Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْ سُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِّرِيْمِ
الطَّيْبَائِتْ
C
عناصر الموضوع
مفهوم الطيبات
١٨٨
الطيّبات في الاستعمال القرآني
١٨٩
الألفاظ ذات الصلة
١٩٠
الحث على ابتغاء الطيب
٢٠٠
صور الطيبات المعنوية
٢٠٧
صور الطيبات الحسية
٢٢١
آثار ابتغاء الطيبات المعنوية
٢٢٣
آثار ابتغاء الطيبات الحسية
١٩٢
المُجَلَدُ الثَانِى وَالعُشْرُونْ

حرف الطاء
مفهوم الطيبات
أولًا: المعنى اللغوي:
الطيب خلاف الخبيث، إلا أنه قد تتسع معانيه، فيقال: أرضٌ طيبة للتي تصلح للنبات،
وريحٌ طيبة إذا كانت لينة ليست بشديدة، وطعمةٌ طيبة إذا كانت حلالًا، وامرأةٌ طيبة إذا كانت
حصانًا عفيفة، وكلمةٌ طيبة إذا لم يكن فيها مكروه، وبلدةٌ طيبة، أي: آمنة كثيرة الخير، ونكهةٌ
طيبة إذا لم يكن فيها نتن، وإن لم يكن فيها ريح طيبة كرائحة العود وغيرها، وطعام طيب
الذي يستلذ الآكل طعمه، والكلمة الطيبة: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله (١).
والطّيّب: الحلال. والطيب: ما يتطيب به، وقد تطيب بالشيء، وطيب الثوب وطابه،
والطيب من كل شيء: أفضله، واستطبناهم: سألناهم ماء عذبًا (٢).
وبهذا يتضح أن كلمة الطيب ليس لها معنى ثابت في الاصطلاح اللغوي، وإنما هي على
حسب السياق الذي ترد فيه.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
لا يوجد هناك تعريف اصطلاحي خاص بالطيب، ولكن تختلف دلالته الاصطلاحية
بحسب المضاف إلى الطيب، فمثلًا الرزق الطيب هو الحلال(٣). وأصل الطّيّب: ((ما تستلذّه
الحواسّ، وما تستلذّه النّفس، والطّعام الطّيّب في الشّرع: ما كان متناولًا من حيث ما يجوز،
ومن المكان الّذي يجوز، فإنّه متى كان كذلك كان طيًّا عاجلًا وآجلا لا يستوخم، وإلا فإنه
- وإن كان طيًّا عاجلًا - لم يطب آجلاً))(٤).
((وقال الحسن: الحلال الطّب: هو ما لا يسأل عنه يوم القيامة، وقال ابن عبّاسٍ: الحلال
الّذي لا تبعة فيه في الدّنيا، ولا وبال في الآخرة، وقيل: الحلال ما يجوّزه المفتي، والطّب ما
يشهد له القلب بالحلّ)»(٥).
(١) انظر: الصحاح، الجوهري ١٧٣/١، مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٣٥/٣، تاج العروس، الزبيدي
٢٨١/٣.
(٢) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير ١٤٨/٣، لسان العرب، ابن منظور ٥٦٣/١.
(٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٩٠/٥.
(٤) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٥٢٧.
(٥) البحر المحيط، أبو حيان ٢/ ١٠٠.
١٨٨
جوبيبو
القرآن الكريمِ

الطبیات
الطَّيّبات في الاستعمال القرآني
وردت مادة (طيب) في القرآن بصيغ متعددة، بلغت (٥٠) مرة (١).
والصيغ التي وردت عليها هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
﴿فَأَتَكِحُوْ مَا طَابَ لَّكُمْ مِّنَ النِّسَآَ مَثْنَى وَثُلَثَ وَرُبَعَ
٣
[النساء: ٣]
المصدر
١
﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ
مَثَابٍ ﴾ [الرعد: ٢٩]
الصفة المشبهة
٤٦
﴿وَءَاتُّوْ اَلْيَ أَمْوَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [النساء: ٢]
وقد أطلقت الطّات في الاستعمال القرآني على عدة أمور، منها (٢):
الأول: الذكر والدعاء: ومنه قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ
يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠].
الثاني: الرزق: ومنه قوله تعالى: ﴿﴿ وَلَقَدْ كُرَّمْنَا بَنِيّ ◌َادَمَ وَجَلْنَهُمْ فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُم
مِنَ الطَّيِّبَتِ﴾ [الإسراء: ٧٠]. يعني: جميع رزق بني آدم: الخبز والعسل والسمن، ونحوه من
أطايب الطعام، وجعل رزقهم أطيب من رزق البهائم والدواب والطير.
الثالث: الحلال: ومنه قوله تعالى: ﴿فَيُظُلِّ ◌ِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَتٍ أُحِلَّتْ لَمْ﴾
[النساء: ١٦٠]. وقد كانت لهم حلالًا في التوراة.
(١) انظر: المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، ص ٧٢٧-٧٢٨.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص٣٢٠-٣٢٢، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص٤١٨-
٤١٩.
www. modoee.com
١٨٩

حرف الطاء
الألفاظ ذات الصلة
الخبائث:
١
الخبائث لغةً:
جمع خبيث، قال ابن فارس: ((الخاء والباء والثاء أصلٌ واحد يدلّ على خلاف الطّب.
يقال خبيثٌ، أي ليس بطيّب. وأخبث، إذا كان أصحابه خبثاء. ومن ذلك التعوّذ من الخبيث
المخبث. فالخبيث في نفسه، والمخبث الذي أصحابه وأعوانه خبثاء)) (١).
الخبائث اصطلاحًا:
قال الراغب: ((الخبث والخبيث: ما يكره رداءةً وخساسةً، محسوسًا كان أو معقولًا)) (٢).
الصلة بين الخبائث والطيبات:
لا شك أن العلاقة بينهما علاقة تضاد، فالطيب خلاف الخبيث، والخبيث خلاف الطيب.
الحلال:
٢
الحلال لغةً:
الحلال ضد الحرام، وهو من: حلّ يحلّ حِلًا، بالكسر. وأحلّه الله، وحلّله، واستحلّه:
اتخذه حلالًا، أو سأله أن يحلّه له(٣).
الحلال اصطلاحًا:
هو ما أطلق الشرع فعله، أو هو كل شيء لا يعاقب عليه باستعماله (٤).
الصلة بين الحلال والطيبات:
الطيب: ما هو طيب في ظاهر الشرع سواء كان طيبًا في الواقع أم لا، والحلال: ما هو حلال
وطيب في الواقع لم تعرضه النجاسة والخبائة قطعًا، ولم تتناوله أيدي المتغلبة أصلًا(٥).
(١) مقاييس اللغة، ٢ /١٩٤.
(٢) المفردات، ص٢٧٢.
(٣) انظر: القاموس المحيط، الفيروز آبادي ص٩٨٦.
(٤) التعريفات، الجرجاني، ص ٩٢.
(٥) الفروق اللغوية، العسكري، ص١٦٩.
جوي
القرآن الكريم
١٩٠

