Indexed OCR Text
Pages 21-38
الطبیات الطّبة، وثانيها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلّا اللّه، والله أكبر طيّبٌ، ثالثها: هذه الكلمات الأربع، وخامسةٌ وهي تبارك الله، والمختار: أنّ کلّ کلام هو ذکر اللّه، أو هو للّه كالنّصيحة والعلم فهو إليه يصعد(١). (١) مفاتيح الغيب ٢٦٦/٢٦. صور الطيبات الحسية ذكر القرآن الكريم صورًا للطيبات الحسية نبينها فيما يأتي: أولًا: المطعومات: لقد بيَّنَ الحق سبحانه وتعالى أنه أحل لنا من المطعومات الطيبات فقط، فقال سبحانه: ﴿يَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَّ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ اْجَوَارِجِ مُكَلِّينَ تُعِمُونَهُنَّ ◌ِمَّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ فَكُلُواْ بِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَأَذَّكُرُواْ أَسْمَ اَللَّهِ عَلَيْهٌ وَأَنَّقُواْ اللَّهُّ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ اَلْحِسَابِ ن الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطِّبَتُّ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حِلٌ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّ وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الْمُؤْمِنَتِ وَالْخُصَنَتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِىّ أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِالْإِيَنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ, وَهُوَ فِي آَخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ [المائدة: ٤ -٥]. يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ﴾ من الأطعمة؟ ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ اُلَِّبَتُ﴾ وهي کل ما فيه نفع أو لذة، من غير ضرر بالبدن ولا بالعقل، فدخل في ذلك جميع الحبوب والثمار التي في القرى والبراري، ودخل في ذلك جميع حيوانات البحر وجميع حيوانات البر، إلا ما استثناه الشارع، كالسباع والخبائث منها. www. modoee.com ٢٠٧ حرف الطاء ولهذا دلت الآية بمفهومها على تحريم الخبائث، كما صرح به في قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُ لَهُمُ الطَّيِّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَيْثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. أصل معنى الطيب معنى الطهارة والزكاء، والوقع الحسن في النفس عاجلًا وآجلا، فالشيء المستلذ إذا كان وخمًا لا يسمى طيبًا؛ لأنه يعقب ألمًا أو ضرًّا؛ ولذلك كان طيب كل شيء: أن يكون من أحسن نوعه وأنفعه. والطيبات هنا هي الحلال، وكل حرام فليس بطيب. وقيل: ما التذه آكله وشاربه، ولم یکن عليه فيه ضرر في الدنيا، ولا في الآخرة. وقيل: الطيبات الذبائح؛ لأنها طابت بالتذكية (١). لذلك بيَّنَ سبحانهأن من رسالة النبي صلی الله عليه وسلم أنه يحل للناس الطيبات بأمر من ربه جل وعلا ﴿ الَّذِينَ يَقَِّعُونَ الرَّسُولَ التََّّ الْأُمِنَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْنُوبًا عِندَهُمْ فيِ التَّوْرَةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنَّهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَّيْثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. ولهذا نهانا ربنا سبحانه وتعالى أن نحرم على أنفسنا هذه الطيبات، قال تعالى: (١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٦٥/٦، التحرير والتنوير، ابن عاشور ١١١/٦، تيسر الكريم الرحمن، السعدي ص٢٢١. ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَآَ أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلَا تَّمْتَدُوَأْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧]. يقول تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ من المطاعم والمشارب، فإنها نعم أنعم الله بها علیکم، فاحمدوه إذ أحلها لكم، واشكروه ولا تردوا نعمته بكفرها، أو عدم قبولها، أو اعتقاد تحريمها، فتجمعون بذلك بين القول على الله بالكذب، وكفر النعمة، واعتقاد الحلال الطيب حرامًا خبيثًا، فإن هذا من الاعتداء. والله قد نهى عن الاعتداء فقال: تَمْتَّدُوَأْ إِنَّ اللّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ بل یبغضهم ویمقتهم ويعاقبهم على ذلك. والآية تردّ على المتقشفة؛ لأنه نهانا ألا نأکل طيبات ما أحل الله لنا، وهم يحرمون ذلك، ثم لا فرق بين تحريم ما أحل اللّه لنا من الطیبات، وتحلیل ما حرم الله علينا من الخبائث، ثم يلزمهم أن يحرموا على أنفسهم التناول من الخبز والماء، وهما من أطيب الطيبات، ألا ترى أن المرء قد يمل ويسأم من غيرهما من الطيبات إذا كثر ذلك، ولا يمل ألبتّة من الخبز والماء، دل أنهما من أطيب الطيبات، إلا أن يمتنعوا من التناول من غيرهما، إيثارًا منهم غيرهم على أنفسهم لما يلحق القوم من المئونة في غيرهما من الطيبات، ولا يلحق في الخبز ٢٠٨ جُوَب ◌َوكمـ لِلْقُرْآن الكَرِيمِ الطبیات والماء؛ لأنهما موجودان، يجدهما كل أحد ءَامَنُواْ فِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَمَةُ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٢]. ولا يجد غيرهما من الطيبات، إلا من تصل مؤنة عظيمة، فإن كان تركهم التناول منها (١). لهذا الوجه فإنه لا بأس" . قال الطبري: «یقول تعالی ذکره: يا أيّها الّذين صدقوا اللّه ورسوله، وأقرّوا بما جاءهم به نبيّهم صلى الله عليه وسلم أنّه حقٍّ من عند اللّه ﴿لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ * [المائدة: ٨٧]. يعني بالطّات: اللّذيذات الّتي تشتهيها النّفوس، وتميل إليها القلوب، فتمنعوها إيّاها، كالّذي فعله القسّيسون والرهبان، فحرّموا على أنفسهم النّساء والمطاعم الطّيّة، والمشارب اللّذيذة، وحبس في الصّوامع بعضهم أنفسهم، وساح في الأرض بعضهم. يقول تعالى ذكره: فلا تفعلوا أيّها المؤمنون كما فعل أولئك، ولا تعتدوا حدّ اللّه الّذي حدّ لكم فيما أحلّ لكم، وفيما حرّم عليكم، فتجاوزوا حدّه الّذي حدّه، فتخالفوا بذلك طاعته، فإنّ اللّه لا يحبّ من اعتدى حدّه الّذي حدّه لخلقه فيما أحلّ لهم وحرّم عليهم)) (٢). وقال سبحانه: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَِّىّ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَالطَّيِّبَتِ مِنَ الْرِّزْقَّ قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ (١) تأويلات أهل السنة، الماتريدي ٥٧٥/٣، تیسیر الکریم الرحمن، السعدي ص٢٤٢. (٢) جامع البيان ٨/ ٦٠٦. يقول تعالى منكرًا على من تعنت، وحرم ما أحل الله من الطيبات: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اَللَّهِالَّتِى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ من أنواع اللباس على اختلاف أصنافه، والطيبات من الرزق، من مأكل ومشرب بجميع أنواعه، أي: من هذا الذي يقدم على تحريم ما أنعم الله بها على العباد، ومن ذا الذي يضيّق عليهم ما وسعّه الله؟ وهذا التوسيع من الله لعباده بالطيبات جعله لهم ليستعينوا به على عبادته، فلم بيحه إلا لعباده المؤمنين؛ ولهذا قال: ﴿قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَّوَةِ الدُّنْيَا خَالِصَةٌ يَوْمَ اُلْقِيمَةِ ﴾ أي: لا تبعة علیھم فیها. ومفهوم الآية: أن من لم يؤمن بالله، بل استعان بها على معاصيه، فإنها غير خالصة له ولا مباحة، بل يعاقب عليها وعلى التنعم بها، ويسأل عن النعيم يوم القيامة. ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَتِ﴾ أي: نوضحها ونبينها ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ لأنهم الذين ينتفعون بما فصله الله من الآيات، ويعلمون أنها من عند الله، فيعقلونها ويفهمونها(٣). ولهذا أمر الله عز وجل بالأكل من الطيبات: أمر الله الرسل بذلك، فقال تعالى: (٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٢٨٧. www. modoee.com ٢٠٩ حرف الطاء ﴿وَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الطَّيِبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحَاً لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [البقرة: ١٦٨]. إِ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١]. وأمر الله المؤمنين بذلك، فقال تعالى: يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ وَأَشْكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢]. وقال تعالى: ﴿وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلًا طَيِّبَاً وَأَثَّقُواْ اللَّهَ الَّذِىّ أَنتُم بِهِ، مُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة: ٨٨]. وأمر الله بني إسرائيل بذلك، فقال تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىَّ كُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْتَكُمّْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧]. وقال تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَمَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىِّ كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُتُّ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن [الأعراف: كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ١٦٠ ]. وقال تعالى: ﴿يَبَنِيّ إِسْرَِّ يَلَ قَدْ أَنَّْنَكُمْمِنْ عَدُفِّكُمْ وَوَعَدْنَكُمْ جَاِبَ اُلُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ أَلْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ وَلَا تَطْغَوْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَىٌّ وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَيِ فَقَدْ هَوَى﴾ [طه: ٨٠-٨١]. وأمر الله الناس جميعًا بذلك، فقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَا فِ اَلْأَرْضِ حَلًا طَيِّبًا وَلَا تَشَِّعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطِنَّ إِنَّهُ يبين الله تعالى هنا أنه الرازق لعباده، وأنه هو الذي یشرع لهم الحلال والحرام، وهذا فرع عن وحدانية الألوهية - كما أسلفنا- فالجهة التي تخلق وترزق هي التي تشرع فتحرم وتحلل، وهكذا يرتبط التشريع بالعقيدة بلا فكاك. وهنا یبیح الله للناس جميعًا أن يأكلوا مما رزقهم في الأرض حلالًا طيبًا - إلا ما شرع عليهم حرمته وهو المبين فيما بعد- وأن يتلقوا منه هو الأمر في الحل والحرمة، وألا يتبعوا الشيطان في شيء من هذا؛ لأنه عدوهم، ومن ثم فهو لا یأمرهم بخیر، إنما يأمرهم بالسوء من التصور والفعل، ويأمرهم بأن يحللوا ويحرموا من عند أنفسهم، دون أمر من الله، مع الزعم بأن هذا الذي يقولونه هو شريعة الله، كما كان اليهود مثلًا يصنعون، و کما کان مشرکو قریش یدعون. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَا فِىِ الْأَرْضِ حَلاً طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَنَّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴿ إِنَّمَا يَأْمُرَّكُم بِالسُّوْءِ وَالْفَحْشَآِ وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اَللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٨- ١٦٩]. وهذا الأمر بالإباحة والحل لما في الأرض - إلا المحظور القليل الذي ينص عليه القرآن نصًّا - يمثل طلاقة هذه العقيدة، وتجاوبها مع فطرة الكون، وفطرة الناس، صَوَسُو ◌َر التفسير القرآن الكريمِ ٢١٠ الطيبات فالله خلق ما في الأرض للإنسان، ومن من الهدى، ويأخذهم الربا وقد نهوا عنه، فمنعوا المحتاجين ممن يبايعونه عن العدل، ثم جعلہ لہ حلالا، لا یقیدہ إلا أمر خاص بالحظر، وإلا تجاوز دائرة الاعتدال والقصد. فعاقبهم الله من جنس فعلهم، فمنعهم من كثير من الطيبات التي كانوا بصدد حلها، لكونها طيبة، وأما التحريم الذي على هذه الأمة فإنه تحريم تنزيه لهم عن الخبائث التي تضرهم في دينهم ودنياهم (٣). ولكن الأمر في عمومه أمر طلاقة واستمتاع بطيبات الحياة، واستجابة للفطرة بلا كزازة (١) ولا حرج ولا تضييق، كل أولئك بشرط واحد هو أن يتلقى الناس ما يحل لهم وما يحرم عليهم من الجهة التي ترزقهم هذا الرزق، لا من إيحاء الشيطان الذي لا يوحي بخير؛ لأنه عدو للناس بين العداوة، لا يأمرهم إلا بالسوء وبالفحشاء، وإلا بالتجديف على الله، والافتراء عليه، دون تثبت ولا يقين (٢). وقال تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَا طَّيِّبًا وَأَشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [النحل: ١١٤]. في المقابل: يبين سبحانه أن هذه الطيبات حرمها الله عز وجل على بني إسرائيل بسبب ظلمهم وطغيانهم ﴿فَيُظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَهِمْ طَيِبَتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٦٠]. يخبر تعالى أنه حرم على أهل الكتاب كثيرًا من الطيبات التي كانت حلالاً عليهم، وهذا تحريم عقوبة بسبب ظلمهم واعتدائهم، وصدهم الناس عن سبيل الله، ومنعهم إياهم (١) الكزازة والكزاز الييس والانقباض. انظر: المحكم، ابن سيده ٦/ ٦٤٤. (٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ١٥٥/١. ثانيًا : الأموال: جاء الحديث عن الأموال الطيبة في مواضع من القرآن: أمر الله عز وجل الصحابة أن يتمتعوا بالأموال التي غنموها، والتي أحلها الله عز وجل، وجعلها طيبة لهم بعد أن كانت محرمة على الأمم السابقة. فقال تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَلًا طَيِّبَأْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٩]. يقول تعالى ذكره للمؤمنين من أهل بدر: فكلوا أيها المؤمنون مما غنمتم من أموال المشركين حلالًا بإحلاله لكم طيبًا، وخافوا الله أن تعودوا، أن تفعلوا في دينكم شيئًا بعد هذه من قبل أن یعهد فیه إلیکم، كما فعلتم في أخذ الفداء، وأكل الغنيمة، وأخذتموهما من قبل أن یحلا لکم، إن الله غفور رحيم. قال بعضهم: ((قوله: ﴿حَلَلَّا طَيِّبًا (٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ٢١٣. www. modoee.com ٢١١ حرف الطاء واحد، كل حلال طيب، وكل حرام خبيث، سمحن لكم عن رضا واختيار بإسقاط شيء منه، أو تأخيره، أو المعاوضة عنه فلا حرج عليكم في ذلك ولا تبعة (٢). وإنما یطیب إذا حل، ویخبث إذا حرم، ولكن يحتمل قوله: ﴿حَلَا﴾ بالشرع، ﴿طَيِّبًّا﴾ في الطبع، وكذلك الحرام هو حرام بالشرع، وخبيث بالطبع، وإنما يتكلم بالحل والحرمة من جهة الشرع، والطيب والخبيث بالطبع. والطيب: هو الذي يتلذذ به ولا تبعة فيه؛ لأن خوف التبعة ينغص عليه، ويذهب بطيبه ولذته. وجائز ما ذكر من الطيب -ها هنا- لما أن أهل الشرك كانوا يأخذون الأموال ويجمعونها من وجه لا يحل، وبأسباب فاسدة، فيكرهون التناول منها إذا غنموها لتلك الأسباب الفاسدة، فطيب قلوبهم بقوله: ﴿طَيِّبًا﴾ (١). هذا عن الغنائم، كذلك مهر المرأة إذا تنازلت عنه يكون مالًا طيبًا ﴿وَءَاتُوْلِنِسَآءُ صَدُقَئِنَ عِلَةٌ فَإِن ◌ِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فُكُلُوهُ هَنْ عَامَِّيًِّا﴾ [النساء: ٤]. لما کان کثیر من الناس يظلمون النساء، ويهضمونهن حقوقهن، خصوصًا الصداق الذي یکون شيئًا کثیرًا، ودفعة واحدة، يشق دفعه للزوجة، أمرهم وحثهم على إيتاء النساء مهورهن عن طيب نفس، وحال طمأنينة، فلا تماطلوهن أو تبخسوا منه شيئًا. فإن طبن لكم عن شيء من الصداق بأن (١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٤/ ٧٢، تأويلات أهل السنة، الماتريدي ٢٦٤/٥. جوية القرآن الكريمِ هذا عن المال الطيب الذي يتحصل عليه الإنسان من طريق حلال، ومن هذه الطرق الحلال: الغنائم، وتنازل المرأة عن مهرها. في المقابل يحذرنا سبحانه من المال الخبيث، وهو الذي يتحصل عليه الإنسان من طريق حرام، ومن ذلك: أكل مال اليتيم ﴿وَمَنُواْ الْيَِ أَوَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِثَ بِأَلَّيِّبِّ وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ إِلَى أَمْوَلِكُمْ إِنَُّ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢]. أمر الرؤوف الرحيم عباده أن يحسنوا إلى اليتامى، وأن لا يقربوا أموالهم إلا بالتي هي أحسن، وأن يؤتوهم أموالهم إذا بلغوا ورشدوا كاملة موفرة، وأن لا يتبدلوا الخبيث الذي هو أكل مال اليتيم بغير حق بالطيب، وهو الحلال الذي ما فيه حرج ولا تبعة، ولا تأكلوا أموالهم مع أموالكم. ففيه تنبيةٌ لقبح أكل مالهم بهذه الحالة التي قد استغنى بها الإنسان بما جعل الله له من الرزق في ماله، فمن تجرّأ على هذه الحالة فقد أتى إثمًا عظيمًا، ووزرًا جسيمًا. ومن استبدال الخبيث بالطيب: أن يأخذ الولي من مال اليتيم النفيس، ويجعل بدله (٣) من ماله الخسيس (٣). (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٦٣. (٣) المصدر