
وكذلك فرعون الذي آتاه الله الملك
والسلطان فكان ذلك سببًا لادعاء الربوبية.
قال تعالى: ﴿أَذْهَبْ إِلَى فِرْعُونَ إِنَّهُ طَفَى )
فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَنْ تَزَّكَّى ، وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى
١١ فَأَرَنُ آلآَيَةَ الْكُبْرَى ، فَكَذَّبَ وَعَصَى (١)
◌ُمَّ أَدْبَرَ يَتْعَى ١ فَحَشَرَ فَنَادَى ، فَقَالَ أَنَاْ رَبِّكُمُ
الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ١٧-٢٤].
رابعًا: الحسد:
إن الحسد من الأسباب المؤدية إلى
الظلم، فهو الذي أخرج إبليس -لعنه الله-
من رحمة ربه، حيث حسد آدم على مكانته
عند ربه، فامتنع عن السجود تکبرًا وعصيانًا
لأمر الله سبحانه عندما أمر الملائكة
بالسجود لآدم، فسجدوا إلا إِبلیس استکبر.
وقال الله عنه: ﴿قَالَ أَنَاْ خَيْرٌمِنْهُ خَلَقْنَنِىمِن
ثَّارٍ وَخَلَقْنَهُ، مِن طِينٍ﴾ [ص: ٧٦].

الظل
والاعتماد عليهم، والركون إلى الظلم وأهله الدين وأهله، قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
لَا تَتَّخِذُواْ الُْهُودَ وَالنَّصَرَىَ أَوْلِيَاءُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِّ
ظلم (١).
وَمَن يَتَوَلَُّم مِّنَكُمْ فَإِنَّهُ، مِنْهُمَّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى أَلْقَوْمَ
اٌلَّلِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١].
كما أكد القرآن على عدم موالاة
الكافرين، فقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُوَاْ ءَابَآءَ كُمْ وَإِخْوَتَكُمْ أَوْلِيَآءَ
إِنِ أُسْتَحَبُّواْ أَلْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَنَّ وَمَنْ
يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُوْلَكَ هُمُ الَّالِمُونَ﴾
[التوبة: ٢٣].
قال الطبري: ((يقول تعالى ذكره للمؤمنين
به وبرسوله: لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم
بطانة وأصدقاء، تفشون إليهم أسراركم،
وتطلعونهم على عورة الإسلام وأهله،
وتؤثرون المكث بين أظهرهم على الهجرة
إلى دار الإسلام ﴿إِنِ أَسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى
اَلْإِيمَنَّ﴾، يقول: إن اختاروا الكفر بالله،
على التصديق به والإقرار بتوحيده ﴿وَمَن
يَتَوَلَّهُم ◌ِنْكُمْ﴾ يقول: ومن يتخذهم منكم
بطانة من دون المؤمنين، ويؤثر المقام معهم
على الهجرة إلى رسول الله ودار الإسلام
﴿فَأَوْلَكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ يقول: فالذين
يفعلون ذلك منكم، هم الذين خالفوا أمر
الله، فوضعوا الولاية في غير موضعها،
وعصوا الله في أمره» (٢).
كما حذّر القرآن الكريم من موالاة اليهود
والنصارى؛ لأن في موالاتهم نصرة لهم على
(١) انظر: تفسير المراغي ١٢/ ٩٣.
(٢) جامع البيان ١٧٥/١٤.
سادسًا: ترك التوبة:
إن من يفعل المعاصي ويستمر في فعلها
دون الرجوع إلى الله سبحانه والإنابة إليه،
يستمرئ هذه المعاصي، ويزيد فيها حتى
تصبح دیدنه، فلا زاجر له ولا رادع، ویکون
قد ظلم نفسه وغيره؛ لأن التوبة تعتبر رادعًا
للظالم عن ظلمه، وقد حذّر القرآن الكريم
من عدم التوبة للعاصي، ووسم من يفعل
ذلك بالظلم، فقال تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَتُّبْ
فَأُوْلَكَ هُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١].
ومعنى ذلك: أن من لم يتب من شروره
ومعاصيه فهو ظالم؛ لأنه ظلم الناس
بالاعتداء عليهم، وظلم نفسه بأنه رضي
لها عقوبة الآخرة مع التمكن من الإقلاع
عن ذلك، فكان ظلمه شديدًا جدًّا؛ لذلك
جيء له بصيغة قصر الظالمين عليهم، كأنه
لا ظالم غيرهم، لعدم الاعتداد بالظالمين
الآخرين في مقابلة هؤلاء على سبيل
١٩(٣)
٠
المبالغة ليزدجروا
فالتوبة واجبة من کل ذنب، و کل من تاب
من بعد ظلمه وأصلح فإن الله سبحانه يقبل
(٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٥٠/٢٦.
www. modoee.com
٣١١

حرف الظاء
توبته، قال تعالى: ﴿فَنَ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلِیِهِ.
وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهُ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
[المائدة: ٣٩].
وقد وردت هذه الفاصلة القرآنية بعد
الحديث عن عقوبة السارق، وبيّنت أن من
تاب من بعد سرقته، وأناب إلى الله سبحانه،
ورجع عن فعلته، ورد أموال الناس، وأصلح
نفسه، وزکاها بأعمال التقوی والبر، وكانت
توبته بنية صادقة، مع العزم على ترك العود،
فإن الله يقبل توبته، فلا يعذبه في الآخرة(١).
سابعًا: اتباع الشهوات:
إن حرمات الله سبحانه هي جميع ما
حرّم الله سبحانه من حقوق الخالق وحقوق
المخلوقين من أشخاص وأزمان وأمكنة،
وقد حذّرنا الله سبحانه في أكثر من آية
من انتهاك حرماته والتعدي عليها، وجعل
ذلك من أكبر الكبائر، واعتبر کل من ينتهك
حرمات الله سبحانه ظالمًا، قال تعالى:
﴿يَّكَ حُدُودُ اَللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَنَعَذَّ حُدُودَ الَّهِ
فَأُوْلَكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
قال الطبري في تفسيرها: ((يعني تعالى
ذكره تلك معالم فصوله بین ما أحل لكم
وما حرم عليكم أيها الناس، فلا تعتدوا ما
أحل لكم من الأمور التي بينها وفصّلها لكم
من الحلال إلى ما حرم عليكم، فتتجاوزوا
(١) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٦/ ١٨٣.
جوسيس
القرآن الكريمِ
طاعته إلى معصيته))(٢).
ومما يؤدي إلى انتهاك حرمات الله
سبحانه اتباع الشهوات قال تعالى: ﴿وَيُرِيدُ
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَتِ أَنْ تِيلُواْ مَيْلًا
عَظِيمًا﴾ [النساء: ٢٧].
فمتّبعو الشهوات هم الفسقة الذين
يدورون مع شهوات أنفسهم وينهمكون
فيها، فكأنها أمرتهم باتباعها فامتثلوا أمرها،
فلا ییالون بما قطعوا من وشائج الأرحام، ولا
بما أزالوا من أواصر القرابة، فليس مقصدهم
إلا التمتع باللذة، أما اللذين يفعلون ما يأمر
به الدین فلیس غرضهم إلا امتثال أوامره، لا
اتباع شهواتهم، ولا الجري وراء لذاتهم (٣)،
لذا لابد من تقوى الله سبحانه والابتعاد عن
انتهاك حرماته؛ لأن ذلك من أسباب الظلم
المؤدية إلى نار جهنم.
(٢) جامع البيان، الطبري ٥٨٣/٤.
(٣) انظر: تفسير المراغي ١٤/٥.
٣١٢

الظلم
سبل الوقاية من الظلم وطرق العلاج
أولًا: سبل الوقاية من الظلم:
إن الوقاية من الظلم لها سبل متعددة،
تؤدي إلى تحقق هذه الوقایة، فإن أخذنا بها
اتقينا الظلم، ومن هذه السبل ما يأتي:
١. إشاعة العدل في كل شيء.
يعدّ العدل من العوامل الرئيسة والآداب
السامية التي تؤدي إلى الوقاية من الظلم
والطغيان، وذلك بنشر العدل بين الناس
وعدم التفريق بينهم، فالمظلوم أو المقهور
إن لم يستطع نيل حقه بالطرق المشروعة
فقد يعلن عن غضبه بقيامه برد الظلم بمثله،
ومن هنا ینتشر الظلم المضاد، لذلك كان أمر
الله سبحانه بالعدل صريحًا.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ
وَاْإِحْسَنِ وَإِيَتَآٍَ ذِى الْقُرْبَ وَيَنْهَى
عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِّ يَعِظُكُمْ
لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠].
وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
كُونُواْ قَوَّمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِ وَلَا
يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَكَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُواْ
أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨].
قال ابن کثیر: «فلا یحملنکم الھوی
والعصبية وبغضة الناس إليكم على ترك
العدل في أموركم وشؤونكم بل الزموا
العدل على أي حال)»(١).
٢. صيانة الروابط الاجتماعية من
عوامل البغضاء والشحناء.
