Indexed OCR Text

Pages 1-20

جَوْمُهُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
الصِّيَّامِ؟
عناصر الموضوع
مفهوم الصيام
١٨٨
الصيام في الاستعمال القرآني
١٩٠
الألفاظ ذات الصلة
١٩١
الصيام عبادة قديمة
١٩٥
أنواع الصيام وحكمه
٢٠٣
حكم الصيام ومقاصده
٢٠٧
أعذار الفطر
٢١٢
الصيام والأعمال الصالحة
٢١٦
مبطلات الصيام
٢١٩
فوائد الصيام
٢٢٢
جزاء الصائمين
٢٢٥
الإعجاز التشريعي في الصيام
المُجَلَدَ الحَاذِى وَالعشْرُونْ
١٩٣

حف الصاد
مفهوم الصيام
أولًا: المعنى اللغوي:
مصدر صام يصوم صومًا، ويطلق على الإمساك (١) عن أي فعل أو قول كان(٢)، وقيل:
(الإمساك عن الشيء والترك له. وقيل للصائم: صائم؛ لإمساكه عن المطعم والمشرب
والمنکح. وقيل للصامت: صائم، لإمساكه عن الكلام. وقيل للفرس: صائم، لإمساكه عن
العلف مع قيامه))(٣).
وقال ابن فارس رحمه الله: («الصاد والواو والميم أصلٌ يدل على إمساكٍ وركودٍ في مكان.
من ذلك صوم الصائم، هو إمساكه عن مطعمه ومشربه وسائر ما منعه. ويكون الإمساك عن
الكلام صومًا، قالوا في قوله تعالى: ﴿إِنِّ نَذَرْتُ لِلَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦].
إنه الإمساك عن الكلام والصمت)» (٤).
وقال ابن منظور رحمه الله: ((الصوم: ترك الطعام والشراب والنكاح والكلام، صام
يصوم صومًا وصيامًا واصطام، ورجلٌ صائمٌ وصومٌ من قومٍ صوامٍ وصيامٍ وصومٍ، بالتشديد،
وصيم، قلبوا الواو لقربها من الطرف؛ وصيم؛ عن سيبويه، كسروا لمكان الياء، وصيامٍ
وصيامى، الأخير نادرٌ، وصومٍ وهو اسمٌ للجمع، وقيل: هو جمع صائم))(٥).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
عبارة عن إمساكٍ مخصوصٍ، وهو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع من الصبح إلى
المغرب مع النية (٦).
وعرفه الحافظ ابن كثير رحمه الله بقوله: «هو: الإمساك عن الطعام والشراب والوقاع بنية
(١) انظر: المصباح المنير، الفيومي ٣٥٢/١، التعريفات، الجرجاني ص ١٣٦، المعجم الوسيط، مجمع
اللغة العربية بالقاهرة ٥٢٩/١، القاموس الفقهي، سعدي أبو جيب ص ٢١٨-٢١٩.
(٢) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية بالقاهرة ٥٢٩/٢١.
(٣) تهذيب اللغة، الأزهري ١٢/ ١٨٢.
(٤) مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٥٢/٣.
وانظر: المصباح المنير، الفيومي ص٣٥٢.
(٥) لسان العرب، ابن منظور ٣٥٠/١٢.
(٦) التعريفات، الجرجاني ص ١٣٦.
وانظر: القاموس الفقهي، سعدي أبو جيب ص ٢١٨-٢١٩.
جَوَسُو ◌َر التفسير
القرآن الكريمِ
١٨٨

الصياحى
خالصة لله عز وجل ))(١).
فالصيام يكون بالإمساك عن جميع المفطرات من أكل وشرب وجماع من طلوع الفجر
إلى غروب الشمس، لقوله تعالى: ﴿وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ حَقِّ يَتَبَيَّنَ لَكُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ
مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَفِقُوْ اَلْسِّيَامَ إِلَى الَّيْلِّ ﴾ [البقرة: ١٨٧].
فالصلة بين التعريفين اللغوي والاصطلاحي للصيام أنه في اللغة أعم فهو بمعنى الإمساك
عن أي قول أو فعل، أو هو بمعنى الترك، وهو في الاصطلاح بمعنى الإمساك عن الأكل
والشرب والجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وكذلك هو ترك الأكل والشرب
والنكاح من طلوع الفجر إلى غروب الشمس مع النية، فبينهما عموم وخصوص، فاللغة أعم
من الاصطلاح.
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ١/ ٤٩٧.
www. modoee.com
١٨٩

حرف الصاد
الصيام في الاستعمال القرآني
وردت مادة ((صوم)) في القرآن الكريم (١٤) مرة (١).
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل المضارع
﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ، وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن
كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨)﴾ [البقرة: ١٨٤]
المصدر
١٠
[البقرة: ١٨٣]
اسم الفاعل
٢
﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ
وَالْمُنَصَدِّقَتِ
وَالصَّنَّبِمِينَ
وَالصَّبِمَتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]
وجاء الصيام في الاستعمال القرآني على وجهين(٢):
الأول: الصيام الشرعي المعروف: ومنه قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ
الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣].
الثاني: الصمت: ومنه قوله تعالى: ﴿فَقُولِ إِ نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ اَلْيَوْمَ
إِنسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦] أي: سكوتًا.
(١) انظر: المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن الكريم، عبد الله جلغوم، باب الصاد، ص٧٠٨.
(٢) انظر: نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر، ابن الجوزي، ص٣٨٦-٣٨٧، بصائر ذوي
التمییز، الفيروز آبادي ٤٥٦/٣.
صَوَسُولَهُ النَّفِيه
القرآن الكريم
١٩٠
٢
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ

الصياحى
الألفاظ ذات الصلة
العبادة :
١
العبادة لغةً:
من الفعل عبد يعبد، عبادةً وعبوديةً، والمفعول: معبود، وعبد الله بمعنى وحده وأطاعه،
وانقاد وخضع وذل له، والتزم شرائع دينه، وأدى فرائضه(١).
العبادة اصطلاحًا:
قال المناوي: ((العبادة فعل المكلف على خلاف هوى نفسه؛ تعظيمًا لربه، وقيل: هي
الأفعال الواقعة على نهاية ما يمكن من التذلل والخضوع المتجاوز لتذلل بعض العباد
لبعض، ولذلك اختصت بالرب، وهي أخص من العبودية التي تعني مطلق التذلل))(٢).
وقال الراغب: ((العبودية: إظهار التذلل، والعبادة أبلغ منها؛ لأنها غاية التذلل، ولا
يستحقها إلا من له غاية الإفضال وهو الله تعالى))(٣).
الصلة بين العبادة والصيام:
العبادة أعم من الصيام، فالصيام نوع من أنواع العبادات التي شرعها الله تعالى.
٢
الإمساك:
الإمساك لغة:
أصل الإمساك حبس النفس عن الفعل ومنه المساك وهو مكان يمسك الماء أي یحبسه،
والجمع مسكٌ، والمسكة السوار سمي بذلك لأنه يلزم المعصم فهو كالمحبوس فيه،
ونقيض الاستمساك الاسترسال، ونقيض الإمساك الإرسال)) (٤). والإمساك عن الكلام هو
السكوت، فالسكوت إمساك عن قولة الحق والباطل (٥).
وأيضًا الإمساك يطلق على البخل، فيقال: رجل مسيك يعني بخيل، وفيه إمساكٌ ومسكةٌ
بالضم وبضمتين، وكسحابٍ وسحابةٍ وكتابٍ وكتابةٍ: بخلٌ(٦).
(١) انظر: معجم اللغة العربية المعاصرة ١٤٤٨/٢.
(٢) التوقيف على مهمات التعاريف ص ٢٣٤.
(٣) المفردات ص ٣١٨.
(٤) الفروق اللغوية، العسكري ص ٥١٧.
(٥) الكليات، الكفوي ص ٥٠٩.
(٦) القاموس المحيط، الفيروز آبادي ص ٩٥٣.
وانظر: الكليات، الكفوي ص ٢٤٢.
www. modoee.com
١٩١

حرفالصاد
الإمساك اصطلاحًا:
لا يخرج عن أحد معانيه اللغوية.
الصلة بين الإمساك والصيام:
أن الإمساك أعم من الصيام، والصيام أخص، وهو الإمساك عن المفطرات من أكل،
وشرب، وجماع، وغير ذلك.
١٩٢
النفسية
قَضوري
جوبيع
القرآن الكريم

الصياحى
الصيام عبادة قديمة
إن الله تبارك وتعالى فرض الصوم على
هذه الأمة كما فرضه على الأمم من قبل؛ لما
فيه من الثواب العظيم والأجر الكبير، ولأن
الله جعله سببًا في حصول التقوى فقال
سبحانه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ
الصِّيَامُ كُمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ
لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣].
فأخبر الله تبارك وتعالى عباده المؤمنون
بأنه فرض عليهم الصيام وأوجبه كما فرضه
على الأمم السابقة(١).
قال ابن سعدي رحمه الله: (( يخبر تعالى
بما من به على عباده، بأنه فرض عليهم
الصيام، كما فرضه على الأمم السابقة؛
لأنه من الشرائع والأوامر التي هي مصلحة
للخلق في كل زمان.
وفيه تنشيط لهذه الأمة، بأنه ينبغي لكم
أن تنافسوا غيركم في تكميل الأعمال،
والمسارعة إلى صالح الخصال، وأنه ليس
من الأمور الثقيلة، التي اختصيتم بها))(٢).
وقال أبو زهرة رحمه الله: ( کتب بمعنی
فرض؛ لأنه قرره الله تعالى، و کتبه حتى صار
مكتوبًا على المؤمنين، وقد أكد سبحانه
الفرضية بقوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمُ﴾، وبأنه
شريعة النبيين أجمعين؛ ولذا قال تعالى:
(١) جامع البيان، الطبري ١٥٣/٣ - ١٥٤.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٨٦.
﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ
تَتَّقُونَ ﴾ وأنه سبیل لتقوی النفس؛ ولذا قال:
﴿وَلَعَلَّكُمْ﴾ وذكر أنه أيامًا معدودات
معروفة القدر، مبينة الابتداء والانتهاء)) (٣).
والمراد بقوله: ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾،
قيل: بأنهم أهل الكتاب، وقيل: بأنهم
النصارى، وقيل: بأنهم جميع الناس (٤)،
ولكن الآية عامة فتشمل جميع الأمم السابقة.
ثم إن أهل العلم اختلفوا في المعنى الذي
وقع فيه التشبيه بین صومنا وصوم من قبلنا،
فقال بعضهم كما قال الطبري رحمه الله:
(( الذين أخبرنا الله عن الصوم الذي فرضه
علینا أنه کمثل الذي کان عليهم هم النصارى،
وقالوا: التشبيه الذي شبه من أجله أحدهما
بصاحبه هو اتفاقهما في الوقت والمقدار
الذي هو لازم لنا الیوم فرضه.
وقال آخرون: بل التشبيه إنما هو من
أجل أن صومهم كان من العشاء الآخرة
إلى العشاء الآخرة، وذلك كان فرض الله
جل ثناؤه على المؤمنين في أول ما افترض
عليهم الصوم. ووافق قائلو هذا القول
القائلي القول الأول أن الذين عنى الله
جل ثناؤه بقوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن
(٣) زهرة التفاسير، أبو زهرة ١/ ٥٥٠.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ١٥٣/٣-١٥٥،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٧٥/٢،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٤٩٧،
اللباب في علوم الكتاب ٢٥٤/٣ -٢٥٦.
www. modoee.com
١٩٣

حرف الصاد
قَبْلِكُمْ﴾ النصارى))(١).
وقال الماوردي رحمه الله: ( واختلفوا
في موضع التشبيه بين صومنا، وصوم الذين
من قبلنا، على قولين:
أحدهما: أن التشبيه في حكم الصوم
وصفته، لا في عدده؛ لأن اليهود يصومون
من العتمة إلى العتمة، ولا يأكلون بعد النوم
شيئًا، وكان المسلمون على ذلك في أول
الإسلام، لا یأکلون بعد النوم شيئًا حتی کان
من شأن عمر بن الخطاب وأبي قيس بن
صرمة ما كان، فأجل الله تعالى لهم الأكل
والشرب، وهذا قول الربيع بن أنس، وقد
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
قال: (بين صومنا وصوم أهل الكتاب أكلة
السحر)(٢).
والقول الثاني: أن التشبيه في عدد الصوم،
وفيه قولان:
أحدهما: أن النصارى كان الله فرض
علیھم صیام ثلاثين يومًا کما فرض علينا،
فكان ربما وقع في القيظ، فجعلوه في الفصل
بین الشتاء والصيف، ثم کفروه بصوم عشرین
يومًا زائدة؛ ليكون تمحيصًا لذنوبهم وتكفيرًا
لتبدیلھم، وهذا قول الشعبي.
والثاني: أنهم اليهود كان عليهم صيام
(١) جامع البيان، الطبري ١٥٣/٣- ١٥٤.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصيام، باب
فضل السحور وتأكيد استحبابه، واستحباب
تأخيره وتعجيل الفطر، رقم ١٠٩٦.
ثلاثة أيام من كل يوم عاشوراء، وثلاثة أيام
من كل شهر، فكان على ذلك سبعة عشر
شهرًا إلى أن نسخ بصوم رمضان، قال ابن
عباس: كان أول ما نسخ شأن القبلة والصيام
الأول)»(٣).
ثم إنه حصل في صيام الإسلام ما يخالف
صيام أهل الكتاب في قيود ماهية الصيام
وكيفيتها، ولم يكن صيامنا مماثلًا لصيامهم
تمام المماثلة، والتشبيه في أصل فرض
ماهية الصوم لا في الكيفيات، والتشبيه
يكتفى فيه ببعض وجوه المشابهة وهو وجه
الشبه المراد في القصد، وليس المقصود من
هذا التشبيه الحوالة في صفة الصوم على
ما كان عليه عند الأمم السابقة، ولكن فيهم
أغراضًا ثلاثة تضمنها التشبيه:
أحدها: الاهتمام بهذه العبادة، والتنويه
بها؛ لأنها شرعها الله قبل الإسلام لمن
كانوا قبل المسلمين، وشرعها للمسلمين،
وذلك يقتضي اطراد صلاحها ووفرة ثوابها،
وإنهاض همم المسلمين لتلقي هذه العبادة؛
کی لا یتمیز بها من کان قبلهم، ...
والغرض الثاني: أن في التشبيه بالسابقين
تهوينًا على المكلفين بهذه العبادة أن
يستثقلوا هذا الصوم فإن في الاقتداء بالغير
أسوة في المصاعب.
والغرض الثالث: إثارة العزائم للقيام
(٣) النكت والعيون، الماوردي ٢٣٦/١.
١٩٤
جوبيه
القرآن الكريمِ