الطبیات
المحرمات:
٢
المحرمات لغةً:
الحرام لغةً: الحرام من حرم، فالحاء والراء والميم أصل واحد، وجمع الحرام حرم،
والحرام ضد الحلال، والحرام هو المنع والتشديد(١).
المحرمات اصطلاحًا:
الحرام: هو ما طلب الشارع من المكلف تركه على وجه الإلزام، بحيث يعاقب فاعله
ويثاب تاركه(٢).
الصلة بين المحرمات والطيبات:
واضحٌ أن هناك فرقًا شاسعًا بينهما، فكل منهما ضد الآخر.
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٥/٢.
(٢) انظر: علم أصول الفقه، عبد الوهاب خلاف ص١١٣.
www. modoee.com
١٩١

حرف الطاء
الحث على ابتغاء الطيب
تنوعت أساليب القرآن على الحث على
ابتغاء الطيب، وهذا ما سنتناوله فيما يأتي:
أولًا: أسلوب الطلب:
جاء الأمر في القرآن بابتغاء الطيبات في
الحياة الدنيا، وأكد ربنا سبحانه وتعالى على
ذلك في مواضع:
جاء الأمر بابتغاء الصعيد الطيب للتيمم.
فقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُم مَّرْضَ أَوْ عَلَى سَفَرٍ
أَوْجَآءَ أَحَدٌ مِنْكُم مِّنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَآءُ
فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِبًا فَأَمْسَحُواْ
بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾
[النساء: ٤٣].
﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًّا
وقال تعالى:
فَأَطّهَرُواْ وَإِن كُنتُم مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَآءَ
أَحَدٌ مِنَكُم مِّنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ اُلْنِسَآءَ فَلَمْ
◌َّجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَأَمْسَحُواْ
بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ
لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ
لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦].
ففي آية سورة النساء، يعني سبحانه: وإن
کنتم جرحی أو بکم قروح أو کسر، أو علة
لا تقدرون معها على الاغتسال من الجنابة،
وأنتم مقيمون غير مسافرين، أو إن كنتم
مسافرين وأنتم أصحاء جنب، أو جاء أحد
منکم من الغائط، قد قضى حاجته وهو مسافر
صحیح، أو لا مستم النساء (وهو مختلف في
تأويله بين الجماع أو مجرد اللمس) فطلبتم
الماء لتتطهروا به فلم تجدوه بثمن ولا غير
ثمن، فاقصدوا صعيدًا طيبًا لتتيمموا به.
والصعيد: ((هو وجه الأرض الخالية من
النبات والغروس والبناء، المستوية)) (١).
وقد أمر الله في آخر الآية بشكره على
تصييره الصعيد طيبًا، وعلى نعمه.
قال الطبري: ((وقوله: ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ
عَلَيَّكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. فإنّه يقول: ويريد
ربّكم مع تطهيركم من ذنوبكم بطاعتكم
إيّاه فيما فرض عليكم من الوضوء والغسل
إذا قمتم إلى الصّلاة بالماء إن وجدتموه،
وتیمّمکم إذا لم تجدوه، أن یتمّ نعمته علیکم
بإباحته لكم التّمّم، وتصييره لكم الصّعيد
الطّب ظهورًا، رخصةً منه لکم في ذلك مع
سائر نعمه التي أنعم بها علیکم أيها المؤمنون
﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾﴾ [المائدة: ٦].
يقول: تشكرون اللّه على نعمه الّتي
أنعمها عليكم بطاعتكم إيّاه فيما أمركم
ونهاکم»(٢).
وجاء الأمر بأکل الطيب من الرزق.
أمر الله الرسل بذلك، فقال تعالى:
◌َأَيُّهَا الرَّسُلُ كُلُواْ مِنَ الطَّيِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحَاً
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٠٨/٨.
(٢) المصدر السابق ٢١٨/٨.
١٩٢
القرآن الكريم
مَو ◌ُجوب

الطبیات
إِ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ [المؤمنون: ٥١].
وأمر الله المؤمنین بذلك، فقال تعالی:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُوا مِن طَيِّبَتِ
مَا رَزَقْنَكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِنَّاهُ
تَمْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢].
وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلَا تُحَرِّمُواْ
طَيَِّتِ مَآ أَحَلَّ اَللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَّمْتَدُوَأَ إِنَّ اللّهَ لَا
يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴿ وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلًا
طَيِّبَأْ وَأَثَّقُواْ اللَّهَ الَّذِىّ أَنْتُم بِهِهِ مُؤْمِنُونَ﴾
[المائدة: ٨٧-٨٨].
وقال تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَلًا طَيِّبَأْ
وَأَتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأنفال:
٦٩].
إن الله ينادي الذين آمنوا بالصفة التي
تربطهم به سبحانه، وتوحي إليهم أن يتلقوا
منه الشرائع، وأن يأخذوا عنه الحلال
والحرام، ويذكرهم بما رزقهم، فهو وحده
الرازق، ويبيح لهم الطيبات مما رزقهم
فيشعرهم أنه لم يمنع عنهم طيبًا من الطيبات،
وأنه إذا حرم عليهم شيئًا فلأنه غير طيب، لا
لأنه یرید أن يحرمهم، ویضیق عليهم - وهو
الذي أفاض عليهم الرزق ابتداء- ويوجههم
للشکر إن کانوا یریدون أن يعبدوه وحده
بلا شريك، فيوحي إليهم بأن الشكر عبادة
وطاعة يرضاها الله من العباد، كل أولئك في
آية واحدة قليلة الكلمات (١).
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ١ / ١٥٦.
يقول الرازي: ((قوله: لا تحرّموا طيّبات
ما أحلّ اللّه لكم يحتمل وجوهًا:
أحدها: لا تعتقدوا تحريم ما أحلّ اللّه
تعالى لكم.
وثانيها: لا تظهروا باللّسان تحريم ما
أحلّه الله لكم.
وثالثها: لا تجتنبوا عنها اجتنابًا شبيه
الاجتناب من المحرّمات، فهذه الوجوه
الثّلاثة محمولةٌ على الاعتقاد والقول
والعمل.
ورابعها: لا تحرّموا على غيركم بالفتوى.
وخامسها: لا تلتزموا تحريمها بنذرٍ أو
يمينٍ، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا
النَِّىُّ لِمَ تُحُرُِّ مَآ أَحَلَّ اَللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١].
وسادسها: أن يخلط المغصوب
بالمملوك خلطًا لا يمكنه التّمييز، وحينئذٍ
یحرم الكلّ، فذلك الخلط سببٌ لتحريم ما
كان حلالاً له، وكذلك القول فيما إذا خلط
النّجس بالطّاهر.
والآية محتملةٌ لكلّ هذه الوجوه، ولا
يبعد حملها على الكلّ والله أعلم)) (٢).
وأمر الله بني إسرائيل بذلك، فقال تعالى:
﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ
وَالسَّلْوَىُّ كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمّْ وَمَا
ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة:
٥٧].
(٢) مفاتيح الغيب ١٢/ ٤١٧.
www. modoee.com
١٩٣

