Indexed OCR Text
Pages 21-40
الطعامى
وجل من العبادة وعمارة الأرض.
وبتغذي الإنسان بالأطعمة الحلال
يشعر العبد بنعم الله الوفيرة عليه، ويتلذذه
بالطيبات تزيد محبته لمن خلق تلك
الطيبات، وأحلّها للعباد، ولا شكّ بأنّ
المؤمن كلما ازداد شعورًا بنعمة الله عز
وجل علیه زاد لربّه شكرًا، وامتلأ قلبه محبة
للمنعم سبحانه وتعالى، وازداد علمًا ومعرفة
بفضل الله عز وجل عليه، ولا شك أن ذلك
کله من مقاصد الدین.
وإنّ الله عز وجل ما خلق الطيبات
ليحرّمها على العباد؛ وما خلقها ليتخذها
العباد وسيلة للمعصية والفساد؛ بل خلقها
سبحانه ليتنعموا بها، ولتكون وسيلة يصلون
بها إلى مرضاة ربّهم جل وعلا، وتحصيل
النعيم الأكبر بالفوز بدار النعيم في الآخرة.
هذه بعض الحکم من تحليل الطيبات؛
أمّا عن حكم تحريم الخبائث فلا شكّ بأنّ
في تحريم الله عز وجل لتلك الأطعمة
المحرّمة نفعٌ للعباد، ومصلحة عظيمة لهم؛
فإنّ تلك الأطعمة المحرّمة إنّما هي ممّا
تأباه الفطر السليمة، وتستقذره النفوس
الرشيدة، ولا یمکن لعبدٍ عاقلٍ أن يجد في
تلك المحرمات أمرًا طيبًا، أو فائدة مرجوّة؛
فالحرام ضررٌ محض، وفي اجتنابه السلامة
والمعافاة.
ومن الحكم التفصيليّة لتحريم بعض
الأطعمة والأشربة:
أولًا: الحفاظ على العقل الذي به تتم
عبادة الله عز وجل، وعمارة الأرض؛
وذلك بتحريم كلّ ما يعطل العقل كالخمر
والمسكرات والمخدرات.
ثانيًا: الحفاظ على النفس؛ وذلك بتحريم
کلّ ما يحدث الضرر بها، أو يشكّل خطرًا
عليها.
ثالثًا: حفظ المال بعدم إضاعته فيما لا
نفع فيه.
رابعًا: الوقاية من الأمراض الناتجة عن
تلك الأطعمة المحرمة؛ كالدم المسفوح
الذي يعد أنسب مكان لانتشار الجراثيم
ونموها.
خامسًا: من حكم تحريم لحم الخنزير
أنّه قد اكتشف أنّ له قابلية كبرى لجميع
الأمراض الميكروبية المعدية؛ أمّا الميتة
فينحبس الدم فيها في الشرايين، مما يؤدي
إلى التعفن وتجمع الجراثيم والميكروبات
الضارة والسامة.
وهناك حكمٌ خاصة بتحريم أصناف
معينة من الأطعمة ذكرها العلماء، ولا زال
العلماء يكتشفون في الأطعمة المحرمة
أضرارًا وأمراضًا خطيرة، وكلما اكتشفوا
شيئًا علموا عظمة شرع الله عز وجل في
تحریم تلك الخبائث.
والعبد المؤمن لا ينتظر العلماء وأهل
www. modoee.com
٢٧
حرف الطاء
الطب ليكشفوا له عن أسرار التحريم؛ لأنّه عن الحرام، قال ابن القيم: ((فما حرّم الله
علی عباده شيئًا إلا عوضهم خيرًا منه؛ كما
يعلم أنّ ذاك التحریم إنّما هو من عند العلیم
الحکیم، ولا یشرع لعباده إلا الشرع الحكيم،
الذي فيه استقامة الحياة، والسعادة والسرور،
يقول الشيخ القرضاوي: ((وليس من اللازم
أن یکون المسلم على علم تفصيليٍّ بالخبٹ
أو الضرر الذي حرّم الله من أجله شيئًا من
الأشياء، وقد لا ينكشف خبث الشيء في
عصره، ويتجلى في عصر لاحق، وعلى
المؤمن أن يقول دائمًا: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾
[البقرة: ٢٨٥].
حرّم عليهم الاستقسام بالأزلام، وعوضهم
منه دعاء الاستخارة، وحرّم عليهم الرّبا،
وعوضهم منه التجارة الرابحة .. ، وحرّم
عليهم الحرير، وأعاضهم منه أنواع الملابس
الفاخرة؛ من الصوف والكتان والقطن،
وحرّم عليهم الزنا واللواط، وأعاضهم
منهما بالنكاح والتسري بصنوف النساء
الحسان، وحرّم عليهم شرب المسكر،
وأعاضهم عنه بالأشربة اللذيذة النافعة
للروح والبدن .. ، وحرّم عليهم الخبائث
ألا ترى أنّ الله حرّم لحم الخنزير فلم
يفهم المسلم من علة لتحريمه غير أنّه
مستقذر، ثم تقدم الزمن فكشف العلم فيه
من الديدان والجراثيم القاتلة ما فيه، ولو
لم يكشف العلم شيئًا في الخنزير، أو كشف
ما هو أكثر من ذلك فإنّ المسلم سيظل على
عقيدته بأنّه رجس)) (١).
من المطعومات، وأعاضهم عنها بالمطاعم
الطيبات، ومن تلمّح هذا وتأمّله هان عليه
ترك الهوى المردي، واعتاض عنه بالنافع
المجدي، وعرف حكمة الله ورحمته وتمام
نعمته على عباده فیما أمرهم به ونهاهم عنه،
وفيما أباحه لهم، وأنّه لم يأمرهم بما أمرهم
ولا بدّ من الإشارة - أخيرًا- إلى أنّ من به حاجةً منه إليهم، ولا نهاهم عنه بخلا منه
تعالی علیهم؛ بل أمرهم بما أمرهم إحسانًا
منه ورحمةً، ونهاهم عمّا نهاهم عنه صيانةً
لهم وحميةً)) (٣).
رحمة الله عز وجل، وعظيم كرمه على عباده
أنّه سبحانه إذا حرّم على العباد شيئًا عوضھم
خيرًا منه، وأبدلهم ما هو أجلّ وأنفع (٢)،
فيعلم العبد أنّ الله عز وجل ما يريد أن يحرم
عباده؛ وإنّما شرع لهم ما تستقيم به حياتهم،
وتسعد به أنفسهم، وفي الحلال كفاية للعباد
[انظر: الأكل: أنواع المأكولات من حيث
الطيب والخبث]
(١) الحلال والحرام في الإسلام ص٢٩.
(٢) انظر: المصدر السابق ص ٣٠.
(٣) روضة المحبين، ابن القيم ص١١.
٢٨
جوب
القرآن الكريم
الطعامى
الإطعام في القرآن الكريم
إنّ الحديث عن الإطعام ممّا لا ينبغي أن
يغفل عنه في سياق الحديث عن الطعام في
كتاب الله عز وجل؛ فلقد ذكر الإطعام في
القرآن الكريم -مكيّه ومدنّه- مرارًا، وبيّن
الله عز وجل قيمة الإطعام وأهميته، وبيّن
فضل المطعمين، وأنواع الإطعام، وفي
ذلك تنبيه على أهمية الإطعام في دين الله
عز وجل.
ومن تأمّل في الآيات التي تحدّثت عن
الإطعام يجد أنّ الإطعام له مكانةٌ عظيمةٌ
في الإسلام، فهو شعيرة من شعائر الدين،
وقربةٌ من أجلّ القربات إلى العلي الكبير،
وقد قال النبي صلی الله عليه وسلم حينما
سأله رجلٌ: أيّ الإسلام خير؟ فقال صلى
الله عليه وسلم: (تطعم الطعام، وتقرأ السلام
على من عرفت ومن لم تعرف)(١).
لقد أخبر القرآن الكريم بأنّ إطعام الطعام
للمساكين والفقراء والأسرى المحتاجين
من خصال عباد الله المخلصين، فقال عز
وجل مادحًا لهم، ومبينًا لفضلهم: ﴿عَيْنًا
يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْسِيرًا يُقُونَ بِالنَّذْرِ
وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرً وَيُطْعِمُونَ الَّعَامَ
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب بيان تفاضل الإسلام وأي أموره أفضل،
رقم ١٦٩، ٤٧/١، عن عبد الله بن عمرو
رضي الله عنهما.
عَلَى حُبِِّ مِسْكِينًا وَيَقِيمًا وَأَسِيرًا ، إِنَّا تُطِعِمُكُمْ لِوَجْهِ
اللَّهِلَا نُِدُ مِنْكُمْ جَزَهُ وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٦ - ٩].
