Indexed OCR Text
Pages 41-45
الطاعة وقال تعالى: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ السُّعَفَُّؤْ لِلَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَىْءِ قَالُواْ لَوْ هَدَ لَنَا ◌َللَّهُ لَهَدَيْنَكُمُّ سَوَّاءُ عَلَيْنَاً أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَّرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١]. قال الطبري: ((وظهر هؤلاء الذين كفروا بالله يوم القيامة من قبورهم، فصاروا بالبراز من الأرضِ ﴿جَمِيعًا﴾ يعني كلهم، ﴿فَقَالَ الضُّعَفَوْ لِلَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْ﴾ أي: فقال التباع منهم للمتبوعين، وهم الذين كانوا يستكبرون في الدنيا عن إخلاص العبادة لله، واتباع الرسل الذين أرسلوا إليهم ﴿إنّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ أي: أنهم كانوا أتباعهم في الدنيا يأتمرون لما يأمرونهم به من عبادة الأوثان، والکفر بالله، وینتهون عما نهوهم عنه من اتباع رسل الله ﴿فَهَلْ أَنْتُم مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِن شَىْءٍ﴾ يعنون: فهل أنتم دافعون عنا الیوم من عذاب الله من شيء؟ فقالت القادة على الكفر بالله لتباعها: ﴿لَوْ هَدَننَا اللهُ﴾ أي: لو بین الله لنا شيئًا ندفع به عذابه عنا اليوم؛ ﴿لَقَدَيْنَكُمْ﴾ أي: لبينا ذلك لكم حتى تدفعوا العذاب عن أنفسكم؛ ولكنا قد جزعنا من العذاب، فلم ينفعنا جزعنا منه وصبرنا عليه ﴿سَوَآءُ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن ◌َّحِيصٍ﴾ أي: ما لهم من مراغ یروغون عنه))(١). وقال تعالى: ﴿ یَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُومُهُمْ فِ النَّارِ يَقُولُونَ بَلَيْتَنَآ أَطَعْنَا اُللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَاْ وَقَالُواْ رَيَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا رَبَّنَآ ءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ ٦٧ وَالْعَنْهُمْ لَعْنَا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٦٦-٦٨]. قال ابن كثير: ((یوم يسحب الكافرون في النار على وجوههم، وتلوى وجوههم علی جهنم، يقولون وهم كذلك، يتمنون أن لو كانوا في الدار الدنيا ممن أطاع الله، وأطاع الرسول، كما أخبر الله عنهم في حال العرصات بقوله: ﴿وَيَوْمَ يَعَُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَلَيْتَنِ أَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يَوَئِلَقَّ لَيْتَنِى لَوْ أَقُّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًاً لَّقَدْ أَضَلَّفِى عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَتِيُّ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان: ٢٧ - ٢٩]. وقال تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢]. وهكذا أخبر عنهم في حالتهم هذه أنهم يودون أن لو كانوا أطاعوا الله، وأطاعوا الرسول في الدنیا. وَقَالُواْ رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبِرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاً﴾ أي: اتبعنا السادة، وهم الأمراء والكبراء من المشيخة، وخالفنا (١) جامع البيان، الطبري ١٦ /٥٥٧-٥٥٨ بتصرف يسير. www. modoee.com ٣٨١ حرف الطاء الرسل، واعتقدنا أن عندهم شيئًا، وأنهم على شيء، فإذا هم ليسوا على شيء ﴿ رَبَّنَا ءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ أي: بكفرهم وإغوائهم إيانا ﴿وَالْعَنْهُمْ لَعْنَا كَبِيرًا﴾))(١). وقال ابن عاشور: ((والمعنی: يوم تقلب ملائكة العذاب وجوههم في النار بغير اختيار منهم، أو يجعل الله ذلك التقلب في وجوههم لتنال النار جميع الوجه، كما يقلب الشواء على المشوى لينضج على سواء، ولو كان لفح النار مقتصرًا على أحد جانبي الوجه لكان للجانب الآخر بعض الراحة. وحرف ((يا)) في قوله: ﴿يَلَيْتَنَا﴾ للتنبيه لقصد إسماع من يرثى لحالهم، مثل ﴿َحَسْرَتَنَا﴾ [الأنعام: ٣١]. والتمني هنا كناية عن التندم على ما فات، وكذلك نحو: يا حسرتنا، أي: أن الحسرة غير مجدیة، وقد علموا يومئذٍ أن ما کان یأمرهم به النبي صلى الله عليه وسلم هو تبليغ عن مراد الله منهم، وأنهم إذ عصوه فقد عصوا الله تعالى، فتمنوا يومئذٍ أن لا يكونوا عصوا الرسول المبلغ عن الله تعالى. وقال تعالى: ﴿ وَقَالُواْ رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا رَبَّنَاً ءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنَا كَبِيرًا ﴾ [الأحزاب: ٦٧ -٦٨]. (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٨٣/٦- ٤٨٤ بتصرف يسير. جيء بهذه الجملة في صيغة الماضي؛ لأن هذا القول كان متقدمًا على قولهم: ﴿وَلَيْتَنَآ أَطَعْنَا اَللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ فذلك التمني نشأ لهم وقت أن مسهم العذاب، وهذا التنصل والدعاء اعتذروا به حين مشاهدة العذاب، وحشرهم مع رؤسائهم إلی جهنم. قال تعالى: ﴿حََّ إِذَا أَذَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَهُمْ لِأُ ولَنْهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّوْنَا فَئَاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلِّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَّا نَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨]. فدل على أن ذلك قبل أن يمسهم العذاب، بل حين رصفوا ونسقوا قبل أن يصب عليهم العذاب، ويطلق إليهم حر النار. والسادة: عظماء القوم والقبائل مثل الملوك، والكبراء: جمع كبير، وهو عظيم العشيرة، وهم دون السادة؛ ولذلك قوبل قولهم: ﴿يَلَيْتَنَاْ أَطَعْنَا اَللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ بقولهم: ﴿أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبْرَآءَنَا﴾ وجملة ﴿إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وكبراءَنَا﴾ خبر مستعمل في الشكاية والتذمر، وهو تمهيد لطلب الانتصاف من سادتهم وكبرائهم، فالمقصود الإفضاء إلى جملة ﴿ رَبَّنَآ ءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ ومقصود من هذا الخبر أيضًا الاعتذار والتنصل من تبعة ضلالهم بأنهم مغرورون مخدوعون، وهذا الاعتذار مردود عليهم بما أنطقهم الله به ٣٨٢ جَوَسُو القرآن الكريمِ الطاعة من الحقيقة؛ إذ قالوا: ﴿إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا مِّنَ النَّارِ ﴾ قَالَ الَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُلٌ فِيهَآ إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ [غافر: ٤٧-٤٨]. وَكُبِرَآءَنَا﴾. فيتجه عليهم أن يقال لهم: لماذا أطعتموهم حتى يغروكم؟! وهذا شأن الدهماء أن يسودوا عليهم من يعجبون بأضغاث أحلامه، ویغرون بمعسول كلامه، ویسیرون علی وقع أقدامه، حتى إذا اجتنوا ثمار أکمامه، وذاقوا مرارة طعمه، وحرارة أوامه(١)، عادوا عليه باللائمة، وهم الأحقاء بملامه. وتقديم قولهم: ﴿إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتْنَا وگبرآءُنَا﴾ اهتمام بما فيه من تعليل لمضمون قولهم: ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَأْ﴾ لأن كبراءهم ما تأتى لهم إضلالهم إلا بتسبب طاعتهم العمياء إياهم، واشتغالهم بطاعتهم عن النظر والاستدلال فيما يدعونهم إليه من فساد، ووخامة مغبة، وبتسبب وضعهم أقوال سادتهم وكبرائهم موضع الترجيح على ما يدعوهم إليه الرسول صلى الله عليه وسلم)) (٢). وقال تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَلُونَ فِالنَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَوْ لِلَّذِينَ أَسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّالَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا قال الطبري: ((يقول تعالى: وإذ يتخاصمون في النار، وعنى بذلك: إذ يتخاصم الذين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإنذارهم من مشركي قومه في النار، فيقول الضعفاء منهم، وهم المتبعون على الشرك بالله ﴿إِنَّا كُنَّالَكُمْ تَبَعًا﴾ تقول لرؤسائهم الذين اتبعوهم على الضلالة: إنا كنا لكم في الدنيا تبعًا على الكفر بالله ﴿فَهَلْ أَنْتُم مُّغْنُونَ﴾ اليوم ﴿عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ﴾ يعنون: حظًا فتخففوه عنا، فقد کنا نسارع في محبتكم في الدنیا، ومن قبلکم أتينا، لولا أنتم لكنا في