حرف الطاء
وقال تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَمَ
وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىِّ كُلُواْ
مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ وَمَا ظَلَمُوْنَا
وَلَكِنْ كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾
[الأعراف: ١٦٠].
وقال تعالى: ﴿يَبَنِيّ إِسْرََّ يَلَ قَدْ أَنْتَّكُمْ مِنْ
حَدُُِّّ وَعَدْ نَّكُمْ جَانِبَ الْفُورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَّكُمُ
اَلْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيَِّتِ مَا رَزَقْنَكُمْ
وَلَا تَطْغَوْاْ فِيهِ فَيَحِلَ عَلَيْكُمْ غَضَِىٌّ وَمَن يَهْلِلَ
عَلَيْهِ غَضَبِىِ فَقَدْ هَوَى﴾ [طه: ٨٠-٨١].
وأمر الله الناس جميعًا بذلك، فقال
تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِى الْأَرْضِ
حَلًا طَيِّبًا وَلَا تَشَِّعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطِنِّ إِنَّهُه
لَكُمْ عَدُوٌّ ◌ُبِينٌ﴾ [البقرة: ١٦٨].
وقال تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ
حَلًا طَيِّبًا وَأَشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ إِن كُنْتُمْ
[النحل: ١١٤].
إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾
والمراد بالطّب هنا: ما تستطيبه النّفوس
بالإدراك المستقيم السّليم من الشّذوذ، وهي
النّفوس الّتي تشتهي الملائم الكامل أو
الرّاجح بحيث لا يعود تناوله بضرِّ جثمانيٍّ أو
روحانيٍّ، وسيأتي معنى الطّيّب لغةً عند قوله
تعالى: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الَّيِّبَتُ﴾ [المائدة: ٤].
وفي هذا الوصف معنّ عظيمٌ من
الإيماء إلى قاعدة الحلال والحرام؛ فلذلك
قال علماؤنا: ((إنّ حكم الأشياء الّتي لم
ينصّ الشّرع فيها بشيءٍ إن أصل المضارّ
منها التّحريم، وأصل المنافع الحلّ، وهذا
بالنّظر إلى ذات الشّيء، بقطع النّظر عن
عوارضه، كتعلّق حقّ الغير به الموجب
تحریمه؛ إذ التحریم حينئذٍ حکمٌ للعارض لا
للمعروض)» (١).
كما جاء الأمر بإلقاء التحية الطيبة.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُوَّنًا فَسَلِّمُواْ
عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَجِيَّةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ سُبَرَكَةُ
طَيِّبَةٌ كَذَلِكَ يُبَيِبُّ اللَّهُ لَكُمُ
الْأَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [النور: ٦١].
يأمر سبحانه وتعالى إذا دخلتم بيوتًا،
وهو عام يشمل بيت الإنسان وبيت غيره،
سواء كان في البيت ساكن أم لا، فإذا
دخلها الإنسان فليسلم بعضكم على بعض
(وهذا هو المشهور في تفسيرها) ثم مدح
هذا السلام، فقال: ﴿َِّيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ
مُبَرَكَةً طَيِّبَةً ﴾ أي: سلامكم بقولكم:
((السلام عليكم ورحمة الله وبركاته)» أو
((السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين))
إذا تدخلون البيوت (تحية من عند الله) قد
شرعها لكم، وجعلها تحيتكم (مباركة)
لاشتمالها على السلامة من النقص،
وحصول الرحمة والبركة والنماء والزيادة
(طيبة) لأنها من الكلم الطيب المحبوب عند
الله، الذي فيه طيب نفس للمحيا، ومحبة
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٠٢/٢.
١٩٤
جوب
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

الطبیات
وجلب مودة(١).
ثانيًا: الثناء على الطيبين:
جاء الثناء من الله عز وجل في قرآنه على
عباده الطيبين، فقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَجْزِى اَللَّهُ
الْمُنَّقِينَ * الَّذِنَ نَوَقَّتُهُمُ الْمَلَئِكَةُ طَيِِّينَ
يَقُولُونَ سَلَمُ عَلَيْكُمْ أَدْخُلُواْ أَلْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ
تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣١-٣٢].
يقول تعالى ذكره: كذلك يجزي الله
المتقين الذين تقبض أرواحهم ملائكة
الله، وهم طيبون بتطبيب الله إياهم بنظافة
الإيمان، وطهر الإسلام في حال حياتهم
وحال مماتهم.
فالملائكة تقبض أرواح هؤلاء، وهي
تقول لهم: سلام عليكم صيروا إلى الجنة،
بشارة من الله تبشرهم بها الملائكة.
وفي معنی طیبین ستة أقوال:
أحدها: مؤمنين.
والثاني: طاهرين من الشرك.
والثالث: زاكية أفعالهم وأقوالهم.
والرابع: أن تكون وفاتهم طيبة سهلة لا
صعوبة فيها ولا ألم، بخلاف ما تقبض به
روح الكافر والمخلط.
والخامس: طيبة أنفسهم بالموت، ثقة
بالثواب.
والسادس: طيبة نفوسهم بالرجوع إلى
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٧٢/١٩، تيسير
الكريم الرحمن، السعدي ص٥٧٥.
الله.
والآية هنا تحتمل كل هذه المعاني (٢).
هذا حال الطيبين عند مماتهم، أما عن
حالهم في الآخرة فيقول سبحانه وتعالى:
﴿وَسِيقَ الَّذِينَ أَتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَىَ الْجَنَّةِ
زُمَرَأْ حَقَّقَ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَبُهَا وَقَالَ
لَمْ خَزَنَنُّهَا سَلَمُ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا
خَلَدِينَ ﴾ [الزمر: ٧٣].
وسيق الذين اتقوا ربهم بتوحيده،
والعمل بطاعته، سوق إكرام وإعزاز،
يحشرون وفدًا على النجائب إلى الجنة
زمرًا، فرحين مستبشرين، كل زمرة مع
الزمرة التي تناسب عملها وتشاكله، حتى
إذا وصلوا لتلك الرحاب الرحيبة، والمنازل
الأنيقة، وهبّ عليهم ريحها ونسيمها،
وآن خلودها ونعيمها، وفتحت لهم أبوابها
فتح إكرام، لكرام الخلق، ليكرموا فيها،
وقال لهم خزنتها تهنئة لهم وترحيبًا: سلام
عليكم من كل آفة وشر حال، طابت قلوبكم
بمعرفة الله ومحبته وخشيته، وألسنتكم
بذكره، وجوارحكم بطاعته، فبسبب طيبكم
ادخلوها خالدين؛ لأنها الدار الطيبة، ولا
يليق بها إلا الطيبون(٣).
وفي قوله تعالى: ﴿طِبْتُمْ﴾ خمسة
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩٨/١٧، زاد
المسير، ابن الجوزي ٥٥٨/٢، الجامع
لأحكام القرآن، القرطبي ١٠/ ١٠١.
(٣) تيسر الكريم الرحمن، السعدي ص ٧٣٠.
www. modoee.com
١٩٥

