Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
الطَّاعَةُ
عناصر الموضوع
مفهوم الطاعة
٣٤٢
الطاعة في الاستعمال القرآني
٣٤٣
الألفاظ ذات الصلة
٣٤٤
الأساليب القرآنية في الحث على الطاعة
٣٤٦
٣٥٦
أنواع الطاعة المحمودة
٣٧١
عاقبة الطاعة
المُجَلَدَ الحَاذِى وَالعشْرُونْ

حرف الطاء
مفهوم الطاعة
أولًا: المعنى اللغوي:
قال ابن فارس: ((الطاء والواو والعين أصل صحيح واحد، يدل على الإصحاب والانقياد،
يقال: طاعه يطوعه إذا انقاد معه، ومضى لأمره، وأطاعه بمعنى طاع له، ويقال لمن وافق
غيره: قد طاوعه)) (١).
وقال الليث: ((الطوع: نقيض الكره، لتفعلنه طوعًا أو كرهًا، وطائعًا أو كارهًا، وطاع له
إذا انقاد له، فإذا مضى لأمره فقد أطاعه، وإذا وافقه فقد طاوعه، قال: والطاعة: اسم من
أطاعه إطاعة، والطواعية: اسم لما يكون مصدر المطاوعة، يقال: طاوعت المرأة زوجها
طواعية)» (٢)
يتبين مما سبق أن المعنى اللغوي للطاعة يدل على الاصطحاب والانقياد وموافقة الغير.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
لم يبتعد المعنى الاصطلاحي للطاعة عن معناها اللغوي كثيرًا، بل دار في فلكها، فحول
معاني الانقياد والامتثال واتباع الأمر واجتناب النهي يدور المعنى.
قال ابن عطية: ((الطاعة: هي موافقة الأمر الجاري عند المأمور مع مراد الأمر))(٣).
وقال السيوطي: ((الطاعة: امتثال أمربات على حكم الواقعة)) (٤).
ولخص ذلك كله الطاهر ابن عاشور بقوله: ((الطاعة: امتثال الأمر والنهي))(٥).
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٣١/٣.
(٢) تهذيب اللغة، الأزهري ٦٦/٣.
(٣) المحرر الوجيز، ابن عطية ١ / ٥٠٧.
(٤) مقاليد العلوم، السيوطي ص٧٥.
(٥) التحرير والتنوير ٣٠٣/٩.
٣٤٢
جَوَسُولَة التَّقِينَ
القرآن الكريمِ

الطاعة
الطاعة في الاستعمال القرآني
وردت مادة (طوع) في القرآن الكريم (١٣٠) مرة، يخص موضوع البحث منها (٧٣)
مرة(١).
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
١٤
﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اَللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]
الفعل المضارع
٢٩
﴿وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبُهُ عَن ذِكْرِنَا وَأَتَّبَعَ هَوَنُهُ﴾
[الكهف: ٢٨]
فعل الأمر
٢١
قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُونَ﴾ [آل عمران: ٣٢]
المصدر
٧
﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾ [محمد: ٢١]
فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ أَثْنِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهَا قَالَتَآ أَنْنَا طَآَبِعِينَ
١
(١)) [فصلت: ١١]
اسم المفعول
١
﴿ذِى قُوَّةٍ عِنْدَ ذِى الْعَرْشِ مَكِينٍ ، تُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ
٢١
[التكوير: ٢٠-٢١]
وجاءت الطاعة في الاستعمال القرآني بمعناها اللغوي، وهو: الانقياد، لكن أكثر ما يقال
في الائتمار فيما أمر (٢).
(١) انظر: المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن الكريم، عبد الله جلعوم، باب الطاء، ص٧٢٣-٧٢٦.
(٢) انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي ٥١٩/٣.
www. modoee.com
٣٤٣
اسم الفاعل

حرف الطاء
الألفاظ ذات الصلة
العبادة :
١
العبادة لغة:
من الفعل عبد يعبد، عبادةً وعبوديةً، والمفعول: معبود، وعبد الله بمعنى وحده وأطاعه،
وانقاد وخضع و ذل له، والتزم شرائح دينه، وأدى فرائضه(١).
العبادة اصطلاحًا:
قال المناوي: العبادة فعل المكلف على خلاف هوى نفسه؛ تعظيمًا لربه، وقيل: هي
الأفعال الواقعة على نهاية ما يمكن من التذلل والخضوع المتجاوز لتذلل بعض العباد
لبعض، ولذلك اختصت بالرب،
وهي أخص من العبودية التي تعني مطلق التذلل (٢).
الصلة بين الطاعة والعبادة:
إن العبادة هي غاية الخضوع ولا تستحق إلا بغاية الإنعام، ولهذا لا يجوز أن يعبد غير
الله تعالى، ولا تكون العبادة إلا مع المعرفة بالمعبود، والطاعة هي ذلك الفعل الواقع على
حسب ما أراده المريد متى كان المريد أعلى رتبة ممن يفعل ذلك، وتكون الخالق والمخلوق،
والعبادة لا تكون إلا للخالق(٣).
(١) انظر: معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار ١٤٤٨/٢.
(٢) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ٢٣٤.
(٣) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ٢٢١.
٣٤٤
جَوَسُولَةُ النَّفتي
القرآن الكريم

الطاعة
التطوع:
٢
التطوع لغة:
الطاء والواو والعين أصلٌ صحيحٌ واحدٌ يدل على الإصحاب والانقياد. يقال: طاعه
یطوعه، إذا انقاد معه ومضی لأمره (١).
التطوع اصطلاحًا:
التطوع في الأصل: تكلف الطاعة، وهو في التعارف التبرع بما لا يلزم كالتنفل (٢).
الصلة بين الطاعة والتطوع:
أصلهما من الطوع: الذي هو من الانقياد، والفرق بينهما أن الطاعة موافقة الإرادة في
الفريضة، والنافلة والتطوع: التبرع بالنافلة خاصة(٣).
العصيان:
٣
العصيان لغة:
الخروج عن الطاعة (٤).
العصيان اصطلاحًا:
هو ترك الانقياد(٥).
الصلة بين الطاعة والعصيان:
العصيان ضد الطاعة، وهو الامتناع عن الانقياد، وترك أمر الله تعالى، والخروج عن
طريق الحق، ويقابله الطاعة التي هي امتثال الأمر والنهي (٦).
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٣١/٣.
(٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص٥٣٠.
(٣) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص٣٣٥.
(٤) انظر: تاج العروس، الزبيدي ٥٨/٣٩.
(٥) انظر: التعريفات، الجرجاني ص١٥١.
(٦) انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٦٠٦/٢.
www. modoee.com
٣٤٥