الصياحى
بهذه الفريضة؛ حتى لا يكونوا مقصرين في
قبول هذا الفرض بل ليأخذوه بقوة تفوق ما
أدى به الأمم السابقة (١).
فالصيام عبادة قديمة فرضها الله سبحانه
على هذه الأمة كما فرضه على الأمم
السابقة، أخبرنا الله بهذا؛ لتشحذ الهمم
وتنشط للعبادة؛ لتنال الغاية العظمى من
الصيام وهي تقوى الله جل جلاله.
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٥٦/٢-
١٥٧، بتصرف.
أنواع الصيام وحكمه
إن الله سبحانه وتعالى شرع هذا الدين
للناس وهو الغني عنهم، لا تنفعه عبادة
العابدين، ولا تضره معصية العاصين، شرع
لعباده عبادة الصيام، والصيام أنواع كسائر
العبادات، فمنه الواجب ومنه المندوب
المستحب، والواجب منه ما هو واجب بأمر
لله بفعله من المكلف كصوم رمضان، أو ما
أوجبه على نفسه بالنذر؛ لأن النذر يجب
الوفاء به، ومنه ما هو مندوب مستحب فعله،
وسیأتي فیما یأتي بیان کل نوع على حدة.
أولًا: صوم رمضان:
صيام شهر رمضان فرض من الله تبارك
وتعالى على عباده، ودليله من الكتاب والسنة
والإجماع، فمن الكتاب قول الرب تبارك
وتعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ
اُلْضِيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾
[البقرة: ١٨٣].
إلى قوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنزِلَ
فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدَّى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ
اَلْهُدَى وَاَلْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ
فَلْيَصُمَّةٌ وَمَن كَانَ مَرِيضًّا أَوْ عَلَى سَفَرٍ
فَمِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ
وَلَ يُرِيدُ بِكُمُ الْمُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْمِدَّةَ
وَلِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَاهَدَنَكُمْ وَلَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ ﴾ [البقرة: ١٨٥].
www. modoee.com
١٩٥

حرف الصاد
الذين من قبلكم. وأخبر النبي صلى الله عليه
وسلم بأن صوم رمضان أحد أركانه الخمسة
التي بني عليها كما ثبت في الصحيحين عن
ابن عمر رضي الله عنهما: (بني الإسلام على
خمس، علی أن یعبد الله، ویکفر بما دونه،
وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت،
وصوم رمضان)(١).
ثم اختلف أهل التأويل في الذين عنى الله
بقوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾
وفي المعنى الذي وقع فيه التشبيه بین فرض
صومنا، وصوم الذين من قبلنا، فقال بعضهم:
الذين أخبرنا الله عن الصوم الذي فرضه علينا
أنه كمثل الذي كان عليهم هم النصارى،
وقالوا: التشبيه الذي شبه من أجله أحدهما
بصاحبه هو اتفاقهما في الوقت والمقدار
الذي هو لازم لنا اليوم فرضه (٢).
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله: ((يقول
تعالى مخاطبًا للمؤمنين من هذه الأمة وآمرًا
لهم بالصيام، وهو: الإمساك عن الطعام
والشراب والوقاع بنية خالصة لله عز وجل،
لما فيه من زكاة النفس وطهارتها وتنقيتها من
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: بني
الإسلام على خمس، رقم ٨، ومسلم في
صحيحه، كتاب الإيمان، باب قول النبي صلى
الله عليه وسلم بني الإسلام على خمس، رقم
١٦.
(٢) جامع البيان، الطبري ٣/ ١٥٣.
يعني: فرض عليكم مثل الذي فرض على الأخلاط الرديئة والأخلاق الرذيلة. وذكر أنه
کما أوجبه علیهم فقد أوجبه على من كان
قبلهم، فلهم فيه أسوة، وليجتهد هؤلاء في
أداء هذا الفرض أكمل مما فعله أولئك))(٣).
فصيام شهر رمضان المبارك ثابت في
القرآن وكذلك في السنة النبوية على صاحبها
أفضل الصلاة والسلام، وأخبر سبحانه بأنه
فرضه علينا كما فرضه على الأمم السابقة؛
تنشيطًا لهذه الأمة ودعوة لها للمسابقة
والمنافسة للأمم السابقة، وبين سبحانه الغاية
من فريضة الصيام وهو حصول التقوى فقال:
﴿لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ﴾.
ثانيًا: صوم الكفارات:
تقدم أن الصيام هو الإمساك عن الأكل
والشرب والجماع، يعني الإمساك عن جميع
المفطرات، والكفارات هنا جمع كفارة، قال
الكاساني رحمه الله: ((الكفارات المعهودة
في الشرع خمسة أنواع: كفارة اليمين،
وكفارة الحلق، وكفارة القتل، وكفارة
الظهار، وكفارة الإفطار، وكلها واجبة إلا
أن أربعة منها عرف وجوبها بالكتاب العزيز،
وواحدة منها عرف وجوبها بالسنة، أما
الأربعة التي عرف وجوبها بالكتاب العزيز
فكفارة اليمين، وكفارة الحلق، وكفارة
القتل، وكفارة الظهار،. والكفارة في عرف
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٤٩٧.
١٩٦
جوية
القرآن الكريمِ

