Indexed OCR Text
Pages 21-40
الصراط
يقول: حيثما يوجهه لا يأت بخير؛
لأنه لا یفهم ما يقال له، ولا يقدر أن يعبر عن
نفسه ما یرید، فهو لا يفهم، ولا یفهم عنه،
فكذلك الصنم، لا يعقل ما يقال له، فيأتمر
لأمر من أمره، ولا ينطق فيأمر وينهي.
يقول الله تعالى: ﴿مَلْ يَسْتَوِى هُوَ
وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾، يعني: هل يستوي
هذا الأبكم الكَلّ على مولاه الذي لا يأتي
بخیر حیث توجه ومن هو ناطق متکلم یأمر
بالحق، ويدعو إليه وهو الله الواحد القهار،
الذي يدعو عباده إلى توحيده وطاعته،
يقول: لا يستوي هو تعالى ذكره، والصنم
الذي صفته ما وصف.
وقوله: ﴿وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي:
وهو مع أمره بالعدل، على طريق من الحق
في دعائه إلى العدل، وأمره به مستقیم، لا
یعوج عن الحق ولا یزول عنه(١).
ففي هذه الآية يصور الرجل الأبكم
الضعيف البليد الذي لا يدري شيئا ولا يعود
بخير. والرجل القوي المتكلم الآمر بالعدل،
العامل المستقيم على طريق الخير ولا
يسوي عاقل بين هذا وذاك. فكيف تمكن
التسویة بین صنم أو حجر، وبين الله سبحانه
وهو القادر العليم الآمر بالمعروف، الهادي
إلى الصراط المستقيم؟(٢).
(١) جامع البيان، الطبري ١٧ / ٢٦٢.
(٢) في ظلال القرآن ٢١٨٤/٤.
وهناك قول آخر: وهو أن هذا مثل
للمؤمن والكافر، وهو مروي عن ابن عباس
رضي الله عنهما(٣).
فالمراد بالعبد المملوك الذي لا يقدر
على شيء هو الكافر، فهو باعتبار حرمانه
من عبودية الله وطاعته كالعبد الذليل الفقير
العاجز. والمراد بقوله: ﴿وَمَنْ زَّزَقْنَهُ
مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا﴾ هو المؤمن، فإنه مشتغل
بالتعظيم لأمر الله تعالى، والشفقة على خلق
الله، فأبان تعالى أنهما لا يستويان في المرتبة
والشرف والقرب من رضوان الله تعالى (٤).
وعن ابن عباس في قوله عز وجل:
﴿ضَرَبَ اللّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوْكًا﴾ قال: نزلت
في رجل من قريش وعبده، وفي قوله:
﴿مَثَلَا تَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ
عَلَى شَىْءٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ
مُسْتَقِيمٍ﴾. قال: هو عثمان بن عفان، قال:
والأبكم الذي أينما يوجهه لا يأتي بخير،
ذاك مولی عثمان بن عفان کان عثمان ینفق
عليه ويكفله ويكفيه المؤونة، وكان الآخر
يكره الإسلام ويأباه، وينهاه عن الصدقة
والمعروف فنزلت فيهما(٥).
(٣) جامع البيان، الطبري ١٧ / ٢٦٣.
(٤) التفسير المنير، الزحيلي ١٨٩/١٤.
(٥) جامع البيان، الطبري ١٧ / ٢٦٤.
وانظر: أسباب النزول، الواحدي ص ٢٨٠،
الصحيح المسند من أسباب النزول، الوادعي
ص ١٢٤.
www. modoee.com
٢٧
حف الصاد
والراجح -والله أعلم- أن هذا المثل يمشي في طريق واضحة مستقيمة سالما من
العثور والخرور على وجهه. وهكذا تتجلى
طريقة القرآن في التجسيد(٣).
ضربه الله تعالى لنفسه والآلهة التي تعبد
من دونه؛ لأن ما قبل هذه الآية وما بعدها
إنما ورد في إثبات التوحيد، وفي الرد على
القائلين بالشرك فحمل هذه الآية على هذا
المعنى أولى (١).
وبذلك نرى أن هذه الآية قد ساقت مثلا
لبيان الفرق الشاسع بين ذات الله تعالى
الخلاق العليم، الرزاق الكريم، وبين تلك
المعبودات الباطلة التي أشركها الضالون في
العبادة مع الله عز وجل(٢).
وفي هذا المثل بيان لضلالة المشركين
وبطلان عبادة الأصنام؛ لأن شأن الإله
المعبود أن يكون مالكا قادرا على التصرف
في الأشياء، وعلى نفع غيره ممن يعبدونه،
وعلى الأمر بالخير والعدل، والتزام منهج
الاستقامة والقسط في سيرته وسلوكه.
ومن الأمثلة القرآنية التي ورد فيها
أَفَنْ يَمْشِى مُكِبَّ
الصراط: قوله سبحانه:
عَلَى وَجْهِهِ: أَهْدَىَ أَمَّن يَمْشِى سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم
[الملك: ٢٢].
٢٢
وهذه استعارة تمثيلية وهو مثل للمؤمن
والكافر، فالكافر أعمى لا يهتدي إلى
الطريق بل يمشي متعسفًا فلا يزال يتعثر
وينكب على وجهه، والمؤمن صحيح البصر
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٤٧/٢٠.
(٢) التفسير الوسيط، طنطاوي ٨/ ٢٠٢.
ولعل الاكتفاء بما في الكب من الدلالة
على حال المسلك للإشعار بأن ما عليه
المشرك لا يستأهل أن يسمى طريقًا، كمشي
المتعسف في مكان متعاد غير مستو (٤).
قال ابن كثير: وهذا مثل ضربه الله
للمؤمن والكافر، فالكافر مثله فيما هو فيه
كمثل من يمشي مكبا على وجهه، أي:
يمشي منحنيا لا مستويا على وجهه، أي: لا
يدري أین یسلك ولا کیف یذهب؟ بل تائه
حائر ضال، أهذا أهدى ﴿أَمَّنْ يَمْشِى سَوِيًّا﴾،
أي: منتصب القامة ﴿عَ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
أي: على طريق واضح بين، وهو في نفسه
مستقيم، وطريقه مستقيمة.
هذا مثلهم في الدنيا، و کذلك یکونون في
الآخرة، فالمؤمن يحشر يمشي سويا على
صراط مستقيم، مفض به إلى الجنة الفيحاء،
وأما الكافر فإنه يحشر يمشي على وجهه إلى
أَحْشُرُواْ أَلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَجَهُمْ
نار جهنم،
وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ ﴿ مِن دُونِ اللَّهِ فَأَهْدُوهُمْ إِلَى
صِرَّطِ الْجَحِيمِ ) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ ل ◌َمَا
لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ { بَلْ هُمْ أَلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ
(٣) إعراب القرآن وبيانه، محيي الدين درويش
١٥٩/١٠.
(٤) أنوار التنزيل، البيضاوي ٢٣١/٥.
٢٨
القرآن الكريم
الصراط
[الصافات: ٢٢ -٢٦](١).
عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن والكافر، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى
رجلا قال: يا نبي الله يحشر الكافر على
وجهه يوم القيامة؟ قال: (أليس الذي أمشاه
على الرجلين في الدنيا قادرا على أن يمشيه
على وجهه يوم القيامة)(٢).
فهذا المكب على وجهه هو المشرك
الذي یمشی علی وجهه في النار يوم القيامة،
والذي يمشى سويا هو الموحد الذي يحشر
على قدميه إلى الجنة(٣).
فأي الرجلين أهدى؟ من كان تائها في
الضلال، غارقًا في الكفر قد انتکس قلبه،
فصار الحق عنده باطلا والباطل حقًّا؟
ومن کان عالمًا بالحق، مؤثرًا له، عاملا به،
يمشي على الصراط المستقيم في أقواله
وأعماله وجميع أحواله؟ فبمجرد النظر إلى
حال هذين الرجلين، يعلم الفرق بينهما،
والمهتدي من الضال منهما، والأحوال أكبر
شاهد من الأقوال (٤).
وبذلك نرى هذه الآيات الكريمة قد
لفتت أنظار الناس إلى التفكر والاعتبار،
ووبخت المشركين على جهالاتهم
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٨١/٨.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير
القرآن، سورة الفرقان، باب قوله: ﴿الذين
يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر
مكانا وأضل سبيلا﴾، ١٠٩/٦، رقم ٤٧٦٠.
(٣) تفسير المراغي ٢٩/ ٢١.
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٨٧٧.
وطغيانهم، وساقت مثالا واضحا للمؤمن
من حي عن بينة (٥).
وهذا المثل غرضه إقامة الحجة وإقناع
المخاطبين، وتربيتهم على التفكير السليم
والمنطقي، وقد زودهم الله بعقل يتيح
لهم ما لم يُتَحْ لغيرهم من الحيوانات
والمخلوقات.
ولقد قرب النبي صلى الله عليه وسلم
معنى الصراط المستقيم بضرب المثل، فعن
النواس بن سمعان الأنصاري رضي الله
عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: (ضرب الله مثلاً صراطًا مستقيمًا،
وعلى جنبتي الصراط سوران، فيهما أبواب
مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى
باب الصراط داع يقول: أيها الناس، ادخلوا
الصراط جميعا، ولا تتعرجوا، وداع يدعو
من فوق الصراط، فإذا أراد يفتح شيئا من تلك
الأبواب، قال: ويحك لا تفتحه، فإنك إن
تفتحه تلجه، والصراط الإسلام، والسوران:
حدود الله، والأبواب المفتحة: محارم الله،
وذلك الداعي على رأس الصراط: كتاب
الله، والداعي من فوق الصراط: واعظ الله
في قلب كل مسلم)(٦).
(٥) التفسير الوسيط، طنطاوي ٢٦/١٥
(٦) أخرجه أحمد في مسنده، ١٨١/٢٩،
١٧٦٣٤.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
www. modoee.com
٢٩
حرف الصاد
فضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثل قلب كل مؤمن، فأنت على الصراط الدائم،
وهو الإسلام، وسامع النداء القائم وهو
القرآن، فإن أنت أقمت حركاتك وسكناتك
بمدبرك وخالقك بسقوط من سواه أقامك
إليه به و قمت به إليه بسقوطك عنك، فحينئذ
یکشف لك اسمه الأعظم الذي لا یخیب من
قصده په(٢)
.
الإسلام فى هذا الحديث بصراط مستقيم،
وهو الطريق السهل الواسع، الموصل
سالكه إلى مطلوبه، وهو مع هذا مستقیم،
لا عوج فيه، فيقتضي ذلك قربه وسهولته،
وعلى جنبتي الصراط يمنة ويسرة سوران،
وهما حدود الله، و کما أن السور یمنع من
کان داخله من تعدیه ومجاوزته، فكذلك
الإسلام يمنع من دخله من الخروج عن
حدوده ومجاوزتها، وليس وراء ما حد الله
من المأذون فیه إلا ما نھی عنه(١).