حرف الطاء
أقوال:
أحدها: أنهم إذا انتهوا إلى باب الجنة
وجدوا عند بابها شجرة يخرج من تحت
ساقها عينان، فيشربون من إحداهما، فلا
یبقی في بطونهم أذى ولا قذی إلا خرج،
ويغتسلون من الأخرى، فلا تغبر جلودهم،
ولا تشعث أشعارهم أبدًا، حتى إذا انتهوا
إلی باب الجنة، قال لهم عند ذلك خزنتها:
﴿سَلَمُ عَلَيْكُمْ ◌ِبْتُمْ﴾ رواه عاصم بن
ضمرة عن علي رضي الله عنه (١).
والثاني: طاب لكم المقام، قاله ابن
عباس.
والثالث: طبتم بطاعة الله، قاله مجاهد.
والرابع: أنهم طيبوا قبل دخول الجنة
بالمغفرة، واقتص من بعضهم لبعض، فلما
هذبوا قالت لهم الخزنة: طبتم، قاله قتادة.
والخامس: كنتم طيبين في الدنيا، قاله
الزجاج.
وفي هذه الآية أيضًا كل هذه المعاني
محتملة (٢).
(١) أخرجه ابن المبارك في الزهد، ٥٠٨/١،
رقم ١٤٥٠، والطبري في تفسيره، ٣٣٩/٢١،
والبيهقي في البعث والنشور، ص ١٧١،
رقم ٢٤٦ عن عاصم بن ضمرة عن علي.
(٢) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٤ / ٢٨.
ثالثًا: امتنان الله على عباده بالطيبات:
امتن الله عز وجل على عباده في القرآن
أن رزقهم بالطيبات، وأحلها لهم:
امتن الله على الناس جميعًا بذلك.
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ
أَزْوَجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَجِكُمْ بَنِينَ
وَحَفَدَةٌ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَتِ أَفَ لْبَطِلِ يُؤْمِنُونَ
وَيِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ﴾
﴾ [النحل: ٧٢].
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِيّ ◌َادَمَ
وَحَلْنَهُمْ فِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُم مِنَ الطَّيِبَتِ
وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ﴾
[الإسراء: ٧٠].
يقول الرازي: ((قوله:
مِّنَ الطَّيِّبَتِ﴾ وذلك؛ لأنّ الأغذية، إمّا
حيوانيّةٌ، وإمّا نباتيَّةٌ، وكلا القسمين إنّما
يتغذّى الإنسان منه بألطف أنواعها، وأشرف
أقسامها بعد التّنقية التّامّة، والطّخ الكامل،
والنّضج البالغ؛ وذلك ممّا لا يحصل إلّا
للإنسان)» (٣).
وقال ابن كثير: «أي: من زروع وثمارٍ،
ولحومٍ وألبانٍ، من سائر أنواعَ الطّعوم
والألوان، المشتهاة اللّذيذة، والمناظر
الحسنة، والملابس الرفيعة من سائر الأنواع،
على اختلاف أصنافها وألوانها وأشكالها،
ممّا يصنعونه لأنفسهم، ویجلبه إليهم غيرهم
(٣) مفاتيح الغيب ٢١/ ٣٧٥.
فَضْو
جَوْسُورَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكريمِ
١٩٦

الطبیات
من أقطار الأقاليم والنّواحي)) (١).
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ
اَلْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَةُ بِنَآءُ وَصَوَّرَكُمْ
فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَتِّ
ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ
الْعَلَمِينَ﴾ [غافر: ٦٤].
وامتن الله عز وجل على بني إسرائيل.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأَنَا بَنِيّ إِسْرَِّيلَ مُبَوَّأَ
صِدْقٍ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ الَِّبَتِ فَمَا أَخْتَلَفُواْ حَتَّى
جَآءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ اٌلْقِيَامَةِ فِيمَا
كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ [يونس: ٩٣].
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا بَنِىّ إِسْرَّهِيلَ
اَلْكِتَبَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَةَ وَرَزَقْتَهُم مِّنَ اَلَِّبَتِ
وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ﴾ [الجاثية: ١٦].
رزقهم من الطيّات
قال الطاهر: ((وأمّا
فبأن يسّر لهم امتلاك بلاد الشّام الّتي تفيض
لبنّا وعسلًا كما في التّوراة في وعد إبراهيم
والّتي تجبى إليها ثمرات الأرضين المجاورة
لها، وترد عليها سلع الأمم المقابلة لها
على سواحل البحر، فتزخر مراسيها
بمختلف الطّعام واللّباس والفواكه والثمار
والزخارف؛ وذلك بحسن موقع البلاد من
بين المشرق برًّا والمغرب بحرًا، والطّات:
هي الّتي تطيب عند النّاس، وتحسن طعمًا
ومنظرًا ونفعًا وزينةً)) (٢).
(١) تفسير القرآن العظيم، ٥/ ٩٧.
(٢) التحرير والتنوير ٣٤٥/٢٥.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىَّ
الْأُقِىَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ, مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِ
التَّوْرَةِ وَاَلْإِنِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَنَّهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَتِ
وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ
إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَلَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيَّهِمَّ قَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ بِهِ وَعَزَُّوهُ وَنَصَرُوهُ وَأَتَّبَعُواْ النُّورَ
الَّذِىّ أُنْزِلَ مَعَدُّْ أُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
[الأعراف: ١٥٧].
وفي الطيبات أربعة أقوال:
أحدها: أنها الحلال، والمعنى: يحل لهم
الحلال.
والثاني: أنها ما كانت العرب تستطيبه.
والثالث: أنها الشحوم المحرمة على بني
إسرائيل.
والرابع: ما كانت العرب تحرمه من
البحيرة والسائبة والوصيلة والحام (٣).
يقول الإمام ابن القيم: ((﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ
الطَّيِّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَيْثَ﴾ فهذا
صريح في أن الحلال کان طيبًا قبل حله، وأن
الخبیث کان خبيئًا قبل تحریمه، ولم يستفد
طيب هذا وخبث هذا من نفس التحليل
والتحریم لو جهین اثنين:
أحدهما: أن هذا علم من أعلام نبوته
التي احتج الله بها على أهل الكتاب،
فقال: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىِّ الأُفِىَّ
(٣) زاد المسير، ابن الجوزي ٢/ ١٦٠.
www. modoee.com
١٩٧

