Indexed OCR Text

Pages 1-20

جَوْمُهُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
الطَّلَاق
عناصر الموضوع
مفهوم الطلاق
٩٤
الطلاق في الاستعمال القرآني
٩٥
الألفاظ ذات الصلة
٩٦
أنواع الطلاق
١٠٥
الأحكام المتعلقة بالطلاق
١٠٨
حقوق المطلقة
١١٨
موضوعات لها صلة بالطلاق
١٢٥
منهج القرآن في تقرير أحكام الطلاق
١٣١
التدابير الوقائية من الطلاق
١٣٩
شبهات حول الطلاق
المُجَلَدُ الثَانِى وَالعُشْرُونْ
٩٨

حرف الطاء
مفهوم الطلاق
أولًا: المعنى اللغوي:
الطلاق لغة: الحلّ ورفع القيد، وهو اسمٌ مصدره التّطليق، ويستعمل استعمال المصدر،
وأصله: طلقت المرأة تطلق فهي طالقٌ بدون هاءٍ، وروي بالهاء (طالقةٌ) إذا بانت من زوجها،
والطالق من الإبل: الّتي طلقت في المرعى، وقيل: هي الّتي لا قيد عليها، ونعجةٌ طالق:
مخلّة ترعى وحدها، وحبسوه في السّجن طلقًا، أي: بغير قيدٍ ولا كبل. وأطلقه، فهو مطلق
وطليق، والجمع طلقاء، والطّلقاء: الأسراء العتقاء. والطّليق: الأسير الّذي أطلق عنه إساره
وخلّي سبيله. وطلاق النّساء لمعنيين:
أحدهما: حلّ عقدة النكاح.
والآخر: بمعنى التّخلية والإرسال(١).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
لا يختلف كثيرًا معنى الطلاق اصطلاحًا عن معناه اللغوي إلا أن له في الاصطلاح الشرعي
شروطًا وأحكامًا وصورًا يميزها عما كانت عليه في الجاهلية، ويعرّف الفقهاء الطّلاق بأنه:
رفع قيد النكاح في الحال أو المآل، بلفظٍ مخصوصٍ، أو ما يقوم مقامه(٢).
(١) انظر: المحيط في اللغة، الصاحب ابن عباد ٥ / ٣٢٥، لسان العرب، ابن منظور، ٢٢٥/١٠، تاج
العروس، الزبيدي ٢٦/ ٩٣.
(٢) الدر المختار، ابن عابدين ٢٢٦/٣، وانظر: الشرح الكبير، الدسوقي ٣٤٧/٢، المغني، ابن قدامة
٢٩٦/٧، مغني المحتاج، الشربيني ٢٧٩/٣، الموسوعة الفقهية الكويتية، ٥/٢٩.
٩٤
جَوَسُوع
الْقُرآن الكَرِيمِ

الطلاق
الطلاق في الاستعمال القرآني
وردت مادة (طلق) في القرآن (١٤) مرة (١).
والصيغ التي وردت كالآتي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَجِلُ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًّا غَيْرَهُ.
الفعل الماضي
٩
[البقرة: ٢٣٠]
فعل الأمر
١
﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِمِدَّتِهِنَ وَأَحْصُواْ الْعِدَّةَ ﴾ [الطلاق: ١]
المصدر
٢
﴿وَإِنْ عَزَبُوْلطَّلَقَ فَإِنَّ اللّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ()﴾ [البقرة: ٢٢٧]
وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَثَةً
اسم المفعول
٢
[البقرة: ٢٢٨]
وجاء الطلاق في القرآن بمعناه الشرعي المعروف، وهو: حل عقدة النكاح، وفيه معناه
اللغوي أيضًا -وهو التخلية من الوثاق-؛ لأنه تخليةٌ للمرأة من وثاق الزوج(٢). ولم يخرج
في الاستعمال القرآني عن هذا المعنى.
(١) انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبد الباقي ص ٤٢٧-٤٢٨، المعجم المفهرس الشامل، عبدالله
جلغوم، ص٧٢١ -٧٢٢.
(٢) انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي، ٥١٤/٣، عمدة الحفاظ، السمين الحلبي، ٤١٢/٢.
فروع
www. modoee.com
٩٥

حرف الطاء
الألفاظ ذات الصلة
١
السراح :
السراح لغةً:
قال ابن فارس: ((السين والراء والحاء أصلٌ مطّرد واحد، وهو يدلّ على الانطلاق. يقال
منه: أمر سريح، إذا لم يكن فيه تعويق ولا مطل، ثمّ يحمل على هذا السّراح وهو الطّلاق؛
يقال: سرّحت المرأة))(١).
السراح اصطلاحًا:
هو ((إطلاق الشي على وجه لا يتهيأ للعود))(٢).
الصلة بين السراح والطلاق:
إذا كان الطلاق هو رفع قيد النكاح، وإنهاء العلاقة الزوجية بين الزوجين على وجه لا
يتوقع أن يعودا إلى ما كانا عليه سابقًا، فإنه - على هذا المعنى - يرادف معنى السراح.
الفراق:
٢
الفراق لغةً:
مادة (فرق) تدلّ على تمييز وتزييلٍ بين شيئين. ومنه: فرق الشعر. يقال: فرقته فرقًا.
والفرق: القطيع من الغنم. والفرق: الفلق من الشّيء إذا انفلق (٣).
الفراق اصطلاحًا:
يعني: إنهاء العلاقة الزوجيّة بين الزوجين بحكم القاضي بناءً على طلب أحدهما لسببٍ،
كالشّقاق والضّرر وعدم الإنفاق، أو بدون طلبٍ من أحدٍ حفظًا لحقّ الشّرع، كما إذا ارتدّ أحد
الزّوجين ... (٤).
الصلة بين الفراق والطلاق:
بما أن الطلاق هو رفع قيد النكاح، فإنه في ذات الوقت يعني: انفصال كل من الزوجين
عن بعضهما البعض، فهو يرادف الفراق على هذا المعنى.
(١) مقاييس اللغة ٣/ ١٢٢.
(٢) التوقيف، المناوي ص٩٦.
(٣) انظر: مقاييس اللغة، ٣٩٢/٤.
(٤) الموسوعة الفقهية الكويتية ٢٩/ ٧.
٩٦
جَوَنُور
القرآن الكريمِ

الطلاق
النكاح:
٣
النكاح لغةً:
يقصد به الضم والجمع، وهو مأخوذ من نكحه الدّواء إذا خامره وغلبه، أو من تناكح
الأشجار، إذا انضمّ بعضها إلى بعض، أو من نكح المطر الأرض، إذا اختلط في ثراها (١).
النكاح اصطلاحًا:
هو ((عقد يرد على تمليك منفعة البضع قصدًا))(٢).
الصلة بين النكاح والطلاق:
العلاقة بينهما واضحة، وهي متمثلة في التقابل، فالطلاق يقصد به التفريق بين الزوجين،
والنکاح یقصد به الجمع بينهما.
(١) انظر: تاج العروس، الزبيدي ٤ / ٢٤٠.
(٢) التعريفات، الجرجاني ص ٢٤٦.
www. modoee.com
٩٧