وإنما ضرب المثل بذلك زيادة في
التوضيح والتقريب، ليصير المعقول
محسوسا، والمتخيل متحققا، فإن التمثيل
إنما يصار إليه لكشف المعنى الممثل ورفع
الحجاب عنه وإبرازه في صورة المشاهد،
ليساعد فيه الوهم العقل، فإن المعنى
الصرف إنما يدركه العقل مع منازعة الوهم؛
لأن طبعه الميل إلى الحس وحب المحاكاة،
ولذلك شاعت الأمثال في الكتب الإلهية،
وفشت في عبارات البلغاء، وإشارات
الحكماء.
قال المناوي: سر هذا الحديث أنه أقام
الصراط معنى للإسلام، وأقام الداعي معنى
للكتاب والداعي الآخر معنى للعظة في
٧٢١/٢، رقم ٣٨٨٧.
(١) جامع العلوم والحكم، ابن رجب ١٦١/٢.
(٢) فيض القدير ٢٥٤/٤.
٣٠
جَوَسُولَة النفسية
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
الصراط
الهداية إلى الصراط المستقيم
أولًا: الداعون إلى الصراط المستقيم:
خلق الله الإنسان، وأسكنه في الأرض،
ولم يتركه سدىّ، بل أوجد له ما يحتاجه
من طعام وشراب ولباس، وأنزل عليه في
مختلف العصور منهجًا يسير على هديه،
وصلاح البشرية وسعادتها في كل زمان
ومكان، إنما يكون باتباع منهج الله وطرح
ما سواه.
قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَِّى مُسْتَقِيمًا
فَأَتَّبِعُوهٌ وَلَا تَنَبِعُواْ السُّبُلَ فَنَفَرَّقَ بِكُمْ عَن
سَبِيلٍِ ذَلِكُمْ وَصَّنَكُمْ بِهِ. لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
[الأنعام: ١٥٣].
١٥٣)
ولا يمكن أن يتحقق اتباع منهج الله إلا
بالدعوة إليه، ولذلك فقد دعا الله إلى اتباع
صراطه، فرسم حدود الصراط المستقيم
وبين معالمه وتولى أمر الهداية إليه، بواسطة
الذين اصطفاهم واجتباهم من الأنبياء
والمرسلين وورثتهم من العلماء العاملين.
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى دَارِ السَّلَّمِ
وَيُهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [يونس:
٢٥].
يقول الطبري: يهدي من يشاء من خلقه
فيوفقه لإصابة الطريق المستقيم، وهو
الإسلام الذي جعله جل ثناؤه سببًا للوصول
إلی رضاه، وطریقًا لمن ر کبه وسلك فيه إلى
جنانه و کرامته(١).
فدعاهم إلى دار السلام، وفى الحقيقة
دعاهم إلى ما یوجب لهم الوصول إلى دار
السلام وهو اعتناق أوامره والانتهاء عن
زواجره(٢)، وعَمَّ سبحانه بالدعوة لإظهار
الحجة، وخَصَّ بالهداية استغناء عن
الخلق(٣).
والقرآن الكريم هو الداعي على رأس
الصراط المستقيم، فعن النواس بن سمعان
الأنصاري رضي الله عنه عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال: (ضرب الله
مثلا صراطا مستقيما، وعلى جنبتي الصراط
سوران، فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب
ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول:
أيها الناس، ادخلوا الصراط جميعا، ولا
تتعرجوا، وداع يدعو من فوق الصراط، فإذا
أراد یفتح شيئا من تلك الأبواب، قال: ويحك
لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه، والصراط
الإسلام، والسوران: حدود الله، والأبواب
المفتحة: محارم الله، وذلك الداعي على
رأس الصراط: كتاب الله، والداعي من فوق
الصراط: واعظ الله في قلب كل مسلم) (٤).
وأرسل الله تعالى أنبيائه ورسله عليهم
الصلاة والسلام للدعوة إلى الصراط
(١) جامع البيان، الطبري ١٥/ ٥٩.
(٢) لطائف الإشارات، القشيري ٢ / ٩٠.
(٣) معالم التنزيل، البغوي ٢/ ٤١٧.
(٤) سبق تخريجه قريبًا.
www. modoee.com
٣١
حرفالصاد
المستقيم، والهداية إليه.
يقول الله تعالى عن دعوة نبيه محمد
صلى الله عليه وسلم إلى الصراط
المستقيم: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْهُوهُمْ إِلَى صِرَطٍ تُسْتَقِيمٍ
[المؤمنون: ٧٣].
٧٣
أي: وإنك يا محمد لتدعو هؤلاء
المشرکین من قومك إلی دین الإسلام، وهو
الطريق القاصد والصراط المستقيم الذي لا
اعوجاج فيه(١).
وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْ حَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًامِنْ
أَمْرِنَاْ مَا كُنْتَ تَدْرِى مَا الْكِتَبُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن
جَعَلْنَهُ نُورًا تَهْدِى بِهِ، مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَاْ وَإِنَّكَ
[الشورى:
لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
٥٢].
وهذه الهداية يراد بها الدعوة والإرشاد
إلى طريق الخير، والمعنى: وإنك لتهدی
بذلك النور من تشاء هدايته إلى الحق
القويم.
ثم فسر هذا الصراط بقوله: ﴿صِرَاطِ
اللَّهِ أَلَّذِى لَهُ, مَا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِ اَلْأَرْضِ﴾
[الشورى: ٥٣].
أي: هذا الطريق هو الطريق الذي شرعه
الله مالك السموات والأرض والمتصرف
فيهما، والحاکم الذي لا معقب لحكمه(٢).
وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ، لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلاَ
(١) جامع البيان، الطبري ١٩ / ٥٩.
(٢) تفسير المراغي ٢٥/ ٦٥.
تَمْتَرُنَ بِهَا وَأَتَّبِعُونَ هَذَا صِرَّطٌ مُسْتَقِيمٌ
[الزخرف: ٦١].