الصياحى
الشرع اسم للواجب))(١)، أي: ما أوجبه الله وصف الشهران بأنهما متتابعان والمقصود
تعالى على من أتى شيئًا منهيا عنه، أو قصر تتابع أيامهما؛ لأن تتابع الأيام يستلزم توالي
الشهرین)» (٢).
في مأمور به.
وسميت الكفارة بهذا الاسم؛ لأنها تكفر
الذنوب وتسترها، فالحكمة من الكفارة
تكفير للذنوب والسیئات التي تقع من العبد،
والكفارات أنواع، هي:
١. كفارة القتل الخطأ.
لشناعة القتل جعل الله تبارك وتعالى
للقاتل عقوبة رادعة، فمن قتل عمدًا قتل
قصاصًا، ومن قتل خطًا فإنه يلزمه الدية
والكفارة، والكفارة هنا مغلظة هي تحرير رقبة
مؤمنة مع الدية إلا أن يعفو فإن الدية تسقط لكن
الکفارة لا بد أن یأتي بھا، فإن لم يستطع تحرير
الرقبة فإن علیه أن يصوم شهرين متتابعين.
قال رب العزة مبينًا ذلك: ﴿وَمَنْ قَثَلَ مُؤْمِنًا
خَطَئًا فَتَحْرِيُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ
إِلَى أَهْلِهِ: إِلَّا أَن يَضَدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن
قَوْمٍ عَدُوٍ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِثُ رَقَّبَةٍ
مُؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ
وَبَيْنَهُمْ مِيثَقٌّ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِهِ،
وَتَحْرِيُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٌ فَمَن لَّمْ يَجِدْ
فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ
وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٩٢].
قال الطاهر ابن عاشور رحمه الله:
((وقوله: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾
(١) بدائع الصنائع، الكاساني ٩٥/٥
وقال صاحب كتاب اللباب رحمه الله:
«الكفارة تكون بإعتاق رقبة مؤمنة سواء كان
المقتول مسلمًا أو معاهدًا، رجلا أو امرأةً،
حرًا كان أو عبدًا، وتكون في مال القاتل.
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ
شَهْرَيِّنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهُ وَكَانَ
اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، قوله: ﴿فَمَن لَّمْ
يَجِدْ﴾ مفعوله محذوفٌ: أي: فمن لم يجد
رقبة، وهي بمعنى وجدان الضال، فلذلك
تعدت لواحدٍ، وقوله: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ﴾
ارتفاعه على أحد الأوجه المذكورة في قوله:
﴿فَتَحْرُِ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، أي: فعليه صيام،
أو: فيجب عليه صيام، أو فواجبه صيام))(٣).
وقال ابن سعدي رحمه الله: ((﴿فَمَنْ
لَّمْ يَجِدَ﴾ الرقبة ولا ثمنها، بأن كان
معسرًا بذلك، ليس عنده ما يفضل عن
مؤنته وحوائجه الأصلية شيء يفي بالرقبة،
﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنٍ﴾ أي: لا
يفطر بينهما من غير عذر، فإن أفطر لعذر فإن
العذر لا يقطع التتابع، كالمرض والحيض
ونحوهما. وإن كان لغير عذر انقطع التتابع
ووجب عليه استئناف الصوم.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٦٢/٥.
(٣) اللباب في علوم الكتاب ٥٦٨/٦، بتصرف
يسير.
www. modoee.com
١٩٧

حرف الصاد
﴿تَوْبَةً مِّنَ اللّهِ﴾ أي: هذه الكفارات
التي أوجبها الله على القاتل توبة من الله
على عباده ورحمة بهم، وتكفير لما عساه أن
یحصل منهم من تقصیر وعدم احتراز، کما
هو واقع كثيرًا للقاتل خطأ))(١).
فكفارة قتل الخطأ تحرير رقبة مؤمنة فإن
لم يستطع فصيام شهرين متتابعين، ومن قطع
التتابع لعذر كمرض أو حيض أو نفاس فإنه
يستأنف ولا يعيد، بخلاف من قطع من غير
عذر فإنه يجب عليه أن یعید من جدید.
٢. كفارة من لم يجد الهدي في
الحج، ومن أحصر أو حلق رأسه.
بين الله تبارك وتعالى أن من أحرم بالحج
أو العمرة فأحصر فلا يتحلل حتى ينحر هديه
ومن لم يجد الهدي فإنه يصوم ثلاثة أيام في
الحج وسبعة إذا رجع إلى بلده، وكذلك
من كان به أذىّ في رأسه أو مرضًا فإن له أن
يحلق رأسه ويفتدي فقال سبحانه: ﴿وَأَنِقُواْ
اٌلْحَجّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ نَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِّ
وَلَا عَلِّقُواْ رُءُوسَكُمْ حَّ بَعَ الْهَدْىُ مَجٌِّ، فَ كَانَ مِنْكُم
فَرِيضًا أَوْ بِةَ أَذَّى مِّن رَأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِنِ صِيَامٍ أَوْ
صَدَقَّةٍ أَوْ نُسُكٍّ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَنَ تَمَنَعَ بِلْعُمْرَةِ إِلَى الْحَيْ فَا
أَسْتَيْسَرَ مِنَ أَلْهَدْيَّ فَ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَةٍ أَيَّامٍ فِي ◌َّ
وَسَبْعَةِإِذَا رَجَعْتُمُّ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَّةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ
أَهْلُهُ، حَاضِرِى الْمَسْجِدِ الْحَرَّاءِ وَأَتَّقُواْ اللّهَ وَأَعْلَمُوا أَنَّ
اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٩٣.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: ((يقول
تعالی: فمن لم يجد هدیًا فليصم ثلاثة أيام في
الحج، أي: في أيام المناسك، قال العلماء:
والأولى أن يصومها قبل يوم عرفة في العشر،
قاله عطاء. أو من حین یحرم، قاله ابن عباس
وغيره، لقوله: ﴿في اَلْحَجّ﴾ ومنهم من يجوز
صیامها من أول شوال، قاله طاوس ومجاهد
وغير واحد. وجوز الشعبي صيام يوم عرفة
وقبله یومین، و کذا قال مجاهد، وسعيد بن
جبير، والسدي، وعطاء، وطاوس، والحکم،
والحسن، وحماد، وإبراهيم، وأبو جعفر
الباقر، والربيع، ومقاتل بن حيان. وقال
العوفي، عن ابن عباس: إذا لم يجد هديًا فعليه
صيام ثلاثة أيام في الحج قبل يوم عرفة، فإذا
كان يوم عرفة الثالث فقد تم صومه وسبعة إذا
رجع إلى أهله.
فلو لم يصمها أو بعضها قبل يوم العيد
فهل يجوز أن يصومها في أيام التشريق؟ فيه
قولان للعلماء، وهما للإمام الشافعي أيضًا،
القديم منهما: أنه يجوز له صيامها لقول
عائشة وابن عمر في صحيح البخاري: لم
يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن
لا يجد الهدي. وإنما قالوا ذلك لعموم قوله:
﴿فَصِيَامُ تَكَةِ آيَامٍ في الهَ وَسَمٍ﴾، وقد روي عن
علي أنه كان يقول: من فاته صيام ثلاثة أيام
في الحج صامهن أيام التشريق. وبهذا يقول
عبيد بن عمير الليثي وعكرمة، والحسن
جَوَسُولَةُ النَّفي
القرآن الكريم
١٩٨