حرف الطاء
أنواع الطلاق
ينقسم الطلاق إلى نوعين: من جهة و قته،
ومن جهة عدده، وسوف نتناولهما فيما يأتي:
أولًا: أنواعه من جهة وقته:
١. الطلاق السني والطلاق البدعي.
شرع الإسلام الطلاق وقرنه بأحكام
وآدابٍ يهدف من خلالها إلى إنقاذ سفينةً
الحياة الزوجية، ورأب صدعها قبل فوات
الأوان، وقيادتها إلى شاطئ الأمان، ومن
تلك التشريعات الحكيمة: مشروعية
الطلاق السّنّي، وهو أن يطلّق زوجته في
طهر لم يجامعها فيه، والهدف من ذلك
منح الزوجين فرصةً للمصالحة والمراجعة،
كذلك من فوائد الطلاق السّنّيّ تقصير مدة
العدة؛ تيسيرًا على المرأة، ورحمة بها.
قال تعالى: ﴿وَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ
فَطَلِّقُوهُنَّ لِمِدَّتِنَ وَأَحْصُواْ الْعِدَّةٌ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ
﴾ [الطلاق: ١].
رَبَّكُمْ
وقد ورد في سبب نزول هذه الآية:
عن عبد اللّه بن عمر رضي الله عنهما أنّه
طلّق امرأته وهي حائضٌ على عهد رسول
اللّه صلى الله عليه وسلم، فسأل عمر بن
الخطّاب رضي الله عنه رسول اللّه صلى
الله عليه وسلم عن ذلك، فقال رسول اللّه
صلى الله عليه وسلم: (مره فليراجعها، ثمّ
ليمسكها حتّى تطهر، ثمّ تحيض، ثمّ تطهر،
ثمّ إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلّق قبل أن
يمسّ، فتلك العدّة الّتي أمر الله أن تطلّق لها
النّساء)(١).
قال مجاهد: أي: طاهرًا من غير جماع؛
لقوله صلى الله عليه وسلم: (ليراجعها،
ثمّ يمسكها حتّى تطهر، ثمّ تحيض فتطهر،
فإن بدا له أن يطلّقها فليطلّقها طاهرًا قبل
أن يمسّها، فتلك العدّة كما أمر الله عز
وجل)(٢).
وقال الخازن: ((أي: لزمان عدتهن وهو
الطهر؛ لأنها تعتد بذلك الطهر من عدتها،
وتحصل في العدة عقيب الطلاق، فلا يطول
عليها زمان العدة)» (٣).
وإنما نهي عن طلاق المرأة وقت
الحيض لئلا تطول عليها العدة فتضارّ؛ ولأن
حالة الحیض قد تكون سببًا في نفور الزوج،
فيتسرع في طلاقها بخلاف ما إذا كانت
طاهرًا، ولعل الزوج إذا تمهّل حتى يتحرّى
السنة في تطليق زوجته فلربّما تنقشع سحابة
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطلاق،
باب إذا طلقت الحائض تعتد بذلك الطلاق،
٧/ ٤١، رقم ٥٢٥١، ومسلم في صحيحه،
كتاب الطلاق، باب تحريم طلاق الحائض
بغير رضاها، وأنه لو خالف وقع الطلاق
ويؤمر برجعتها، ١٠٩٣/٢، رقم ١٤٧١.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير،
باب تفسير سورة الطلاق، ١٥٥/٦، رقم
٤٩٠٨.
(٣) لباب التأويل، الخازن ١١٧/٦.
٩٨
جَوَسُو
القرآن الكريم

الطلاق
الهجر والخصام، وتشرق شمس الصفا وَلَا تَنسَواْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ
بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٦-٢٣٧].
والوئام، هذا ويراعي الإسلام حالة المرأة
النفسية والعضوية في فترة حيضها، فيرجى
الرجل عزمه على الطلاق لحين طهرها؛
لعلها تعود إلى حالتها وطبيعتها بعد انقضاء
الحيض.
٢. الطلاق قبل الدخول.
يتضمّن حديث القرآن عن الطلاق قبل
الدخول أمرين، كلاهما يفصح عن رحمة
الإسلام بالمرأة، وتخفيفه عنها:
أولهما: أن المرأة لا تعتدّ منه.
وثانيهما: أن لها الحق في نصف المهر أو
في المتعة.
قال تعالى: ﴿بَّأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ إِذَا نَكَحْتُمُ
الْمُؤْمِنَتِ ثُمَّ طَلَّقْتُهُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ
فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْنَدُونَهَا فَمَتِعُوهُنَ
وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحَاجَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩].
فليس على المطلقة قبل الدخول بها
عدة؛ لأن الغرض من العدة استبراء الرحم.
وللمطلقة قبل الدخول حقوق مالية.
قال تعالى: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ
اُلْنِسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةٌ
وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُسِعِ قَدَرُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَهَاً
بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٦) وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ
مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً
فَنِصْفُ مَا فَضْتُمْ إِلَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْيَعْفُوا ◌ْالَّذِى
بِيَدِهِ، عُقْدَةُ النِّكَّاعْ وَأَنْ تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلنَّقْوئ،
رفع الله تعالى الحرج عن الرجل إذا
طلق المرأة قبل الدخول، ولم يسمّ مهرًا، فلا
يجب عليه مهرٌّ، لكن إذا طلّقها قبل الدّخول
وقد فرض لها مهرًا فلها نصف هذا المهر
المسمّى.
والمطلقات أربع:
١. مطلقةٌ مدخولٌ بها مفروضٌ لها، فلها
حقّها کاملا في المهر، ولا يجوز للزوج
أن يأخذ مما آتاها شيئًا، وعليها العدة.
٢. ومطلقة مدخول بها غير مفروض لها
فلها مهر المثل.
٣. ومطلقة مفروض لها غير مدخول بها،
وهي المذكورة بقوله سبحانه هنا:
﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ
فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَضْتُمْ﴾
فلها نصف المھر المسمّى.
٤. ومطلقة غير مفروض لها، ولا مدخول
بها، وهي المذكورة في قوله تعالى:
﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ مَا لَمَ
تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةٌ وَمَتِّعُوهُنَّ
عَلَى الْوُسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِ قَدَرُهُ مَتَمَاً
◌ِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾
[البقرة:
٢٣٦].
والمراد بالفريضة هنا: تسمية المهر، فلا
مهر لها، بل المتعة، ولا عدّة عليها، وتسمية
www. modoee.com
٩٩