الدنيا مؤمنين، فلم يصبنا اليوم هذا البلاء. فأجابهم المتبوعون بما أخبر الله عنهم قَالَ الَّذِينَ أَسْتَكْبَرُواْ﴾ وهم الرؤساء المتبوعون على الضلالة في الدنيا: إنا أيها القوم وأنتم كلنا في هذه النار مخلدون، لا خلاص لنا منها ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ بفصل قضائه، فأسكن أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، فلا نحن مما نحن فیه من البلاء خارجون، ولا هم مما فيه من النعيم منتقلون»(٣). (١) أوم: الأوام، كغراب: العطش، أو حره، يقال: في جوفه أوامٌ وأوارٌ، وهو حرارة العطش. انظر: تاج العروس، الزبيدي ٢٥٣/٣١. (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١١٦/٢٢ - (٣) جامع البيان، الطبري ٣٩٨/٢١-٣٩٩ بتصرف یسیر. ١١٨ بتصرف. www. modoee.com ٣٨٣ حرف الطاء ولهذه الآيات التي سبقت وغيرها إِيمَتِكُمْ كَفِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٠]. والتي تبين عاقبة ومغبة اتباع أهل الباطل والكفر، وتبرأهم ممن تبعوهم؛ حذر الله نبيه وأصحابه والمؤمنين من طاعتهم، أو الانقياد إليهم؛ وذلك في غير آية من كتابه الكريم، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبُهُ, عَنْ ذِكْرِنَا وَأَتَّبَعَ هَوَنَهُ وَكَانَ أَمْرُهُ. فُرْطًا﴾ [الكهف: ٢٨]. وقوله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَفِرِنَ وَجَهِدْهُم بِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفر ٥٢]. وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ أَتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِيع اُلْكَفِرِينَ وَالْمُنَفِقِينَ﴾ [الأحزاب: ١]. ﴿وَلَا نُطِعِ اَلْكَفِرِينَ وقوله تعالى: وَالْمُنَفِقِينَ وَدَعْ أَذَنْهُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٨]. وقوله تعالى: ﴿فَلاَ تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [القلم: ٨]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ﴾ [القلم: ١٠]. وقوله تعالى: ﴿فَأَصّبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْءَائِمًا أَوْكَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]. وقوله تعالى: ﴿كَلَّا لَا نُطِعْهُ وَأَسْجُدْ وَأَقْتَّبِ ﴾ [العلق: ١٩]. وبين الله عز وجل لهم أن عاقبة اتباع هؤلاء وأمثالھم، ستٹول بھم إلی کفر وضلال وخسران، فقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ يُوكُمْ بَعْدَ وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُ واْيَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَيِكُمْ فَتَنْقَلِبُواْ خَسِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٩]. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الْأَرْضِ يُضِلَُّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِن يَتَِّعُونَ إِلَّا اُلَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١١٦]. وهذا خلاف لما يزعمه أهل النفاق، الذين يقعدون عن طاعة الله ورسوله، من أن طاعتهم تؤول بأتباعهم لخير، كما قالوا في يوم أحد، فیما نقله الله عنهم في کتابه: ﴿الَّذِينَ قَالُواْ لِإِخْوَنِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُواْ قُلْ فَادْرَهُواْ عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٨]. قال الطبري: ((فمعنى الآية: وليعلم الله المنافقين الذين قالوا لإخوانهم الذين أصيبوا مع المسلمين في حربهم المشركين بأحد يوم أحد فقتلوا هنالك من عشائرهم ﴿لَوْ وقومهم ﴿وَقَعَدُواْ﴾ هم عن القتال أَطَاعُونَا﴾ أي: لو أطاعنا من قتل بأحد من إخواننا وعشائرنا ﴿مَا قُتِلُواْ﴾ أي: ما قتلوا هنالك. قال الله عز وجل لنبيه محمد صلى الله علیه وسلم: ﴿قُلٌ ﴾ یا محمد لهؤلاء القائلين هذه المقالة من المنافقين ﴿فَادْرَهُوا﴾ يعني: فادفعوا ﴿عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ ٣٨٤ مُؤَسُولَةُ النَّقيمة جوسين القرآن الكريم الطاعة صَدِقِينَ﴾ فأنتم لا محالة ميتون))(١). موضوعات ذات صلة: الاتباع، الأمر، العبادة، محمد، النبوة (١) جامع البيان، الطبري ٧/ ٣٨٢ بتصرف يسير. www. modoee.com ٣٨٥