أي: وإن القرآن ليعلمكم بقيام الساعة،
ويخبركم عنها وعن أهوالها، فلا تشكن
فيها واتبعوا هداي، فهذا الذي أدعوكم إليه
هو الصراط المستقيم الذي لا عوج فيه وهو
الموصل إلى الحق (٣).
وأخبر الله تعالى عن طريقة إبراهيم
عليه الصلاة والسلام في دعوته لأبيه إلى
الصراط السوي، فقال: ﴿يأَبَتِإِنی قَدْ جَآءَفِی
مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَتَّبِعْنِى أَهْدِكَ صِرَطًا سَوِيًّا
(٤٣)﴾ [مريم: ٤٣].
يقول تعالى ذكره: قال إبراهيم لأبيه: یا
أبت إني قد آتاني الله من العلم ما لم يؤتك
فاتبعِني: يقول: فاقبل مني نصيحتي ﴿أَهْرِكَ
صِرَطًا سَوِيًا﴾ يقول: أبصرك هدى الطريق
المستوي الذي لا تضل فیه إن لزمته، وهو
دین الله الذي لا اعوجاج فيه (٤).
فأمره باتباعه لما ترجح عليه جانبه في
کون الحق معه، وإن کان أكبر منه سنا، وبين
أن الخلاص في اتباع أهل الحق، وأن الهلاك
في الابتداع والتطوح في مغاليط الطرق (٥).))
ولم يسم إبراهيم عليه السلام أباه
بالجهل المفرط ولا نفسه بالعلم الفائق، بل
جعل نفسه کرفيق له في مسير يكون أعرف
(٣) المصدر السابق ٢٥/ ١٠٤.
(٤) جامع البيان، الطبري ٢٠٣/١٨ -٢٠٤.
(٥) لطائف الإشارات، القشيري ٤٣١/٢.
٣٢
مؤسَوالَةُ الَِّي
جوبيه
القرآن الكريمِ
الصراط
بالطريق، ثم ثبطه عما كان عليه بأنه مع خلوه هَدَنَنَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣].
عن النفع مستلزم للضر(١).
لأتباعه إلى الطريق الصحيح، قال تعالى عن
وصف قومه له: ﴿إِذْ دَخَلُواْ عَلَى دَاوُودَ فَفَرِعَ مِنْهُمّ
قَالُواْ لَا تَخَفٌّْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَأَحْكُمْ
بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَأَهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ
(٢٢)﴾ [ص: ٢٢].
أي: اهدنا إلى وسط طريق الحق بزجر
الباغي عما سلکه من طريق الجور وإرشاده
إلى منهاج العدل(٢).
والمقصود من هذا: أن الخصمين قد
عرف أن قصدهما الحق الواضح الصرف،
وإذا كان ذلك، فسيقصان عليه نبأهما
بالحق، فلم یشمئز نبي الله داود من وعظهما
له، ولم يؤنبهما(٣).
والمتأمل في آيات الهداية إلى الصراط
المستقيم يجد أن فعل الهداية قد يعدى
بنفسه، نحو قوله تعالى: ﴿فَأَتَّبِعْنِىَّ أَهْدِكَ
صِرَطَّاسَوِيًا﴾ [مريم: ٤٣].
﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَطًا مُسْتَقِيمًا﴾
و قوله:
[الفتح: ٢].
وقد يُعَدى بإلى كقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى
صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢].
وقد يُعَدَى باللام كقوله: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى
(١) أنوار التنزيل، البيضاوي ٤/ ١٢.
(٢) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٧/ ٢٢٠.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٧١١.
والفرق بين التعدية بالحرف والتعدية
وهذا داوود عليه السلام كان مرشدًا من دون حرف: أن التعدية بالحرف تقال
إذا لم يكن فيه ذلك فيصل بالهداية إليه، وإن
التعدية من دون حرف تقال لمن يكون فيه
ولمن لا يكون فيه، فتقول: هديته إلى الطريق
وهديته للطريق لمن لا يكون في الطريق
فتوصله إليه، وتقول: ((هديته الطريق)) لمن
کان فيه فتبصره به وتبینه له، وتقوله أيضًا
لمن لا یکون فیه فتوصله إلیه.
قال إبراهيم عليه السلام لأبيه: ﴿فَتَّبِعِْىّ
أَهْدِكَ صِرَطًا سَوِيًا﴾ [مريم: ٤٣].
وأبوه ليس في الصراط، بل هو بعيد عنه.
وقال تعالى في المنافقين: ﴿وَلَوْ أَنَّا كُنَبْنَا
عَلَيَهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ آَخْرُجُواْ مِنْ دِيَئِكُم
مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمٌ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْمَا يُوعَظُونَ
بِه لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَنَّبِيتًا ، وَإِذَا
لَتَيْنَهُم مِّن ◌َّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٢) وَلَهَدَيْنَهُمْ
صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا )﴾ [النساء: ٦٦-٦٨].
والمنافقون ليسوا على الصراط.
وقال على لسان رسل الله: ﴿وَمَا لَنَا
أَلَّا نَتَوَ كُلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَلنَا سُبُلَنَا
[إبراهيم: ١٢]. وهم فى الصراط.
وقال مخاطبًا رسوله محمدًا صلى الله
عليه وسلم: ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ, عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا
مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ٢]. وهو سالك الصراط.
فتعدية الفعل بنفسه تقال لمن كان فيه أي
www. modoee.com
٣٣
حرف الصاد
في الصراط ولمن لم يكن فيه.
أما التعدية باللام وإلى فتكون لمن لم اصطفى من عباده خيارهم ليكلفهم بالدعوة
يكن فيه، وذلك نحو قوله تعالى على لسان
الخصمين اللذين جاءا داود، عليه السلام،
ليحكم بينهما: ﴿فَاحْكُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ
وَأَهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ ﴾ [ص: ٢٢].
وقوله: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَّكَبِكُم مَّنْ يَهْدِىّ إِلَى
الْحَقِّ﴾ [يونس: ٣٥]. أي: يوصل إليه(١).
ومن خلال ما تقدم تبين أهمية الدعوة
إلى الصراط المستقيم، فقد تولاها الله
تعالی بنفسه، فهو الذي يدعو عباده إلى
طاعته وتقواه التي هي طريق الجنة، وينهاهم
عن معصيته ومخالفة أمره التي هي طريق
النار والعذاب، كما قال سبحانه وتعالى:
﴿وَاللّهُ يَدْعُواْ إِلَى دَارِ السَّلَمِ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى
صِرَاطٍ مُسْتَقِيٍ ﴾ [يونس: ٢٥].
ولذلك أرسل سبحانه وتعالى الرسل
وأنزل الكتب التي فيها الأوامر الصريحة
بتوحيده وتقواه وطاعته، كما أنه سبحانه
وتعالى نصب الأدلة والبراهين من مخلوقاته
وآياته على أنه الرب الخالق المدبر
المتصرف في هذا الكون، والإله الحق
الذي يجب أن تصرف جميع أنواع العبادة
له سبحانه دون ما سواه. ودعا إلى الصراط
المستقيم الأنبياء والمرسلون الذين هم
(١) لمسات بيانية، فاضل السامرائي ص ٤٨-
٤٩.
خیار الخلق وأشرف العباد، فإن الله تعالى
إلى صراطه المستقيم وتبليغ دينه كما
قال عز وجل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِ كُلِّ أُمٍَّ
رَّسُولًا أَنْ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَجْتَنِبُواْ اَلَّاغُوتَ﴾
[النحل: ٣٦].
وقال جل وعلا: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِنْ
قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيَّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّآ أَمَا
فَأَعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء: ٢٥].
وقوله سبحانه: ﴿رُسُلًا مُّبَشِرِينَ
وَمُنذِرِينَ لِثَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ
الرُّسُلِّ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ [النساء:
١٦٥].
وقوله سبحانه: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ
رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤].
فهي وظيفة هؤلاء الأخيار الأطهار
المصطفين من عباد الله، ويأتي في مقدمتهم
فضلا ومكانة نبينا محمد صلى الله عليه
وسلم.
ثانيًا: صفات المهتدين:
إن الهداية صفةٌ سامية، وعزة شامخة،
ومنقبة عظيمه، وسعادة أبدية، لا ينالها إلا
الشرفاء، ولا يوصف بها إلا الأتقياء، ولا
يسعى إلى تحقيقها إلا الموحدون، ولا
ينالها إلا الموفقون، ولا يحافظ عليها إلا
الصابرون، ولا يخسرها إلا المحرومون،
٣٤
جوبيـ
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ
الصراط
ولا يحجب عنها إلا المبعدون، وصفهم الله بِاللَّهِ وَأَعْتَصَمُواْ بِهِ، فَسَيُّدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ
وَفَضَّلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَّطَا مُسْتَقِيمًا (١٥)
[النساء: ١٧٥].
تعالی بصفات عديدة في کتابه الکریم، ومن
أبرز هذه الصفات، ما يلي:
١. التمسك بالكتاب والسنة.
من صفات المهتدين على صراط الله
المستقيم: اعتصامهم بالله تعالى وبكتابه،
وتمسکهم به، قال الله تعالى: ﴿وَكَيْفَ
تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَ عَلَيْكُمْ ءَايَتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ
رَسُولُهُ، وَمَن يَعْنَصِم بِلَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَى صِرَاطٍ
مُسْنَقِي ٦﴾ [آل عمران: ١٠١].
أي: ومن يستمسك بدين الله وكتابه
ورسوله، فقد حصل له الهدى إلى الصراط
المستقیم لا محالة، کما تقول إذا جئت فلانا
فقد أفلحت، إذ هو حينئذ لا تخفى عليه
المهالك، ولا تروج لديه الشبهات (١).
فالاعتصام بالله والتوكل عليه هو العمدة
في الهداية، والعدة في مباعدة الغواية،
والوسيلة إلى الرشاد، وطريق السداد،
وحصول المراد (٢).
وفي هذا إشارة إلى أن التمسك بدين الله
ویکتابه کفیل بأن یبعد المسلمين الذين لم
يشاهدوا الرسول صلى الله عليه وسلم عما
یبیته لهم أعداؤهم من مکر وخداع(٣).
وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
(١) تفسير المراغي ١٦/٤.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٨٦/٢.
(٣) التفسير الوسيط، طنطاوي ٢/ ١٩٧.
أي: طريقًا واضحًا قَصْدًا قوامًا لا
اعوجاج فيه ولا انحراف، وهذه صفة
المؤمنين في الدنيا والآخرة، فهم في الدنيا
على منهاج الاستقامة وطريق السلامة في
جميع الاعتقادات والعمليات، وفي الآخرة
على صراط الله المستقيم المفضي إلى
روضات الجنات (٤).
وهذا الصراط المستقيم لا يهدى إليه إلا
الاعتصام بالقرآن الكريم واتباع سنة سيد
المرسلين، والمراد أنه يوقفهم ويثبتهم على
تلك الهداية إلى الصراط المستقيم (٥).
فالآية واضحة الدلالة على أن خصوصية
الهداية إلى الصراط المستقيم يبلغ بها درجة
الصالحين ومنازل المقربين لمن توفر فيه
شرط الإيمان بالله والاعتصام به.