حرف الطاء
المهر بالفريضة تعظيمًا له، وتشدیدًا على
أدائه فهو حقٍّ للزوجة، يجب على زوجها
الوفاء به.
وقوله: ﴿وَمَتِهُوهُنَّ﴾ أي: أعطوهن شيئًا
يكون متاعًا لهنّ، وظاهر الأمر الوجوب،
وبه قال عليٌّ وابن عمر والحسن البصريّ
وسعيدٌ بن جبير والزهري وقتادة والضحاك،
ومن أدلة الوجوب قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ
مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةِ
تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِعُوهُنَّ وَسَرِجُوهُنَ سَرَاحًا جِيلًا﴾
[الأحزاب: ٤٩].
وقال مالك وأبو عبيد والقاضي شريح
وغيرهم: إن المتعة للمطلقة المذكورة
مندوبة لا واجبة؛ لقوله تعالى: ﴿حَقًّا عَلَى
اٌلُْحْسِنِينَ﴾ ولو كانت واجبة لأطلقها على
الخلق أجمعين، ویجاب عنه بأن ذلك لا
ینافي الوجوب، بل هو تأکید له(١).
والمتعة هنا على حساب حال الزوج
يسارًا أو إعسارًا، قال تعالى: ﴿وَمَتْعُوهُنَّ عَلَى
الموسِع قَدَرُهُوَعَلىالمُقْتِ قَدَرُهُ﴾، وقال تعالى:
﴿مَتَعَا بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: أن
الوفاء بذلك، والقيام به شأن أهل التقوى
والإحسان، وكل مسلم يجب عليه أن يتقي
الله سبحانه، وأن يراعى الإحسان.
قال تعالى: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ
تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا
فَضْتُمْ إِلَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُواْ الَّذِى بِيَدِهِ،
عُقْدَةُ النِّكَاحْ وَأَنْ تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىُّ وَلَا
تَنسَواْالْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّاللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيٌ﴾
﴿إِلَّ أَنْ يَعْفُونَ﴾ أي: المطلقات،
فيتنازلن عن حقّهن في المهر أو عن جزء
منه ﴿أَوْ يَعْفُوْلَّذِى بِيَدِهِ، عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ أي:
الزوج، بأن یمنحها المهر کلّه.
﴿وَأَنْ تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىُ﴾ الخطاب
هنا للرجال والنساء، ترغيبٌ للجميع في
العفو والتسامح، فتقوی الله تعالی درجاتٌ،
هناك التقي وهناك الأنقى، والناس يتفاوتون
في القرب من تقوى الله تعالى، فإذا كان
العادل يتحرّى التقوى فإن العفو أعظم درجةً
في التقوى، وإن العفوّ أقرب إلى التقوى،
وکون عفو الزوج أقرب للتقوى من حیث
إنه كسر قلب مطلقته، فيجبرها بدفع جميع
الصداق لها؛ إذ کان قد فاتها منه صحبته، فلا
يفوتها منه نحلته؛ إذ لا شيء أصعب على
النساء من الطلاق، فإذا بذل لها جميع المهر
لم تيأس من ردّها إليه، واستشعرت من
نفسها أنه مرغوب فيها، فانجبرت بذلك (٢).
﴿وَلَا تَنسَوْ اَلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ والمعنى: أن
الزوجين لا ينسيان التفضّل من كل واحد
منهما على الآخر، ومن جملة ذلك أن
تتفضل المرأة بالعفو عن النصف، أو يتفضل
(١) فتح القدير، الشوكاني ١/ ٣٤٢.
(٢) البحر المحيط، أبو حيان ٥٣٩/٢.
١٠٠
القرآن الكريم

الطلاق
الرجل عليها بإكمال المهر (١).
وقد تضمّنت هذه الآيات أحكامًا منها:
١. جواز طلاق المرأة قبل الدخول بها،
والفرض لها، مع مراعاة حقها في
المتعة.
٢. المتعة تقدّر على الرجال بحسب اليسار
أو الإعسار.
٣. للمرأة المطلقة قبل الدخول بها نصف
المھر المسمّی لها إلا أن تتنازل عنه، أو
عن جزء منه، أو یتنازل الزوج عنه كلّه،
فيوفّيها المهر كاملًا، وهذا هو الأقرب
للتقوى.
٤. الترغيب في مراعاة الفضل والإحسان
ومراقبة المولى عز وجل، في هذه
الأحوال خاصةً، وفي سائر الأحوال.
٥. المتعة واجبةٌ لكل مطلّقة لم يسمّ لها
مهر، ومندوبةٌ لغيرها من المطلقات.
٦. المطلّقة قبل الدخول لها نصف المهر
إذا کان المهر مذکورًا.
ثانيًا: أنواعه من جهة عدده:
وهو نوعان: طلاق رجعي، وطلاق بائن.
١. الطلاق الرجعي.
الطلاق الرجعي: ((هو: ما يجوز معه
للزوج ردّ زوجته في عدّتها من غیر استئناف
(١) فتح القدير، الشوكاني ٣٤٢/١.
عقدٍ))(٢).
ورد الحديث عن الطلاق الرجعي
أحكامه وآدابه في سورة البقرة، وفي سورة
الطلاق.
قال تعالى في سورة البقرة: ﴿الطَّلَقُ
مَّقَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَشْرِيحٌ بِإِحْسَنٍ﴾
[البقرة: ٢٢٩].
وقال تعالى في سورة الطلاق: ﴿يَأَيُّهَا
النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِذَّتِنَّ
وَأَحْصُواْ أَلِدَّةٌ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا
تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّ
أَنْ يَأْتِينَ بِفَحِشَةٍ مُِّنَةٍ وَتَلْكَ حُدُودُ اَللَّهِ وَمَن
يَتَعَذَّ حُدُودَ اَللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ، لَا تَدْرِى
لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا فَإِذَا بَغْنَ
أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْفَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ
وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِنْكُوَأَقِيمُواْ الشَّهَدَةَ
لِلَّهِ ﴾ [الطلاق: ١-٢].
عدده:
في سورة البقرة بيّن تعالى عدده، فقال
تعالى: ﴿اُلْطَّلَقُ مَرَّتَانٍ﴾ أي: مرة بعد مرة،
وهو الطلاق الرّجعيّ، حيث يمكن للزوج
إرجاع زوجته ما دامت في العدة، فإذا
انقضت عدّتها لا ترجع إليه إلا بعقدٍ جدید
(٢) الموسوعة الفقهية الكويتية ٢٩/٢٩.
وانظر: حاشية ابن عابدين ٣/ ٢٩٣، وحاشية
الدسوقي ٣٨٥/٢، ومغني المحتاج،
٣٩٦/٣، والمغني، ابن قدامة
الشربيني
٧/ ٤١٧.
www. modoee.com
١٠١