حرف الطاء
الأساليب القرآنية في الحث على الطاعة
تنوعت أساليب القرآن في الحث على
الطاعة، وفيما يأتي بيان لها:
أولًا: أسلوب الطلب (الأمر):
تنوعت أساليب القرآن في الحث على
الطاعة، فتارة تأتي بصيغة الأمر، ويشمل
ذلك استخدام اللفظ نفسه، كما في قوله
تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [آل
عمران: ٣٢].
وقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٢].
وقوله تعالى: ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلَوةَ وَءَاتِينَ
الزَّكَوَةَ وَأَطِعْنَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب:
٣٣].
وقال تعالى على لسان أكثر من رسول
لقومه: ﴿فَأَتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٠٨-
١١٠ - ١٢٦ - ١٣١ - ١٤٤ - ١٦٣ - ١٧٩]. [آل
عمران: ٥٠]. [الزخرف: ٦٣].
وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُوا اللَّهَ
وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمَّيِ مِنْكُمْ﴾﴾ [النساء: ٥٩].
أمر الله تعالى بطاعته وطاعة
رسوله وذلك بامتثال أمرهما، الواجب
والمستحب، واجتناب نهيهما. وأمر بطاعة
أولي الأمر وهم: الولاة على الناس، من
الأمراء والحكام والمفتين، فإنه لا يستقيم
للناس أمر دينهم ودنياهم إلا بطاعتهم
والانقياد لهم، طاعة لله ورغبة فيما عنده،
ولكن بشرط ألا يأمروا بمعصية الله، فإن
أمروا بذلك فلا طاعة لمخلوق في معصية
الخالق. ولعل هذا هو السر في حذف الفعل
عند الأمر بطاعتهم وذکره مع طاعة الرسول،
فإن الرسول لا يأمر إلا بطاعة الله، ومن
يطعه فقد أطاع الله، وأما أولو الأمر فشرط
الأمر بطاعتهم أن لا يكون معصية(١).
ثانيًا: أسلوب النهي عن ضده:
تأكدت معاني الآيات الآمرة بطاعة الله
ورسوله بذكر الآيات الناهية عن المعصية،
والإعراض والتولي أيضًا، وهذا كله ضد
الطاعة، وهذا النهي يأتي أحيانًا مذكورًا
مع أوامر الطاعة؛ وذلك لتأكيد المعنى،
والتحذير من المخالفة، ومثال ذلك قوله
تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأَحْذَرُواْ فَإِنِ
تَوَلَيْتُمْ فَأَعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَغُ اَلْمُبِينُ﴾
[المائدة: ٩٢].
إن الله عز وجل بعد أن أمر بطاعته وطاعة
نبيه بين أن إعراض المعرض عن ذلك
لن يضر به إلا نفسه، فقد أقيمت الحجج،
وانتهت الأعذار، وأدى النبي رسالته، وبلغ
ما أمر به.
قال الألوسي: ((﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ﴾ أي:
أعرضتم، ولم تعملوا بما أمرتم به ﴿فَأَعْلَمُوا
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٨٣.
٣٤٦
لِلْقُرْآنِ الْكَرِيمِ

الطاعة
أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَغُ الْمُبِينُ﴾ أي: ولم يأل أَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَا تَوَلَّوْاْ عَنْهُ وَأَنْتُمْ
تَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢٠].
جهدًا في ذلك فقامت عليكم الحجة،
وانتهت الأعذار، وانقطعت العلل، ولم يبق
بعد ذلك إلا العقاب، وفي هذا - كما قال
الطبرسي وغيره- من التهديد وشدة الوعيد
ما لا يخفى))(١).
وقال ابن عاشور: «﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ﴾ تفريع
عن ((أطيعوا)) ((واحذروا)) والتولي هنا
استعارة للعصيان، شبه العصيان بالإعراض
والرجوع عن الموضع الذي كان به العاصي،
بجامع المقاطعة والمفارقة، وكذلك يطلق
عليه الإدبار، ففي حديث ابن صياد (ولئن
أدبرت ليعقرنك الله) (٢)، أى: أعرضت عن
الإسلام)» (٣).
وهذا الأسلوب، أي: أسلوب الجمع بين
الأمر بالطاعة، والتحذير والنهي عن التولي
والإعراض؛ له أثر بالغ في توكيد المعنى
عن المستمع؛ ولذا نجده قد تکرر في أكثر
من آية، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ
وَالرَّسُولَ فَإِنِ تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لَا يُحِبُّ الْكَفِرِينَ﴾
[آل عمران: ٣٢].
وقال تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
(١) روح المعاني، الألوسي ٤ / ١٧.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام
٤/ ٢٠٣، رقم ٣٦٢٠، ومسلم في صحيحه،
كتاب الرؤيا، باب رؤيا النبي صلّى الله عليه
وسلم ٤ / ١٧٨٠، رقم ٢٢٧٣.
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣١/٧.
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ
الرَّسُولٌّ فَإِنِ تَوَلَّوَا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حِلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا
سُمِّلْتُمْ﴾ [النور: ٥٤].
وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ
اَللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا نُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ [محمد:
٣٣].
وقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ
الرَّسُولُ فَإِنْ تَوَلَيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَغُ
الْمُبِینُ﴾ [التغابن: ١٢].
وجاءت آيات أخرى تتوعد العصاة
بالعذاب والخسران، وفي هذا نهي ضمني
عن معصية الله ورسوله؛ لأنه طريق هلاك
وضلال، ومن هذه الآيات قوله تعالى:
﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَتَعَدَّ
حُدُودَهُ، يُدْخِلْهُ نَارًا خَلِدًا فِيهَا وَلَهُ.
عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: ١٤].
هذه الآية جاءت بعد ذكر بعض أحكام
الفرائض والمواريث؛ ولذلك ربط كثير من
العلماء بينها وبين ما قبلها، فقال الطبري:
((﴿وَمَنْ يَعْصِ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ في العمل
بما أمراه به من قسمة المواريث على ما
أمرأه بقسمة ذلك بينهم وغير ذلك من
فرائض الله، مخالفًا أمرهما إلى ما نهیاه عنه
﴿وَيتعذّ حُدُودهُ﴾ یقول: ويتجاوز فصول
طاعته التي جعلها تعالى فاصلة بينها وبين
www. modoee.com
٣٤٧