حرف الطاء
الَّذِى يَجِدُونَهُ, مَكْنُوبًا عِندَهُمْ فِ التَّوْرَئَةِ
وَآلْإِنِجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنَّهُمْ
عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَِّبَتِ وَيُحَرِّمُ
عَلَيْهِمُ الْخَبْثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾
فلو كان الطيب والخبيث إنما استفيد من
التحريم والتحليل لم يكن في ذلك دليل،
فإنه بمنزلة أن يقال: يحل لهم ما يحل،
ويحرم عليهم ما يحرم، وهذا أيضًا باطل،
فإنه لا فائدة فيه وهو الوجه الثاني.
فثبت أنه أحل ما هو طيب في نفسه قبل
الحل، فکساه بإحلاله طيبًا آخر، فصار منشأ
طيبه من الوجهين معًا)) (١).
ونقل ابن كثير أن بعض العلماء قال: ((كلّ
ما أحلّ اللّه تعالى فهو طيّبٌ نافعٌ في البدن
والدّين، وكلّ ما حرّمه فهو خبيثٌ ضارٌّ في
البدن والدّين)) (٢).
وقد بين الله الواجب علينا تجاه الطيبات
التي امتن بها علينا.
أمر الله سبحانه وتعالى الصحابة أن
يقابلوا فضله عليهم بالطيبات، بأن يحققوا
وَأَذْكُرُوا إِذْ
شكرها، فقال تعالى:
أَنْتُمْ قَلِلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِىِ الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ
يَنَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَاوَنَكُمْ وَأَيَّدَكُمُ بِنَصْرِهِ،
وَرَزَّقَكُمْ مِنَ الطَِّبَتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾
[الأنفال: ٢٦].
(١) التفسير القيم ص٢٨٩.
(٢) تفسير القرآن العظيم ٤٨٨/٣.
المقصود بالطيبات في هذه الآية قولان:
أحدهما: أنها الغنائم التي أحلها لهم،
قاله السدي.
والثاني: أنها الخيرات التي مكنهم منها،
ذكره الماوردي(٣).
وذكر أنه امتن عليهم بهذه النعم لشكره
والقيام بعبادته.
وقال الطبري في تفسير قوله تعالى:
﴿وَرَزَقَّكُمْ مِّنَ الطَّيِّبَتِ﴾ يقول: ((وأطعمكم
غنيمتهم حلالاً طيًّا ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾
يقول: لكي تشكروا على ما رزقكم، وأنعم به
عليكم من ذلك وغيره من نعمه عندكم)) (٤).
﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ فمن ذا الذي
يتأمل هذه النقلة البعيدة، ثم لا يستجيب
لصوت الحياة الآمنة القوية الغنية، صوت
الرسول الأمين الكريم، ثم من ذا الذي لا
یشکر الله علی إیوائه ونصره وآلائه، وهذا
المشهد وذلك معروضان عليه، ولكل منهما
إيقاعه وإيحاۋە؟
على أن القوم إنما كانوا يعيشون هذا
المشهد وذاك كانوا يذكرون بما يعرفون من
حالهم في ماضیھم وحاضرهم، ومن ثم كان
لهذا القرآن في حسهم ذلك المذاق(٥) .
وقال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ وَأَشْكُرُواْ لِلَّهِ إِن
(٣) زاد المسير، ابن الجوزي ٢/ ٢٠٢.
(٤) جامع البيان، ١١ / ١١٧.
(٥) في ظلال القرآن، سيد قطب ١٤٩٧/٣.
١٩٨
القرآن الكريمِ

الطيبات
كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢].
كنتم تعبدون اللّه، فتطيعونه فيما يأمركم
قال الطبري: ((﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا وينهاكم)) (٢).
رَزَقْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٧].
والشكر يكون بالاعتراف بها بالقلب،
يعني: أطعموا من حلال الرّزق الّذي والثناء على الله بها، وصرفها في طاعة
الله(٣).
أحللناه لکم، فطاب لكم بتحلیلي إيّاہ لکم
ممّا كنتم تحرّمون أنتم ولم أكن حرّمته
عليكم من المطاعم والمشارب.
وإظهار اسم الجلالة في قوله:
﴿وَأَشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ مع أنّ مقتضى
﴿وَأَشْكُرُواْ لِلَّهِ﴾ يقول: وأثنوا على اللّه الظّاهر الإضمار؛ لزيادة التّذكير (٤).
بما هو أهله منكم على النّعم الّتي رزقكم،
وطيّها لكم.
﴿إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَّعْبُدُونَ﴾ يقول: إن
كنتم منقادين لأمره، سامعين مطيعين، فكلوا
ممّا أباح لكم أكله وحّله وطيّه لكم، ودعوا
في تحريمه خطوات الشيطان)) (١).
وقال تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ
حَلَا طَّيِّبًا وَأَشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ إِن كُنتُمْ
إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ [النحل: ١١٤].
يقول الطبري: ((يقول تعالى ذكره: فكلوا
أيّها النّاس ممّا رزقكم اللّه من بهائم الأنعام
الّتي أحلّها لکم حلاًا طيبًا مذكّاً غیر محرّمةٍ
علیکم.
﴿وَأَشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ يقول:
واشكروا الله على نعمه التي أنعم بها علیکم
في تحليله ما أحلّ لكم من ذلك، وعلى غير
ذلك من نعمه.
﴿إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ يقول: إن
(١) جامع البيان، ٣/ ٥٣.
(٢) المصدر السابق ١٤/ ٣٨٧.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤٥١.
(٤) التحرير والتنوير ٣٠٩/١٤.
www. modoee.com
١٩٩

حرف الطاء
صور الطيبات المعنوية
ذكر القرآن الكريم صورًا للطيبات
المعنوية نبينها فيما يأتي:
أولًا: الاعتقاد:
أخبر سبحانه وتعالى أنه يختبر العباد
ليتبين طيب القلب والاعتقاد من خبيثه،
فقال تعالى: ﴿مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى
مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَيْثَ مِنَ الطَّيِّبُ وَمَا كَانَ
اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِ مِن ◌ُسُلِهِ»
مَن يَشَ فَامِنُواْ بِلّهِ وَرُسُلِهِ، وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ
فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٩].
يقول تعالى ذكره: يحشر اللّه هؤلاء
الذين كفروا بربّهم، وينفقون أموالهم للصّدّ
عن سبيل اللّه إلى جهنّم؛ ليفرّق بينهم وهم
أهل الخبث، كما قال وسمّاهم ﴿اَلْخَيْثَ﴾
وبين المؤمنين باللّه وبرسوله، وهم الطّبون،
كما سمّاهم جلّ ثناؤه، فميّز جلّ ثناؤه بينهم
بأن أسكن أهل الإيمان به وبرسوله جنّاته،
وأنزل أهل الكفر ناره(١).
ويقول الرازي: ((ليميز اللّه الخبيث من
الطيب، وفيه قولان:
القول الأول: ليميز اللّه الفريق الخبيث
من الكفّار من الفريق الطّيّب من المؤمنين،
فيجعل الفريق الخبيث بعضه على بعضٍ،
فيركمه جميعًا، وهو عبارةٌ عن الجمع
(١) جامع البيان، الطبري ١١/ ١٧٥.
والضّمّ حتّى يتراكموا، كقوله تعالى: ﴿كَادُواْ
يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِيَدًا﴾ [الجن (١٩)].
يعني: لفرط ازدحامهم، فقوله: (أولئك)
إشارةٌ إلى الفريق الخبيث.
والقول الثاني: المراد بالخبيث: نفقة
الكافر على عداوة محمّدٍ، وبالطّب: نفقة
المؤمن في جهاد الكفّار، کإنفاق أبي بکرِ
وعثمان في نصرة الرسول عليه الصلاة
والسلام، فيضمّ تعالى تلك الأمور الخبيثة
بعضها إلى بعضٍ، فيلقيها في جهنّم،
ويعذّبهم بها، كقوله تعالى: ﴿فَتُكْوَى
بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾ [التوبة:
٣٥]»(٢) .
وفي آية أخری یشیر سبحانه إلى أنه وإن
لم يفتضح ويتميز هؤلاء الذين يحملون
خبيث الاعتقاد في الدنيا، ففي الآخرة لا بد
أن يميز الله الخبيث من الطيب بأن يحشر
هؤلاء الكافرون إلى النار ﴿وَاُلَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى
جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ٦ لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ
مِنَ الَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ، عَلَى بَعْضٍ
فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِ جَهَتَّمَ أُوْلَئِكَ
هُمُ الْخَسِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٦-٣٧].
وفي معنى الآية ثلاثة أقوال: أحدها:
«ليميز أهل السعادة من أهل الشقاء»،
رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس رضي
الله عنهما، وقال السدي، ومقاتل: ((يميز
(٢) مفاتيح الغيب ١٥/ ٤٨٢.
٢٠٠
جَوْسُورُ
القرآن الكريم

الطبیات
المؤمن من الكافر))، والثاني: ((ليميز العمل مِنَ الطَّيِّبِ﴾ أي: من يطيعه بقتال أعدائه
الطیب من العمل الخبيث»، قاله أبو صالح الکافرین، أو یعصیه بالنکول عن ذلك، كما
عن ابن عباس رضي الله عنهما، والثالث
((ليميز الإنفاق الطيب في سبيله، من الإنفاق
الخبيث في سبیل الشيطان»، قاله ابن زيد
والزجاج(١).
قال ابن كثير: ((وقوله تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اَللَّهُ
اُلْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ قال عليّ بن أبي طلحة
عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما في قوله:
لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ فيميز أهل
السّعادة من أهل الشّقاء، وقال السّدّي: يميز
المؤمن من الكافر، وهذا يحتمل أن يكون
هذا التّمييز في الآخرة، كما قال تعالى:
نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَّكُواْ مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَّكَا ؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا
بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٢٨].
وقال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمِيدٍ
يَنَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: ١٤].
وقال في الآية الأخرى: ﴿يَوْمَيِذٍ
يَصَّدَعُونَ﴾ [الروم: ٤٣].
﴿وَأَمْتَزُواْ أَلْيَوْمَ أَيُّهَا
وقال تعالى:
الْمُجْرِمُونَ ﴾ [يس: ٥٩].
ويحتمل أن يكون هذا التّمييز في الدّنيا،
بما يظهر من أعمالهم للمؤمنين، وتكون
(اللّام) معلّلةً لما جعل اللّه للكفّار من مالٍ
ينفقون في الصّدّ عن سبيل اللّه، أي: إنّما
أقدرناهم على ذلك ﴿لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ
(١) زاد المسير، ابن الجوزي ٢/ ٢١٠.
قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَبَّكُمْ يَوْمَ الْتَّقَى الْجَمْعَانِ
فَإِذْنٍ اَللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ () وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ
نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْ قَتِلُواْ فِى سَبِيلِاللَّهِأَ وِ أَدْ فَعُواْ
قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لََّتَّبَعْنَكُمْ﴾ [آل عمران:
١٦٦-١٦٧].
وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى
مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَيْثَ مِنَ الطَّيِّبُ وَمَا كَانَ
اللَّهُ لِيُطْلِمَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمران (١٧٩)].
وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ
الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اَللَّهُ الَّذِينَ جَهَدُ واْمِنكُمْ وَيَعْلَمَ
القَّبِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢].
ونظيرتها في براءة أيضًا.
فمعنى الآية على هذا: إنّما ابتليناكم
بالكفّار يقاتلونكم، وأقدرناهم على إنفاق
الأموال وبذلها في ذلك؛ ليتميّز الخبيث من
الطّب، فيجعل الخبيث بعضه على بعضٍ
﴿فيرڪمُ﴾ أي: يجمعه كلّه، وهو جمع
الشّيء بعضه على بعضٍ، كما قال تعالى في
السّحاب: ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ زَكَامًا﴾ [النور: ٤٣].
٤٠٠
أي: متراكمًا متراكبًا ﴿فَيجعله فى جهنم
أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾ أي: هؤلاء هم
الخاسرون في الدّنيا والآخرة(٢).
(٢) تفسير القرآن العظيم، ٤ / ٥٤.
www. modoee.com
٢٠١

حرف الطاء
ثانيًا: الأعمال:
أكد سبحانه أنه مهما ارتفع خبيث
الأعمال، ومهما كثر فلا بد أن يخزيه الله،
ويتميز أهل العمل الطيب.
قال تعالى: ﴿قُل لَّا يَسْتَوِى الْخَِيثُ
وَالَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ، فَأَتَّقُواْ اللَّهَ
يَتَأُوْلِ الْأَلْبَبِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [المائدة:
١٠٠].
﴿قُل﴾ للناس محذرًا عن الشر، ومرغبًا
في الخير ﴿لَّا يَسْتَوِى اُلْخَبِيثُ وَاُلَّيِّبُ﴾ من
کل شيء، فلا يستوي الإيمان والكفر، ولا
الطاعة والمعصية، ولا أهل الجنة وأهل
النار، ولا الأعمال الخبيثة والأعمال الطيبة،
ولا المال الحرام بالمال الحلال.
﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَيِيثِ﴾ فإنه لا ينفع
صاحبه شيئا، بل يضره في دينه ودنياه.
﴿فَأَتَّقُواْ اللّهَ يَتَأُوْلِى الْأَلْبَبِ لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ﴾ فأمر أولي الألباب، أي: أهل
العقول الوافية، والآراء الكاملة، فإن الله
تعالی یوجه إليهم الخطاب، وهم الذين يؤبه
لهم، ویرجی أن یکون فیھم خیر.
ثم أخبر أن الفلاح متوقف على التقوى
التي هي موافقة الله في أمره ونهيه، فمن
اتقاه أفلح كل الفلاح، ومن ترك تقواه حصل
له الخسران، وفاتته الأرباح(١).
وقال في الظلال: «ثم تختم الفقرة بميزان
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٢٤٥.
يقيمه الله للقيم؛ ليزن به المسلم ويحكم،
ميزان يرجح فيه الطيب، ويشيل الخبيث؛
کي لا يخدع الخبيث المسلم بکثرته في أي
وقت، وفي أي حال! ﴿قُل لَّا يَسْتَوِى الْخَيثُ
وَاُلَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِّ فَأَتَّقُواْ اللّهَ
يَتَأُوْلِ الْأَلْبَبِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة:
١٠٠].
إن المناسبة الحاضرة لذكر الخبيث
والطيب في هذا السياق، هي مناسبة تفصيل
الحرام والحلال في الصيد والطعام،
والحرام خبيث، والحلال طيب، ولا يستوي
الخبيث والطيب، ولو كانت كثرة الخبيث
تغر وتعجب، ففي الطيب متاع بلا معقبات
من ندم أو تلف، وبلا عقابيل (٢) من ألم أو
مرض، وما في الخبيث من لذة إلا وفي
الطيب مثلها على اعتدالٍ، وأمن من العاقبة
في الدنيا والآخرة، والعقل حين يتخلص
من الهوى بمخالطة التقوى له ورقاقة القلب
له، يختار الطيب على الخبيث، فينتهي الأمر
إلى الفلاح في الدنيا والآخرة ﴿فَأَتَّقُواْ اللَّهَ
يَتَأُوْلِ الْأَلْبَبِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾))(٣).
(٢) العقبول: الشّديد من الأمور، وبقيّة العلّة،
والعداوة والعشق، وما يخرج على الشّفة
على أثر الحمى، جمعه عقابيل، والعقابيل
الدواهي.
انظر: المعجم الوسيط ٦١٣/٢.
(٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ٩٨٣/٢.
جَوَسُو ◌َة النفسي
القرآن الكريمِ
٢٠٢