حرف الطاء
ومهر جديد وبرضاها ﴿وَإِمْسَاٌ مِعْرُوفٍ
أَوْ تَسْرِيجٌ بِإِحْسَنٍ﴾ إمساكٌ بمعروف إذا
راجعها، أي: بما هو معروفٌ عند الناس
من حسن العشرة، أو تسريح بإحسان إذا لم
یرغب في إرجاعها، فیفارقها ويوفّیها حقّها،
فهذا من الإحسان الذي أمر الله به.
حقّ الرجل في إرجاع زوجته التي طلّقها بِالْعُروفِ﴾ أي: لهنّ من الحقوق الزوجية كما
مرة أو مرتين:
للزوج أن يراجع زوجته في مدة عدتها،
فإذا انتهت العدة سقط حقّه في مراجعتها،
وله أن ینکحها بعقد ومهر جدیدین، والأمر
إليها إن شاءت قبلته أو ردّته، قال تعالى:
﴿وَبُولَهُنَّ أَحَقُّ بِرَوِّمِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلَحًا ﴾
[البقرة: ٢٢٨].
وقال: ﴿اُلْطَّلَقُ مَنَّتَانِ فَإِمْسَاءٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ
تَشرِیج یاحسنِ﴾ إما أن يمسكها ويراجعها
بالمعروف، وإما أن يفارقها ويسرّحها
بإحسان.
قال تعالى: ﴿وَبُوَُّنَّأَحَقُّ بِرَدِهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ
أَرَادُواْ إِصْلَاحًا﴾ وبعولتهن: أي أزواجهن،
وإنما عبّر بالبعولة لأنها من التبعّل وهو
حسن المعاشرة، وباعل الرجل أهله لاعبها،
وكذلك سمي الزوج بعلًا لأنه قيّمٌ على
حِقَ بِرَدَّمِنَّ فِي ذَلِكَ
زوجته مسئول عنها
أي: في خلال مدة العدة، وهذا خاصٍّ
بالطلاق الرجعيّ، أما إذا طلّقها ثلاثًا فلا
تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره ﴿إن
أَرَادُواْ إِصْلَحًا﴾ أي: بالمراجعة، أي: إصلاح
حاله معها وحالها معه.
فإذا اتفق الزوجان على استئناف الحياة
الزوجية فلابد من مراعاة الحقوق الزوجية،
ومعرفة كلّ زوجٍ بما له وما عليه.
قال تعالى: ﴿وَنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَئِنَ
عليهن من الواجبات ﴿وَلِلِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ﴾
بقوامة الرجل على زوجته، وإنفاقه عليها،
ولزوم طاعته.
وجاء الحديث عن الطلاق الرجعي في
سورة الطلاق.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ
بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ
عَدْلٍ مِنْكُ وَأَقِيمُواْ الشَّهَدَةَ لِلَّ ذَلِكُمْ
يُوعَظُ بِهِ، مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرّ
وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَحًا﴾ [الطلاق: ٢].
فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي: فإذا شارفت
المطلقة المعتدة على انقضاء عدتها،
وقاربت ذلك، فالخيار للزوج فيها إن شاء
أن یمسکها بمعروف، أو یفارقها بإحسان
﴿فَأَسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾
أي: فراجعوهنّ إلى عصمة النكاح مع
الإحسان في صحبتهن كما أمر الله، أو
اتركوهن حتى تنقضي عدتهن فيملكن
أنفسهن.
١٠٢
القرآن الكريم

الطلاق
٢. الطلاق البائن.
إذا طلّق الزوج زوجته الطلقة الثالثة
فقد بانت منه، وحرمت علیه، فلا تحلّ له
إلا إذا نكحت غيره نكاحًا شرعيًّا، والنكاح
هنا بمعنى العقد والدخول، فلا يكفي العقد
علیھا، بل لا بدّ من الدخول بها.
قال تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَّجِلُ لَهُ مِنْ بَعْدُ
حَّ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ
يَتَرَاجَعَآَ إِن ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ
يُبَيُِّهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٠].
وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله
عنها أن رجلًا طلّق امرأته ثلاثًا فتزوجت،
فطلّق، فسئل النبي صلى الله عليه وسلم:
أتحلّ للأوّل؟ قال: (لا حتی یذوق عسیلتها،
كما ذاق الأوّل)(١).
فإذا طلّقت المرأة ثلاثًا، ثم تزوجت
بآخر، ثم طلّقها بعد دخوله بها فإنها تحلّ
للزوج الأول إذا عقد عليها، على أن
يستأنفا حياتهما الجديدة على أسسٍ متينةٍ،
فكما أن الخوف من عدم إقامة حدود الله
في الحياة الزوجية يعطي للمرأة الحقّ في
الخلع وللرجل الحقّ في الطلاق، فإنه إن
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطلاق،
باب من أجاز طلاق الثلاث، ٤٣/٧،
رقم ٥٢٦١، ومسلم في صحيحه، كتاب
النكاح، باب لا تحل المطلقة ثلاثًا لمطلقها
حتى تنكح زوجًا غيره ويطأها ثم يفارقها
وتنقضي عدتها، ٢/ ١٠٥٧، رقم ١٤٣٣.
ظنّا إمكان المعاشرة والاستمتاع مع رعاية
الحقوق والواجبات فيجوز لهما الرجوع ما
لم تكن متزوجة بغيره، أي: إن طلّق الرجل
زوجته طلقة ثالثة فقد بانت منه وحرم عليه
مراجعتها إلا إذا تزوجت زواجًا شرعيًّا من
غيره وطلّقت منه.
قال الإمام القرطبي: ((قوله تعالى:
﴿إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠]
شرط، قال طاووس: إن ظنا أن كل واحد
منهما يحسن عشرة صاحبه، وقيل: حدود
الله فرائضه؛ أي: إذا علما أنه يكون بينهما
الصلاح بالنكاح الثاني، فمتى علم الزوج أنه
يعجز عن نفقة زوجته أو صداقها أو شيء
من حقوقها الواجبة عليه، فلا يحل له أن
يتزوجها حتى يبيّن لها، أو يعلم من نفسه
القدرة على أداء حقوقها، وكذلك لو كانت
به علةٌ تمنعه من الاستمتاع كان عليه أن
يبيّن؛ كيلا يغر المرأة من نفسه.
وكذلك لا يجوز أن يغرها بنسب يدّعيه
ولا مال له ولا صناعة يذكرها وهو كاذب
فیھا.
وكذلك يجب على المرأة إذا علمت من
نفسها العجز عن قيامها بحقوق الزوج، أو
كان بها علة تمنع الاستمتاع من جنون أو
جذام أو برص لم يجز لها أن تغره، وعليها
أن تبيّن له ما بها من ذلك، كما يجب على
بائع السلعة أن يبيّن ما بسلعته من العيوب.
www. modoee.com
١٠٣

حرف الطاء
ومتی وجد أحدالزوجين بصاحبه عيبًا فله
الرد، فإن كان العيب بالرجل فلها الصداق إن
كان دخل بها، وإن لم يدخل بها فلها نصفه،
وإن كان العيب بالمرأة ردّها الزوج، وأخذ
ما كان أعطاها من الصداق))(١).
﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اَللَّهِ يُبَيُِّهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾
والإشارة إليها تنبيهٌ لها وتنويهٌ وتعظيمٌ
لشأنها، وإضافتها لله تعالى لأنها شرعه،
وفي الإضافة أيضًا تعظيمٌ لها ﴿يُبَيُِّهَا
لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ يعني: يعلمون ما أمرهم
الله تعالى به، وفي هذا تنويةٌ بشرف العلم
ومكانة العلماء، وتوجيهٌ لمعرفة الحكم من
التشريعات ومقاصدها.
حكم المطلقة ثلاثًا، ومتى تحلّ للزوج
الأول:
المطلقة ثلاثًا تحرم على زوجها الأول
حتى تتزوج بزوج آخر، وهي التي يسمّیھا
الفقهاء (بائنة بینونة کبری)، وذلك لأن الله
تعالی ذکر الطلاق وبیّن أنه مرتان، ثم ذکر
حكم الخلع وأعقبه بقوله: ﴿فَإِنِ طَلَّقَهَا﴾
فدلّ على أن المراد به: الطلاق الثالث،
والنكاح في قوله تعالى: ﴿حَّى تَنكِحَ زَوْجًا
غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠].
﴿حَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ المراد به: الوطء
لا العقد، فلا تحلّ للزوج الأول حتى يطأها
الزوج الثاني.
(١) الجامع لأحكام القرآن، ١٥٣/٣.
حرمة وبطلان نكاح المحلّل:
المحلّل - بكسر اللام - هو الذي يتزوج
المطلّقة ثلاثًا بقصد أن يحلّها للزوج الأول،
وقد سمّاه صلى الله عليه وسلم بالتيس
المستعار، ففي الحديث: (ألا أخبركم
بالتّيس المستعار؟)، قالوا: بلى، يا رسول
الله، قال: (هو المحلّل، لعن اللّه المحلّل،
والمحلّل له)(٢).
قال السيد رشيد رضا: ((ألا فليعلم كلّ
مسلم أنّ الآية صريحةٌ في أنّ النكاح الّذي
تحلّ به المطلّقة ثلاثًا هو ما كان زواجًا
صحيحًا عن رغبةٍ، وقد حصل به مقصود
النكاح لذاته، فمن تزوّج بامرأةٍ مطلّقةٍ ثلاثًا
بقصد إحلالها للأوّل کان زواجه صوریًّا غیر
صحیح، ولا تحلّ به المرأة للأوّل، بل هو
معصيةٌ لعن الشّارع فاعلها، وهو لا يلعن
من فعل فعلًا مشروعًا ولا مكروهًا فقط، بل
المشهور عند جمهور العلماء أنّ اللّعن إنّما
یکون علی کبائر المعاصي، فإن عادت إليه
كانت حرامًا، ومثال ذلك مثال من طهّر الدّم
بالبول؛ وهو رجس علی رجس، وبهذا قال
مالكٌ وأحمد والثّوريّ وأهل الظَّاهر وخلائق
غيرهم من أهل الحديث والفقه))(٣).
(٢) أخرجه ابن ماجه في سننه، کتاب النكاح، باب
المحلل والمحلل له، ١١٦/٣، رقم ١٩٣٤.
وحسنه الألباني في صحيح الجامع ١/ ٥٠٧،
رقم ٢٥٩٦.
(٣) المنار ٣١٢/٢.
١٠٤
القرآن الكريم