وكيف لا يكون للإطعام تلك المكانة
الرفيعة في دين الله عز وجل ؟! وقد جعله
الله سبحانه من الأمور التي بها يجوز العبد
العقبة الكبرى يوم القيامة، فهو سبب للنجاة،
وموصل للفلاح، قال الله عز وجل:
أَقْنَحَمَ اُلْعَقَبَةَ: ١) وَمَا أَدْرَنِكَ مَا الْعَقَبَةُ (١) فَقُّ
رَقَّبَةٍ ، أَوْ إِطْعَمٌ فِي يَوْمٍذِى مَسْغَبَةٍ يَتِمَاذَا
مَقْرَبَةٍ { أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ، ثُمَّ كَانَ مِنَ
اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ وَقَوَاصَوْ بِالْمَرْحَمَّةِ )
أُوْلَئِكَ أَعْضَبُ اَلْيَّمَنَّةِ ﴾ [البلد: ١١ - ١٨].
وإنّ ممّا يدلّ على أهمية الإطعام في
الإسلام أنّ القرآن الكريم أخبر بأنّ عدم
إطعام الفقراء والمساكين سيكون سببًا
للوقوع في عذاب الله عز وجل يوم القيامة،
قال الله عز وجل مخبرًا عن أصحاب النار:
﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَّرَ (١ ) قَالُوْ لَمْنَكُ مِنَ الْمُصَلِينَ
٢) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٢ -
٤٤].
بل إنّ الله عز وجل قد ذمّ الذي لا يحضّ
على طعام المسكين، فقال تعالى: ﴿أَرَءَيْتَ
الَّذِى يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ) فَذَلِكَ الَّذِى
يَدُغُ أَلْبَنِيِمَ ن وَلَا يَحُعُّ عَلَى طَعَامِ
اَلْمِسْكِينِ﴾ [الماعون: ١ - ٣].
فقد قرن الله عز وجل عدم الحضّ على
طعام المسكين مع الكفر بالله، والتكذيب
www. modoee.com
٢٩
حرف الطاء
بالدين، والتهاون في الصلاة، ولا شكّ بأنّ بيان لأصناف المطعمين، وأنواع الإطعام
في ذلك تشنيع على الذي لا يحضّ على وشروطه.
طعام المسكين، فلا هو يطعم، ولا هو أولًا: أصناف المُطْعَمين:
يحضّ غيره على الإطعام.
ولقد أكّد النبي صلى الله عليه وسلم
على أهمية الإطعام، وعظيم أجره عند الله
عز وجل، وقد قرنه مع فضائل الأعمال،
فقال صلى الله عليه وسلم: (أيّها النّاس؛
أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلّوا
والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام) (١)
وحذّر رسول الله صلى الله عليه وسلم
من البخل بالطعام والشراب عن الفقراء
والمساكين؛ من الأقارب والجيران وغيرهم،
وبيّن أنّ ذلك لیس من شیم الإیمان، ولا من
أخلاق الإسلام، فقال صلى الله عليه وسلم:
(ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع إلى
جنبه) (٢).
وفي النقاط الآتية بإذن الله تعالى
(١) أخرجه الترمذي في سننه، رقم ٢٤٨٥،
٢٦٤/٤، عن عبد الله بن سلام رضي الله
عنه.
قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وصححه الألباني في الصحيحة، رقم ٥٦٩.
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب البيوع،
رقم ٢١٢٦، ١٢/٢، عن أم المؤمنين عائشة
رضي الله عنها.
وأخرجه الطبراني في الكبير عن أنس رضي
الله عنه، بلفظ (ما آمن بي من بات شبعانًا
وجاره جائع إلى جنبه)، رقم ٢٥٩/١،٧٥١.
والحديث صححه الألباني في الصحيحة،
رقم ١٤٩.
لقد بيّن الله عز وجل أنّ في المجتمع
أصنافًا من الناس يستحقون الإطعام،
ويقدمون على غيرهم في ذلك؛ لأنّهم أشدّ
حاجة للطعام، بسبب ما ابتلاهم الله عز
وجل من فقرٍ أو يتمٍ أو حاجةٍ، ومعلومٌ أنّ
العمل الصالح يكون أعظم إذا ما كان نفعه
أکبر.
ومن تتبع آيات الكتاب العزيز يجد أنّ
الله عز وجل وجّه المطعمين إلى توجيه
إطعامهم إلى الأصناف الآتين من الناس:
١. المساکین.
وهم أكثر من أمر الله عز وجل بإطعامهم
في القرآن الكريم، وأغلب الآيات التي
ذكرت الإطعام إنّما جعلته للمساكين،
والمساكين جمع مسكين، والمسكين هو
الذي لا شيء له، وقيل: هو الذي له بعض
الشيء؛ ولكن لا يسدّ حاجته، ولا يكفيه(٣)،
وقد اختلف أهل اللغة والمفسرون والفقهاء
في تحديد الفرق بين المسكين والفقير،
ومن منهم أشدّ حاجة، فقال البعض:
(٣) انظر: معاني القرآن، النحاس ٢٧٤/٤،
النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير
٣٨٥/٢.
٣٠
جوسين
القرآن الكريم
الطعام
هما مترادفان(١)، وقال بعضهم: الفقير
أشدّ حاجة، وقال آخرون: المسكين أشدّ
حاجة(٢)، والذي يعنينا هنا أنّ المسکین هو
من كان في عوز وحاجة، ويدخل الفقير في
هذه الصفة.
ولعلّ الحكمة في الإكثار من الوصية
بإطعام المساكين أنّ هذا النوع من الناس
في حاجة شديدة إلى العناية والرعاية؛ لأنّهم
-في الغالب- يفضلون الاكتفاء بالقليل
علی إراقة ماء وجوههم بالسؤال، وقد قال
النبي صلى الله عليه وسلم عن المسكين:
(ليس المسكين الذي يطوف على الناس
ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان؛
ولكنّ المسکین الذي لا يجد غنی یغنیه،
ولا یفطن به فیتصدّق عليه، ولا يقوم فيسأل
الناس)(٣) (٤).
وقد أخبر الله عز وجل أنّ في إطعام
هؤلاء المساكين منفعة كبيرة للعبد يوم
القيامة؛ إذ بهذا العمل الصالح تقتحم العقبة،
وتنال الجنة، قال الله عز وجل: ﴿فَلَا أَقْنَحَمَ
(١) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٤٤٨/١.
(٢) انظر: تفسير السمر قندي ٦٧/٢، وقد فصل
القرطبي القول في المسألة، فذكر تسعة أقوال
لأهل اللغة والمفسرين والفقهاء انظر: الجامع
لأحكام القرآن، القرطبي ١٦٨/٨.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة،
باب قول الله تعالى: (لا يسألون الناس
إلحافا)، رقم ١٢٥/٢،١٤٧٩.
(٤) انظر: الوسيط، محمد سيد طنطاوي ١/ ٣٦٣.
١٣
اٌلْعَقَبَةَ وَمَا أَدْرَنَكَ مَا الْعَقَبَةُ أَفَقُّ رَقَبَةٍ
أَوْ إِطْعَمٌ فِي يَوْمٍ ذِى مَسْفَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ
ث أَوْ مِسْكِينَا ذَا مَتْرَبَّةٍ﴾ [البلد: ١١ - ١٦].
والمسكين ذو المتربة هو صاحب الفقر
الشدید؛ کآنّه لصق بالتراب لشدّة حاجته،
وقال ابن عباس رضي الله عنه: هو المطروح
في التراب لایقیه شيء (٥).
وقد جعل الله عز وجل للمساكين حظًّا
وافرًا من الإطعام، إذ إنّ كثيرًا من الكفارات
إنّما هي طعامٌ يصرف للمساكين، ففي
كفارة اليمين أمر الله عز وجل بإطعام عشرة
مساكين: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَنْكُمْ
وَلَكِن يُؤَاخِذُ كُمْ بِمَا عَقَّدُمُ الْأَيْمَنِّ فَكَفَّرَتُهُ,
إِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ
أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِبُرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ
فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّرَةُ أَيْمَئِنِّكُمْ إِذَا
حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩].
ومن ظاهر من زوجته، ولم يستطع
تحرير رقبة ولا صيام ستين يومًا فعليه إطعام
ستين مسكيناً، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ
يُظَهِرُونَ مِن نِسَآءِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيُرُ
رَقَّبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآْسَأَ ذَلِكُنْ تُوعَظُونَ بِهِ، وَاللَّهُ
بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ، فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ
مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَاً فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ
سِتِّينَ مَسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٣- ٤].