حرف الطاء
معصیته، إلى ما نهاه عنه من قسمة ترکات
موتاهم بين ورثتهم وغير ذلك من حدوده؛
يدخله نارًا باقيًا فيها أبدًا، لا يموت ولا
يخرج منها أبدًا، وله عذاب مذلٌ من عُذِّبَ
به، مخزٍ له» (١).
وقال ابن الجوزي: ((ومن يعص الله فلم
پرض بقسمه يدخله نارًا، فإن قيل: كيف
قطع للعاصي بالخلود؟ فالجواب: أنه إذا
رد حکم الله، وكفر به؛ كان كافرًا مخلدًا في
النار))(٢).
وليس المراد بهذا أن يقتصر العقاب
المذكور على من عصى الله ورسوله في
أمر المواريث فحسب، بل الآية جاءت عامة
لتشمل كل معصية لله ورسوله في شتى
الحدود والأوامر.
يقول الأصفهاني: ((كما وصف في
مراعاة الحدود ثواب مراعيها، وصف في
تضييعها عقاب متعدیھا، وأطلق القول فيهما
ليكون عامًا في ذلك وفي غيره من الحدود
التي بينها، وذكر في العذاب الهوان، كما
ذكر في غيره الخزي، لما عرف من عادة
كثير من الناس أن تقل مبالاتهم بالشدائد
ما لم يضامها الهوان، حتى قالوا: المنية ولا
الأمران)» (٣).
(١) جامع البيان، الطبري ٧١/٨-٧٢.
(٢) زاد المسير، ابن الجوزي ١/ ٣٨١.
(٣) تفسير الراغب الأصفهاني ١١٣٩/٣.
ومثل هذا التوعد بالعذاب على المعصية
والمخالفة العامة نجده في قوله تعالى:
﴿وَمَن يَمْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ
خَلِدِينَ فِيَهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣].
وقال تعالى: ﴿لَّا تَجْعَلُواْ دُعَلَةَ
الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْعِكُم بَعْضَأَ قَدْ
يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذَا
فَلَيَحْذَّرِ الَّذِينَ يُخَالِقُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ
فِتْنَةُ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣].
قال ابن عطية: ((أمرهم بالحذر من
عذاب الله ونقمته إذا خالفوا عن أمر نبيه
صلى الله عليه وسلم، وقوله: ﴿يُثَالِقُونَ عَنْ
أَشْرِه ﴾ معناه: يقع خلافهم بعد أمره، وهذا
كما تقول: كان المطر عن ريح، و((عن)) هي
لما عدا الشيء، و((الفتنة)) في هذا الموضع
الإخبار بالرزايا في الدنيا، وبالعذاب الأليم
في الآخرة، ولا بد للمنافقين من أحد هذين
ملكًا وخلفًا))(٤).
وبين الله عز وجل أيضًا أن أوامره وأوامر
نبيه من الأمور التي لا اختيار للمسلم فيها،
بل يقبلها وينقاد إليها؛ لأن فيها مصلحة
العبد في الدنيا والآخرة، حتى وإن جهل
الدنية، والنار ولا العار، فبين أنه يجمع لهم كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ: أَمْرًا
الحكمة من هذه الأوامر، فقال تعالى: ﴿وَمَا
أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلَامُّبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦].
(٤) المحرر الوجيز، ابن عطية ٤ / ١٩٨.
٣٤٨
جوية
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ

الطاعة
قال الطبري: ((لم يكن لمؤمن بالله ولا قول، كما قال تعالى: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا
يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ
ثُمَّ لَا يَجِدُواْفِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ
وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
ورسوله، ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله
في أنفسهم قضاء أن یتخيروا من أمرهم غیر
الذي قضى فيهم، ويخالفوا أمر الله وأمر
رسوله وقضاءهما فيعصوهما، ومن يعص
الله ورسوله فيما أمرا أو نهيا ﴿فَقَدْ ضَلَّ
ضَلَلَا قُّبِينًا﴾ أي: فقد جار عن قصد السبيل،
وسلك غیر سبیل الهدي والرشاد)»(١).
وفي سبب نزول هذه الآية خاصة، يذكر
أهل التفسير سببين:
أحدهما: أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم انطلق يخطب زينب بنت جحش
لزيد بن حارثة، فقالت: لا أرضاه، ولست
بناکحته، فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (بلی فانكحيه، فإني قد رضيته لك)
فأبت، فنزلت هذه الآية، وهذا المعنى مروي
عن ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد
وقتادة والجمهور.
وذكر بعض المفسرين أن عبد الله بن
جحش أخا زينب كره ذلك كما كرهته
زينب، فلما نزلت الآية رضيا وسلما (٢).
لکن حتی إن صح سبب النزول المذكور
فيبقى أن الآية عامة في جميع الأمور؛ وذلك
أنه إذا حکم الله ورسوله بشيء، فليس لأحد
مخالفته ولا اختیار لأحد ها هنا، ولا رأي
(١) جامع البيان، الطبري ٢٧١/٢٠.
(٢) زاد المسير، ابن الجوزي ٣/ ٤٦٥.
ولهذا شدد في خلاف ذلك، فقال:
﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ، فَقَدْ ضَلَّ ضَالَلًا مُّبِينًا﴾
كقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِقُونَ عَنْ
أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ أَوْ مُصِيبَهُمْ عَذَابٌ
أَلِمُ﴾ [النور: ٦٣](٣).
ووردت آيات أخرى في ذم هؤلاء
المتخلفين المعرضين عن طاعة الله
ورسوله عليه الصلاة والسلام، كما في قوله
تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَيِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا
ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِقٌ مِّنْهُم مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَكَ
بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُواْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُمَ
بََّهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم ◌ُعْرِضُونَ () وَإِن يَكُن ◌َُّمُ الْحَقُّ
يَأْتُواْ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ ، أَنِ قُلُوِبِهِم مَّرَضُ أَمِ أَرْتَابُوا أَمْ
يَخَافُونَ أَنْ يَصِفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولٌ، بَلْ أُوْلَكَ هُمُ
الظَّالِمُونَ ﴾ [النور: ٤٧-٥٠].
قال ابن كثير: ((يخبر تعالى عن صفات
المنافقین، الذین یظهرون خلاف ما يبطنون،
يقولون قولًا بألسنتهم: ﴿مَامَنَّا بِاللَّهِ وَيَالرَّسُولِ
وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِقٌ مِنْهُم مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ﴾ أي:
يخالفون أقوالهم بأعمالهم، فيقولون ما لا
يفعلون؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَآ أَوْلَكَ
بِالْمُؤْمِنِينَ﴾.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٢٣/٦.
www. modoee.com
٣٤٩