الصياحى
البصري، وعروة بن الزبير؛ وإنما قالوا
ذلك لعموم قوله: ﴿فَصِيَامُ ثَلَثَةٍ أَيَّامٍ فِيِ اَجِ﴾
والجديد من القولين: أنه لا يجوز صيامها
أيام التشريق، لما رواه مسلم عن نبيشة
الهذلي رضي الله عنه، قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: (أيام التشريق أيام
أكل وشرب وذكر الله)(١).
وقوله: ﴿وَسَبْعَتِذَا رَجَمْتُمْ﴾ فيه قولان:
أحدهما: إذا رجعتم في الطريق، ولهذا قال
مجاهد: هي رخصة إذا شاء صامها في الطريق.
والقول الثاني: إذا رجعتم إلى أوطانكم؛
وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: إذا
رجع إلى أهله، وحكى الإجماع على ذلك أبو
جعفر ابن جرير)»(٢).
وقال ابن سعدي رحمه الله: ((﴿فَ لَّمْ
يَدْ﴾ أي: الهدي أو ثمنه ﴿فَصِيَامُ ثَكَةٍ أَيَّامٍ
فِي لَلَجَ﴾ أول جوازها من حين الإحرام
بالعمرة، وآخرها ثلاثة أيام بعد النحر،
أيام رمي الجمار، والمبيت بـ ((منى)) ولكن
الأفضل منها أن يصوم السابع، والثامن،
والتاسع، ﴿وَسَبْعَةِإِذَا رَجَمْتُمٌ﴾ أي: فرغتم من
أعمال الحج، فيجوز فعلها في مكة، وفي
الطريق، وعند وصوله إلى أهله))(٣).
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصيام،
باب تحريم صوم أيام التشريق، رقم ١١٤١.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥٣٨/١-
٥٣٩، بتصرف.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٩٠.
٣. كفارة من قتل صيدًا متعمدًا وهو
محرم في الحرم.
قال الله تبارك وتعالى مبينًا ذلك: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَلَهُ
مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَآءُ مِثْلُ مَا قَثَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ،
ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ هَدْيَا بَلِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّرَةٌ طَعَاءُ
مَسَكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾
[المائدة: ٩٥].
يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله
ورسوله ﴿لَ نَقْتُلُواْ الصَّيْدَ﴾ الذي بينت لكم،
وهو صيد البر دون صيد البحر ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾
يقول: وأنتم محرمون بحج أو عمرة، والحرم:
جمع حرام، والذكر والأنثى فيه بلفظ واحد،
تقول: هذا رجل حرام، وهذه امرأة حرام، فإذا
قيل محرم، قيل للمرأة محرمة. والإحرام: هو
الدخول فيه، يقال: أحرم القوم: إذا دخلوا في
الشهر الحرام، أو في الحرم. فتأويل الكلام: لا
تقتلوا الصيد وأنتم محرمون بحج أو عمرة.
وقوله: ﴿وَمَنْ قََّلَهُ مِنكُم مُّتَعَيِّدًا﴾ فإن هذا
إعلام من الله تعالى ذكره عباده حكم القاتل
من المحرمين الصيد الذي نهاه عن قتله متعمدًا
ثم اختلف أهل التأويل في صفة العمد الذي
أوجب الله على صاحبه به الكفارة والجزاء
في قتله الصيد، فقال بعضهم: هو العمد لقتل
الصيد مع نسیان قاتله إحرامه في حال قتله،
وقال: إن قتله وهو ذاکر إحرامه متعمدًا قتله فلا
حكم عليه وأمره إلى الله، قالوا: وهذا أجل أمرًا
www. modoee.com
١٩٩

حرف الصاد
من أن يحكم عليه أو يكون له كفارة (١).
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله:
((وقوله: ﴿أَوْ كَفَّرَةٌ طَعَامُ مَسَكِينَ أَوْ عَدْلُ
ذَلِكَ صِيَامًا ﴾ أي: إذا لم يجد المحرم مثل
ما قتل من النعم أو لم يكن الصيد المقتول
من ذوات الأمثال، أو قلنا بالتخيير في هذا
المقام من الجزاء والإطعام والصيام، كما
هو قول مالك، وأبي حنيفة، وأبي يوسف،
ومحمد بن الحسن، وأحد قولي الشافعي،
والمشهور عن أحمد رحمهم الله، لظاهر
الآية ((أو)) فإنها للتخيير. والقول الآخر: أنها
على الترتيب.
فصورة ذلك أن يعدل إلى القيمة،
فيقوم الصيد (٢) المقتول عند مالك، وأبي
حنيفة وأصحابه، وحماد، وإبراهيم. وقال
الشافعي: يقوم مثله من النعم لو كان
موجودًا، ثم يشترى به طعام ويتصدق
به، فيصرف لكل مسكين مد(٣) منه عند
الشافعى، ومالك، وفقهاء الحجاز، واختاره
ابن جرير.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: يطعم كل
(١) جامع البيان، الطبري ٦٧٣/٨.
(٢) يعني: يثمن.
(٣) المد اختلفوا فيه، فقيل: المد رطل وثلث
بالعراقي، وبه يقول الشافعي وفقهاء الحجاز.
وقيل: هو رطلان، وبه يقول أبو حنيفة وفقهاء
العراق، وقال بعضهم: وخالف بعض الحنيفة،
فقال: المدرطلان.
انظر: عمدة القاري، العيني ٣/ ٩٤.
مسکین مدین، وهو قول مجاهد.
وقال أحمد: مد من حنطة، أو مدان من
غيره، فإن لم يجد، أو قلنا بالتخيير صام عن
إطعام كل مسكين يومًا.
وقال ابن جرير: وقال آخرون: يصوم
مكان كل صاع يومًا، كما في جزاء المترفه
بالحلق ونحوه، فإن الشارع أمر كعب بن
عجرة أن يقسم فرقًا بين ستة، أو يصوم ثلاثة
أيام، والفرق ثلاثة آصح)) (٤).
فمن قتل الصيد متعمدًا فعليه جزاء مثل
ما قتل من النعم، قال ابن سعدي رحمه الله:
(﴿أَوْ كَفَّرَةٌ طَعَامُ مَسَكِينَ﴾ أي: كفارة ذلك
الجزاء طعام مساكين، أي: يجعل مقابلة
المثل من النعم، طعامًا يطعم المساكين.
قال كثير من العلماء: يقوم الجزاء،
فیشتری بقیمته طعام، فیطعم کل مسکین مد
برٍ أو نصف صاع من غيره. ﴿أَوَ عَدْلُ ذَلِكَ﴾
الطعام ﴿صِيَامًا﴾ أي: يصوم عن إطعام كل
مسکین یومًا»(٥).
٤. كفارة اليمين.
من حلف على شيء فحنث فيها لزمته
الكفارة، وكفارة اليمين إطعام عشرة مساكين
أو کسوتهم أو تحرير رقبة، خیرهم بین هذین
الأمرين الإطعام أو الكسوة أو تحرير الرقبة،
فمن لم يستطع فعليه أن يصوم ثلاثة أيام،
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٩٤/٣.
(٥) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٢٤٤.
٢٠٠
جوب
القرآن الكريمِ