(٥) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٩/ ١٣٥،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٤ / ٣٦١.
www. modoee.com
٣١
حرف الطاء
الإفطار في رمضان بسبب كبر سنٍّ، أو
مرضٍ لا يرجى برؤه فدية طعام مسکین،
قال تعالى: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ
مِنَكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ
وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾
[البقرة: ١٨٤].
ومن قتل صيد البر وهو محرم فعليه
كفارة طعام مساكين، قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا
اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَقْتُلُواْ الصَّدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ
مِنْكُم مُتَعَمِّدًا فَجَزَآءُ مِثْلُ مَا قَثَلَ مِنَ النَّعَمِيَحْكُم بِهِ،
ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ هَدِيًا بَلِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّرَةٌ طَعَاءُ
مَسَكِينَ﴾ [المائدة: ٩٥].
٢. اليتامى.
ولا يخفى حال اليتيم من ضعف وعوز،
وفقدان للمعيل؛ فكانت الوصية باليتامى
عظيمة في كتاب الله عز وجل، ومن الوصية
بهم أنّ الله عز وجل حثّ على إطعامهم
ورعايتهم؛ بل وجعل ذلك من عظيم
فَلا
القربات، وأجلّ الطاعات، قال تعالى:
أَقْنَحَمَ اُلْعَقَبَةَ (١) وَمَا أَدْرَنِكَ مَا الْعَقَبَةُ ، فَقُ
رَقَبَةٍ ، أَوْ إِطْعَمٌ فِ يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ يَتِمَاذَا
مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينَا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١١ -
١٦ ].
فإطعام اليتامى في أيام المجاعات من
خير ما تجتاز به العقبة، وتنال به الرحمة،
وإنّما خص الإطعام في يوم المسغبة
وكذلك فقد جعل الله عز وجل فدية والمجاعة لأنّ الحاجة إليه أشدّ، ويكون
الطعام في مثل تلك الأوقات عزيزًا، قال
الفخر الرازي: ((واعلم أنّ إخراج المال في
وقت القحط والضرورة أثقل على النفس،
وأوجب للأجر)»(١).
ولا شكّ بأنّ في إطعام اليتامى مصلحة
عظيمة للمجتمع، وخير كبير للأمة، إذ في
إطعامه سدٌّ لحاجته، ومواساة لحاله، ومن
ثمّ صلاح لأمره، قال ابن عاشور: ((ووجه
تخصيصه بالإطعام أنّه مظنة قلة الشبع؛
لصغر سنّه، وضعف عمله، وفقد من يعوله،
ولحيائه من التعرض لطلب ما يحتاجه؛
فلذلك رغب في إطعامه، وإن لم يصل حدّ
المسكنة» (٢).
٣. الأسرى.
ولقد ذكر الله عز وجل إطعامهم رفقًا
بحالهم، فالأسير محبوس، ممنوع من أهله
وماله، وهو في ضعف وحاجة، فكان في
إطعامه الفضل والطاعة، وقد مدح الله عز
وجل من يطعمون الأسرى بقوله: ﴿عَيْنًا
يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِرُونَهَا تَفْسِيرً يُوقُونَ بِالنَّذْرِ
وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرً ، وَيُطْعِمُونَ الَّعَامَ
[الإنسان:
عَلَى حُبِّدِ، مِسْكِينًا وَيَتِمًا وَأَسِيًا﴾
٦ - ٨].
وقد ذكر المفسرون أقوالًا في المراد
(١) مفاتيح الغيب ١٦٩/٣١.
(٢) التحرير والتنوير ٣٥٨/٣٠.
٣٢
مَوَسُولَرُ النَّفْسِيْ
القرآن الكريم
الطعامى
بالأسرى في الآية؛ فقالوا: هو الأسير شديد الفقر، عظيم الحاجة، وقد وصفه الله
المشرك، وقالوا: المحبوس بحق من بالفقير بعد وصفه بالبائس لمزيد إيضاح
وبيان(٢).
المسلمین، وقالوا: هو العبد؛ إذ هو أسير
٥. القانع والمعتر.
عند سيده، وقالوا: المرأة؛ فهي أسيرة عن
زوجها، وقد رجح القرطبي أنّ جميع من
ذكروا داخلون في الآية (١).
والراجح -والله أعلم - أنّ المعنيين في
الآية الأسرى المحبوسين؛ من المسلمين
والمشركين؛ أمّا العبيد عند أسيادهم،
والنساء عند أزواجهنّ فهم ليسوا بأسرى
على الحقيقة، وقد جاء الحثّ على إطعامهم
والإحسان إليهم -في غير هذه الآية- في
نصوصٍ كثيرةٍ من الشرع الحكيم.
٤. البائس الفقير.
لقد أمر الله عز وجل بإطعام هذا الصّنف
من الناس من بهيمة الأنعام التي تذبح أو
تنحر تقربًا إلى الله عز وجل من الهدي
والأضاحي، قال الله عز وجل: ﴿وَأَزِّنْ
فِى النَّاسِ بِالْحَجْ يَأْتُكَ رِحَالًا وَعَلَ كُلِّ
ضَامِرٍ يَأْنِينَ مِن كُلِّ فَجّ عَمِيقٍ ) لِيَشْهَدُواْ
مَنَفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ أُسْمَ اللَّهِ فِيَّ أَيَّامٍ
مَعْلُّومَتٍ عَلَى مَا رَزَقَّهُم مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَمِّ
فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَآيِسَ الْفَقِيَرَ﴾ [الحج:
٢٧ - ٢٨].
والمراد بالبائس الفقير في الآية: من كان
(١) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٤٣٤/٨،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٢٩/١٩.
وقد أمر الله عز وجل بإطعامهم من البدن
التي تذبح هديًا أو أضحية، وذلك في قوله
تعالى: ﴿ وَالْبُدْنَ جَعَلْنَهَا لَكُرُمِّن شَعَكٍ
اللَّهِ لَكُنْ فِيَهَا خَيْرٌّ فَاذَّكُرُواْ أَسْمَ اَللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَ
فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْقَائِعَ
وَالْمُعْتَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾
[الحج: ٣٦].
وللمفسرين أقوال كثيرة في معنى القانع
والمعتر:
منها: أنّ القانع هو الذي يسأل الناس،
والمعتر هو الذي لا يسأل.
ومنها: أنّ القانع هو المتعفف، والمعتر
هو السائل.
ومنها: أنّ القانع هو السائل، والمعتر هو
الذي يعتريك ولا يسأل.
وغير ذلك من أقوال(٣).
والجامع بين تلك الأقوال جميعًا أنّ
القانع والمعتر من أصناف الناس الفقراء
في المجتمع، ولا شك بأنّ الشرع قد أوصى
بالعناية بهم وإطعامهم.
(٢) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٦٤٢/٣.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٦٣٦/١٨، زاد
المسير، ابن الجوزي ٥/ ٤٣٣.
www. modoee.com
٣٣
حرف الطاء
فهؤلاء هم الذين حثّ القرآن الكريم لا يطعمونهم طلبًا للشكر والثناء من الناس،
قال الله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ.
مِسْكِينًا وَتِمًا وَأَسِيرً ) إِنَّا نُطِمُكُوْ لِوَجْهِ اَللَّهِلَا نُرِيدُ
مِنْكُوْ جَزَهُ وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٨-٩].
على إطعامهم، ورغّب في ذلك ترغيبًا
عظيمًا؛ بل أوجب إطعامهم في الكفارات
والفدية، ولا شكّ بأنّ في ذلك تنبية على
فضل الإطعام وأهميته.
ثانيًا: شروط الإطعام:
إنّ الإطعام عبادة لله عز وجل، يتقرب
بها العبد لربّه سبحانه وتعالى، ومن المعلوم
أنّ لأيّ عبادة من العبادات التي ینال بها رضا
الله عز وجل شرطين:
الأول: الإخلاص لله عز وجل.
والثاني: مطابقة العمل لشرع الله عز
وجل، وموافقته لما في كتاب الله عز وجل
وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
وا الا
وقد قال الله سبحانه:
لِيَعْبُدُواْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الذِينَ حُنَفَآءَ ﴾ [البينة: ٥].
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:
(إنّ الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا
وابتغى به وجهه) (١).
وقد بيّن الله عز وجل أنّ الإطعام الذي
ينال صاحبه الأجر والمثوبة هو ما كان
خالصا لوجهه الكريم، ولم یکن فيه شرك أو
رياء، فلقد مدح الله عز وجل من يطعمون
المساکین والیتامی ابتغاء وجه الله عز وجل،
(١) أخرجه النسائي في سننه، باب من غزا يلتمس
الأجر والذكر، رقم ٣٣٢/٦،٣١٤٠.