الطلاق
الأحكام المتعلقة بالطلاق
للطلاق أحكام، نتناولها فيما يأتي:
أولًا: الإشهاد على الرجعة والطلاق:
قال تعالى: ﴿وَأَشِْدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُ﴾
أي: وأشهدوا عند الطلاق أو الرجعة
شخصين من أهل العدالة والاستقامة ممن
تثقون في دینھما وأمانتهما، والإشهاد لیس
مندوب ((احتياطًا لهما، ونفيًا للّهمة عنهما
إذا علم الطّلاق ولم يعلم الرّجعة، أو لم
یعلم الطّلاق والفراق، فلا يؤمن التجاحد
بينهما))(١).
﴿وَقِيمُواْ الشَّهَدَةَ لِلَّهِ﴾ أي: اشهدوا
بالحقّ دون تحیّزٍ لأحدٍ، مبتغین بذلك وجه
الله تعالى.
ثانيًا: عدّة المطلّقات:
جعل الله تعالى للمطلقة عدةً شرعيةً،
وبيّن مقدارها في كتابه، فعدة الحامل وضع
الحمل، وعدة الحائل ثلاثة قروء، فإن
كانت صغيرة لم تحض أو يائسة لم تعد
تحيض فعدتها ثلاثة أشهر، والحكمة من
ذلك استبراء رحمها، ومنح الزوج فرصة
لمراجعتها إذا كان الطلاق مرة أو مرتين،
وتهيئتها نفسيًّا وعضويًّا، لحياة زوجية
(١) أحكام القرآن، الجصاص ٣٥٠/٥.
جديدة إن كانت مطلقة ثلاثا، أو إذا كانت
رجعيةً ولم يرغب الزوج في استرجاعها.
١. الحث على إحصاء العدة.
قال تعالى: ﴿وَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ
فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِنَ وَأَحْصُواْ أَلْعِدَّةَ ﴾ [الطلاق:
١].
قال ابن العربي رحمه الله: ((والصحيح
أنّ المخاطب بهذا اللّفظ الأزواج؛ لأنّ
شرطًا لصحة الفراق أو الرجعة، بل هو الضّمائرِ كلّها من ﴿طَلَّقْتُمُ﴾ ﴿وَأَحْصُواْ﴾
و﴿لَا تُخْرِجُوهُنَ﴾ على نظامٍ واحدٍ
يرجع إلى الأزواج، ولكنّ الزّوجات
داخلةٌ فيه بالإلحاق بالزّوج؛ لأنّ الزّوج
يحصي ليراجع، وينفق أو يقطع، وليسكن
أو يخرج، وليلحق نسبه أو يقطع، وهذه
كلّها أمورٌ مشتركةٌ بينه وبين المرأة، وتنفرد
المرأة دونه بغير ذلك، وكذلك الحاكم يفتقر
إلى الإحصاء للعدّة للفتوى عليها وفصل
الخصومة عند المنازعة فيها؛ وهذه فوائد
الإحصاء المأمور به)) (٢).
٢. عدة المطلقة الحائل.
قال تعالى: ﴿ وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ
بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَثَةً قُرُوٍَ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا
خَلَقَ الَهُ فِى أَزْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْأَثِّ
وَبُعُولَهُنَّأَحَقُ بِهِنَ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلَحًاً وَلَنَّ
مِثْلُ الَّذِى عَلَتِنَ بِالْعُرُوفِّ وَلِلِّجَالِ عَلَيِْنَّ دَرَجَةٌ
(٢) أحكام القرآن ٣٧٨/٤.
www. modoee.com
١٠٥

حرف الطاء
وَاَللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
واللام في المطلقات لام الاستغراق،
فتشمل جميع المطلقات، لكن يستثنى من
ذلك الحامل، فعدّتها بوضع الحمل، أما
اليائسة والتي لم تحض فعدّتها ثلاثة أشهر.
قال الله تعالى: ﴿ وَأَِّى بَيِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ
مِنْ نِسَائِكُمْ إِنٍ أَرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَنَّةُ أَشْهُرٍ
وَأَّتِى لَمْ ◌َِضْنَّ وَأُوْلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ
حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْيِه ◌ِأُسْرً﴾
[الطلاق: ٤].
ومعنى: ﴿یَربَّصَ﴾ أي: ينتظرن،
واللفظ ينمّ عن حرص الإسلام على اختصار
هذه المدّة إلى أقلّ زمنٍ يمكن أن يؤدى فيه
الغرض من إيجاب هذه المدّة، لاستبراء
الرّحم، وتهيئة نفس المرأة لحياةٍ زوجيّةٍ
جديدة، وكذلك إعطاء الزوج مهلةً لمراجعة
زوجته، إذا کان قد طلّقها مرةً أو مرتین، أما
الثالثة فلا رجعة منها إلا بعد أن تنكح زوجًا
غيره، وفي اختصار المدّة على المرأة رحمةٌ
بها، وتخفيفٌ عليها، ومراعاةٌ لطبيعتها.
وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَبَّصْنَ
وجملة:
بِأَنْفُسِهِنَّ ثَثَةَ قُرُوٍَ ﴾ جملةٌ خبريةٌ في لفظها،
طلبيةٌ في معناها؛ وذلك لتأكيد الأمر
وتقريره.
والقرء: هو مدّة الطهر، وقيل: الحيضة،
قال أبو عمرو بن العلاء: من العرب من
يسمّي الحيض قرءًا، ومنهم من يسمّي الطّهر
قرءًا، ومنهم من يجمعهما جميعًا، فيسمّي
الحيض مع الطّهر قرءًا، وينبغي أن يعلم أن
القرء في الأصل: الوقت، يقال: هبّت الرياح
لقرئها ولقارئها، أي: لوقتها، فيقال للحيض:
قرء، وللطهر: قرء؛ لأن كل واحد منهما له
وقت معلوم، وقد أطلقته العرب تارة على
الأطهار، وتارة على الحيض.
وفي اللسان: ((والقرء والقرء الحيض
والطّهر ضدّ؛ وذلك أنّ القرء الوقت؛ فقد
يكون للحيض والطّهر، قال أبو عبيد:
القرء يصلح للحيض والطهر، قال: وأظنّه
من أقرأت النّجوم إذا غابت، والجمع
أقراء، وفي الحديث: (دعي الصلاة أيام
أقرائك)»(١) (٢).
﴿وَلَا يَحِلُ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِىّ
أَزْحَامِهِنَ﴾ ولا يحلّ للمطلقات أن يكتمن
الحيض أو الحمل إن وجد بقصد الإضرار
بالزوج، كأن تقول: حضت، وهي لم تحض؛
لتذهب بحق الزوج من الارتجاع، أو تنفي
الحيض وهي قد حاضت لتلزمه بالنفقة،
وكذلك الحمل ربّما تكتمه لتقطع حقّه من
الارتجاع، وربما تدّعيه لتوجب عليه النفقة،
ونحو ذلك مما يضرّ بالزوج ﴿إِن كُنَّ يُؤْمِنَ
فإن من تؤمن بالله واليوم
ـوْهِـ
بِاَللَّهِ وَالـ
(١) أخرجه الدارقطني في السنن، ٣٩٤/١،
رقم ٨٢٢، والبيهقي في السنن الصغرى،
١٥١/٣، رقم ٢١٦٢.
(٢) لسان العرب، ابن منظور ١٢٨/١.
١٠٦
جوبـ
القرآن الكريمِ