الطيبات
ثالثًا: الأقوال:
ضرب الله عز وجل مثلًا للأقوال الطيبة
والأقوال الخبيثة، فقال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَّرَ
كَيَّفَ ضَرَبَ اَللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ كَشَجَرَةْ
◌َتْبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِىِ السَّمَدِّ )
تُؤْنِ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَيِّهَا وَيَضْرِبُ
اُللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيِثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِثَةٍ أَجْتُثَّتْ
مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ ﴾ [إبراهيم:
٢٤-٢٦].
يقول سبحانه: ألم تر كيف ضرب الله
مثلًا كلمة طيبة، وهي شهادة أن لا إله إلا
الله وفروعها، كشجرة طيبة، وهي النخلة،
أصلها ثابت في الأرض، وفرعها منتشر
في السماء، وهي كثيرة النفع دائمًا، تؤتي
ثمرتها كل حين بإذن ربها، فكذلك شجرة
الإيمان، أصلها ثابت في قلب المؤمن، علمًا
واعتقادًا، وفرعها من الكلم الطيب، والعمل
الصالح، والأخلاق المرضية، والآداب
الحسنة، في السماء دائمًا يصعد إلى الله منه
من الأعمال والأقوال التي تخرجها شجرة
الإيمان ما ينتفع به المؤمن، وينفع غيره،
ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون
ما أمرهم به، ونهاهم عنه، فهذه صفة كلمة
التوحيد وثباتها في قلب المؤمن.
ثم ذكر ضدها وهي كلمة الكفر
وفروعها، فقال: ومثل كلمة خبيثة كشجرة
خبيئة المأكل والمطعم، وهي: شجرة
الحنظل ونحوها، اجتثت هذه الشجرة من
فوق الأرض ما لها من ثبوت، فلا عروق
تمسكها، ولا ثمرة صالحة تنتجها، بل إن
وجد فيها ثمرة فهي ثمرة خبيئة؛ کذلك كلمة
الكفر والمعاصي، ليس لها ثبوت نافع في
القلب، ولا تثمر إلا كل قول خبيث وعمل
خبیث، یستضر به صاحبه، ولا ينتفع، فلا
يصعد إلى الله منه عمل صالح، ولا ينفع
نفسه، ولا ينتفع به غيره(١).
قال الإمام ابن القيم: ((شبه سبحانه
الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة؛ لأن الكلمة
الطيبة تثمر العمل الصالح، والشجرة الطيبة
تثمر الثمر النافع، وهذا ظاهر على قول
جمهور المفسرين الذين يقولون: الكلمة
الطيبة: هي شهادة أن لا إله إلا الله، فإنها
تثمر جميع الأعمال الصالحة، الظاهرة
والباطنة، فكل عمل صالح مُرْضٍ لله فهو
ثمرة هذه الكلمة)).
وفي تفسير علي بن أبي طلحة عن ابن
عباس رضي الله عنهما قال: ((كلمة طيبة:
شهادة أن لا إله إلا الله، كشجرة طيبة وهو
المؤمن، أصلها ثابت قول: لا إله إلا الله
في قلب المؤمن، وفرعها في السّماء يقول:
يرفع بها عمل المؤمن إلى السماء».
وقال الربيع بن أنس: ((كلمة طيبة: هذا
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤٢٤.
www. modoee.com
٢٠٣

حرف الطاء
مثل الإيمان، فإن الإيمان: الشجرة الطيبة،
وأصلها الثابت الذي لا يزول: الإخلاص
فيه، وفرعها في السماء: خشية الله، والتشبيه
على هذا القول أصح وأظهر وأحسن، فإنه
سبحانه شبه شجرة التوحيد في القلب
بالشجرة الطيبة الثابتة الأصل، الباسقة الفرع
في السماء علوًّا، التي لا تزال تؤتي ثمرتها
کلی حین)).
وإذا تأملت هذا التشبيه رأيته مطابقًا
لشجرة التوحيد الثابتة الراسخة في القلب
التي فروعها من الأعمال الصالحة صاعدة
إلى السماء، ولا تزال هذه الشجرة تثمر
الأعمال الصالحة كل وقت، بحسب ثباتها
في القلب، ومحبة القلب لها، وإخلاصه
فيها، ومعرفته بحقيقتها، وقيامه بحقوقها،
ومراعاتها حق رعایتها، فمن رسخت هذه
الكلمة في قلبه بحقيقتها التي هي حقيقتها،
واتصف قلبه بها، وانصبغ بها بصبغة الله
التي لا أحسن صبغة منها، فعرف حقيقة
إلهيته التي يثبتها قلبه لله، ویشهد بها لسانه،
وتصدقها جوارحه، ونفي تلك الحقيقة
ولوازمها عن كل ما سوى الله وواطأ قلبه
لسانه في هذا النفي والإثبات، وانقادت
جوارحه لمن شهد له بالوحدانية طائعة
سالكة سبل ربه ذللا غير ناكبة عنها، ولا
باغية سواها بدلًا، كما لا يبتغي القلب سوى
معبوده الحق بدلًا، فلا ريب أن هذه الكلمة
من هذا القلب على هذا اللسان لا تزال
تؤتي ثمرتها من العمل الصالح الصاعد إلى
الله كل وقت، فهذه الكلمة الطيبة هي التي
رفعت هذا العمل الصالح إلى الرب تعالى.
وهذه الكلمة الطيبة تثمر كلمًا كثيرًا طيبًا،
يقارنه عمل صالح، فيرفع العمل الصالح
الكلم الطيب، كما قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ
اَلْكَلِمُ الطَّيْبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:
١٠].
فأخبر سبحانه أن العمل الصالح يرفع
الكلم الطيب، وأخبر أن الكلمة الطيبة تثمر
لقائلها عملًا صالحًا كل وقت.
والمقصود: أن كلمة التوحيد إذا شهد
بها المؤمن عارفًا بمعناها وحقيقتها نفيًا
وإثباتًا، ومتصفًا بموجبها، قائمًا قلبه ولسانه
وجوارحه بشهادته.
فهذه الكلمة الطيبة هي التي رفعت هذا
العمل من هذا الشاهد أصلها ثابت راسخ
في قلبه، وفروعها متصلة بالسماء، وهي
مخرجة ثمرتها كل وقت (١).
هذه هى صفة المؤمن كما بينها رب
العالمين، والذي بين لنا في آية أخرى أنه
يهدي هذا المؤمن دومًا إلی کل قول طيب،
﴿وَهُدُوَأْ إِلَى الطَّيْبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوَاْ إِلَى
صِرَطِ الْحَمِيدِ﴾ [الحج: ٢٤].
وجائز أن يكون هذا في الدنيا والآخرة،
(١) التفسير القيم ص ٣٤٠.
٢٠٤
جَوَسُـ
القرآن الكريمِ