الصيامى
كما قال سبحانه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِّ
أَيْمَنْكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدُمُ الْأَيْمَنِّ
فَكَفَّرَتُهُ: إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا
تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِبُرُ رَقَبَةٍ فَمَن
لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةٍ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّرَةُ أَيْمَنِكُمْ
إِذَا حَلَفْتُمَّ وَأَحْفَظُواْ أَيْمَنَّكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ
لَكُمْ ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٨٩].
فهذه خصال ثلاث في كفارة اليمين،
أيها فعل الحانث أجزا عنه بالإجماع. وقد
بدأ بالأسهل فالأسهل، فالإطعام أيسر من
الكسوة، كما أن الكسوة أيسر من العتق،
فرقي فيها من الأدنى إلى الأعلى. فإن لم
يقدر المكلف على واحدة من هذه الخصال
الثلاث کفر بصيام ثلاثة أيام، كما قال تعالى:
﴿فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّاءٍ﴾(١).
قال العلامة ابن سعدي رحمه الله: «﴿﴿لا
يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاَللَّغْوِ فِيَ أَيْمَيْكُمْ﴾ أي: في
أيمانكم التي صدرت على وجه اللغو، وهي
الأيمان التي حلف بها المقسم من غير نية
ولا قصد، أو عقدها یظن صدق نفسه، فبان
بخلاف ذلك. ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُ كُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ
الْأَيْمَنَّ﴾ أي: بما عزمتم عليه، وعقدت عليه
قلوبكم. كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَلَكِن
يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، ﴿فَكَفَّرَتُهُ﴾
أي: كفارة اليمين الذي عقدتموها بقصدكم
﴿إِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَكِينَ
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٧٦/٣.
وذلك الإطعام ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ
أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ أي: كسوة عشرة
مساكين، والكسوة هي التي تجزئ في
الصلاة. ﴿أَوْ تَحْرِيُرُ رَقَبَةٍ﴾ أي: عتق رقبة
مؤمنة كما قيدت في غير هذا الموضع،
فمتى فعل واحدًا من هذه الثلاثة فقد انحلت
یمینه.
﴿فَمَنْ لَّمْ يَجِدٌ﴾ واحدًا من هذه الثلاثة
﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّاءٍ﴾ المذكور﴿كَفَّرَةُ
تكفرها وتمحوها
ج.
أَيْمَنَكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾
وتمنع من الإثم)»(٢).
فهذه الآية دالة على جواز الصيام عند
العجز عن الإطعام أو الكسوة أو تحرير الرقبة
ولا يشترط تتابع الصيام؛ لأنه لا دليل على
التتابع.
٥. كفارة الظهار.
الظهار الأصل فيه قول الرجل لامرأته أنت
علي كظهر أمي (٣).
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: «أصل
الظهار مشتق من الظهر، وذلك أن الجاهلية
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ٢٤٢.
(٣) انظر: بدائع الصنائع، الكاساني ٢٢٩/٣، بداية
المبتدي ص ٨١، الكافي في فقه أهل المدينة،
ابن عبد البر ٦٠٣/٢، البيان والتحصيل،
ابن رشد ١٧١/٥، بداية المجتهد ونهاية
المقتصد، ابن شد ١٢٣/٣، المجموع شرح
المهذب، النووي ١٧/ ٣٤٤، الكافي في فقه
الإمام أحمد، ابن قدامة ٢/ ٣٢٢، و١٦٥/٣،
المغني، ابن قدامة ٤١٤/٧.
www. modoee.com
٢٠١

حرف الصاد
كانوا إذا تظاهر أحد من امرأته قال لها: أنت وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٣-٤].
علي كظهر أمي، ثم في الشرع كان الظهار في
سائر الأعضاء قیاسًا على الظهر، وكان الظهار
عند الجاهلية طلاقًا، فأرخص الله لهذه الأمة
وجعل فیه کفارة، ولم یجعله طلاقًا کما کانوا
يعتمدونه في جاهليتهم. هكذا قال غير واحد
من السلف)»(١).
وقال البغوي رحمه الله: «وصورة الظهار:
أن يقول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر
أمي))(٢).
والظهار هذا سماه الله تبارك وتعالى
زورًا؛ وذلك لأنه شبه زوجته بأمه كما في
قوله سبحانه: ﴿الَّذِينَ يُطَهِرُونَ مِنكُم مِّن
نِسَابِهِمِ مَّا هُنَّ أُمَّهَتِهِمْ إِنْ أُمَّهَتُهُمْ إِلَّا الَِّى
وَلَدْنَهُمَّ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِنَ الْقَوْلِ
وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢].
ثم بين الله تبارك وتعالى ما يلزم من
ظاهر من زوجته ثم أراد أن يعود إليها من
الكفارة، فقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِن
نِسَِّهِمْ ثُمَ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن
يَتَمَاسَأَ ذَلِكُمْ تُوعَُونَ بِهِ، وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
فَمَن لَّوْ يَجِدْ فَضِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ
أَنْ يَتَمَاشَآ فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِينَ مِسْكِينَاً
ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِ، وَبَلْكَ حُدُودُ اللَّهُ
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٧/٨.
وانظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٢٧٣/١٧.
(٢) معالم التنزيل، البغوي ٦/ ٣١٧.
الظهار قول الرجل لامرأته: أنت علي
كظهر أمي، سمي ظهارًا؛ لأنه قصد تحریم
ظهرها عليه، وقيل: لأنه قد جعلها عليه
کظهر أمه، وقد كان في الجاهلية طلاقًا ثلاثًا
لا رجعة فيه ولا إباحة بعده فنسخه الله إلى
ما استقر عليه الشرع من وجوب الكفارة فيه
بالعود (٣).
قال الطبري رحمه الله: ((يقول تعالى
ذكره: فمن لم يجد منكم ممن ظاهر من
امرأته رقبة يحررها، فعليه صيام شهرين
متتابعين من قبل أن يتماسا؛ والشهران
المتتابعان هما اللذان لا فصل بينهما بإفطار
في نهار شيء منهما إلا من عذر، فإنه إذا كان
الإفطار بالعذر ففیه اختلاف بين أهل العلم،
فقال بعضهم: إذا كان إفطاره لعذر فزال
العذر بنى على ما مضى من الصوم. وقال
آخرون: بل يستأنف؛ لأن من أفطر بعذر أو
غیر عذر لم یتابع صوم شهرین»(٤).
وقال: ((وقوله: ﴿ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِاَللَّهِ
وَرَسُولِهٌ﴾ يقول جل ثناؤه: هذا الذي
فرضت على من ظاهر منكم ما فرضت في
حال القدرة على الرقبة، ثم خففت عنه مع
العجز بالصوم، ومع فقد الاستطاعة على
الصوم بالإطعام، وإنما فعلته؛ کي تقر الناس
(٣) النكت والعيون، الماوردي ٤٨٨/٥.
(٤) جامع البيان، الطبري ٢٢/ ٤٦٢.
٢٠٢
صَوْسُورَةُ النَّفِي
القرآن الكريم