الطلاق
الآخر لا تخالف شرع الله تعالی.
٣. عدة اليائسة، والتي لم تحض،
والحامل.
قال تعالى: ﴿وَأَّتِى بَيِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ
نِسَآَيِّكُمْ إِنٍ أَوْقَبْتُمُّ فَعِذَّتُهُنَّ ثَلَنَّةُ أَشْهُرٍ وَأَِّى
لَمْ يَضْنَّ وَأُوْلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ
حَمْلَهُنْ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْيِ يُسْرًا﴾
[الطلاق: ٤].
وهذه الآية متصلة بما قبلها من حیث بیان
ما يتعلق بالطلاق من أحكام العدة، فضلًا
عما ورد في هذا الشأن في سورة البقرة فهي
متممةٌ لما ورد هناك، کما ترشد الآيات إلى
بعض حقوق المطلقات.
وقد ورد في سبب النزول: عن أبيّ بن
كعب رضي الله عنه أنّ ناسًا من أهل المدينة
لمّا أنزلت الآية الّتي في البقرة في عدّة
النّساء، قالوا: لقد بقي من عدّة النّساء مدّةٌ لم
تذكر في القرآن: الصّغار والكبار اللائي قد
انقطع عنهم الحيض، وذوات الحمل، فأنزل
اللّه الّتي في سورة النّساء القصرى: ﴿وَالَّتِى
بَيِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ أَرْتَبْتُ فَهِذَّتُهُنَّ
ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ إلى آخر الآية(١).
بيّن تعالى عدة المرأة التي يئست من
المحيض لكبر سنها؛ وكذلك من رابها الأمر
من البالغات مبلغ الیاس، وقد نزل الدم فلا
تدري أهو دم حيض أم استحاضة؟ وكذلك
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره، ١٠/ ٣٣٦٠.
من لا تحيض إما لعدم بلوغها أو لطبيعةٍ
﴿فَعِدٌ تَهُنَّ ثَلَاثَةُ
فیھا: فعدتھن ثلاثة آشهر
أَشْهُرٍ﴾ أما الحامل فعدتها تنتهي بوضع
الحمل سواء كانت مطلقة أو مات عنها
﴿وَأُوْلَتُ اَلْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ
زوجها
حمّلَهُنَّ﴾ فالحامل سواءً كانت مطلقةً أو
متوفّی عنها زوجها عدتها بوضع الحمل.
وفي الصحیحین من حديث سبيعة بنت
الحارث الأسلميّة أنّها كانت تحت سعد
بن خولة، وهو من بني عامر بن لؤي، وكان
ممّن شهد بدرًا، فتوفّ عنها في حجّة الوداع
وهی حاملٌ، فلم تنشب أن وضعت حملها
بعد وفاته، فلمّا تعلّت من نفاسها تجمّلت
للخطّاب، فدخل عليها أبو السّنابل بن بعككٍ
-رجلٌ من بني عبد الدّار- فقال لها: ما لي
أراك تجمّلت للخطّاب، ترجّين النكاح،
فإنّك والله ما أنت بناكح حتّى تمرّ عليك
أربعة أشهرٍ وعشرٌ، قالت سبيعة: فلمّا قال لي
ذلك جمعت عليّ ثیابي حین امسیت، وأتیت
رسول الله صلی الله عليه وسلم فسألته عن
ذلك، فأنتاني بأني قد حللت حین وضعت
حملي، وأمرني بالتّزوج إن بدا لي (٢).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب
المغازي، باب فضل من شهد بدرًا، ٨٠/٥،
رقم ٣٩٩١، ومسلم في صحيحه، كتاب
الطلاق، باب انقضاء عدة المتوفى عنها
زوجها بوضع الحمل، ٢/ ١١٢٢، رقم
١٤٨٤.
www. modoee.com
١٠٧

حرف الطاء
وفي رواية لمسلم بسنده عن أمّ سلمة
قالت: إنّ سبيعة الأسلميّة نفست بعد وفاة
زوجها بلیالٍ، وإنّها ذكرت ذلك لرسول الله
صلى الله عليه وسلم فأمرها أن تتزوّج(١).
وهذا من تيسير الإسلام ورحمته
بالمطلقة والأرملة أن شرع لها الزواج
بعد انقضاء عدتها التي قدّر لها هذه المدة
اليسيرة؛ رحمةً بها، ورعايةً لها.
نهى الله عز وجل عن ظلم المرأة وهضم
حقوقها، وحرمانها من صداقها؛ ففي ذلك
كفرانٌ للعشرة، ونسيان للمودة، ونقض
لذلك الميثاق الغليظ الذي أخذه الرجل على
٤. عدة المطلقة قبل الدخول.
ليس على المطلقة قبل الدخول عدة؛ إذ نفسه حين عقد بها أن يحسن معاشرتها، وأن
الغرض من العدة استبراء الرحم، وزوجها
لم يدخل بها.
قال تعالى: ﴿بَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نَكَحْتُمُ
الْمُؤْمِنَتِ ثُمَّ طَلَّقْتُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ
فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْنَدُونَهَا فَمَنِعُوهُنَّ﴾
[الأحزاب: ٤٩].
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطلاق،
باب انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها بوضع
الحمل، ١١٢٢/٢، رقم ١٤٨٥.
حقوق المطلقة
للمطلقة حقوق بيّنها الوحي، نذكرها
فيما يأتي:
أولًا: حق المطلقة في مؤخّر الصداق:
يتقي الله فيها، وأن تدوم الألفة بينهما، لكن
إذا تبين للرجل بعد الصبر والتجمل استحالة
العشرة مع زوجته، وأخفق في تقويمها ولم
يكن بدّ من الفراق فعليه أن يوفّها حقّها في
الصداق، وأن يسرّحها بمعروف.
قال تعالى في سورة النساء: ﴿وَإِنْ
أَرَدَّثُمُ أَسْتِبْدَالَ زَوْجِ مَّكَانَ زَّوَّچ
وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَدُهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ
شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَنَا وَإِثْمَّا مُبِينًا ))
وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ، وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى
بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِيثَقًّا غَلِيظًا﴾
[النساء: ٢٠-٢١].
وهكذا تخاطب الآية الكريمة المشاعر
والوجدان، وتذكّر الرجل بكلّ لحظة سعادةٍ
عاشها مع زوجته، أفضی إليها وأفضت إليه،
يذكّر القرآن بأوقات الصّفا التى مرّت وبقيت
ذكرياتٍ جميلةٍ، ألا تستحقّ أن يوفي لتلك
١٠٨
جَوَسُوبَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكريمِ

الطلاق
المرأة حقها، ألا يدور في ذاكرته إلا مشاهد
النكد مع تلك الزوجة التي كرهها! إن أيّ
حياةٍ زوجيةٍ لا يمكن أن تخلو من أوقات
ممتعةٍ، فضلًا عن قيامها على مبدأ أساس:
إمساكٌ بمعروف، أو تسريح بإحسانٍ، من
هنا كان التذكير بهذه الذكريات الجميلة،
والليالي الطيّبة التي جمعت بين الزوجين
علّ تذكّرها يرقق قلب الزوج، وصدق من
قال(١):
أجل بيننا رسل الذكريات
وماضٍ یطیف ودمعٌ يجود
يقول القشيري رحمه الله: ((يعلّمهم
حسن العهد، ونعت الكرم في العشرة،
فيقول: لا تجمع الفرقة، واسترداد المال
عليها، فإن ذلك ترك الكرم؛ فإن خوّلت
واحدة مالًا كثيرًا ثم جفوتها بالفراق، فما
آتيتها يسيرٌ في جنب ما أذقتها من الفراق،
قوله: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ﴾ يعني: أن
للصحبة السالفة حرمةً أكيدةً، فقفوا عند
مراعاة الذّمام، وأوفوا بموجب الميثاق))(٢).
وقال البيضاوي: ((﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ.
وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ
مِنكُم مِيثَقًّا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢١].
إنکار لاسترداد المھر والحال أنه وصل
إليها بالملامسة، ودخل بها، وتقرر المهر
(١) البيت لأحمد شوقي في ديوانه ٢/ ٦٠.
(٢) لطائف الإشارات، القشيري ١/ ٣٢٣.
﴿وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَقًّا غَلِيظًا ﴾
عهدًا وثيقًا، وهو حق الصحبة والممازجة،
أو ما أوثق الله عليهم في شأنهن بقوله:
﴿فَإِسَاك ◌ِعْرُوفٍ أَوْنَسْرِبٌِ بِإِحْسَنِ﴾ أو
ما أشار إليه النبي صلی الله عليه وسلم
بقوله: (أخذتموهنّ بأمانة الله، واستحللتم
فروجهنّ بكلمة الله)))(٣).
وقال صاحب الظلال: ((ويدع الفعل
﴿أَفْضَى﴾ بلا مفعول محدد، يدع اللفظ مطلقًا
یشع کل معانيه، ويلقي كل ظلاله، ويسكب
كل إيحاءاته، ولا يقف عند حدود الجسد
وإفضاءاته، بل يشمل العواطف والمشاعر
والوجدانات والتصورات والأسرار
والهموم والتجاوب في كل صورة من صور
التجاوب، يدع اللفظ يرسم عشرات الصور
لتلك الحياة المشتركة آناء الليل وأطراف
النهار، وعشرات الذكريات لتلك المؤسسة
التي ضمتهما فترة من الزمان.
وفي کل اختلاجة حبُّ إفضاء، وفي کل
نظرة ودُّ إفضاء، وفي كل لمسة جسم إفضاء،
وفي كل اشتراك في ألم أو أمل إفضاء، وفي
كل تفكر في حاضر أو مستقبل إفضاء، وفي
كل شوق إلى خلف إفضاء، وفي كل التقاء
في ولید إفضاء.
كل هذا الحشد من التصورات والظلال
والأنداء والمشاعر والعواطف يرسمه
(٣) أنوار التنزيل، البيضاوي ٢/ ٦٦.
www. modoee.com
١٠٩

حرف الطاء
ذلك التعبير الموحي العجيب ﴿وَقَدْ أَفْضَى
بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ ﴾ فيتضاءل إلى جواره
ذلك المعنى المادي الصغير، ويخجل
الرجل أن یطلب بعض ما دفع وهو يستعرض
في خياله وفي وجدانه ذلك الحشد من
صور الماضي، وذكريات العشرة في لحظة
الفراق الأسيف! ثم يضم إلى ذلك الحشد
من الصور والذكريات والمشاعر عاملًا آخر
من لون آخر ﴿وَأَخَذْتَ مِنكُم مِّيثَقًّا
غَلِيظًا﴾))(١).
ثانيًا: حق المطلقة في المتعة:
ومن الحقوق المترتّبة على الطّلاق
متعة المطلقة. قال تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَتِ
مَتَعٌ بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ
كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ
تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٢٤١ - ٢٤٢].
فلكلّ مطلّقةٍ متعةٌ على كلّ تقيُّ؛ جبرًا
لخاطرها، وتسليةً لفؤادها، وهذه المتعة
واجبةٌ على من طلّقت قبل الدخول بها إِن لم
يسمّ لها مهرًا، ومندوبةٌ لمن طلّقت قبل أو
بعد الدخول إِن سمّي لها المهر.
ثالثًا: حق المطلقة الرجعية في البقاء
ببيت الزوجية:
للمطلقة الحقّ في البقاء ببيت الزوجية،
وليس للزوج أو لغيره إخراجها منه؛ حتى
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢/ ٧٦.
تنقضي عدتها، والحكمة من بقائها في بيت
الزوجية حرص الإسلام على التأليف بين
الزوجين، فضلًا عن حقها في السكنى؛ لأن
الزوجية لا تزال قائمة بالنسبة للرجعية ما لم
تنقض عدتها.
قال تعالى: ﴿وَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ
فَطَلِّقُوهُنَّ لِمِذَّتِهِنَّ وَأَحْضُواْ الْعِدَّةٌ وَأَنَّقُواْ
اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا
يَخْرُجْنَ إِلَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُِّنَةٌ وَتَلْكَ
حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ
لَا تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾
[الطلاق: ١].
وقوله: ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّ أَنْ يَأْتِينَ
بِفَاحِشَةٍ مُبِيِّنَةٍ﴾ أي: ولا يخرجن من
البيوت حتى تنقضي عدتهن، إلا إذا قارفت
المطلقة عملاً قبيحًا كالزنا، فتخرج لإقامة
الحد عليها، فنهى الله سبحانه وتعالى أن
يخرج الرجل المرأة المطلّقة من المسكن
الذي طلّقها فيه، ونهاها هي أن تخرج
باختيارها، فلا يجوز لها المبيت خارجًا عن
بيتها، ولا أن تغيب عنه نهارًا إلا لضرورة؛
وذلك لحفظ النسب، وصيانة المرأة، أما
الفاحشة التي تبيح خروج المعتدة فقيل: إنها
الزنا، فتخرج لإقامة الحد عليها، وقيل: إنه
سوء الكلام مع الأصهار، وبذاءة اللسان،
فتخرج ويسقط حقها من السكنی.
قال ابن عباس رضي الله عنهما:
١١٠
القرآن الكريمِ