الطبیات
أما في الدنيا هو قول التوحيد، وشهادة
الإخلاص، وأمّا في الآخرة كقوله:
دَعْوَنُهُمْ فِيَهَا سُبْحَتَكَ اللَّهُمَّ وَغَمِيَّنُهُمْ فِيهَا
سَلَمٌ وَءَاخِرُ دَعْوَدُهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ
الْعَلَمِينَ﴾ [يونس: ١٠].
فهو القول الطيب الذي هدوا إليه.
وقال بعضهم: ((قوله: ﴿وَهُدُوَأْ إِلَى
الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ هو القرآن ﴿وَهُدُوَأْ إِلَى
صِرَطِ اَلْحَمِيدِ﴾ الإسلام وشرائعه)).
وقال قتادة: ((ألهموا التسبيح والتحميد
كما ألهموا النفس)».
وقال: ((﴿اَلَّيِّبٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾ هو كل
قول حسن» (١).
قال الإمام ابن كثير: ((وقوله: ﴿وَهُدُواْ
إِلَى الَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ كقوله: ﴿وَأُدْخِلَ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جَنَّتٍ
تَجْرِى مِن تَمْنِهَا الْأَنْهَرُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ
تَمِيِّئُهُمْ فِيهَا سَلَمُ ﴾ [إبراهيم: ٢٣].
﴿وَالْمَلَتِكَةُ يَدْخُلُونَ عَتِهِم مِّن كُلِّ
وقوله:
بَابٍ ٦ سَلَمُ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىَ الدَّارِ﴾
[الرعد: ٢٣ - ٢٤].
وقوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيَ لَغْوَا وَلَا تَأْتِيمًا (٥) إِلَّا
قِيلًا سَلَمَا سَلَمًا﴾ [الواقعة: ٢٥-٢٦].
فهدوا إلى المكان الّذي يسمعون فيه
الكلام الطّيّب ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَّحِيَّةً
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٠٠/١٦،
تأويلات أهل السنة، الماتريدي ٧/ ٤٠٣.
وَسَلَمَا﴾ [الفرقان: ٧٥].
لا كما يهان أهل النّار بالكلام الّذي
يروّعون به، ويقرّعون به، يقال لهم: ﴿وَذُوقُواْ
عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج: ٢٢].
وقوله: ﴿وَهُدُوَأْ إِلَى صِرَطِ لَلَِيدِ﴾ أي:
إلی المکان الذي یحمدون فیہ ربّهم، على ما
أحسن إليهم، وأنعم به، وأسداه إليهم، كما
جاء في الصّحيح أنّهم: (يلهمون التّسبيح
والتّحميد، كما تلهمون النّفس) (٢).
وقد قال بعض المفسّرين في قوله:
﴿وَهُدُوَأْ إِلَى الَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ أي:
القرآن، وقيل: لا إله إلّا اللّه، وقيل: الأذكار
المشروعة ﴿وَهُدُوَأْ إِلَى صِرَّطِ اَلْحَمِيدِ﴾ أي:
الطّريق المستقيم في الدّنيا، وكلّ هذا لا
ینافي ما ذكرناه، والله أعلم» (٣).
وهذا القول الطيب الذي يهدي الله
المؤمنين إليه هو الذي يرفع إلى الله عز
وجل، ويقبله، ويثني على صاحبه.
﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الَِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ
يَرْفَعُهُ، وَالَِّينَ يَمْكُرُونَ السَّيْئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ
شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَكَ هُوَيَبُورُ﴾ [فاطر: ١٠].
يقول تعالى ذكره: إلى الله يصعد ذكر
العبد إياه وثناؤه عليه ﴿وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة
نعيمها وأهلها، باب في صفات الجنة وأهلها
وتسبيحهم فيها بكرة وعشيا، ٢١٨٠/٤، رقم
٢٨٣٥.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٠٨/٥.
www. modoee.com
٢٠٥

حرف الطاء
یرفَعُهُ﴾ یقول: ویرفع ذکر العبد ربه إليه
عمله الصالح، وهو العمل بطاعته، وأداء
فرائضه، والانتهاء إلى ما أمر به.
وفي قوله تعالى: ﴿يَرْفَعُهُ﴾ ثلاثة
أقوال:
أحدها: أنها ترجع إلى الكلم الطّيّب،
فالمعنى: ((والعمل الصالح يرفع الكلم
الطّیّب»، قاله ابن عباس رضي الله عنهما،
والحسن، وسعيد بن جبير، ومجاهد،
والضحاك.
الصَّلِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠].
قال: ((الكلام الطّب: ذكر اللّه، والعمل
الصّالح: أداء فرائضه؛ فمن ذكر اللّه سبحانه
في أداء فرائضه، حمل عليه ذكر اللّه فصعد
به إلى اللّه، ومن ذكر اللّه ولم يؤدّ فرائضه،
ردّ كلامه على عمله، فكان أولی به» (٢).
يقول الرازي رحمه الله: ((قوله: ﴿إِلَيْهِ
يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ تقريرٌ لبيان العزّة؛
وذلك لأنّ الكفّار كانوا يقولون: نحن لا نعبد
من لا نراه، ولا نحضر عنده؛ لأنّ البعد من
الملك ذلّةٌ، فقال تعالى: إن كنتم لا تصلون
وكان الحسن يقول: ((يعرض القول على
الفعل، فإن وافق القول الفعل قبل، وإن
خالف ردّ».
إلیه فهو یسمع كلامكم، ویقبل الطّیّب، فمن
قبل کلامه، وصعد إلیه فهو عزيزٌ، ومن ردّ
كلامه في وجهه فهو ذليلٌ، وأمّا هذه الأصنام
والثاني: ((أنها ترجع إلى العمل الصالح،
فالمعنى: والعمل الصالح يرفعه الكلم
الطّیّب»، فهو عکس القول الأول، وبه قال
أبو صالح، وشهر بن حوشب.
لا يتبيّن عندها الذّليل من العزيز؛ إذ لا علم
لها، فکلّ أحدٍ یمسها، و کذلك یری عملکم،
فمن عمل صالحًا رفعه إليه، ومن عمل سيّئًا
فإذا قلنا: إن الكلم الطّب هو التوحيد، ردّه عليه، فالعزيز من الّذي عمله لوجهه،
كانت فائدة هذا القول أنه لا يقبل عملٌ والذّليل من يدفع الّذي عمله في وجهه،
وأمّا هذه الأصنام فلا تعلم شيئًا، فلا عزيز
صالح إلا من موحّد.
یرفع عندها، ولا ذليل، فلا عزّة بها، بل عليها
والثالث: أنها ترجع إلى الله عز وجل.
فالمعنى: ((والعمل الصالح يرفعه الله
إلیه))، أي: يقبله، قاله قتادة(١).
ذلّةٌ؛ وذلك لأنّ ذلّة السّيّد ذلّةٌ للعبد، ومن
کان معبوده وربّه وإلهه حجارةً أو خشبًا ماذا
یکون هو ؟!
وورد عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما،
قال: قوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الَّيِبُ وَالْعَمَلُ
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٠/ ٤٤٤، زاد
المسير، ابن الجوزي ٣/ ٥٠٧.
وفي قوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾
وجوهٌ، أحدها: كلمة لا إله إلّا اللّه هي
(٢) جامع البيان، الطبري ٣٣٩/١٩.
٢٠٦
فَضْو
مَوَسُولَةُ النَفسِيد
القرآن الكريمِ