وصححه الألباني في الصحيحة، رقم ٥٢.
وإنّما يريدون بهذا العمل الصالح وجه
الله عز وجل، وابتغاء مرضاته، فهم مؤمنون
بالله واليوم الآخر، مؤمنون بالجزاء في
الآخرة، ﴿إِنَّا تَخَافُ مِنْ زَّيِّنَا يَوْمًّا عَبُوسًا قَطَرِيرً﴾﴾
[الإنسان: ١٠].
ولمّا كانت نيتهم خالصة، وأعمالهم
صافية، كان لهم الثواب الجزيل، والأجر
الكريم، ﴿فَوَقَتُهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْبَرِ وَلَقَّهُمْ نَضْرَةً
وَسُرُورً ا وَجَزَّهُمْ بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةً وَحَرِيرً)
مُتَّكِينَ فِهَا عَلَى الْأَرَّبِكِّ لَا يَرَوْنَ فِيَهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِرًا
وَدَائِيَةٌ عَلَيْهِمْ ◌ِلَلُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوقُهَا نَذْلِيلًا﴾
[الإنسان: ١١ - ١٤].
ومعلوم أنّ العمل الصالح لا بدّ أن يكون
مقرونًا بالإيمان؛ إذ العمل الصالح من غير
المؤمن لا ينفع، ولا يقبل الله عز وجل من
الكافرين عملاً صالحًا، وكثيرًا ما قرن الله
عز وجل بين الإيمان والعمل الصالح في
كتابه العزيز(٢)، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّدْلِحَتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ
الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾ [البقرة: ٨٢].
(٢) ورد قول الله عز وجل: ﴿مَامَنُواْ وَعَمِلُوا
الشَّمْلِحَةِ﴾ في القرآن الكريم خمسين مرة.
انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبد
الباقي ص ٤١١ - ٤١٢.
٣٤
القرآن الكريم
الطعامى
ولمّا بيّن الله عز وجل أنّ إطعام اليتامى ذوي القربى، والجيران، والأصحاب،
والمساكين في أيام الجوع والشدة من أفضل
فَلَا
الأعمال الصالحات، فقال سبحانه:
أَقْنَحَمَ اٌلْعَقَبَةَ (١) وَمَا أَدْرَنِكَ مَا الْعَقَبَةُ ، فَقُّ
رَقَّبَةٍ ٣ أَوْ إِطْعَمٌ فِي يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا
مَقْرَبَةٍ ﴿ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةِ﴾ [البلد: ١١ -
١٦]. أتبع ذلك ببيان أنّ تلك الصالحات لا
تنفع العبد إذا لم یکن معها إيمان بالله عز
ثُرَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وجل. قال سبحانه:
وَتَوَصَوْ بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْ بِالْمَرْحَمَةِ ) أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ
اَلْيَسَنَّةِ﴾ [البلد: ١٧ - ١٨].
قال البغوي: ((بيّن أنّ هذه القرب إنّما
تنفع مع الإيمان»(١).
ثالثًا: أنواع الإطعام:
لقد ذكر القرآن الكريم أصنافًا من
الإطعام، فذكر الإطعام المطلق للفقراء
والمساكين والأسرى، وذكر الإطعام من
الهدي والأضاحي، وذكر الإطعام في الفدية
والكفارات، وذكر الإطعام ضيافة، وفيما
يأتي بيان أنواع الإطعام في القرآن الكريم:
١. الإطعام المطلق.
والمراد بذلك الإطعام في أيّ وقت،
ولأيّ صنف من أصناف الناس الذين سبقت
الإشارة إليهم في المطلب الأول من هذا
المبحث؛ بل ويدخل في ذلك أيضًا إطعام
(١) معالم التنزيل ٤٤٣/٨.
وحتى الزوجة والأهل، فقد ورد في الشرع
الحنيف ما يدلّ على فضل ذلك جميعًا.
ولا شكّ أنّ هذا الإطعام المطلق مراتب
ودرجات؛ فكلّما كانت حاجة المطعم
للطعام أشدّ، كان ذلك الإطعام أفضل
وأجلّ، وقد مدح الله المطعمين في وقت
الجوع والمسغبة، قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ
اُلْطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ، مِسْكِينًا وَيَتِمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان:
٨-٩]. فمعنى على حبّه: أي في حال محبتهم
لهذا الطعام وشهوتهم له (٢).
وهذا النوع من الإطعام -الإطعام
المطلق- قد ذمّ الله عز وجل الممتنعين
عنه، وأخبر سبحانه أنّ الامتناع عنه سبب
من أسباب الوقوع في العذاب يوم القيامة،
فقال سبحانه: ﴿عَنِ الْمُجْرِمِينَ آ مَا سَلَكَكُ فِي
سَقَرَ ، قَالُوْلَوْنَكُ مِنَ الْمُّصَلِينَ وَلَّمْ نَكُ نُطْعِمُ
آلْمِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤١ - ٤٤].
وذمّ الله عز وجل من لا يحضِّ على
هذا الإطعام فقال سبحانه: ﴿كَلََّّ بَل لَّا
تُكْرِمُونَ أَلْيَقِيمَ ، وَلَا تَحَُّونَ عَلَى طَعَامِ
اَلْمِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٧ - ١٨].
٢. الإطعام في الكفارات.
وهو إطعام واجب على من وجب عليه
ذلك، كمن حنث في يمينه ولم يشأ أن يعتق
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير
٢٠٩/١٤.
www. modoee.com
٣٥
حرف الطاء
رقبة، أو أن یکسو عشرة مساکین، فهذا یجب
عليه أن يطعم عشرة مساكين إلا أن يكون
عاجزًا عن ذلك فعليه صيام ثلاثة أيام.
قال الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِّ
أَيْمَنْكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدُمُ الْأَيْمَنِّ
فَكَفَّرَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا
تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِبُرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ
لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفََّرَةُ أَيْمَيِّكُمْ
إِذَا حَلَفْتُمْ ﴾ [المائدة: ٨٩].
وغير ذلك من الكفارات، وقد أشرنا إلى
ذلك في المطلب الأول من هذا المبحث.
٣. الإطعام في الفدية.
وقد جعل الله عز وجل هذا النوع من
الإطعام واجبًا أيضًا، فمن أفطر في رمضان
لکبر سنٍّ أو مرض لا يرجى برؤه، وجب
عليه إخراج الفدية؛ طعام مسكين عن كلّ
يوم أفطره.
أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ
قال الله تعالى:
فَمَنْ كَانَ مِنْكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَجِدَةٌ مِّنْ
أَيَّامٍ أُخَرَّ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ
مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤].
أحصر وأصبح مریضًا أو به أذى من رأسه
جاز له أن يحلق رأسه قبل أن يذبح الهدي،
ووجبت عليه الفدية: صيام أو صدقة أو
نسك، قال الله عز وجل: ﴿وَأَنِقُواْ الْحَجَّ
وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ نَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْمَدْفِيٌّ وَلَا
تَخْلِقُواْ رُهُوَسَكُمْ حَّ بَعَ الْهَدْىُ عَجِلٌَّ، فَنْ كَانَ مِنَكُمْ
فَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذَّى مِّن رَأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِن صِيَامٍ أَوْ
صَدَقَّةٍ أَوْنُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦].
والمراد بالصدقة في الآية: إطعام ستّة
مساكين (١).
٤. الإطعام ضيافة.
فإنّ من شعائر الإسلام إكرام الضيف،
ومن أهم صور الإكرام تقديم الطعام
والشراب، وقد أخبر الله عز وجل عن کرم
ضيافة إبراهيم عليه السلام لضيفه.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلْنَآ إِنْزَهِيمَ
بِالْبُشْرَى قَالُواْسَلَمَّا قَالَ سَلَمْ فَمَا لَّبِثَ أَنْ جَآءَ
بِعِجْلٍ حَنِيدٍ ﴿ فَلَمَّارَءَآ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ
نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لَا تَخَفْ إِنَّا
أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٦٩ - ٧٠].
لقد ظنّ إبراهيم عليه السلام أنّ رسل
الله عز وجل من الملائكة الكرام ضيفان من
البشر، فما كان منه إلا الإسراع في إكرامهم،
والتعجل في إعداد الطعام لهم، وقد ذكر
الله عز وجل ذلك في كتابه مدحًا لإبراهيم
الخليل عليه السلام، وبيانًا لمناقبه وفضله،
خلقه.
وكذلك الحال فيمن أحرم بالحج، ثمّ وحثًّا للعباد على التأسي به، والسير على
ويؤخذ من قصة إبراهيم عليه السلام مع
ضيفه هؤلاء أشياء كثيرة من آداب الضيافة؛
منها: تعجيل القرى والطعام، ومنها: أن يقدم
(١) انظر: أيسر التفاسير، الجزائري ١/ ١٧٧.