حرف الطاء
وإذا طلبوا إلى اتباع الهدى فيما أنزل كفر محض، والله عليم بكل منهم، وما هو
عليه منطو من هذه الصفات.
الله على رسوله، أعرضوا عنه واستكبروا
في أنفسهم عن اتباعه، وهذه كقوله: ﴿أَلَمّ
تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَرْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بِمَا أُنزِلَ
إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ
إِلَى الطّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ، وَبُرِيدُ
الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَلا بَعِيدًا ﴿ وَإِذَا
قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَ إِلَى الرَّسُولِ
رَأَيْتَ الْمُنَفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا ﴾
[النساء: ٦٠ - ٦١].
وقال تعالى: ﴿وَإِنِ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوَاْ إِلَيْهِ
مُدْعِنِينَ﴾ [النور: ٤٩].
أي: وإذا كانت الحكومة لهم لا عليهم،
جاؤوا سامعين مطيعين وهو معنى قوله:
﴿مُدْعِنِينَ﴾ وإذا كانت الحكومة عليهم
أعرضوا ودعوا إلى غير الحق، وأحبوا أن
يتحاكموا إلى غير النبي صلى الله عليه
وسلم ليروج باطلهم، فإذعانهم أولًا لم
یکن عن اعتقاد منهم أن ذلك هو الحق، بل
لأنه موافق لهواهم؛ ولهذا لما خالف الحق
قصدهم عدلوا عنه إلى غيره؛ ولهذا قال
تعالى: ﴿أَفِ قُلُوبِم ◌َّرَضُ أَمِ أَرْتَابُواْأَمْ يَخَافُونَ أَنْ
يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ [النور: ٥٠].
يعني: لا يخرج أمرهم عن أن يكون في
القلوب مرض لازم لها، أو قد عرض لها
شك في الدين، أو يخافون أن يجور الله
ورسوله علیھم في الحکم، وأيا ما كان فهو
قوله: ﴿بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الَّالِمُونَ﴾
[النور: ٥٠].
أي: بل هم الظالمون الفاجرون، والله
ورسوله مبرآن مما يظنون ويتوهمون من
الحيف والجور، تعالى الله ورسوله عن
ذلك (١).
ثالثًا: الثناء على المطيعين:
الثناء على أصحاب بعض الأعمال أو
المواقف من الأشياء التي لها أبلغ الأثر في
نفوس هؤلاء العاملين، ترفع معنوياتهم،
تحفزهم، تشجعهم، تعينهم على مواصلة
عملهم؛ لذلك كان الثناء وسيلة تربوية،
استخدمت في القرآن والسنة.
وممن أثنى الله عليهم في كتابه:
المطيعون، فلقد وردت آيات عديدة في
کتاب الله عز وجل تثني علیهم وتمدحهم،
وتنعتهم بأحسن الصفات، فتارة تنعتهم
بالإيمان، كما في قوله تعالى: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ
بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَ كُلُّ ءَامَنَ بِاللّهِ
وَمَلَبِكَتِهِ، وَكُهِ، وَرُسُلِهِ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن
رُسُلِهِ، وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا
وَإِلَيْكَ اَلْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥].
وسبب نزول هذه الآية: أنه لما نزلت
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٧٤.
٣٥٠
صَوْسُو
القرآن الكريم

الطاعة
على رسول الله صلى الله عليه وسلم:
﴿لِلَِّ مَا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِّ وَإِن تُبْدُواْ
مَا فِيٌّ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُّوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللّهُ
فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ عَلَى
كُلِّ شَىْءٍ قَدِيٌ ﴾ [البقرة: ٢٨٤].
اشتد ذلك على أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم، فأتوا رسول الله
صلى الله عليه وسلم ثم بركوا على الركب،
فقالوا: أي رسول الله، كلفنا من الأعمال ما
نطيق، الصلاة والصيام والجهاد والصدقة،
وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها، قال
رسول الله صلی الله عليه وسلم: (أتريدون
أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم
سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا
غفرانك ربنا وإليك المصير) قالوا: سمعنا
وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، فلما
اقترأها القوم، ذلت بها ألسنتهم، فأنزل الله
في إثرها: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ پِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن
رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَّ كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَتِكَتِهِ، وَكُهِ،
وَرُسُلِهِ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ، وَقَالُواْ
سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾
[البقرة: ٢٨٥].
فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى، فأنزل
الله عز وجل: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا
وُسْعَهَاأَ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتْ رَبَّنَا
لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن ◌َِّينَآَ أَوْ أَخْطَأَنَا
[البقرة :
(قال: نعم ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا
كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ [البقرة:
٢٨٦].
قال: نعم ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةً
لَنَابِهِ﴾ قال: نعم ﴿وَأَعْفُ عَنَّا وَأَغْفِرْ لَنَا
وَأَرْحَمْنَاْ أَنْتَ مَوْلَئِنَا فَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ
اَلْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦].
قال: نعم))(١).
فكان في هذا ثناء من الله عز وجل
عليهم، وعلى طاعتهم وانقيادهم، وشهادة
لهم من الله بالإيمان، وكفى بها شهادة،
وکان هذا كله ثمرة لانقیادهم وطاعتهم لأمر
نبيهم صلى الله عليه وسلم.
وفي آية أخرى ذكر الله سبحانه وتعالى
المؤمنين والمؤمنات، فكان من صفاتهم
أنهم مطيعون لله ولرسوله، فقال تعالى:
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضَِّ
يَأْمُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَّرِ
وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْثُونَ الزَّكَوَةَ
وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، أُوْلَكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ
إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٧١].
وتارة نجد الآيات تنعت المطيعين
بالفائزين، كما في قوله تعالى: ﴿ وَمَن
يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَخْشَ اللَّهَ وَ يَتَّقْهِ فَأَوْلِكَ هُمُ
اَلْفَآیِزُونَ﴾ [النور: ٥٢].
(١) أخرجه مسلم في الإيمان، باب بيان قوله
تعالى: (وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه)،
١١٥/١، رقم ١٢٥.
٢٨٦].
www. modoee.com
٣٥١

حرف الطاء
فیما أمره ونھاه، ویسلم لحکمهما له
وعليه، ويخف عاقبة معصية الله ويحذره،
ويتق عذاب الله بطاعته إياه في أمره ونهيه
﴿فَأَوْلَئِكَ﴾ أي: الذين يفعلون ذلك ﴿هُمُ
اٌلْفَآيِزُونَ﴾ برضا الله عنهم يوم القيامة،
وأمنهم من عذابه))(١).
ومثل هذا المعنى نجده في قوله تعالى:
يُصْلِعْ لَكُمْ أَعْمَلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ
وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾
[الأحزاب: ٧١].
وتارة نجد الآيات تنعت المطيعين
بالمفلحين، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ
قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوْاْ إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُمُ بَّنَهُ
أَنْ يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
[النور: ٥١].
قال الطبري: ((المنجحون المدركون
طلباتهم، بفعلهم ذلك، المخلدون في
جنات الله»(٢).
وتارة ينعت الله طاعة المطيعين بالخيرية
والصواب، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ
قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأَسْمَعْ وَأَنْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ
وَأَقْوَمَ ﴾ [النساء: ٤٦].
قال الطبري: ((ولو أن هؤلاء اليهود الذين
وصف الله صفتهم قالوا لنبي الله: سمعنا يا
(١) جامع البيان، الطبري ١٩/ ٢٠٦.
(٢) المصدر السابق.
(٣) المصدر السابق ٨/ ٤٣٦.
٣٥٢
القرآن الكريم
قال الطبري: ((﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ محمد قولك، وأطعنا أمرك، وقبلنا ما جئتنا
به من عند الله، واسمع منا، وانظرنا ما نقول،
وانتظرنا نفهم عنك ما تقول لنا، لكان ذلك
خيرًا لهم عند الله، ((وأقوم) أي: وأعدل
وأصوب في القول)) (٣).
رابعًا: بيان عاقبة المطيعين:
لأجل أن يتم الثبوت والتحسن في
الاستجابات التي يقوم بها الفرد، لا بد من
توفر عامل أطلق علماء النفس عليه عامل
الجزاء، فالاستجابات إذا لم تؤد إلى نوعٍ من
الترضية، أو الجزاء، أو الإشباع فإن الفرد لا
يحاول تكرارها.
ولقد فطر الله الإنسان على حب
المثوبة، وما فيها من لذة ونعيم؛ ولذا فإنه
يرغب في ذلك، ويعمل من أجل تحقيقه،
كما فطره أيضًا على بغض العقاب، وما
يترتب عليه من ألم وشقاء؛ لذا فإنه يرهبه،
وينفر منه.
ولهذا عني القرآن الكريم والسنة النبوية
بالترغيب والترهيب، والثواب والعقاب
كأسلوب مهم من أساليب التربية.
ويمتاز أسلوب الترغيب والترهيب،
والثواب والعقاب في القرآن الكريم
والسنة النبوية عن غيره من أساليب الثواب
والعقاب في المناهج التربوية الأخرى