وقال تعالى: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ
قَدْ جَآءُكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ
كَثِيرًا مِّمَا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ
اَلْكِتَبِ وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍّ قَدْ
جَآءُ كُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَبُ
شِينٌ ﴿ يَهْدِى بِهِ اللَّهُ مَنٍ أَتَّبَعَ
رِضْوَنَهُ سُبُلَ السَّلَمِ وَيُخْرِجُهُم
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٨١/٢.
(٥) تفسير المراغي ٦/ ٣٧.
www. modoee.com
٣٥
حرف الصاد
مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ
وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ تُسْتَقِيمٍ ﴾
[المائدة: ١٥- ١٦].
أي: ینجیھم من المهالك، ویوضح لهم
أبين المسالك فيصرف عنهم المحذور،
ويحصل لهم أنجب الأمور، وينفي عنهم
الضلالة، ويرشدهم إلى أقوم حالة (١).
فبينت هذه الآية أن الهداية التي خص
الله بها أحبابه إنما جاءت نتيجة لاتباعهم
سبل مراضاته بالإيمان به ورسوله وبما أنزل
علیه من كلامه والعمل بما فيه، ولم تأت
الهداية التي خص الله بها المهتدين إلا ثمرة
من ثمار ما قدموا من شروط الأهلية لذلك.
٢. شكر النعم.
من صفات أهل الهداية: شكرهم للنعم
التي يمن الله تعالى بها عليهم، قال الله
تعالى عن إبراهيم عليه السلام: ﴿إِنَّ
إِنْزَهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَِّ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ ( شَاكِرًا لِأَنْعُمِّةِ أَجْتَبَتُهُ
وَهَدَنَهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣)﴾ [النحل: ١٢٠-
١٢١].
یخبر تعالی عما فضل به خليله إبراهيم
عليه الصلاة والسلام، وخصه به من
الفضائل العالية والمناقب الكاملة فقال:
﴿إِنَّ إِنْزَهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ أي: إمامًا جامعًا
لخصال الخير هادیًا مهتدیًا.
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦٨/٣.
جوبيبو
القرآن الكريم
﴿قَانِتًا لِلِّ﴾ أي: مديمًا لطاعة ربه،
مخلصًا له الدین.
﴿حَنِيفًا﴾ مقبلًا على الله بالمحبة،
والإنابة والعبودية معرضا عمن سواه.
﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ في قوله وعمله،
وجمیع أحواله لأنه إمام الموحدين الحنفاء.
◌ْ شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾ أي: آتاه الله في
الدنيا حسنة، وأنعم عليه بنعم ظاهرة وباطنة،
فقام بشکرها.
فكان نتيجة هذه الخصال الفاضلة أن
﴿اَجْتَبَهُ﴾ ربه واختصه بخلته وجعله
من صفوة خلقه، وخيار عباده المقربين.
﴿وَهَدَنُهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ في علمه وعمله
فعلم بالحق وآثره على غيره(٢).
فعلم أن الإيمان بالله والشكر لنعمه
وطاعة العبد لربع وعبادته من أعظم
المؤهلات لاصطفائه بهذه الهداية الخاصة.
٣. الإخبات لله سبحانه.
من صفات المهتدين على الصراط
المستقيم عدم الاعتراض لأمر الله تعالى
والانقياد لحكمه والإذعان لشرعه.
قال الله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُواْ
الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُواْ بِهِ
فَتُخْتَ لَهُ. قُلُوبُهُمْ وَ إِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ مَامَنُواْ
إِلَى صِرَاطٍمُسْتَقِيمِ ﴾﴾ [الحج: ٥٤].
فقوله: ﴿فَيُؤْمِنُواْ بِهِ﴾ أي: يصدقوه
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٥١.
٣٦
الصراط
وينقادوا له، ﴿فَتُخْتَ لَهُ، قُلُوبُهُمْ﴾ أي: والبيان، وهداية التوفيق والإلهام، قال
تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِلَى صِرَطٍ
◌ُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٤].
تخضع وتذل، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
إِلَى صِرَّطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: في الدنيا والآخرة،
أما في الدنيا فيرشدهم إلى الحق واتباعه،
ويوفقهم لمخالفة الباطل واجتنابه، وفي
الآخرة يهديهم إلى الصراط المستقيم،
الموصل إلى درجات الجنات، ويزحزحهم
عن العذاب الأليم والدركات (١).
فهذه بعض صفات أهل الاستقامة على
الصراط المستقيم ذكرها الله تعالى في
كتابه للعمل بها والسير على منهج أهلها من
النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
ثالثًا: ثمرات الهداية إلى الصراط
المستقيم :
من أعظم النعم التي امتن الله تعالى على
عباده المؤمنين: نعمة الهداية إلى الصراط
المستقيم، وهذه النعمة لها ثمار يانعة، ولا
يستطيع أحد أن يحيط بها، ولکن یکفینا هنا
أن نشير إلى بعض ما تضمنته آيات الكتاب
المبين والتي قد كشفت عن صنوف الثمار
التي يتلقاها، ومن ذلك ما يلي:
١. ثمرات الهداية إلى الصراط
المستقیم في الدنيا.
الهداية إلى الحق.
فالإيمان يورث أهله هداية الدلالة
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٤٦/٥.
فإذا أراد الله بعبده خيرا أمده بنور
التحقيق، وأيده بحسن العصمة، فيميز
بحسن البصيرة بين الحق والباطل فلا يظله
غمام الريب، وينجلى عنه غطاء الغفلة، فلا
تأثير لضباب الغداة في شعاع الشمس عند
متوع النهار(٢).