مُؤْتَقُوالَهُ النَّفْسِيْ
الْقُرآن الكَرِيْمِ
٣٦
الطعامى
للضيف أحسن الموجود، ومنها: تقريب أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم
الطعام إلى الضيف، ومنها: ملاطفته بالكلام الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله
بغاية الرفق (١).
وفي مقابل مدح إبراهيم عليه السلام في
إكرامه لضيف، أخبر الله عز وجل عن قرية
تخلق أهلها باللؤم والبخل وسوء معاملة
الضيفان، وبلغ بهم الحدّ في البخل أن
طلب منهم عابرا سبيل -موسى عليه السلام
والرجل الصالح- أن يطعموهما فأبوا
وبخلوا، قال الله عز وجل مخبرًا عن حال
موسى عليه السلام والعبد الصالح مع أهل
تلك القرية: ﴿فَأَنْطَلَقًا حَتَّى إِذَا أَنْيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ
اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْأَنْ يُضَّفُوهُمَا﴾ [الكهف:
٧٧].
لقد بلغ البخل واللؤم بأهل تلك القرية
أن منعوا طعامهم عن عابر السبيل، وقد
طلب منهم عابر السبيل الطعام فأبوا، مع
في الأمم من عهد
أن الضيافة كانت شائعة
إبراهيم عليه السلام، وهي من العادات
الفاضلة المتعارف عليها بين الناس(٢).
وقد أكّد النبي صلى الله عليه وسلم على
أهمية إكرام الضيف، وبيّن عليه السلام أنّ
ذلك من الإيمان؛ ولا ينفك إكرام الضيف
عن المؤمنين، قال صلى الله عليه وسلم:
(من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا
(١) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ١٨٦/٢.
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٧/١٦.
واليوم الآخر فليكرم ضيفه) (٣).
وفي ختام ذلك المبحث تبيّن مدى
اهتمام القرآن الكريم بفضيلة إطعام الطعام،
وأنّ تلك الفضيلة يشترط لها الإخلاص
لله عز وجل، وأن تكون مقرونة بالإيمان
-كغيرها من الأعمال الصالحة-، وبيّن
القرآن أصناف المطعمين، وأكّد على حقّ
المساكين واليتامى، وبيّن أنّ الإطعام له
أنواع وصور متعددة، وكلّما كان الطعام
المقدم محتاجًا إليه، كان جزاؤه أعظم.
والناس اليوم يحتاجون إلى تلك الشعائر
الربانية، وتلك الرحمات الإلاهية، من إطعام
الطعام، والسعي على المساكين والأيتام،
فکم من بيوت لا يجد أهلها کسرة خبز، و کم
من دول يموت شعبها جوعًا، وكم من طفل
بات باکیًا لم تجد أمّه ما تسد به رمقه، وفي
جانب آخر من حياة الناس نرى أكوامًا من
الطعام قد ألقيت، وأصنافًا من الخيرات قد
أتلفت، والله المستعان.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب الحث على إكرام الجار والضيف ولزوم
الصمت إلا من الخير وكون ذلك كله من
الإيمان، رقم ٤٩/١،١٨٢، عن أبي هريرة
رضي الله عنه.
www. modoee.com
٣٧
حرف الطاء
طعام الآخرة
إنّ المتتبع لآيات القرآن الكريم التي
تحدّثت عن الطعام يجد أنّ كثيرًا من هذه
الآيات قد تحدّثت عن طعام الآخرة؛ حيث
يخبر الله عز وجل في آيات عدّة من كتابه
العزيز عن طعام أهل الجنة، ويصف لعباده
ما أعدّ للمتقين منهم من طعام ناعم، وأكلٍ
دائم، ويخبر سبحانه عن طعام أهل النار،
ويصف لعباده ما أعدّ للمجرمين من طعام
أثیم، وشراب من حمیم.
أولًا: طعام أهل الجنة:
لقد أخبر الله عز وجل في مواضع كثيرة
من كتابه العزيز عمّا أعدّ لعباده المتقين من
نعيم مقيم في الجنّة، وأخبر سبحانه عن
ظلال الجنة وأنهارها، وأخبر عن أشجارها
وثمارها، وأسهب سبحانه في الحديث عن
تنعّم أهل الجنة بما فيها من أصناف النعيم؛
فأخبر سبحانه عن طعامهم وشرابهم، وأخبر
عن مساكنهم وبيوتهم، وأخبر عن أزواجهم
وخدمهم، وأخبر عن لباسهم وحليّهم،
وأخبر حتى عن كؤوسهم وصحافهم، وفي
هذا كلّه ترغيب للعباد في جنّة الرحمن،
وتشويق لهم للدار الآخرة، وتحفيز لهم
على الجد والاجتهاد في الطاعة والعبادة
لنيل ذلك الجزاء العظيم، والفوز بذلك
الفوز الكبير.
فمن إخبار الله عز وجل عن طعام الجنّة
أنّه سبحانه ذكر دوام ذلك الطعام، وأنّه لا
ینقطع، ولا یمنع؛ بل هو یسیر المنال، قریب
ممن اشتهاه.
قال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِى وُعِدَ
الْمُتَّقُونَ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرِّ أُكُلُهَا دَآَيٌِّ
وَظِلُّهَأْ تِلْكَ عُقْبَ الَّذِينَ أَنَّقَواْ﴾ [الرعد: ٣٥].
ومعنى دوام طعام أهل الجنة في هذه
الآية: أنّه لا ينقطع أبدًا، ولا تنقطع لذته؛ فلا
تزید بجوع، ولا تملّ من شبع (١).
وقد قال سبحانه عن فاكهة الجنة:
﴿وَفَكِهَةٍ كَثِرَةِ ﴿ لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُعَةٍ﴾
[الواقعة: ٣٢- ٣٣].
فثمار الجنة وفاكهتها دائمة؛ لا تنقطع
في حين دون حين، ولا تمنع بالحيطان
والنواطير، ولا تنقطع إذا جنيت ولا تمنع من
أحد إذا أريدت؛ إنّما هي مطلقة لمن أرادها،
قريبة لمن اشتهاها (٢).
قال ابن كثير: ((أي: لا تنقطع شتاءً ولا
صيفًا؛ بل أُكُلُها دائمٌ مستمرٌ أبدًا، مهما طلبوا
وجدوا، لا يمتنع عليهم بقدرة الله شيء،
وقال قتادة: لا يمنعهم من تناولها عودٌ ولا
شوكٌ ولا بعدٌ)) (٣).
وهذا الحال لطعام الجنّة وفاكهتها على
خلاف ثمار الدنيا التي تنقطع وتمنع؛ فحتى
(١) انظر: البحر المحيط، أبو حيّان ٣٨٦/٥.
(٢) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ١٤١/٨.
(٣) تفسير القرآن العظيم ٣٧٠/١٣.
٣٨
جوب
لِلْقُرْآن الْكْرِيْمِ
الطعامى
ملوك الدنيا وأغنياؤها قد يشتهون ثمرًا،
ويجدون قيمته، ولكنّهم قد لا يحصلون
علیه؛ لأنه في غیر وقته، أو لأنّه بعید مكانه،
وقد يشتهون طعامًا أو شرابًا موجودًا؛ ولكنه
يحتاج إلى وقتٍ في صنعه وإعداده؛ فلا
يأتيهم في وقت مرادهم؛ فتنقطع شهوتهم
أثناء انتظاره، ولا شكّ بأنّ أعظم لذة بالطعام
والشراب في وقت اشتهائه وطلبه.
ولقد أخبر الله عز وجل عن ثمار الجنّة ما تشتهيه الأنفس من المآكل والمشارب،
وقطوفها، فبيّن سبحانه أنّ قطوفها دانية مذللة
قال تعالى: ﴿وَفَكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَُّونَ (
وَمِ طَيْرٍ مِّمَا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢٠ - ٢١].
﴿إِنَّ الْمُنَّقِينَ فِي ظِلَلٍ
وقال سبحانه:
وَعُيُونٍ (١) وَفَوَِّهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ ﴿٢ كُواْ وَأَشْرَبُواْ
هَنِيَتَأْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المرسلات: ٤١ - ٤٣].
﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ
وقال سبحانه:
اَلْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُّبُ﴾ [الزخرف: ٧١].
لأهلها في كل وقت ومكان، وشرابها جاهز
على الدوام، وعيونها تتفجر في الحال، كي
لا يظن ظانَّ أنّ ثمار الجنة في الحصول
علیھا کثمار الدنیا، تحتاج إلى من يجلبها من
سوقها، أو يصعد شجرها ليقطفها؛ بل هي
ثمار لصاحبها تأتیه حیث کان، وتدنو منه
متی أراد، وما علیه إلا أن يشتهيها لینالها.