الطاعة
-بأنه يعتمد على الإقناع والبرهان، ويكون بالحكمة، ومن أمر البدعة والهوى على
مصحوبًا بتصوير فني رائع للثواب المرغب نفسه قولًا وفعلًا نطق بالبدعة، لقوله تعالى:
﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ﴾))(٢).
فيه، المتمثل في الجنة، وكذلك للعقاب
المنتظر، المتمثل في جهنم أعاذنا الله
منها- كما يعتمد الترغيب والترهيب في
القرآن والسنة أيضًا على إثارة الانفعالات،
وتربية العواطف الربانية؛ كعاطفة الخوف
من الله تعالى، والتذلل والخشوع له سبحانه
والطمع في رحمته، والأمل في ثوابه(١).
ومما يزيد من دافع الطاعة عند المؤمن:
الثواب العاجل الذي يلقاه في الدنيا قبل
الثواب الآجل في الآخرة، ففي الدنيا ينال
المطيعون:
١. الهداية وإصابة للحق.
كما في قوله تعالى: ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ
وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَغُ الْمُّبِينُ﴾ [النور: ٥٤].
وهذا نراه جليًا في حال هؤلاء الذين زينوا
ظاهرهم وتعاملاتهم بطاعة الله ورسوله،
وعمروا أسرارهم بمراقبة ربهم؛ فتراهم من
أکثر الناس توفيقًا وسدادًا، وإصابة للحق،
على اختلاف الأحوال والوقائع.
قال ابن الجوزي: «﴿وَإِن تُطِيعُوهُ﴾
يعني: رسول الله صلى الله عليه وسلم
﴿َتَهْتَدُواْ﴾ وكان بعض السلف يقول:
من أمر السنة على نفسه قولاً وفعلاً نطق
(١) أصول التربية الإسلامية، عبد الرحمن
النحلاوي، ص ٢٣٠.
وقال الطبري: ((يقول تعالى ذكره: وإن
تطيعوا - أيها الناس- رسول الله - فيما
يأمركم وينهاكم - ترشدوا وتصيبوا الحق في
أموركم ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَغُ اَلْمُبِينُ﴾
يقول: وغير واجب على من أرسله الله
إلى قوم برسالة إلا أن يبلغهم رسالته بلاغًا
یبین لهم ذلك البلاغ عما أراد الله به، فلیس
على محمد - أيها الناس- إلا أداء رسالة
الله إليكم، وعليكم الطاعة، وإن أطعتموه
لحظوظ أنفسكم تصيبون، وإن عصيتموه
بأنفسكم فتوبقون)» (٣).
وقال أبو السعود: ((﴿وَإِن تُطِيعُوهُ﴾ أي:
فيما أمركم به من الطاعة ﴿تَهْتَدُواْ﴾ إلى
الحق الذي هو المقصد الأصلي الموصل
إلى كل خير، والمنجي من كل شرٍ)) (٤).
٢. النصر في الدنيا على الأعداء،
والغنيمة والخير الکثیر.
كما في قوله تعالى: ﴿قُل لِلْمُخَلِّفِينَ
مِنَ الْأَعْرَابِ سَنُدْعَوّنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِ بَأْسِ شَدِيدٍ
نُقَئِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونٌّ فَإِن تُطِيعُواْ يُؤْتِّكُمُ اللَّهُ أَجْرً
حَسَنَاهـ
[الفتح: ١٦].
(٢) زاد المسير، ابن الجوزي ٣/ ٣٠٣.
(٣) جامع البيان، الطبري ١٩/ ٢٠٧.
(٤) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ١٨٩/٦.
www. modoee.com
٣٥٣

حرف الطاء
ذهب جمعٌ من المفسرين إلى أن الأجر والآجل.
الحسن المذكور في الآية هو: الغنيمة
والنصر في الدنيا، والجنة في الآخرة(١).
وعلى هذا يكون الأجر الحسن هنا من
الثواب العاجل والآجل.
المسلمین ویظهرهم على أعدائهم، إذا ما
اعتصموا بربهم، واتبعوا سنة نبيهم، ولو
كانوا أقل عددًا وعتادًا منهم، ومثال ذلك
ظهر جليًا في عبور المصريين، واقتحامهم
لحاجز خط برليف اليهودي الصهيوني، يوم
عبروا صائمین، وبأصوات کالرعد مکبرین:
الله أكبر، الله أكبر، لقد طلبوا النصر من الله،
وأعدوا لعدوهم ما استطاعوا من قوة -كما
أمر الله- فحقق الله لهم وعده، فأرهبوا عدو
الله وعدوهم، على الرغم من قلة عددهم
وعتادهم.
٣. نزول الرحمات، وتحقق الأمن
والأمان.
كما في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوةَ
وَءَاتُوْ الزَّكَوَةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْهُونَ﴾
[النور: ٥٦].
وهذه الرحمة عامة تشمل الدنيا قبل
الآخرة، فهي أيضًا من الثواب العاجل
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١٦/ ٢٧٣، أنوار التنزيل، البيضاوي ١٢٩/٥،
إرشاد العقل السليم، أبو السعود ١٠٩/٨.
قال ابن عاشور: ((﴿لَعَلَّكُمْ تُرْهُونَ﴾
أي: في الدنيا بتحقيق الوعد الذي من رحمته
الأمن، وفي الآخرة بالدرجات العلى))(٢).
وقال الطبري: ((وأقيموا -أيها الناس-
وقد رأينا في واقعنا كيف ينصر الله الصلاة بحدودها، فلا تضيعوها، وآتوا
الزكاة التي فرضها الله عليكم أهلها،
وأطيعوا رسول ربكم فيما أمركم ونهاكم؛
کی یر حمکم ریکم، فینجیکم من عذابه»(٣).
أما المعصية وهجر الطاعة فإنها سبب
لنزول العذاب على أصحابها؛ ولذا نرى
المصائب والكوارث والحوادث تكثر في
تلك البلاد التي تنتشر فيها المعاصي، وتقل
فيها الطاعات، ويستهان فيها بأوامر الله
ورسوله.
وأما في الآخرة: فالثمرة أعظم وأكبر؛
لأن هذا ثواب باقٍ لا یحول ولا یزول، ومن
هذا الثواب المذکور:
المطيعون يأخذون أجورهم كاملة يوم
القيامة، بلا نقص ولا ظلم.
كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُواْ اللّهَ
وَرَسُولَهُ لَا يَلِتَّكُمْ مِنْ أَعْمَلِكُمْ شَيْئًا﴾ [الحجرات:
١٤].
قال الطبري: «إن تطيعوا الله ورسوله أيها
القوم، فتأتمروا لأمره وأمر رسوله، وتعملوا
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٨٩/١٨.
(٣) جامع البيان، الطبري ٢١٠/١٩.
٣٥٤
القرآن الكريمِ