السابق. ٢١٢ الطبیات هذا عن ما يحصل عليه الإنسان من مال عباس رضي الله عنهما. طیب وخبيث. أما ما يخرجه الإنسان من مال صدقة لله آخرين (١). عز وجل، فقد نهانا الله سبحانه أن نختار أخبث ما عندنا لنخرجه، وأمرنا أن نتصدق من أطيب الأموال، فقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِنَّاً أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِّنَ الْأَرْضِّ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِفَاخِذِيهِ إِلَّ أَنْ تُغْمِضُواْ فِيهِّ وَأَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِىُّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. يأمر تعالى عباده المؤمنين بالنفقة من طيبات ما يسر لهم من المكاسب، ومما أخرج لهم من الأرض، فكما منّ عليكم بتسهيل تحصيله، فأنفقوا منه شكرًا لله، وأداءً لبعض حقوق إخوانكم عليكم، وتطهيرًا لأموالكم، واقصدوا في تلك النفقة الطيب الذي تحبونه لأنفسكم، ولا تيمموا الرديء الذي لا ترغبونه، ولا تأخذونه إلا على وجه الإغماض والمسامحة. ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَنِىُّ حَمِيدٌ﴾ فهو غني عنكم، ونفع صدقاتكم وأعمالكم عائد إليكم، ومع هذا فهو حميد على ما يأمركم به من الأوامر الحميدة، والخصال السديدة، فعليكم أن تمتثلوا أوامره لأنها قوت القلوب، وحياة النفوس، ونعيم الأرواح. وفي المراد بالطيب ها هنا قولان: أحدهما: ((أنه الجيّد الأنفس»، قاله ابن والثاني: ((أنه الحلال))، قاله أبو معقل في ثالثًا: الأزواج: أساس اختيار الرجل لزوجته أن تكون المرأة من الطيبات، وأساس قبول المرأة للرجل أن يكون الرجل من الطيبين. ﴿لَْبِيشَتُ لِلْخَبِيثِنَ قال تعالى: وَالْخَبِيِثُونَ لِلْخَيِشَتِ وَالطَّيِّبَتُ لِلَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلَّيِّبَتِّ أُوْلَئِكَ مُبَّهُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم ◌َّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [النور: ٢٦]. في معنى الخبيث والطيب أربعة أقوال: أحدها: الكلمات الخبيثات لا يتكلم بها إلا الخبيث من الرجال والنساء، والكلمات الطيبات لا يتكلم بها إلا الطيبون من الرجال والنساء. والثانى: الكلمات الخبيثات إنما تلصق بالخبيثين من الرجال والنساء، فأما الطيبات والطيبون فلا يصلح أن يقال في حقهم إلا الطيبات. والثالث: الخبيثات من الأعمال للخبيثين من الناس، والخبيثون من الناس للخبيثات من الأعمال، وكذلك الطيبات. والرابع: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والطيبات من النساء للطيبين (١) زاد المسير، ابن الجوزي ١/ ٢٤١، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ١/ ١١٥. www. modoee.com ٢١٣ حرف الطاء من الرجال(١). والآية تحتمل كل هذه المعاني، لكن قَالَتْ رَبِّ أَيْنِ لِ عِندَكَ بَيْتًا فِ الْجَنَّةِ﴾ إِلى قوله: ﴿وَجِِّى مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم: ١١])) (٣). الآية واردة في وسط سياق تبرئة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في حادثة الإفك، فأقرب المعاني: هو أن يكون حديث الآية عن الطيب والخبيث من الرجال والنساء. والمقصود بالطيبات من النساء: هي صاحبة الدين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تنكح النساء لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدینها، فاظفر بذات الدين، تربت يداك) (٢). يقول الطاهر: ((والمراد بالخبث: خبث الصّفات الإنسانيّة كالفواحش، وكذلك المراد بالطّب: زكاء الصّفات الإنسانيّة من الفضائل المعروفة في البشر، فليس الكفر من الخبث، ولكنّه من متمّماته، وكذلك الإيمان من مكمّلات الطّّب؛ فلذلك لم يكن كفر امرأة نوح وامرأة لوط ناقصًا لعموم قوله: ﴿اَلْقَبِيِثَتُ لِلْخَيِثِينَ﴾ فإنّ المراد بقوله تعالى: ﴿كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَلِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم: ١٠]. أنّهما خانتا زوجیھما بإبطان الكفر، ویدلّ (١) زاد المسير، ابن الجوزي ٢٨٧/٣. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب الأكفاء في الدين، ٧/ ٧، رقم ٥٠٩٠، ومسلم في صحيحه، كتاب الرضاع، باب استحباب نكاح ذات الدين، ١٠٨٦/٢، رقم ١٤٦٦. لذلك مقابلة حالهما بحال امرأة فرعون ﴿وإذ وقد أحل الله عز وجل للرجال أن يتزوجوا ما طاب لهم من النساء، فيجمعوا بين اثنين أو ثلاثة أو أربعة في وقت واحد إذا استطاعوا العدل بينهن. قال عز وجل: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِي الْيَكَ فَأَنْكِحُوْمَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَثَ وَرَُعَّ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نَعْدِلُواْفَوَجِدَةٌ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنْكُمْ ذَلِكَ أَدْفَ أَلََّ تَعُولُواْ﴾ [النساء: ٣]. أي: وإن خفتم ألا تعدلوا في يتامى النساء اللاتي تحت حجورکم وولا یتکم، وخفتم أن لا تقوموا بحقهن لعدم محبتكم إیاهن، فاعدلوا إلى غيرهن، وانكحوا ما طاب لكم، ووقع علیھن اختیارکم من ذوات الدین. وفي هذه الآية: أنه ينبغي للإنسان أن يختار قبل النكاح، بل وقد أباح له الشارع النظر إلى من يريد تزوجها؛ ليكون على بصيرة من أمره (٤). رابعًا: المسكن: امتن الله عز وجل على أهل سبأ؛ لأنه رزقهم البلدة الطيبة، والمسكن الطيب. قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ (٣) التحرير والتنوير ١٩٥/١٨. (٤) تيسر الكريم الرحمن، السعدي ص١٦٣. جوسُو حَرَ النَفسِير القرآن الكريم ٢١٤ الطبیات ءَايَّةٌ جَنَّتَانِ عَنِ بِمِينِ وَشِمَالٍ كُلُواْ مِن رِزْقِ رَيْكُمْ وَأَشْكُرُواْ لَهُ، بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبُّ غَفُورٌ﴾ [سبأ: ١٥]. يقول تعالى ذكره: لقد كان لولد سبأ في مسكنهم علامة بينة، وحجة واضحة على أنه لا رب لهم إلا الذي أنعم عليهم النعم التي کانوا فیھا، حیث آتاهم الله عز وجل بستانین کانا بین جبلین، عن یمین من أتاهما وشماله، ثم أمرهم سبحانه: كلوا من رزق ربكم الذي يرزقكم من هاتين الجنتين من زروعهما وأثمارهما، واشکروا له على ما أنعم به علیکم من رزقه ذلك. ثم ابتدأ الخبر عن البلدة فقال: هذه بلدة طيبة، ورب غفور لذنوبكم إن أنتم أطعتموه. يحتمل ما ذكر من طيبها: هو سعتها، وكثرة ريعها ومياهها وألوان ثمارها وفواكهها، وقيل: غير سبخة، وقيل: طيبة ليس فيها هوام لطيب هوائها، وقيل: طاهرة عن المؤذيات لا حية فيها ولا عقرب ولا وباء ولا وخم(١). ولقد ضرب الله عز وجل المثل في الدنيا بالمسكن الطيب والبلدة الطيبة. قال تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ. بِإِذْنِ رَبْدٌِّ وَلَّذِى خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِّدَأْ كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْأَيَتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٧٥/٢٠، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٤/ ٢٨٤. [الأعراف: ٥٨]. يقول سبحانه: والبلد الطيب، أي: طيب التربة والمادة إذا نزل عليه مطر يخرج نباته الذي هو مستعد له بإرادة الله ومشيئته، فليست الأسباب مستقلة بوجود الأشياء حتى يأذن الله بذلك (٢). هذا عن المسكن الطيب في الدنيا، أما في الآخرة فقد بشر الله عز وجل أهل الإيمان بالمساكن الطيبة في الجنة. قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّتٍ تَّجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا وَمَسَكِنَ طَيِّبَةً فِى جَنَّتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ ﴾ [التوبة: ٧٢]. وقال تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَثَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ وَمُسَكِنَ طَِّبَةً فِ جَنَّتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ﴾ [الصف: ١٢]. والمساكن الطيبة الواردة في الآيتين تفسر بأنها مساكن قد زخرفت وحسنت، وأعدت لعباد الله المتقين، قد طاب مرآها، وطاب منزلها ومقيلها، وجمعت من آلات المساكن العالية ما لا يتمنى فوقه المتمنون، حتى إن الله تعالى قد أعد لهم غرفًا في غاية الصفاء والحسن، يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها. (٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٢٩٢. www. modoee.com ٢١٥ حرف الطاء فهذه المساكن الأنيقة التي حقيق بأن لؤلؤةٍ واحدةٍ مجوّفة، طولها ستّون ميلًا في السّماء، للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم، لا یری بعضهم بعضًا) (٣). تسكن إليها النفوس، وتنزع إليها القلوب، وتشتاق لها الأرواح؛ لأنها في جنات عدن، أي: إقامة لا يظعنون عنها، ولا يتحولون منها (١). قال ابن كثير: ((﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَاُلْمُؤْمِنَتِ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا وَمَسَكِنَ طَيِّبَةٌ فِي جَنَّتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ٧٢]. يخبر تعالى بما أعدّه للمؤمنين به والمؤمنات من الخيرات والنّعيم المقيم في ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها أبدًا، ﴿وَمَسَكِنَ طَيِّبَةً﴾ أي: حسنة البناء، طيّبة القرار. كما قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: (جنّتان من ذهبٍ آنيتهما وما فيهما، وجنّتان من فضّةٍ آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربّهم إلّا رداء الکبریاء على وجهه في جنّة عدنٍ) (٢). وبه قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: (إنّ للمؤمن في الجنّة لخيمة من (١) انظر المصدر السابق ص٣٤٣. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: (ومن دونهما جنتان)، ١٤٥/٦، رقم ٤٨٧٨، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم سبحانه وتعالى، ١٦٣/١، رقم ١٨٠. وفي الصّحيحين أيضًا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: (من آمن بالله ورسوله، وأقام الصّلاة، وصام رمضان، فإنّ حقًّا على اللّه أن يدخله الجنّة، هاجر في سبيل الله، أو جلس في أرضه الّتي ولد فيها). قالوا: يا رسول الله، أفلا نخبر النّاس؟ قال: (إنّ في الجنّة مائة درجةٍ، أعدّها اللّه للمجاهدين في سبيله، بین کلّ درجتین كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم اللّه فاسألوه الفردوس، فإنّه أعلى الجنّة، وأوسط الجنّة، ومنه تفجّر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرّحمن) (٤)) (٥). خامسًا: الذرية: قال تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا ذَكَرِنَّا رَبَّةٌ. (٣) أخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن، باب قوله: (حور مقصورات في الخيام)، ١٤٥/٦، رقم ٤٨٧٩، ومسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب في صفة خيام الجنة وما للمؤمنين فيها من الأهلين، ٤ /٢١٨٢، رقم ٢٨٣٨. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب درجات المجاهدين في سبيل الله، يقال هذه سبيلي وهذا سبيلي، ٤ / ١٦، رقم ٢٧٩٠. (٥) تفسير القرآن العظيم ٤ / ١٧٥. موسوبر التقتيم القرآن الكريم ٢١٦ الطبیات قَالَ رَبِّ هَبْ لِ مِنْ لَُّنْكَ ذُرِيَّةً طَيِّبَةٌ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَلِّ ﴾ [آل عمران: ٣٨]. عند رؤية زکریا ما رأی عند مریم من رزق الله الذي رزقها، وفضله الذي آتاها من غیر تسبب أحد من الآدميين في ذلك لها، ومعاينته عندها الثمرة الرطبة التي لا تكون في حين رؤيته إياها عندها في الأرض؛ طمع بالولد، مع كبر سنه، من المرأة العاقر فرجا أن يرزقه الله منها الولد، مع الحال التي هما بها، کما رزق مريم على تخليها من الناس ما رزقها من ثمرة الصيف في الشتاء، وثمرة الشتاء في الصيف، وإن لم يكن مثله مما جرت بوجوده في مثل ذلك الحين العادات في الأرض، بل المعروف في الناس غير ذلك، كما أن ولادة العاقر غير الأمر الجارية به العادات في الناس، فرغب إلى الله جل ثناؤه في الولد، وسأله الذرية الطيبة، وهي المباركة طاهرة الأخلاق، طيبة الآداب، لتكمل النعمة الدينية والدنیویة بهم(١). من الآباء من أرّقهم عصيان وضياع أبناءهم، فتجدهم يبذلون الغالي والنفيس في سبيل استصلاحهم ودلالتهم على طرق الهدى، ومنهم من يتمنى أن يرزقه الله ذرية طيبة يأنس بهم في حياته، ويجتمع بهم في الجنة بعد مماته. (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٦/ ٣٥٩، تیسیر الكريم الرحمن، السعدي ص١٢٩ . وحسبي من هذه اللفتة أن أشير إلى مفتاح عظيم من مفاتيح صلاح الذرية التي استعان بها الأنبياء بربهم لصلاح ذرياتهم: هو الدعاء، فزكريا عليه السلام يقول كما في كتاب ربنا عز وجل: ﴿رَبِّ هَبْ لِ مِن ◌َّدُنكَ ذُرِيَّةً طَيِّبَةٌ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَلِّ﴾ [آل عمران: ٣٨]. وإبراهيم عليه السلام كان يقول: ﴿ رَبِّ هَبْ لِىِ مِنَ الصَّلِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠]. فاستجاب الله دعاءه ﴿فَبَشَّرْنَهُ بِعُلَمٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١]. وكان يقول: ﴿رَبِّ أَجْعَلْنِى مُقِيمَ الصَّلَوَةِ وَمِنْ ذُرِّيَّقَِّ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٤٠]. والتجأ إلى الله تعالى في موضع آخر في كتابه ﴿وَأَجْتُبْنِ وَيَتِىَّ أَنْ تَّعْبُدَ اَلْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]. وهذا منطلق لكل أب بأن يجعل أمر الدعاء لذريته ملازمًا له قبل الولادة أو بعدها؛ اقتداء بأنبياء الله. إن من الأوصاف التي وصف الله بها عباده في سورة الفرقان: ﴿وَأَلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَجِنَا وَذُرِّيَّلِنَا قُرَّةً أَعْيُنٍ وَأَجْعَلْنَا لِلْمُنَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤]. إن على الآباء أن يمسكوا بزمام الدعاء لذريتهم اقتداء بأنبيائهم، وأن يتفطنوا لخطورة الدعاء عليهم، فبعض الآباء www. modoee.com ٢١٧ حرف الطاء والأمهات يدعون على أبناءهم باللعنة الهبوب، وجاءهم الموج من كل مكان، وعرفوا أنه الهلاك، فانقطع حينئذٍ تعلقهم والمرض وعدم التوفیق، فالرسول صلی الله عليه وسلم يقول: (لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم) (١). بالمخلوقين، وعرفوا أنه لا ينجيهم من هذه الشدة إلا الله وحده، فدعوه مخلصين له الدين، ووعدوا من أنفسهم على وجه الإلزام، فقالوا: لئن أنجيتنا من هذه لنكونن سادسًا: الريح: من الشاكرين، فلما أنجاهم نسوا تلك الشدة وذلك الدعاء، وما ألزموه أنفسهم، فأشركوا بالله، من اعترفوا بأنه لا ينجيهم من الشدائد، ولا يدفع عنهم المضايق، فهلا أخلصوا لله العبادة في الرخاء، كما أخلصوها في الشدة؟! قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُسَتِرَّكُ فِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِّ حَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْقُلْكِ وَجَيْنَ بِهِم بِرِيجٍ طَيِّبَةِ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآَتُهَا رِيعُ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَبِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ، لَتَكُونَنَّ مِنَ الشَّكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢]. في الآية التي قبلها ذكر تعالى القاعدة العامة في أحوال الناس عند إصابة الرحمة لهم بعد الضراء، والیسر بعد العسر، ثم یذکر حالة تؤيد ذلك، وهي حالهم في البحر عند اشتداده، والخوف من عواقبه، فقال: هو الذي يسيركم في البر والبحر بما يسر لكم من الأسباب المسيرة لكم فيها، وهداكم إليها. حتى إذا كنتم في السفن البحرية، وجرين بهم بريح طيبة موافقة لما يهوونه، من غير انزعاج ولا مشقة. وفرحوا بها، واطمأنوا إليها، فبينما هم كذلك إذا جاءتهم ربح عاصف شديدة (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد والرقائق، باب حديث جابر الطويل وقصة أبي اليسر، ٤ / ٢٣٠٤، رقم ٣٠٠٩. والطيب: الموصوف بالطيب الشديد، وأصل معنى الطيب: الملاءمة فيما يراد من الشيء، ويقال: طاب له المقام في مكان كذا، ومنه سمي الشيء الذي له ربح وعرف طيبًا. وكأنه سبحانه يتكلم هنا عن السفن الشراعية التي تسير بالهواء المتجمّع في أشرعتها، وإذا كان التقدم في صناعة السفن قد تعدّى الشراع، وانتقل إلى البخار، ثم الکهرباء، فإن كلمة الحق سبحانه: برد ج طَيِّبَةٍ﴾ تستوعب كل مراحل الارتقاء، خصوصًا وأن كلمة (الريح) قد وردت في القرآن الكريم بمعنى القوة أيا كانت: من هواء، أو محرك يسير بأية طاقة (٢). (٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٣٧/١١، تيسر الكريم الرحمن، السعدي ص ٣٦١، تفسير الشعراوي ٥٨٥١/١٠. ٢١٨ جَوَسُو القرآن الكريمِ الطبیات سابعًا: الحياة: بشر الله عز وجل الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فقال: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَتُحْبِيَنَّهُ حَيَوَةً طَيِّبَةٌ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]. يقول تعالى ذكره: من عمل بطاعة الله، وأوفى بعهود الله إذا عاهد من ذكر أو أنثى من بني آدم، وهو مصدّق بثواب الله الذي وعد أهل طاعته على الطاعة، وبوعيد أهل معصيته على المعصية، فلنحيينه حياة طيبة، ويجزيهم أجرهم في الآخرة بأحسن ما كانوا يعملون (١). قال الطبري رحمه الله: ((فلنحيينه حياة طيبة بالقناعة؛ وذلك أن من قنعه الله بما قسم له من رزق لم يكثر للدنيا تعبه، ولم يعظم فيها نصبه، ولم يتكدّر فيها عيشه باتباعه بغية ما فاته منها، وحرصه على ما لعله لا یدر که فيها. وإنما كان ذلك أولى التأويلات في ذلك بالآية؛ لأن الله تعالى ذكره أوعد قومًا قبلها على معصيتهم إياه إن عصوه أذاقهم السوء في الدنيا، والعذاب في الآخرة، فقال تعالى: ﴿وَلَا نَتَّخِذُوَاْ أَيْمَنَكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ فَزِلَّ قَدَمُ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ السُّوْءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النحل: ٩٤]. (١) جامع البيان، الطبري ٢٨٩/١٧. فهذا لهم في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب عظيم، فهذا لهم في الآخرة، ثم أتبع ذلك لمن أوفی بعهد الله وأطاعه»(٢). إن الحياة الطيبة مطلب عظيم، وغاية نبيلة، بل هي مطلب كل الناس وغايتهم التي عنها يبحثون، وخلفها يركضون، وفي سبيلها يضحون ويبذلون، فما من إنسان في هذه الحياة إلا وتراه يسعى ويكدح ويضني نفسه ويجهدها كل ذلك بحثًا عن الحياة الطيبة، وطمعًا في الحصول عليها، والناس جميعًا على ذلك متفقون؛ ولكنهم يختلفون في سبل هذه الحياة الطيبة، وفي نوعها ومسالكها؛ وتبعًا لذلك فإنهم يختلفون في الوسائل والسبل التي توصلهم إلى هذه الحياة إن وصلوا إليها. مختلفون على كافة مستوياتهم كانوا أممًا أو شعوبًا، أو مجتمعات صغيرة أو كبيرة، بل حتى الأسرة الواحدة تجد فيها ألوانًا شتى في فهم معنى الحياة الطيبة. وللناس في كل زمان أفهام حول هذه الحياة الطيبة، وهم تبعًا لذلك أصناف، فمنهم من يرى الحياة الطيبة في كثرة المال وسعة الرزق، ومنهم من يراها في الولد أو في المنصب أو في الجاه. لكن الله تعالى -ومن أصدق من الله حديثًا- قد حدد لنا مفهوم الحياة الطيبة، (٢) جامع البيان، ٢٩١/١٧. www. modoee.com ٢١٩ حرف الطاء وسبيلها في كتابه الكريم، فقال: ﴿مَنْ عَمِلَ إن السعادة أن تعيش صَلِحًا مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَتُحْبِيَنَّهُ. حَيَوَةٌ طَيِّبَةٌ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا لعقيدة كبرى تحل كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]. حياة طيبة في الدنيا، وهي قوله تعالى: هذي العقيدة للسعيد ﴿فَلَتُحْبِيَنَّهُ حَيَوَةٌ طَيِّبَةٌ﴾، وحياة طيبة في الآخرة، وهي معنى قوله تعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. فهذه الحياة الطيبة أساسها وقوامها على أمرين اثنين، أمرين عظيمين جليلين يسيرين على من يسرهما الله عليه: الأمر الأول: الإيمان بالله تبارك وتعالى. والأمر الثاني: عمل الصالحات وفق ما شرعه الله تبارك وتعالى، وما جاء عن رسوله (١). ولله در من قال (٢): یا متعب الجسم کم تسعى لخدمته أتعبت جسمك فيما فيه خسران أقبل على الروح واستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنسان وقد يظن بعض الناس أن الحياة الطيبة في كثرة الأموال والأولاد والتفاخر بالمناصب والرتب؛ ولذا فهو يحاول الحصول على هذه الأشياء بما شرع وبما لم يشرع. (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد والرقائق، باب المؤمن أمره كله خير، ٢٢٩٥/٤، رقم ٢٩٩٩. (٢) البيتان لأبي الفتح البستي في ديوانه ص ٨٣. لفكرة الحق التليد قضية الكون العتيد هي الأساس هي العمود من عاش يحملها ويهتف باسمها فهو السعيد (٣) فالحياة الطيبة هي التي يحقق المرء فيها السعادة الحقيقية، والتي يمثلها قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من أصبح منكم آمنًا في سربه، معانی في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها) (٤). وما السعادة في الدنيا لذي أمل إنّ السعيد الذي ينجو من النار (٥) (٣) هذه أبيات من قصيدة السعادة، ليوسف القرضاوي، من ديوانه نفحات ولفحات ص ١٠٥. (٤) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الزهد، باب منه، ٤ / ١٥٢، رقم ٢٣٤٦، وابن ماجه في سننه، كتاب الزهد، باب القناعة، ١٣٨٧/٢، ٤١٤١. وحسنه الألباني في صحيح الجامع ١٠٤٤/٢، رقم ٦٠٤٢. (٥) البيت لجحدر بن معاوية العكلي. انظر: منتهى الطلب من أشعار العرب، محمد بن المبارك البغداي ص ١١٣ . مَوَسُولَةُ الَفي القرآن الكريمِ ٢٢٠ الطيبات آثار ابتغاء الطيبات المعنوية بين لنا ربنا سبحانه في القرآن بعضًا من آثار ابتغاء الطيبات المعنوية، ومن ذلك: ١. ابتغاء الطيبات سبب في القبول. قال سبحانه: ﴿وَهُدُوَأَ إِلَ اَلَّيْبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوَأْ إِلَى صِرَّطِ اَلْحَمِيدِ الرَّحِيمِ﴾ [الحج: ٢٤]. جائز أن يكون هذا في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا: هو قول التوحيد، وشهادة الإخلاص. وأمّا في الآخرة كقوله تعالى: ﴿رَغْوَئُهُمْ فِيَهَا سُبْحَتَكَ اللَّهُمَّ وَتَهِيَّئُهُمْ فِيهَا سَلَمْ وَءَاخِرُ دَعْوَنُهُمْ أَنِ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]. فهو القول الطيب الذي هدوا إليه. و﴿اَلَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ هو كل قول حسن(١). وهذا القول الطيب الذي يهدي الله المؤمنین إليه هو الذي یرفع إلى الله عز وجل، ويقبله ویشي على صاحبه. ويشير ربنا سبحانه وتعالى إلى هذا المعنى في آية أخرى، فيقول جل ثناؤه: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ يَرْفَعُهُ، وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَبَبُورُ﴾ [فاطر: ١٠]. (١) تأويلات أهل السنة، الماتريدي ٤٠٣/٧. ٢. ابتغاء الطيبات سبب في الثبات والتوفيق. قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَكَيَّفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلًا كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ كَشَجَرَوْ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِى السَّمَدِ ◌ّ تُوْنِ أُكُلَهَا كُلَّ حِيمٍ بِإِذْنِ رَيِّهَأُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴿ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ أَجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤-٢٦]. يقول سبحانه: ألم تر كيف ضرب الله مثلًا كلمة طيبة (وهي شهادة أن لا إله إلا الله وفروعها) كشجرة طيبة (وهي النخلة) أصلها ثابت في الأرض، وفرعها منتشر في السماء، وهي كثيرة النفع دائمًا، تؤتي ثمرتها كل حين بإذن ربها، فكذلك شجرة الإيمان، أصلها ثابت في قلب المؤمن، علمًا واعتقادًا، وفرعها من الكلم الطيب والعمل الصالح والأخلاق المرضية، والآداب الحسنة في السماء دائمًا یصعد إلى الله منه من الأعمال والأقوال التي تخرجها شجرة الإيمان ما ينتفع به المؤمن وينفع غيره، ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ما أمرهم به ونهاهم عنه، فهذه صفة كلمة التوحيد وثباتها، في قلب المؤمن (٢). هذه هي صفة المؤمن الذي يبتغي الطيب ضرب الله عز وجل له مثلًا بالشجرة الثابتة (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤٢٤. www. modoee.com ٢٢١ حرف الطاء الأركان والأصول. معادلةٌ ربّانية يسيرة إن حقّقها العبد تحقّقت له الحياة الطيبة، هذه المعادلة هي وعده عز وجل بالحياة الطيبة لمن عمل صالحًا وهو مؤمن. قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْبِيَنَّهُ حَيَوَةٌ طَيِّبَةٌ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَاكَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]. فالآية الكريمة ذكرت طرفي المعادلة: الطرف الأول: العمل الصالح والإيمان ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْتَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النحل: ٩٧]. والطرف الثاني: الحياة الطيبة في الدنيا، بالإضافة إلى الجزاء الأخروي ﴿فَلَنُحْبِيَنَّهُ. حَيَوَةٌ طَيِّبَةٌ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]. فالطرف الأول شرط لتحقّق الطرف الثاني، يقول ابن القيم في المدارج: ((وقد جعل الله الحياة الطيبة لأهل معرفته ومحبته وعبادته. فقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَتُحْبِيَنَّهُ حَيَوَةٌ طَيِّبَةٌ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم ◌ِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]))(١). قال الشنقيطي في الأضواء في سياق (١) مدارج السالكين ٢٤٣/٣. جوبيين القرآن الكريم تعليقه على الآية: ((وفي الآية الكريمة قرينة تدلّ على أن المراد بالحياة الطيبة في الآية: حياته في الدنيا حياة طيّبة، وتلك القرينة هي أنّنا لو قدّرنا أن المراد بالحياة الطيبة حياته في الجنة في قوله: ﴿فَلَتُحْبِيَنَّهُ، حَيَوَةً طَيِّبَةٌ﴾ [النحل: ٩٧]. صار قوله: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ يأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]. تكرارًا معه؛ لأنّ تلك الحياة الطيبة هي أجر عملهم، بخلاف ما لو قدّرنا أنها في الحياة الدنيا فإنه يصير المعنى: فلنحيينه في الدنيا حياة طيّبة، ولنجزينّه في الآخرة بأحسن ما كان يعمل، وهو واضح)) (٢). (٢) أضواء البيان ٢/ ٤٤١. ٢٢٢ الطبیات آثار ابتغاء الطيبات الحسية بين ربنا سبحانه وتعالى أن ابتغاء الطيبات سبب في المغفرة في الدنيا، ودخول الجنة في الآخرة. ﴿الَْبِيثَتُ لِلْخَبِيثِنَ قال سبحانه: وَالْخَبِيِثُونَ لِلْخَبِشَتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلَّيِّبَتَّ أُوْلَئِكَ مُبَّهُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [النور: ٢٦]. وقد سبق ذكر شيء من الآثار في المطلب السابق، ونقول: إن الآثار الحسية والمعنوية لطلب الطيبات كثيرة معروفة، وهي متداخلة أيضًا. يقول سيد قطب: ((العمل الصالح مع الإيمان جزاؤه حياة طيبة في هذه الأرض. لا يهم أن تكون ناعمة رغدة ثرية بالمال، فقد تكون به، وقد لا يكون معها. وفي الحياة أشياء كثيرة غير المال الكثير تطيب بها الحياة في حدود الكفاية: فيها الاتصال بالله، والثقة به، والاطمئنان إلی رعايته وستره ورضاه. وفيها الصحة والهدوء، والرضا والبركة، وسكن البيوت، ومودات القلوب. وفيها الفرح بالعمل الصالح وآثاره في الضمير، وآثاره في الحياة. وليس المال إلا عنصرًا واحدًا يكفي منه القليل، حين يتصل القلب بما هو أعظم وأزكى وأبقى عند الله)) (١). موضوعات ذات صلة: الأكل، الحرام، الحلال، الخبيث، الشرب، الطعام (١) في ظلال القرآن ٢١٩٣/٤. www. modoee.com ٢٢٣