قال الله عز وجل: ﴿وَحَ اٌلْجَنََّيْنِ دَانٍ﴾
[الرحمن: ٥٤].
٢٢
وقال سبحانه: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ لا
قُطُوفُهَا دَاِيَةٌ﴾ [الحاقة: ٢٢
قال البراء بن عازب رضي الله عنه:
((أي: قريبة، يتناولها أحدهم وهو نائم على
سريره))(١).
إنّها ثمار في رؤوس أشجارها؛ ولكنها
مذللة لأصحابها؛ يقطفونها يانعة ناضجة
(١) انظر: المصدر السابق ١١٩/١٤.
متی اشتهوها.
قال تعالى: ﴿وَدَانِيَّةٌ عَلَيْهِمْ ظِلَلُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُونُهَا
نَذْلِيلاً﴾ [الإنسان: ١٤].
قال مجاهد رحمه الله: ((إن قام ارتفعت
بقدره، وإن قعد تدلت له حتی ینالها، وإن
اضطجع تدلت له حتى ينالها، فذلك قوله:
﴿نَذْلِيلًا﴾))(٢).
لقد أخبر الله عز وجل أنّ لأهل الجنّة فيها
وأصناف الأطعمة والفواكه.
وقد أباح الله عز وجل لأهل الجنّة أن
یتناولوا من خيراتها وألوان طعامها وشرابها
ما يشتهون ﴿كُلُواْ وَاشْرَبُواْ هَنِيَا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي
الْأَيَّامِ الَْلِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤](٣).
ولا شكّ بأنّ أعظم شيء في الطعام
والشراب لذته، وكلما كان طيبًا شهيًّا عظم
الفرح به، وزاد التلذذ بأكله، وأقبل الآكل
والشارب عليه؛ ولذا يعطى أهل الجنة قوةً
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٠٣/٢٤، الدر
المنثور، السيوطي ٣٧٤/٨.
(٣) انظر: الجنة والنار، عمر الأشقر ص٢٢٩.
www. modoee.com
٣٩
حرف الطاء
عظيمةً لتکمل لذتهم بما يجدون من مآكلها
ومشاريها؛ كما قال النبي صلى الله عليه
وسلم: (إنّ الرّجل من أهل الجنّة ليعطي
قوّة مائة رجلٍ في الأكل والشّرب والجماع
والشّهوة، فقال رجلٌ من اليهود: إن الذي
يأكل ويشرب تكون منه الحاجة، فقال:
يفيض من جلده عرقٌ فإذا بطنه قد ضمر)(١).
لقد أخبر الله عز وجل أنّ ثمار الجنّة
كثيرة عظيمة، فقال عز وجل: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ
الَّتِىّ أُوْرِقْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ () لَكُ
فِيهَا فَكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢-
٧٣].
رزقوا منها رزقًا- أنّهم قد رأوها من قبل،
فإذا هي أنواعٌ جديدٌ متشابهةٌ في شكلها
ولونها، مختلفةٌ في طعمها وريحها.
كُلْمَا رُزِقُواْ مِنْهَا
قال الله عز وجل:
مِن ثَمَرَةِ رِزْقًاْ قَالُواْ هَذَا الَّذِىِ رُزِقْنَا مِن قَبْلٌ
وَأُتُواْ بِهِ، مُتَشَِهَا﴾ [البقرة: ٢٥](٢).
وعلی کثرة ثمار الجنة وفاکھتھا إلا أنّها
لا تشبه ما في الدنیا من ثمار، ولیس بین ثمار
الجنّة وثمار الدنيا من الشبه إلا في الاسم،
أمّا الحقيقة والطعم والرائحة فثمار الجنة
تعظم ثمار الدنيا بما لا يعلمه إلا الله عز
وجل.
(١) أخرجه الدارمي في سننه، باب في أهل الجنة
ونعيمها، رقم ٣،٢٨٦٧/ ١٨٦٥.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٢١/١.
قال ابن القيم بعد أن ذكر الآيات
والأحاديث في طعام الجنّة: ((قد تضمنت
هذه النصوص أنّ لهم فيها الخبز واللحم
والفاكهة والحلوى وأنواع الأشربة من الماء
واللبن والخمر؛ وليس في الدنيا مما في
الآخرة إلا الأسماء؛ وأمّا المسميات فبينها
من التفاوت ما لا يعلمه البشر)) (٣).
ومن خصائص ثمار الجنة أنّ لکلّ فاکھةٍ
﴿فِهِمَا مِنْ كُلِّ فَكِهَةِ زَوْجَانِ
منها نوعين
[الرحمن: ٥٢].
وذلك من جميع أصناف الفواكه، كلّ
صنف له لذة ولون ليس للنوع الآخر، أو
ومن كثرة ثمار الجنة يظنّ أهلها - كلما يكون فيها من كل نوع ما يؤكل رطبًا وما
يؤكل يابسًا؛ كالعنب والزبيب، والرطب
والتمر، ونحو ذلك (٤).
وأكثر شيءٍ ينغّص على أهل الدنيا
عيشهم القلة بعد الجدة، وفقد الشيء بعد
نيله، واشتهاء الشيء مع عدم القدرة عليه،
ومن الناس من يشتهي طعامًا فيأكل من
الطعام ما یضره؛ لمرض فیه، ومنهم من یری
الطعام فيحبس نفسه عنه وإن كان يشتهيه؛
خوفًا من عاقبته، ومن الناس من يسرف في
مأكله فيضر نفسه، ويحبس نفسه .. وأمّا أهل
الجنة فيتنعمون بأنواع المآكل والمشارب
وهم آمنون من كل هذا التنغيص.
(٣) حادي الأرواح ص ١٣٠.
(٤) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ١٢٠/٨،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٧٩/١٧.
جَوْسُورَةُ الَّفي
القرآن الكريمِ
٤٠
الطعامى
قال الله عز وجل عنهم: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا عن دفع ألم اعتراهم؛ فليس أكلهم عن
بِكُلِّ فَكِهَةٍ ءَامِنِينَ﴾ [الدخان: ٥٥].
فهم آمنون من فقدها وقلتها، وآمنون من
ضررها وعاقبتها، وآمنون من حبس نفوسهم
عنها لعلة من العلل؛ فالجنة ليس فيها مرض
ولا قلة، ولا فقر ولا ضرر على أهلها مما
يأكلون ويشربون (١).
ومن تمام نعمة الله عز وجل على أهل
الجنة في طعامهم وشرابهم أنّ سبحانه جعل
تصريف الطعام والشراب في الجنّة لیس
كما هو في الدنيا؛ فليس في تصريفه شيء
من الأذى أو الخبث؛ بل هو جشاء ورشح
يفيض مسكًا؛ كما قال النبي صلى الله عليه
وسلم: (يأكل أهل الجنّة فيها ويشربون، ولا
يتغوّطون ولا يمتخطون ولا يبولون، ولكن
طعامهم ذاك جشاءٌ كرشح المسك)(٢).
إنّ كلّ هذا النعيم من الطعام والشراب
جعله الله عز وجل لأهل الجنة؛ يتنعمون
به، ويتلذذون به، وليس طعامهم هذا وشرابه
عن شعور بالجوع أو العطش؛ بل هو نعيم
وسرور ما بعده سرور، قال القرطبي في
التذكرة: ((نعيم أهل الجنة وكسوتهم ليس
(١) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٧/ ٢٣٧، تيسير
الكريم الرحمن، السعدي ص ٧٧٤.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة
نعيمها وأهلها، باب في صفات الجنة وأهلها
وتسبيحهم فيها بكرة وعشيا، رقم ٧٣٣٣،
٠١٤٧/٨
جوع، ولا شربهم عن ظمأ، ولا تطيبهم عن
نتن؛ وإنّما هي لذاتٌ متواليةٌ، ونعمٌ متتابعةٌ،
ألا ترى قوله تعالى لآدم: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا
تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَى (١٨) وَأَنَّكَ لَّا تَظْمَؤُاْ فِيَهَا وَلَا
تَضْحَى﴾ [طه: ١١٨ - ١١٩].
وحكمة ذلك أنّ الله تعالى عرفهم في
الجنة بنوع ما كانوا يتنعمون به في الدنيا،
وزادهم على ذلك ما لا يعلمه إلا الله عز
وجل))(٣).