الطلاق
((الفاحشة المبينة بذاءتها على أهل زوجها،
فيحلّ إخراجها لسوء خلقها))(١).
وأضاف البيوت إليهنّ وهي لأزواجهنّ
لتأكيد النهي، وبيان كمال استحقاقهنّ
للسكنى في مدّة العدّة(٢).
ولا يجوز للمرأة أن تخرج ما لم تنقض
عدتها، فإن خرجت لغير ضرورة أثمت، فإن
وقعت ضرورة بأن خافت هدمًا أو غرقًا جاز
لها أن تخرج إلى منزل آخر، وكذلك إذا كان
لها حاجة ضرورية من بیع غزل أو شراء قطن
على ذلك أن رجالًا استشهدوا بأحد، فقالت
نساؤهم: نستوحش في بيوتنا، فأذن لهنّ
رسول الله صلی الله عليه وسلم أن يتحدثن
عند إحداهنّ، فإذا كان وقت النوم تأوي کلّ
امرأةٍ إلى بيتها، حيث قال صلى الله عليه
وسلم: (تحدثن عند إحداکن ما بدا لکن،
فإذا أردتن النوم فلتؤب كل امرأة منكن إلى
بيتها)(٣).
وأذن رسول الله صلی الله عليه وسلم
لخالة جابر وقد كان طلّقها زوجها أن تخرج
لجذاذ نخلها.
(١) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٨/ ١٥٠.
(٢) لباب التأويل، الخازن ١١٨/٦.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنف، ٣٦/٧،
رقم ١٢٠٧٧، والبيهقي في السنن الكبرى،
٧/ ٧١٧، رقم ١٥٥١٢.
وضعفه الألباني في الضعيفة، ١٢ / ٢٠٦، رقم
٠٥٥٩٧
فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه
قال: طلّقت خالتي، فأرادت أن تجدّ
نخلها، فزجرها رجلٌ أن تخرج، فأتت النّبيّ
صلى الله عليه وسلم فقال: (بلى، فجدّي
نخلك، فإنّك عسى أن تصدّقي، أو تفعلي
معروفًا)(٤).
﴿وَلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ أي: وهذه الأحكام
هي شرائع الله ومحارمه ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ
اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ أي: ومن يخرج عن
هذه الأحكام، ويتجاوزها إلى غيرها ولا
جاز لها الخروج نهارًا ولا يجوز ليلاً، يدل يأتمر بها فقد ظلم نفسه بتعريضها للعقاب،
وأضرّ بها حيث فوّت على نفسه إمكان
إرجاع زوجته إلیه، وأضرّ بها، وأخلّ ببعض
حقوقها.
وفي هذا تشدیدٌ لكل من يتعدى حدود
الله تعالى التي حدّها في أمر الطلاق من
ذلك طلاق المرأة في حيضها، أو في طهر
جامعها فيه، وإخراجها من بيتها بغير حقٌّ
وفي غير ذلك من المخالفات التي نهت
عنها الشريعة، فتلك حدود الله لا يتجاوزها
ولا يتعدّاها إلا من ظلم نفسه فعرّضها
لسخط الله تعالى، وأوردها موارد الهلاك.
أما من يقيم حدود الله، ويمتثل لأوامر
الله، ويجتنب ما نهى عنه، فإنه يتعرض
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطلاق،
باب جواز خروج المعتدة البائن، والمتوفى
عنها زوجها في النهار لحاجتها، ١١٢١/٢،
رقم ١٤٨٣.
www. modoee.com
١١١

حرف الطاء
لرحمة الله، ويحظى بلطف الله، وينال ثمرة في بيته! أو تؤذي أهله، أو تنشز عليه، فلا
تقواه واستقامته.
رابعًا: الحكمة من بقاء المطلقة في
بيت الزوجية:
قال تعالى: ﴿لَا تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ
ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١].
لعلّ الله يحدث في قلبه ما يغيّر حاله،
ويرغّبه في إبقاء زوجته وتقرّ عينه بها،
ويصلح الله بالها، ولعلّ اجتماعهما تحت
سقف واحد يؤلّف القلبین، وقد قيل(١):
وأقرب ما يكون الشوق يومًا
إذا دنت الخيام من الخيام
فالأمر الذي يحدثه الله: أن يقلّب قلبه
من بغضها إلى محبتها، ومن الرغبة عنها إلى
الرغبة فيها، ومن عزيمة الطلاق إلى الندم
عليه؛ فيراجعها، وتهبّ نسائم المودّة من
جديد، وترجع طيور الحب للتغريد، في هذا
البيت السعيد.
إبقاء المطلقة في بيت الزوج هي إتاحة
الفرصة للرجعة، واستثارة عواطف المودة،
وذکریات الحياة المشتركة، حيث تكون
الزوجة بعيدة بحكم الطلاق قريبة من العين؛
فيفعل هذا في المشاعر فعله بين الاثنين!
فأما حين ترتكس في حمأة الزنا، وهي
محل لاستحياء المشاعر الطيبة، واستجاشة
المودة الدفينة، ولا حاجة إلى استبقائها
في فترة العدة، فإن قربها منه حينذاك يقطع
الوشائج ولا يستحييها!»(٢).
خامسًا: حق المطلقة البائن في إرضاع
ولدها:
قال تعالى: ﴿وَالْوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَئِدَهُنَّ
حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةُ وَعَلَى
الْوَلُودِ لَُّ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْعْرُوفِّ لَا تُكَلَّفُ
نَفْسُ إِلَّا وُسْعَهَأْ لَا تُضَارَّ وَلِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا
مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ، وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكُ فَإِنْ
أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ
عَلَيْهِمَاً وَإِنْ أَرَدِتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلَدَكُمْ فَلَا جُنَاحَ
عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ ءَانَيْتُمْ بِالْتَرُوفِ وَأَلَّقُواْ اللّهَ
وَأَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
قال صاحب الظلال: ((والحكمة من إذا أرادت ذلك باختيارها ما لم يتمكّن الأب
الرضاعة حقٌّ للولد، والإرضاع حقٍّ
للأم، فللمطلقة إرضاع ولدها حولين كاملين
من استئجار مرضع، وتجب النفقة على
الوالد مدة إرضاعها الولد، قال القرطبي:
«ولما ذكر الله سبحانه النكاح والطلاق ذكر
الولد؛ لأن الزوجين قد يفترقان وثمّ ولد،
فالآية إذا في المطلقات اللاتي لهن أولاد
من أزواجهن)) (٣).
(٢) في ظلال القرآن ٣٦٠٥/٦.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، ٣/ ١٦٠.
(١) البيت في ديوان الصبابة، ابن أبي حجلة ص٩.
جوبيه
القرآن الكريمِ
١١٢