الطاعة
بما فرض عليكم، وتنتهوا عما نهاكم عنه وجهك؟) قال: ما بي من وجع غير أني إذا لم
أرك اشتقت إليك، فأذكر الآخرة، فأخاف أن
﴿لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَلِكُمْ شَيْئًا﴾ [الحجرات:
١٤].
لا أراك هناك، فنزلت هذه الآية(٢).
أي: لا یظلمکم من أجور أعمالكم شيئًا،
ولا ينقصكم من ثوابها شيئًا))(١).
يثيب الله - عز وجل بمنه وفضله-
المطيعين الجنة خالدين فيها أبدًا.
كما في قوله تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.
يُدْخِلْهُ جَنَّتٍ تَّجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ﴾ [الفتح:
١٧].
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.
يُدْخِلَهُ جَنَّاتٍ تَجْرِيٍ مِن تَحْتِهَا
الْأَنْهَرُ خَلِدِينَ فِيهَاً وَذَلِكَ الْفَوْزُ
اَلْعَظِيمُ﴾ [النساء: ١٣].
ينزل الله عز وجل المطيعين المنازل
العالية، والدرجات الرفيعة في الجنة.
كما في قوله تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ
وَالرَّسُولَ فَأَوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ
النَّبِيْتِنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّالِحِينَ
وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا ﴾ [النساء: ٦٩].
قال ابن الجوزي: ((في سبب نزولها ثلاثة
أقوال:
أحدها: أن ثوبان مولی رسول الله صلی
الله عليه وسلم كان شديد المحبة للنبي صلى
الله عليه وسلم، فرآه رسول الله يومًا فعرف
الحزن في وجهه، فقال: (يا ثوبان، ما غير
(١) المصدر السابق ٣١٦/٢٢-٣١٧.
والثاني: أن أصحاب رسول الله صلى
الله عليه وسلم قالوا له: ما ينبغي أن نفارقك
في الدنيا، فإنك إذا فارقتنا رفعت فوقنا،
فنزلت هذه الآية.
والثالث: أن رجلًا من الأنصار جاء إلى
النبي صلی الله عليه وسلم وهو محزون،
فقال: (ما لي أراك محزونًا؟) فقال: يا رسول
الله غدًا ترفع مع الأنبياء، فلا نصل إليك،
فنزلت هذه الآية»(٣).
ولا يعني هذا قصر تلك الدرجة على
هؤلاء الأصحاب فحسب، بل هي عامة
-بإذن الله وفضله- في كل من حقق الشرط
المذكور في أول الآية.
يقول الطبري: ((ومن يطع الله والرسول
بالتسليم لأمرهما، وإخلاص الرضا
بحكمهما، والانتهاء إلى أمرهما، والانزجار
عما نهيا عنه من معصية الله؛ فهو مع الذين
أنعم الله عليهم بهدايته والتوفيق لطاعته
في الدنيا من أنبيائه، وفي الآخرة إذا دخل
(٢) أخرج نحوه الطبراني في الأوسط ١٥٢/١،
رقم ٤٧٧ عن أم المؤمنين عائشة رضي الله
عنها.
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة،
٦/ ١٠٤٤، رقم ٢٩٣٣.
(٣) زاد المسير، ابن الجوزي ١/ ٤٣٠ بتصرف
يسير.
www. modoee.com
٣٥٥

حرف الطاء
الجنة)) (١).
وقال ابن كثير: ((من عمل بما أمره الله
ورسوله، وترك ما نهاه الله عنه ورسوله،
فإن الله عز وجل يسكنه دار كرامته، ويجعله
مرافقًا للأنبياء، ثم لمن بعدهم في الرتبة،
وهم الصديقون، ثم الشهداء، ثم عموم
المؤمنين، وهم الصالحون الذين صلحت
سرائرهم وعلانیتهم» (٢).
وكل هذه الآيات وما سبقها من ثناء على
المطيعين لله ورسله تبين كذب الكافرين
الذين وعدوا أتباعهم بالخسران إن أطاعوا
المرسلين؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ
أَلْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِقَآءِ الْآَخِرَةِ
وَأَثْرَفْنَهُمْ فِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا مَا هَذَآ إِلَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ
يَأْكُلُ مِمَا تَأْكُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ )
وَلَيْنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِنْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذَا لَّخَسِرُونَ﴾
[المؤمنون: ٣٣-٣٤].
(١) جامع البيان، الطبري ٨/ ٥٣٠.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٥٣/٢.
أنواع الطاعة المحمودة
بين القرآن الكريم أنواع الطاعة المطلوبة
من المؤمن الامتثال لها، وفيما يأتي بيان لها:
أولًا: الطاعة لله ولرسوله:
طاعة الله عز وجل طاعة مطلقة، فكل
أوامر الله عز وجل يجب تنفيذها بقدر
الاستطاعة، بدون قيد أو شرط أو تردد؛ لأنها
أهم أنواع الطاعات، وأصل كل الطاعات،
أمر الله بها عباده، ورتب على هذا الأمر
الثواب العظيم لمن أطاع، والعقاب الأليم
لمن عصى، وجعل الطاعة سمة من سمات
المؤمنين لا تنفك عنهم كما مر بنا آنفًا.
وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم
كذلك طاعة مطلقة؛ لأنه مبلغ عن الله،
وطاعته طاعة لله عز وجل، وكذلك كل
الرسل عليهم السلام.
والدليل على أن طاعة الرسول مطلقة؟
لأنها من طاعة الله:
قال تعالى: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ
اَللَّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ﴾
[النساء: ٨٠].
فمن أطاع الرسول فقد أطاع الله، ومن
عصاه فقد عصى الله، وما ذاك إلا لأنه لا
ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى (٣).
ويؤكد هذا المعنى قوله عليه الصلاة
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٣٦٣.
٣٥٦
مَوَسُولَةُ النَّفي
القرآن الكريمِ