الصياحى
بتوحيد الله ورسالة الرسول محمد صلى
الله عليه وسلم، ويصدقوا بذلك، ويعملوا
به، وينتهوا عن قول الزور والكذب))(١).
ثالثًا: صوم التطوع:
إن من رحمة الله تبارك وتعالى بعباده
أن شرع لهم بعد كل فريضة نافلة من
جنسها؛ لتكون جابرة لما يعتريها من النقص
والقصور، ومن ذلك الصيام، فقد شرع الله
تبارك وتعالى بعد فريضة صيام رمضان
نوافل متعددة، لکن لم يرد في كتاب الله
تعالى ما يدل على نوافل الصيام صراحة،
وإنما يدخل ذلك ضمن فعل الخيرات،
﴿وَأَنْ تَصُومُواْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤].
وقال حائًا على المسارعة والمسابقة إلى
فعل الخيرات: ﴿فَأَسْتَبِقُوا الْخَيْرَتِ﴾ [البقرة:
١٤٨].
وقال الله تبارك وتعالى آمرًا لنا بأخذ ما
أتانا به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم:
﴿وَمَآ ءَالَنَّكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَّكُمْ عَنْهُ
فَأَنْشَهُواْ ﴾ [الحشر: ٧].
(١) المصدر السابق ٤٦٥/٢٢.
حكم الصيام ومقاصده
إن الله تبارك وتعالى من أسمائه الحكيم
سبحانه، فلا يخلق ولا يشرع ولا يأمر بشيء
إلا لحکم عظيمة علمها من علمها وجهلها
من جهلها، ومن ذلك أن الله تبارك وتعالى
شرع فريضة الصيام، لحكم ومقاصد عظيمة
فيما يلي نعرض لبعض هذه الحكم، التي
ذكر الله سبحانه بعضها في كتابه، وبعضها
ورد في سنة النبي صلى الله عليه وسلم،
وبعضها تستنبط استنباطًا، فمنها:
أولًا: حصول التقوى:
أبان الله تبارك وتعالى في كتابه العظيم هذه
الحكمة وهذا المقصد في كتابه الكريم فقال
سبحانه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ
الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ
لَعَلَّكُمْ تَثَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣].
فالتقوی غاية ومقصد عظیم من مقاصد
الصيام، هي أن يستشعر العبد عظمة الله
تبارك وتعالى ومراقبته لنا في كل أحوالنا،
حركاتنا وسكناتنا، في خلواتنا وبين الناس؛
لنرتقي في مفهوم العبادات، فمن المصيبة
أن تتحول العبادات إلى عادات فلا نحس
بها ولا تثمر فينا الخشية من الله ولا التقوى،
وربما يكون نصيب العبد من صومه الجوع
والعطش والعياذ بالله؛ لذا قال النبي صلى
الله عليه وسلم محذرًا: (رب صائم ليس له
www. modoee.com
٢٠٣

حف الصاد
من صيامه إلا الجوع، ورب قائم ليس له من فهذا من التقوى، فالتقوى هي التي تحرس
قيامه إلا السهر)(١).
قال البغوي رحمه الله في قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ
تَكَّقُونَ﴾: ((يعني بالصوم؛ لأن الصوم وصلة
إلى التقوی لما فيه من قهر النفس وکسر
الشهوات، وقيل: لعلكم تحذرون عن
الشهوات من الأكل والشرب والجماع)»(٢).
وقال الخطيب رحمه الله: ((فقد كان الصوم
مفروضًا على من تقدمنا من الأمم ﴿لَعَلَّكُمْ ﴾
بسبب هذا الصيام ﴿تَنَّقُونَ ﴾ الله تعالى،
وتخشون غضبه، وتعملون بأوامره؛ ومن هذا
يعلم أن الصيام يبعث على الإيمان الصادق،
ويرقق القلب، ويصفي النفس، ويعين على
خشية الله تعالى؛ ولذا استعان به الأنبياء في
تحقيق مآربهم،والأولياء في تهذيب نفوسهم،
والخاصة في شفاء قلوبهم، والعامة في شفاء
(٣)
جسومهم»(٣).
فإن الصيام من أكبر أسباب التقوى؛ لأن
فيه امتثال أمر الله واجتناب نهیه، فالصائم
يترك ما حرم الله عليه من الأكل والشرب
والجماع وغير ذلك مما تمیل إليها نفسه،
متقربًا بذلك إلى الله، راجيًا بتركها، ثوابه،
(١) أخرجه وأحمد في مسنده، رقم ٩٦٨٥، وابن
ماجه في سننه، أبواب الصيام، باب ما جاء في
الغيبة والرفث للصائم، رقم ١٦٩٠.
وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم
٣٤٨٨.
(٢) معالم التنزيل، البغوي ١ / ١٩٦.
(٣) أوضح التفاسير، الخطيب ٣٣.
هذه القلوب من إفساد الصوم بالمعصية،
ولو تلك التي تهجس في البال، والمخاطبون
بهذا القرآن يعلمون مقام التقوى عند الله،
ووزنها في میزانه.
فهي غاية تتطلع إليها أرواحهم. وهذا
الصوم أداة من أدواتها، وطريق موصل
إليها. ومن ثم يرفعها السياق أمام عيونهم
هدفًا وضيئًا يتجهون إليه عن طريق الصيام
﴿لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ﴾.
فالصيام يدرب الإنسان على مراقبة الله
تعالی، وترك ما تهوی نفسه، مع قدرته علیه،
ويضيق مجاري الشيطان؛ لأنه يجري من ابن
آدم مجرى الدم، فبالصيام، يضعف نفوذه،
وتقل المعاصي، وتكثر الطاعات التي هي
من خصال التقوى.
فالصوم عبادة يتقرب بها العبد لربه
بترك محبوباته، وقمع شهواته، فيضبط
نفسه بالتقوى ومراقبة الله سبحانه وتعالى
في كل مكان وزمان، قال العلامة ابن القيم
رحمه الله كلامًا طيبًا عن الصيام: «فهو لجام
المتقين، وجنة المحاربين، ورياضة الأبرار
والمقربين، وهو لرب العالمين من بين
سائر الأعمال، فإن الصائم لا يفعل شيئًا،
وإنما يترك شهوته وطعامه وشرابه من أجل
معبوده، فهو ترك محبوبات النفس وتلذذاتها
إيثارًا لمحبة الله ومرضاته، وهو سرٌّ بين
٢٠٤
جَوَُّور
القرآن الكريم