ثانيًا: طعام أهل النار:
وكما أخبر الله سبحانه عن نعيم الجنّة
وطعامها؛ فإنّه سبحانه قد أخبر عن عذاب
النار وأهوالها، وبيّن سبحانه ما فيها من
سموم وحميم، وطعام الأثيم، وخزي
وعذاب أليم؛ ليكون العباد على بيّنة،
وليجنّب العقّال منهم أنفسهم عن ذلك
العذاب قبل أن يأتي وقت لا ينفع فيه الندم.
لقد بيّنت آيات الكتاب العزيز أنّ لأهل
النار أصنافًا من العذاب؛ فلا يقتصر عذابهم
على حرّها وإحراقها؛ بل فيها مع ذلك
الإحراق عذاب الحسرة والندم، وعذاب
السلاسل والأغلال، وعذاب الصّراخ
والفزع، وألم الجوع والعطش، وعذاب
الريح الخبيئة والنتن، وأصنافًا غير ذلك من
(٣) التذكرة ص٤٧٥.
www. modoee.com
٤١
حرف الطاء
العذاب المهين.
يسيل من جلود أهل النار؛ كالقيح والصديد
فأمّا طعام أهل النار فقد أخبر الله عز وغيرهما، كأنه يغسل عنهم (١).
وجل بأنّه ليس لهم طعام إلا الضريع،
فقال سبحانه: ﴿لَيْسَ لَمْ طَعَامُّ إِلَّا مِنْ ضَرِيحِ﴾
[الغاشية: ٦].
وفي موضع آخر من الكتاب العزيز
أخبر سبحانه أنّه ليس لأهل النار طعام غير
الغسلين، فقال تعالى: ﴿فَلَيْسَ لَهُ أَلْيَّوْمَ هَهُنَا
◌َيْمٌ ٥ وَلَا طَعَكُمْ إِلَّ مِنْ غِسْلِينٍ ) لَّا يَأْكُلُ: إِلَّا
[الحاقة: ٣٥ - ٣٧].
الْخَطِئُونَ﴾
فهذا هو طعامهم: الغسلين والضريع،
ولیس لهم طعام سوى ذلك.
والمتأمل في هاتين الآيتين الكريمتين
يجد أنّ كلّ آية منهما حصرت طعام أهل
النار بنوع من الطعام غير النوع الآخر؛
فذكرت الآية الأولى أنّ الكافر لا طعام له
يوم القيامة إلا من ضريع، وذكرت الآية
الثانية أنّ الكافر لا طعام له يوم القيامة إلا
من غسلين، وهذا الحصر في كلا الآيتين
قد يفهم منه البعض أنّ فیه تعارضًا وتناقضًا؛
وقد جمع المفسرون بين الآيتين بما لا يبقي
تعارضًا؛ ولكن قبل بیان ذلك لا بدّ من بیان
معنی الضریع، ومعنى الغسلین.
فأصل الغسلين في اللغة: ما يخرج من
الثوب ونحوه بالغسل؛ ثمّ استعمل في كل
جرح غسل فخرج منه شيء، فهو غسلین،
واستعمل القرآن لفظ الغسلين في كل ما
وللمفسرين أقوال متعددة في المقصود
بالغسلين في القرآن الكريم؛ والمنقول عن
ابن عباس رضي الله عنه أنّه: الصدید والدم
والماء يسيل من لحوم أهل النّار، والمنقول
عن قتادة أنّ الغسلين: شر الطعام وأخبثه
وأبشعه (٢).
أمّا الضريع: فهو نبت يقال له: الشبرق،
ويسمّیه أهل الحجاز: الضریع إذا پیس، وهو
نبات ذو شوك، لا تقربه دابّة إذا ییس، وهذا
المعنى في الضريع مروي عن ابن عباس
رضي الله عنه، وعن عكرمة، وعن مجاهد
وقتادة، وقال بعض المفسرين: الضريع
شوك من النار (٣).
وعلى ضوء معنى الغسلين ومعنى
الضريع يتبين أنّهما ليسا شيئًا واحدًا، وأنهما
ليسا اسمين لمسمى واحد؛ بل هما شيئان
مختلفان، وقد جمع المفسرون بین الآيتين
بما بعدة أقوال:
الأول: أنّ العذاب يوم القيامة ألوان
وأشكال، والمعذبون طبقات ودرجات؛
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٢٤/٤،
لسان العرب، ابن منظور ٣٢٥٧/٥.
(٢) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٣٥٤/٨،
البحر المحيط، أبو حيان ٨ / ٣٢٠.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٤/ ٣٨٤، معالم
التنزيل، البغوي ٤٠٨/٨.
٤٢
جوبي
القرآن الكريم
الطعامى
فمنهم من لا طعام له إلا من غسلین، ومنهم
من لا طعام له إلا من ضريح؛ يرشد لهذا
التنوع في العذاب قوله تعالى في وصف
النار: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَبٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ
مَقْسُومُ﴾ [الحجر: ٤٤]؛ فكلّ باب من هذه
الأبواب اختص بفريق من أهل الكفر، وكل
باب من هذه الأبواب داخله مغاير لما في
داخل الباب الآخر، فإذا تعددت الأبواب،
وتنوعت المقامات دلّ ذلك على تنوع أنواع
العذاب والطعام.
وبحسب هذا التوجیه، یکون کل نوع من
الطعام مخصصًا لفريق من أهل النار؛ ففریق
يكون طعامه الغسلين، وفريق آخر يكون
طعامه الضريع، وفريق ثالث يكون طعامه
الزقوم، وهكذا؛ فغاية ما في الأمر أنّ كلّ آيةٍ
تحدثت عن نوع من الطعام المخصص لهذا
الفريق أو ذاك (١).
الثاني: أنّ المعنى في الآيتين أنّهم لا
طعام لهم أصلًا؛ لأنّ الضريع لا يصدق
عليه اسم الطعام، ولا تأكله البهائم -فضلًا
عن الآدميين-، وكذلك الغسلين ليس
من الطعام في شيء؛ فمن طعامه الضريع
لا طعام له، ومن طعامه الغسلين كذلك،
ويكون التعبير بهذا الأسلوب من باب
المبالغة. ومنه قولهم: فلان لا ظل له إلا
(١) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٦٢/٥،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٠/ ٣١.
الشمس، ومرادهم. لا ظل له أصلًا (٢).
الثالث: أن تحمل الآيتان على حالتين،
حالة یکون فيها طعامهم الضريع دون غيره،
وحالة ثانية يكون طعامهم الغسلين، ولا
شيء غيره. ويستنبط هذا المعنى قوله تعالى:
﴿يَطُوُوُنَ بَيْنَهَا وَبِيْنَ حِيمٍ ،َانٍ﴾ [الرحمن: ٤٤].
أي: تارة يعذّبون في الجحيم، وتارة
يسقون من الحميم، وهو الشراب الذي هو
كالنحاس المذاب، يقطع الأمعاء والأحشاء،
وعلى هذا یکون طعامهم الضريع في وقت،
وفي وقت آخر يكون طعامهم الغسلين،
والله أعلم.
وقد وصف الله عز وجل طعام الضريح
الذي أعدّه سبحانه لأهل الجنّة بأنه: ﴿لَا
يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِ مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية: ٧].
وذلك لبيان أنّ ذلك الطعام كلّه ضرر،
لا نفع فيه أبدا؛ «فلا يعود علی آکلیه بسمنٍ
يصلح بعض ما التفح من أجسادهم، ولا
يغني عنهم دفع ألم الجوع)» (٣).
وهناك طعام ثالث لأهل النار، وهو
شجرة الزقوم، وقد أخبر الله عز وجل
عنها في غير موضع من كتابه العزيز، من
ذلك قوله تعالى: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزْلًا أَمْ شَجَرَةُ
الزَّقُّومِ ) إِنَّا جَعَلْنَهَا فِتْنَةً لِلِظَّالِمِينَ (٣) إِنَّهَا
طَلْعُهَا كَأَنَّهُ.
شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيَ أَصْلِ الْجَحِيمِ
(٢) انظر: روح المعاني، الألوسي ١١٣/٣٠، دفع
إيهام الاضطراب، الشنقيطي ص٢٤٣.
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٩٧/٣٠.
www. modoee.com
٤٣
حرف الطاء
رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ ، فَإِنَّهُمْ لَّ كِلُونَ مِنْهَا فَمَالِثُونَ مِنْهَا
اٌلْبُطُونَ ٦ ثُمَّإِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَيٍ (٧)
ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾
٦٨].
[الصافات: ٦٢ -
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُومِ)
٤٥
طَعَامُ الْأَثِ كَالْمُهْلِ يَغْلِى فِي الْبُعُونِ
كَفَلِ اَلْحَمِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣ - ٤٦].