الطاعة
والسلام: (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن دخلت للتوكيد، والمعنى: وما أرسلنا رسولًا
عصاني فقد عصى الله) (١).
وكذلك أقر النبي صلى الله عليه وسلم قولان: أحدهما: أنه بمعنى: الأمر، قاله
خطيبًا قام عنده فقال: (من يطع الله ورسوله
فقد رشد)(٢).
كذلك من الأدلة على أن طاعة الرسول
من طاعة الله:
وقال ابن كثير: ((﴿إِلَّا لِيُطَاعَ﴾ أي:
قال تعالى: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا فرضت طاعته على من أرسله إليهم)) (٥).
لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ [النساء: ٦٤].
قال ابن عطية: «هذا تنبيه على جلالة
الرسل، أي: فأنت یا محمد منهم، تجب
طاعتك، وتتعين إجابة الدعوة إليك،
و﴿بَإِذْنِ اللَّهِ ﴾ معناه بأمر الله، وحسنت
العبارة بالإذن؛ إذ بنفس الإرسال تجب
طاعته، وإن لم ينص أمر بذلك، والمعنى:
وما أرسلنا بأمر الله أي بشريعته وعبادته من
رسول إلا ليطاع)»(٣).
وقال ابن الجوزي: ((قال الزجاج: ((من))
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأحكام،
باب قول الله تعالى: (أطيعوا الله وأطيعوا
الرسول وأولى الأمر منكم)، ٦١/٩، رقم
٧١٣٧، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة،
باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية
وتحريمها في المعصية، ١٤٦٦/٣، رقم
١٨٣٥.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجمعة،
باب تخفيف الصلاة والخطبة، ٢ / ٥٩٤، رقم
٨٧٠.
(٣) المحرر الوجيز، ابن عطية ٧٤/٢ بتصرف
يسير.
إلا ليطاع، وفي قوله: ﴿بِإِذْنِ اللّهِ﴾
ابن عباس. والثاني: أنه الإذن نفسه، قاله
مجاهد. وقال الزجاج: المعنى: إلا ليطاع
بأن الله أذن له في ذلك)» (٤).
وقال أبو السعود: ((وما أرسلنا رسولًا من
الرسل لشيء من الأشياء إلا ليطاع بسبب
إذنه تعالى في طاعته، وأمره المرسل إليهم
بأن يطيعوه ويتبعوه؛ لأنه مؤدٍ عنه تعالى،
فطاعته طاعة الله تعالى، ومعصيته معصيته
تعالی، من يطع الرسول فقد أطاع الله، أو
بتیسیر الله تعالى وتوفيقه في طاعته))(٦).
ومن هنا نعلم أن مما يدخل في باب
الطاعة المطلقة: طاعة الأمم السابقة
لرسلهم، فكل رسول بعث إلى قومه أمرهم
بطاعته؛ وذلك لأن فيها هدايتهم وفلاحهم؛
ولأنها طاعة لله عز وجل في الأصل.
ولذا نقرأ في مواطن شتى من كتاب الله
عز وجل، في ثنايا الحديث عن قصص
الأنبياء والمرسلين، دعوتهم قومهم
لطاعتهم، وقرنهم هذا الأمر بتقوى الله
عز وجل، وكأن المعنى: أنهم إذا اتقوا
(٤) زاد المسير، ابن الجوزي ١/ ٤٢٧، رقم ٤٢٨.
(٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٤٧/٢.
(٦) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢ / ١٩٦.
www. modoee.com
٣٥٧

حرف الطاء
الله تعالی کان من لوازم ذلك اتباع رسله
وطاعتهم، ومن ذلك:
قول نوح عليه السلام لقومه - وهو
أول رسول لأهل الأرض -: ﴿فَأَتَّقُواْ
اللَّهَ وَطِيعُونِ () وَمَا أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرِّ إِنْ
أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ (١٠) فَاتَّقُواْ اللَّهَ
وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٠٨ - ١١٠].
وقول الله على لسانه أيضًا: ﴿قَالَ يَقَوْمِ
إِنّ ◌َكُنْنَذِيرٌ مُبِنُ أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَنَّقُوهُ
وَأَطِيعُونِ﴾ [نوح: ٢-٣].
وقول هود عليه السلام لقومه: ﴿فَأَنَّقُواْ
اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦) وَمَآ أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِمِنْ أَجْرٍّ
١٢٧) أَتَبْنُونَ
إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ
وَتَتَّخِذُونَ
(١٢٨)
بِكُلِّ رِيعِ ءَايَةٌ تَعْبَئُونَ ﴿
مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُونَ (١٦) وَإِذَا بَطَشْتُم
بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ﴿١٦ فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾
[الشعراء: ١٢٦-١٣١].
وقول صالح عليه السلام لقومه:
﴿فَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ () وَمَآ أَسْتَلُكُمْ
عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍّ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَلَّمِينَ
أَتُتْرَّكُونَ فِى مَا هَهُنَآ ءَامِنِينَ ) فِيِ
١٤٥
جَنَّتٍ وَعُيُونِ ) وَزُرُوعِ وَتَخْلٍ طَلْعُهَا
هَضِيمٌ (٣٨) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا
فَرِهِينَ ، فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء:
١٤٤- ١٥٠].
وقول لوط عليه السلام لقومه: ﴿فَاتَّقُواْ
اَللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴾ [الشعراء: ١٦٣].
وقول شعيب عليه السلام لقومه:
﴿فَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٧٩].
وقول عيسى عليه السلام لقومه:
﴿وَجِئْتُكُم بِئَايَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَتَّقُوا
اللَّهَ وَأَطِيعُونٍ﴾ [آل عمران: ٥٠]. ﴿قَدْ
جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلِأَبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ
الَّذِى تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾
[الزخرف: ٦٣].
وقال تعالى عن هارون عليه السلام:
﴿وَلَقَدْ قَالَ لَّمْ هَرُونُ مِن قَبْلُ يَقَوْمِ
إِنَّمَا فُتِنْتُمِ بِهِ، وَ إِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَِّعُونِ
وَأَطِيعُواْ أَمْرِى﴾ [طه: ٩٠].
المخاطبون بأمر الطاعة لله ورسوله:
وردت الآيات الكثيرة في القرآن
الكريم تحث الناس جميعهم، مؤمنهم
وكافرهم، ذكرهم وأنثاهم، على طاعة الله
ورسوله، ومن الآيات التي خاطبت عند
نزولها الكافرين -وإن كانت العبرة بعموم
اللفظ فتشمل الجميع - قوله تعالى: ﴿ قُلٌ
أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لَا يُحِبُّ
الْكَفِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢].
فلقد ذكر العلماء في سبب نزول هذه
الآية أقوالًا، ومردها جميعًا أنها تخاطب غير
المسلمين، فنجد ابن الجوزي يقول: ((في
سبب نزولها ثلاثة أقوال:
أحدها: أن عبد الله بن أبي قال لأصحابه:
إن محمدًا یجعل طاعته کطاعة الله، ويأمرنا
٣٥٨
جوبيه
فَضْو
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