فهداية الدلالة والبيان تتضمن تعليم
المؤمن ما لا يعلم من الحق المجمل
والمفصل، قال تعالى: ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهُ
وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
أي: واتقوا الله فيما أمركم به ونهاكم
عنه، فهو سبحانه الذي يعلمكم ما يصلح
لكم(٣).
وقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تَنَّقُوا اللَّهَ
يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩].
أي: فصلًا بين الحق والباطل، ليظهر به
حقكم، ويخفي به باطل من خالفكم (٤).
أما هداية التوفيق والإلهام فتتضمن
الإلهام للحق، والتوفيق لاتباعه، والثبات
عليه إلى الممات، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ أَهْتَدَوْا
[محمد:
زَادَهُمْ هُدَى وَءَانَتُهُمْ تَقْوَنُهُمْ
١٧].
(٢) لطائف الإشارات، القشيري ٢/ ٥٥٥.
(٣) التفسير الوسيط، طنطاوي ١ / ٦٥١.
(٤) جامع البيان، الطبري ١٣ / ٤٩٠.
www. modoee.com
٣٧
حرفالصاد
في الدين واتأهم تقواهم أي: الهمهم إياها
وأعانهم عليها(١).
والله تعالى يسدد عباده المؤمنين إلى
الطريق القويم الذي لا اعوجاج فيه، فقال
تعالى: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْلِمَا أَخْتَلَفُواْ
فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهُ وَاللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى
صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣].
والمعنى: ((والله يسدد من يشاء من
خلقه، ويرشده إلى الطريق القويم على الحق
الذي لا اعوجاج فیه، کما هدی الذين آمنوا
بمحمد صلى الله عليه وسلم، لما اختلف
الذين أوتوا الكتاب فيه بغيًا بينهم، فسددهم
لإصابة الحق والصواب فيه.
وفي هذه الآية البيان الواضح على صحة
ما قاله أهل الحق: من أن كل نعمة على العباد
في دینهم آو دنیاهم، فمن الله جل وعز.
فإن قال لنا قائل: وما معنى قوله:
﴿فَهَدَى اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا أُخْتَلَفُواْ فِهِ﴾؟
أهداهم للحق، أم هداهم للاختلاف؟ فإن
كان هداهم للاختلاف فإنما أضلهم! وإن
كان هداهم للحق، فيكف قيل: ﴿فَهَدَى اللَّهُ
الَّذِينَ ءَامَنُو ◌ْلِمَا أُخْتَلَفُواْ فِيهِ﴾؟
قيل: إن ذلك على غير الوجه الذي
ذهبت إليه، وإنما معنى ذلك: فهدى الله
الذين آمنوا للحق فيما اختلف فيه من کتاب
(١) فتح القدير، الشوكاني ٤٣/٥.
والمراد أنه زادهم إيمانا وعلما وبصيرة الله الذين أوتوه، فكفر بتبديله بعضهم،
وثبت على الحق والصواب فيه بعضهم -
وهم أهل التوراة الذين بدلوها-فهدى الله
مما للحق بدلوا وحرفوا، الذين آمنوا من أمة
محمد صلی الله عليه وسلم(٢).
ويقول جل ثناؤه: ﴿وَهُدُوَأَ إِلَى النَّيِّبِ
مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوَاْ إِلَى صِرَّطِ لَلَمِيدِ
٢٤
[الحج: ٢٤].
فهداهم ربهم في الدنیا إلی طریق الرب
الحميد، وطريقه: دينه دين الإسلام الذي
شرعه لخلقه وأمرهم أن يسلكوه(٣).
فتبين أن أحق الناس بالهداية هم أهل
الإيمان وهذه الثمرة من أعظم وأجل الثمار
التي يجنيها المؤمن في هذه الحياة.
الحياة الطيبة.
قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن
ذَكَرٍ أَوْ أُنْقَ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْبِيَنَّهُ حَيَوَةٌ
طَيِّبَةٌ﴾ [النحل: ٩٧].
يقول ابن كثير: «هذا وعد من الله تعالى
لمن عمل صالحا؛ وهو العمل المتابع
لكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه
وسلم من ذكر أو أنثى من بني آدم، وقلبه
مؤمن بالله ورسوله،، وأن هذا العمل
المأمور به مشروع من عند الله بأن یحییه الله
حياة طيبة في الدنيا، وأن يجزيه بأحسن ما
(٢) جامع البيان، الطبري ٢٨٦/٤.
(٣) المصدر السابق ٥٩٥/١٨.
٣٨
جَوَنُواحَرَ النَّفْسِير
القرآن الكريم
الصراط
عمله في الدار الآخرة والحياة الطيبة تشمل
وجوه الراحة من أي جهة كانت)»(١).
فشرط الحياة الطيبة لكل ذكر وأنثى
الإيمان والعمل الصالح.
* السعة في الرزق.
قال الله تعالى: ﴿فَقُلْتُ أَسْتَغْفِرُواْرَبَّكُمْ
إِنَّهُ: كَانَ غَفَّارًا لايُرْسِلِ السَّمَآَةَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا
٢) وَيُعْدِدَّكُم ◌ِأَوَلٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْجَنَّتِ وَتَجْعَل
لَكُمْأَتْهَرًا ﴾ [نوح: ١٠ - ١٢].
وقال تعالى: ﴿وَأَلَّوِ أَسْتَقَمُواْ عَلَى الطّرِيقَةِ
لَأَسْقَيْنَهُم مَّاءُ عَدَقًا ﴾ [الجن: ١٦].
وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىّ ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْاْ
لَفَنَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِن
كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ )
[الأعراف: ٩٦].