الصياحى
العبد وربه لا يطلع عليه سواه، والعباد قد
يطلعون منه على ترك المفطرات الظاهرة،
وأما كونه ترك طعامه وشرابه وشهوته من
أجل معبوده، فهو أمر لا يطلع عليه بشرٌ،
٠
وذلك حقيقة الصوم)) (١)
وإن الناظر في كتاب الله يلحظ ما أعده الله
لهم من الأجر العظيم والثواب الکبیر، ودعانا
للمسارعة فقال: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن
زَّبِكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ
أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣].
وقال: ﴿إِنَّ لِلْمُنَّقِينَ عِندَ رَيْهِمْ جَنَّتِ النَّمِيمِ﴾
[القلم : ٣٤].
٢) وَكَوَاعِبَ أَثْرَابً﴾ [النبأ: ٣١-٣٣] الآيات.
ثانيًا: تزكية النفس وإبعادها عن
الشهوات:
من مقاصد هذه العبادة الجليلة أن فيه
تزكية للنفس وتهذيب لها وتنقية من الرذيلة؛
فبالصيام يضيق مجاري الشيطان في جسد
الإنسان، وقد قال النبي صلى الله عليه
وسلم: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى
الدم)(٢)؛ لهذا حث النبي صلى الله عليه
وسلم وأرشد الذي لم يستطع الزواج على
(١) زاد المعاد، ابن القيم ٢٧/٢.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
الاعتكاف، باب هل يدرأ المعتكف عن نفسه،
رقم ٢٠٣٩.
الصوم كما ثبت في الصحيحين: (يا معشر
الشباب: من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛
فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن
لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء)(٣)،
فالجوع یکسر الشهوة ویکبح جماحها، قال
الحافظ ابن كثير رحمه الله: «لأن الصوم
فيه تزكية للبدن وتضييق لمسالك الشيطان؛
ولهذا ثبت في الصحيحين: (يا معشر
الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج،
ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء)،
ثم بين مقدار الصوم، وأنه ليس في كل يوم؛
لئلا يشق على النفوس فتضعف عن حمله
وقال: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًّا (٦) حَدَابِقَ وَأَعْنَبًا وأدائه، بل في أيام معدودات)» (٤).
وقال ابن القيم رحمه الله: (وللصوم تأثير
عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة والقوى
الباطنة، وحميتها عن التخليط الجالب
لها المواد الفاسدة التي إذا استولت عليها
أفسدتها، واستفراغ المواد الرديئة المانعة
لها من صحتها، فالصوم يحفظ على القلب
والجوارح صحتها، ويعيد إليها ما استلبته
منها أيدي الشهوات، فهو من أكبر العون
على التقوى، كما قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصوم،
باب الصوم لمن خاف على نفسه العزبة، رقم
١٩٠٥، ومسلم في صحيحه، كتاب النكاح،
باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه،
ووجد مؤنه، واشتغال من عجز عن المؤن
بالصوم، رقم ١٤٠٠.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٤٩٧.
www. modoee.com
٢٠٥

حرف الصاد
ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْضِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى
الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ﴾))(١).
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله:
((الصيام يضيق مجاري الدم التي هي
مجاري الشيطان من ابن آدم؛ فإن الشيطان
يجري من ابن آدم مجرى الدم فتسكن
بالصيام وساوس الشيطان، وتنكسر سورة
الشهوة والغضب، ولهذا جعل النبي صلى
الله عليه وسلم ((الصوم وجاء)) لقطعه عن
شهوة النكاح»(٢).
فالصوم يسكن النفس الأمارة بالسوء،
ویھذبها فالإنسان عندما یکون صائمًا یکون
في بعدٍ من تأثير الشيطان عليه بسبب أن
الصوم يضيق على الشيطان مجاري الدم
فيه فيضعف تأثيره عليه، ويكون الصيام
وقاية للعبد من النار؛ لأن النبي عليه الصلاة
والسلام يقول: (الصيام جنة)(٣).
ثالثًا: تذكر المساكين والمحتاجين:
من مقاصد وحكم هذه العبادة الجليلة
أن العبد يحس بالجوع والتعب؛ ليتذكر حال
إخوانه الفقراء والمحتاجين الذين يقاسون
(١) زاد المعاد، ابن القيم ٢٨/٢.
(٢) لطائف المعارف، ابن رجب الحنبلي ص
١٥٥.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصوم،
باب فضل الصوم، رقم ١٨٩٤، ومسلم في
صحيحه، كتاب الصيام، باب فضل الصيام،
رقم ١١٥١.
ويعانون مرارة الجوع والحرمان.
لا يعرف الشوق إلا من يكابده
ولا الصبابة إلا من يعانيها (٤)
قال العلامة ابن الهمام رحمه الله: ((كونه
-أي: الصيام- موجبًا للرحمة والعطف على
المساكين فإنه لما ذاق ألم الجوع في بعض
الأوقات ذكر من هذا في عموم الأوقات
فتسارع إليه الرقة عليه)»(٥).
وقال ابن رجب رحمه الله: ((وسئل بعض
السلف: لم شرع الصيام؟ قال: ليذوق الغني
طعم الجوع فلا ينسى الجائع)) (٦).
فإذا أحس بالجوع عرف ما يعاني الفقراء
والمساكين فعطف عليهم وواساهم وأحسن
إليهم.
فهذا بعض ما تيسر قوله من حكم
الصيام، وأولها وأعظمها تقوى الله عز
وجل، وتزكية النفس وتهذيبها، وتذكر
المساکین والمحتاجين، وغير ذلك.
(٤) المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، ضياء
الدين ابن الأثير ١/ ١٥٧.
(٥) فتح القدير، ابن الهمام ٢/ ٣٠١.
(٦) لطائف المعارف، ابن رجب ص ١٦٨.
٢٠٦
جوبيبو
القُرآن الكَرِيْمِ