إنّها لشجرة شنيعة المنظر، فظيعة المظهر،
مرّة المذاق، وهي شجرة خلقها الله في نار
جهنم، وسمّاها الشجرة الملعونة، فإذا جاع
أهل النار التجؤوا إليها فأكلوا منها، فغلت
في بطونهم كما يغلي المهل، وهو النحاس
المذاب (١)، وقد أخبر النبي صلى الله عليه
وسلم عن شدّة مرارة تلك الشجرة فقال:
(ولو أنّ قطرةً من الزقوم قطرت؛ لأمرّت
علی أهل الأرض عیشھم؛ فکیف من لیس
لهم طعام إلا الزقوم؟!) (٢).
وكل طعام يأكله أهل النار يجمع عليهم
مرارة الطعام وغصته، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ
لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَحِيمًا وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا
أَلِيمًا﴾ [المزمل: ١٢ - ١٣].
والغصة هي التي يعلق بها الطعام في
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١٤٩/١٦.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ٢٧٣٥،
٣٠٠/١.
والحديث ضعفه الألباني في الضعيفة، رقم
٦٧٨٢، ٠٦٣٣/١٤
الحلق؛ فلا یسهل علیه دخوله إلى الجوف،
ولا يسهل خروجه عنه للتخلص منه، وفي
هذا غاية الألم وغاية العذاب(٣).
والخلاصة أنّه لا طعام لأهل النار إلا
الضريع والغسلين والزقوم، وكلّ ذلك ما
هو إلا عذاب فوق العذاب، ليس فيه من
خصال الطعام الطيّب شيء؛ فیا قبح طعم ما
يأكلون! ويا بشاعة ما يطعمون؛ لا تستسيغه
أذواقهم، ولا تقبله ألسنتهم، ومن شدّة ما
هم فيه من آلام الجوع ومرارة الطعم يتمنّون
الموت فلا یموتون، بل يزدادون عذابًا فوق
عذابهم، قال تعالى: ﴿مِّنْ وَرَآيِهِ، جَهَنَّمُ وَيُسْقَى
مِن مَّهِ صَدِيدٍ ﴿ يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ
يُسِيفُهُ، وَيَأْتِهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا
هُوَ بِحَيْتٍ وَمِنْ وَرَآَبِهِ، عَذَابٌ غَلِظٌ ﴾
[إبراهيم: ١٦ - ١٧].
نعوذ بالله العظيم من النار وما فيها من
طعام ذي غصة وعذاب أليم.
وبعد الحديث عن طعام أهل الجنّة
وطعام أهل النّار فإنّه ممّا لا شكّ فيه أنّ
إخبار الله عز وجل عن ذلك في سياق
الحديث عن نعيم الجنّة وعذاب النّار فيه
أعظم النفع للعباد؛ إذ فيه الترغيب العظيم
في نعيم الجنّة، والتنفير الشديد من عذاب
النّار، وإذا ما علم العبد ما أعدّ الله سبحانه
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير
٠١٦٩/١٤
٤٤
القرآن الكريمِ
الطعام
لعباده الطائعين من النعيم، وعلم ما أعدّ
الله عز وجل للعصاة من العذاب الأليم
فإِنّه سيسعى سعيًا حثيثًا للفوز بذلك النعيم،
وللنجاة من ذلك العذاب الأليم.
الطعام وعبادة التفكر
إنّ التفكر في خلق الله عز وجل، وفي
آياته وآلائه عبادة قلبية عظيمة؛ يزيد بها
الإيمان، وینشرح بها الصدر، وتطمئن بها
النفس، ويستنير بها القلب، ولقد حث الله
عز وجل عباده بأن ينظروا في آياته، ويتفكروا
في خلقه، وذلك في مواضع عديدة من
الكتاب العزيز، من ذلك قوله تعالى: ﴿قُلِ
اُنْظُرُ واْ مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِِّ وَمَا تُغْنِ الْآَيَتُ
وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١].
وقوله عز وجل: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوَا إِلَى
السَّمَآِ فَوقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَهَا وَزَيَّنَهَا وَمَا لَمَا مِن
فُرُوُجِ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَهَا وَأَلْقَيْنَا فِيَهَا رَوَسِيَ
وَأَنْنَا فِيَهَا مِنْ كُلِّ زَوْجَ بَهِيْجِ ن تَبْصِرَةً وَذِكْرَى
لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٦ - ٨].
ولقد مدح الله عز وجل عباده الذين
يتفكرون في خلق السماوات والأرض،
فقال سبحانه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَتِ
وَاْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ أَلَيْلِ وَالنَّهَارِ لَيَتٍ لِّأُوْلِى
اُلْأَلْبَبِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيمًا وَقُعُودًا
وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِىِ خَلْقِ السَّمَوَاتِ
وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا سُبْحَنَكَ فَقِنَا
عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١].
وختمت آیات عديدة من كتاب الله عز
وجل بقول الله تعالى: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ
لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرعد: ٣].
www. modoee.com
٤٥
حرف الطاء
وقد ذم الله عز وجل من لا يعتبر اٌلْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَتٍ لِقَوْمٍ
يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤].
بمخلوقاته وآياته الدالّة على ربوبيته
وألوهيته، فقال تعالى: ﴿وَكَأَيْنِ مِّنْ ءَايَةٍ
فيِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا
مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥].
فالتفکر في آيات الله عز وجل مستحبُّ،
مندوبٌ إليه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
((النظر إلى المخلوقات العلوية والسفلية
على وجه التفكر والاعتبار مأمور به مندوب
إليه))(١)، والتفكر في آيات الله عز وجل ((من
أفضل أعمال القلب وأنفعها))(٢).
وآيات الله عز وجل مبثوثة في مخلوقاته؛
في أرضه وسمائه؛ فالكون کلّہ کتاب مفتوح،
جعله الله تبارك وتعالى دليلًا قاطعًا، وبرهانًا
ساطعًا على وحدانيته وعظمته، يقف العاقل
فيه على صنع الله ﴿الَّذِىّ أَنْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ﴾
[النمل: ٨٨].
والذي ﴿أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ, ثُمَّهَدَى﴾
[طه: ٥٠].
قال الله عز وجل منبهًا عباده إلى بعض
آياته وعظيم مخلوقاته: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ
وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ أَلَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ أَلَّتِ
تَجْرِى فِى الْبَعْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَآ أَنْزَلَ اللهُ مِنَ
السَّمَآءِ مِن مَّآءٍ فَأَعْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ
فِيهَا مِن كُلِ دَآبَةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَجِ وَالسَّحَابِ
(١) مجموع فتاوى ابن تيمية ٣٤٣/١٥.
(٢) مفتاح دار السعادة، ابن القيم ١/ ١٨٣.
وإنّ في الطعام الذي خلقه الله عز وجل،
وجعله غذاءً نافعًا للإِنسان لآياتٍ باهراتٍ
تدلّ على عظمة الخالق سبحانه، وبديع
صنعه، وعظيم فضله على عباده، والعبد
المؤمن كلّما أكل طعامًا أذهب جوعه، وأقام
صلبه، وأمدّه بالقوة والنشاط زاد شعوره
بعظیم نعم الله عز وجل عليه، وكلّما تأمّل
في أصناف الأطعمة، وألوان الطيبات التي
أحلّها الله عز وجل لعباده زاد يقينه بالله،
وزادت معرفته لربّه، وازدادت خشيته
ومهابته للخالق بديع السماوات والأرض.
ولقد أمر الله عز وجل الإنسان أمرًا
صريحًا بأن يتفكر ويتأمل في طعامه؛ ليصل
بهذا التفكر إلى الإيمان الراسخ بعظمة
﴿فَلَيَنْظُرُ الْإِنسَنُ
الخالق وألوهيته، فقال تعالى:
إِلَى طَعَامِهِج ◌ْ أَنَّا صَبَّنَا الْعَلَّةُ صَبَّار ◌ٌ ثُمَّ شَقَقْنَا
الْأَرْضَ شَقَّا فَأَنْبَتَنَا فِيهَا حَبَّكَ وَعِنَبًا وَقَضْبًا
وَزَيْتُونَا وَنَخْلَا وَحَدَآئِقَ غُلْبَ وَفَكِهَةً وَأَبَّاً
ث ◌ُمَّتَعًا لَّكُمْ وَلِأَنْغَيِكُمْ﴾ [عبس: ٢٤ - ٣٢].
فليتأمل الإنسان أولًا في الماء النازل من
السماء، من الذي خلقه وأنزله؟ وهل يقدر
أحدٌ غير الله أن ينزله إلى الأرض على هذا
الوجه الذي يحصل به النفع؛ رشًّا صغيرًا
رقيقًا حتى تروى به تدريجًا، من غير أن
يحصل به هدم ولا غرق، وهل يقدر أحدٌ
٤٦
القرآن الكريم