الطاعة
أن نحبه كما أحبت النصارى عيسى ابن وَالرَّسُولَ﴾ أي: في جميع الأوامر
مریم، فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن عباس.
والثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم
دعا اليهود إلى الإسلام، فقالوا: نحن أبناء
الله وأحباؤه، ونحن أشد حبًا لله مما تدعونا
إليه، فنزلت ﴿قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ [آل
عمران: ٣١]. هذا قول مقاتل.
والثالث: أنها نزلت في نصارى نجران،
قاله أبو سليمان الدمشقي))(١).
واختار الإمام الطبري السبب الثالث؛
فقال: «یعني بذلك جل ثناؤه: قل-يا محمد-
لهؤلاء الوفد من نصارى نجران: أطيعوا
الله والرسول محمدًا، فإنكم قد علمتم
يقينًا أنه رسولي إلى خلقي، ابتعثته بالحق،
تجدونه مكتوبًا عندكم في الإنجيل، فإن
تولوا فاستدبروا عما دعوتهم إلیه من ذلك،
وأعرضوا عنه، فأعلمهم أن الله لا يحب
من كفر بجحد ما عرف من الحق، وأنكره
بعد علمه، وأنهم منهم، بجحودهم نبوتك،
وإنكارهم الحق الذي أنت عليه، بعد علمهم
بصحة أمرك، وحقيقة نبوتك))(٢).
ومع ترجيح أي الأقوال في سبب نزول
الآية فإن العبرة بعموم لفظها، فإن هذا ((أمر
لكل أحد من خاصٍ وعامٍ)) (٣).
وقال أبو السعود: ((﴿قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ
(١) زاد المسير، ابن الجوزي ١/ ٢٧٤.
(٢) جامع البيان، الطبري ٣٢٥/٦.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٢/٢.
والنواهي، فيدخل في ذلك الطاعة في أتباعه
عليه الصلاة والسلام دخولًا أوليًا، وإيثار
الإظهار على الإضمار بطريق الالتفات
لتعيين حيثية الإطاعة والإشعار بعلتها؛ فإن
الإطاعة المأمور بها إطاعته عليه الصلاة
والسلام من حيث إنه رسول الله لا من
حيث ذاته، ولا ريب في أن عنوان الرسالة
من موجبات الإطاعة ودواعيها)) (٤).
ومن الآيات أيضًا التي خاطبت غير
المسلمين - حال نزولها- بطاعة الله
ورسوله قوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ
الرَّسُولٌ فَإِنِ تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا يُحِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا
◌ُعِلْتُمْ﴾ [النور: ٥٤].
قال ابن عطية: ((﴿قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهُ ﴾ الآية
مخاطبة لأولئك المنافقين وغيرهم من
الكفار، وكل من يتعتى عن أمر محمد عليه
السلام)» (٥).
وقال الطبري: ((يقول تعالى ذكره:
يا محمد لهؤلاء المقسمين بالله
قُلّ
﴿جَهْدَ أَيْمَنِهِمْ لَيِنْ أَمَّرْتَهُمْ لَيَخْرُنَّ﴾ [النور: ٥٣].
وغيرهم من أمتك ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ﴾ أيها
القوم فیما أمرکم به، ونهاكم عنه ﴿وآطِیمُوا
الرَّسُولَ﴾ فإن طاعته طاعة لله ﴿فَإِن تَوَلَّوْا﴾
يقول: فإن تعرضوا وتدبروا عما أمركم به
(٤) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢٥/٢.
(٥) المحرر الوجيز، ابن عطية ٤ / ١٩٢.
www. modoee.com
٣٥٩

حرف الطاء
رسول الله صلی الله علیه وسلم، أو نهاكم
عنه، وتأبوا أن تذعنوا لحكمه لكم وعليكم
﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَاحِّلَ﴾ يقول: فإنما عليه فعل ما
أمر بفعله من تبليغ رسالة الله إليكم على
ما كلفه من التبليغ ﴿وَعَلَيْكُم مَّا يُحِّلْتُمْ﴾
يقول: وعليكم - أيها الناس - أن تفعلوا ما
ألزمكم، وأوجب عليكم من اتباع رسوله
صلى الله عليه وسلم، والانتهاء إلى طاعته
فیما أمرکم ونهاکم)»(١).
وقال ابن عاشور: ((ويختلف معنى
﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾ بين معاني
الأمر بإيجاد الطاعة المفقودة، أو إيهام طلب
الدوام على الطاعة على حسب زعمهم))(٢).
ومن الآيات التي بينت أن الأوامر
بهذه الطاعة المطلوبة شاملة للرجال
والنساء على حد سواء؛ قوله تعالى:
وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِْ
يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَّرِ
وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ
وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ
إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٧١].
کذلك وردت آیات تأمر نساء النبي صلى
الله عليه وسلم ابتداء، والنساء بعدهن تبع
لهن بالطاعة في أمور خاصة وأمور عامة؛
كما في قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِ بُيُوتِكُنَّ وَلَا
(١) جامع البيان، الطبري ١٩/ ٢٠٧.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٨٠/١٨.
جَبُوا
القرآن الكريمِ
تَبَرَّحْنَ تَبُّجُ الْجَهِيَّةِ الْأُولِى وَأَقِمْنَ الصَّلَوَةَ
وَءَاتِينَ الزَّكَوَةَ وَأَطِعْنَ اَللَّهَ وَرَسُولَهٌ إِنَّمَا
يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ
وَيُطَهِّرَكُمْ تَطَهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣].
قال الطبري: ((﴿وَأَطِعْنَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾
فيما أمراكن ونهياكن))(٣). يعني من الأمور
السابق ذكرها في هذه الآية والتي قبلها،
فلقد نهاهن الله تعالى عن الخضوع واللين
بالقول، وأمرهن بقول المعروف، ثم
أمرهن بالتوقر والسكون في بيوتهن وأن لا
يخرجن (٤)، وألا یظهرن محاسنهن، وأمرهن
بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، ثم أردف هذه
الأوامر والنواهي بالأمر العام بطاعة الله
ورسوله، فيدخل فيه ابتداء ما ذكر (٥).
قال ابن كثير: ((نهاهن أولًا عن الشر، ثم
أمرهن بالخير، من إقامة الصلاة، وهي عبادة
الله وحده لا شريك له، وإيتاء الزكاة، وهي
الإحسان إلى المخلوقين، ثم قال: ﴿وَأَطِعْنَ
اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ وهذا من باب عطف العام
على الخاص)»(٦).
وهذه الأوامر والنواهي وإن كان
المخاطب بها ابتداء نساء النبي صلى الله
عليه وسلم؛ إلا أنها لا تتوقف عليهن
وحدهن، فهي آداب أمر الله تعالى بها نساء
(٣) جامع البيان، الطبري ٢٠/ ٢٦٢.
(٤) زاد المسير، ابن الجوزي ٤٦١/٣.
(٥) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود
٧/ ١٠٣.
(٦) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤١٠/٦.
٣٦٠