تحتل الروابط الاجتماعية مكانة مهمة
في الإسلام، ولهذا سعى الإسلام إلى
العمل على صيانتها، ومعالجة العوامل التي
تهدد تماسكها وترابطها، وتقود إلى الشقاق
والمنازعات والعداوة والبغضاء، ومن أهم
هذه العوامل التي تؤثر سلبًا في العلاقات
الاجتماعية: الإشاعة، وهي بث الأخبار
بقصد الإفساد بشكل مباشر أو غير مباشر،
ولهذا وضع الإسلام منهاجًا خاصًّا لتلقي
الأخبار، وذلك لأن الشائعات تفسد بين
القلوب، وتحدث الفوضى، وقد تكون سببًا
في حدوث كوارث ونكبات في المجتمع
بین أفراده.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن جَآءَ كُ
فَاسِقٌ بِنٍََّ فَتَبَيَّنُواْ﴾ [الحجرات: ٦].
قال الشوكاني: ((والمراد من التبين
التعرف والتفحص والتبصر في الأمر الواقع،
والخبر الوارد حتى يتضح ويظهر»(٢).
٣. التحكم في الغضب الذي يدفع
الناس إلى الظلم.
وجّه الإسلام إلى عدم الغضب، والبعد
عن أسبابه، لما له من آثار سلبية على علاقة
(١) تفسير القرآن العظيم ٤٣٣/٢.
(٢) فتح القدير ٧١/٥.
www. modoee.com
٣١٣

حرف الظاء
الناس بعضهم ببعض، ولما يسببه من شحناء
وبغض قد يكون سببًا في انتشار الظلم في
المجتمع، قال تعالى: ﴿وَالْكَظِمِينَ
اَلْفَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران:
١٣٤].
فمن أجاب داعي الغيظ وتوجه بعزيمة
إلى الانتقام لا يقف عند حد الاعتدال، ولا
يكتفي بالحق، بل يتجاوزه إلى البغي، ومن
ثم كان من التقوی کظمه(١).
٤. الإنكار على الظالم ومنعه من
لظلم.
إذا كان الظلم سببًا في هلاك الأمة، فمن وبسكوت أهل الحق عنهم، أو بركونهم
الواجب شرعًا الإنكار على الظالم، ومنعه
من الظلم، وعدم السكوت عن ظلمه.
عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: یا
أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية: ﴿ يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ
إِذَا أَهْتَدَيْتُمْ ﴾ [المائدة: ١٠٥]، وإني سمعت
رسول الله صلی الله علیه وسلم يقول: (إن
الناس إذا رأوا ظالمًا فلم يأخذوا على يديه
أوشك أن یعمهم الله بعقاب منه)(٢).
أي: إذا لم تمنعوه من ظلمه مع القدرة
على منعه أوشك الله أن یعمهم بعقاب منه،
(١) انظر: تفسير المراغي ٧١/٤.
(٢) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب تفسير
القرآن، باب ومن سورة المائدة، رقم ٣٠٥٧،
٢٥٦/٥.
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
ومن الواضح أن الظالم يجب منعه من الظلم
والإنكار عليه، ويشمل ذلك الحاكم وغيره
من الظلمة.
٥. عدم الركون إلى الظالمين.
وهذا سبيل من سبل الوقاية من الوقوع
في الظلم، أو شيوعه وانتشاره، وما يترتب
علی ذلك من العقاب أو الهلاك بالأمة، وهو
عدم الركون إلى الذين ظلموا بأي نوع من
أنواع الركون إليهم، حتى يعجزوا أو يضعفوا
عن ارتكاب الظلم، لا سيما الحكام الظلمة؛
لأنهم لا يرتكبون المظالم إلا بأعوانهم،
إليهم.
قال تعالى محذِّرًا من الركون إلى الذين
ظلموا: ﴿ وَلَا تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُم
النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُوَّلَا
تُصَرُونَ﴾ [هود: ١١٣].
ومعنى الآية: لا تميلوا إلى قول هؤلاء
الذين كفروا بالله فتقبلوا منهم، وترضوا
أعمالهم، فتمسكم النار بفعلكم ذلك(٣).
وقال الزمخشري: ((والنهي متناول
للانحطاط في هواهم والانقطاع إليهم،
ومصاحبتهم في مجالسهم، وزيارتهم
ومهادنتهم والرضا بأعمالهم والتشبه بهم،
والتزبي بزيهم، ومد العين إلى زهرتهم،
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٥/ ٥٠٠.
٣١٤
القرآن الكريمِ