أي: يسرنا لهم خير السماء والأرض
كما يحصل التيسير الأبواب المغلقة بفتح
أبوابها قيل: المراد بخير السماء: المطر،
وخير الأرض: النبات، والأولى حمل ما في
الآية على ما هو أعم من ذلك (٢).
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَنَةَ
وَآلْإِنِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِهِمْ لَأَكَلُواْ مِن
فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرَجُلِهِمَّ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَاً
﴾ [المائدة: ٦٦].
وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَآَّةَ مَا يَعْمَلُونَ
الولاية.
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦٠١/٤.
(٢) فتح القدير، الشوكاني ٢٥٩/٢.
قال تعالى: ﴿اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾
[البقرة: ٢٥٧].
فهو النصير والمعين للمهتدين على
الصراط المستقيم، يتولاهم بعونه، ولا
یکلهم إلى غيره سبحانه يقول ابن جرير في
معنى الآية: («نصيرهم وظهيرهم ويتولاهم
بعونه وتوفيقه (((٣)
النصر على الأعداء.
قال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ
اٌلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧].
قال الشوكاني: ((هذا إخبار من الله
سبحانه بأن نصره لعباده المؤمنين حق
عليه، وهو صادق الوعد لا يخلف الميعاد،
وفيه تشريف للمؤمنين ومزيد تكرمة لعباده
الصالحين» (٤).
* التمكين والاستخلاف في الأرض.
﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ
قال تعالى:
وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ الْأَرْضِ
كَمَا أَسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ
◌َكُمْ دِينَهُمُ الَّذِى أَرْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَهُ مِنْ بَعْدِ
خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: ٥٥].
فمن الثمار العظيمة التي تحصل لأهل
الاستقامة على الصراط المستقيم: التمكين
لهم، فالاستخلاف في الأرض والتمكين
لهم وجعلهم أئمة الناس والولاة عليهم،
(٣) جامع البيان، الطبري ٥/ ٤٢٤.
(٤) فتح القدير، الشوكاني ٤ /٢٦٥.
www. modoee.com
٣٩
حرف الصاد
وخضوع البلاد لهم لمن أعظم ثمار الإيمان؛ ينتظرهم من الفوز العظيم في الدار الآخرة.
لأن به تصلح البلاد ويحصل الأمن للناس.
قال تعالى: ﴿وَأَذْكُرُوْاْ إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ
◌ُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَنَخَطّفَكُمُ
النَّاسُ فَشَاوَنَكُمْ وَأَتَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ، وَرَزَقَّكُمْ مِّنَ
الطِّبَتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [الأنفال:
٢٦].
وهذا الوعد عام يعم جميع الأمة بشرط
الإيمان والعمل الصالح.
قال الشوكاني: ((وهذا وعد من الله
سبحانه لمن آمن بالله وعمل الأعمال
الصالحات بالاستخلاف لهم في الأرض
لما استخلف الذين من قبلهم من الأمم
وهو وعد یعم جمیع الأمة، وقيل هو خاص
بالصحابة ولا وجه لذلك فإن الإیمان وعمل
الصالحات لا يختص بھم، بل ویمکن وقوع
ذلك من كل واحد من هذه الأمة، ومن
عمل بكتاب الله وسنة رسوله فقد أطاع الله
ورسوله)»(١).
فهذه جملة من ثمار الاستقامة على
الصراط المستقيم في الحياة الدنيا، ومن
ضعفت استقامته لم تتحقق له هذه الثمار،
كما هو مشاهد اليوم في حال المسلمين،
ويوم يستقيم المسلمون على الصراط
المستقيم، ويجددون إيمانهم ويثبتونه
سيجنون هذه الثمار العظيمة إلى جانب ما
(١) فتح القدير، الشوكاني ٤ / ٥٥.
جَوُورُ
القرآن الكريمِ
٢. ثمرات الهداية إلى الصراط
المستقيم في الآخرة.
تحقيق الأمن.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ
أُسْتَقَمُواْ فَلَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
[الأحقاف: ١٣].
قال ابن القيم رحمه الله: ((فإن الطاعة
حصن الله الأعظم، من دخله كان من
الآمنين من عقوبات الدنيا والآخرة، ومن
خرج عنه أحاطت به المخاوف من كل
جانب، فمن أطاع الله انقلبت المخاوف
في حقه أمانا، ومن عصاه انقلبت مآمنه
مخاوف، فلا تجد العاصي إلا وقلبه كأنه بین
جناحي طائر، إن حرکت الريح الباب قال:
جاء الطلب، وإن سمع وقع قدم خاف أن
یکون نذیرًا بالعطب، يحسب أن كل صيحة
علیه، و کل مکروه قاصد إلیه، فمن خاف الله
آمنه من كل شيء، ومن لم يخف الله أخافه
من كل شيء))(٢).
وقال زید بن أسلم: ییشرونه عند موته،
وفي قبره، وحين يبعث. وهذا القول
يجمع الأقوال کلها، وهو حسن جدا، وهو
الواقع (٣).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللهُ
(٢) الجواب الكافي ص ٧٥.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٧٧/٧.
٤٠
الصراط
ثُمَّ أَسْتَقَدِمُواْ تَتَتَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَتِكَةُ أَلَّا ابن مسعود في قوله: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ
تَّخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ اَلَتِى كُمْ
تُوعَدُونَ (٥)﴾ [فصلت: ٣٠].
والمعنى: ﴿إِنَّ الَّذِین قَالُوا﴾ بكل صدق
وإخلاص: ﴿رَبُّنَا اَللَّهُ﴾ ربنا الله تعالى
وحده، لا شريك له لا في ذاته ولا في صفاته.
﴿ثُمَّ أُسْتَقَمُواْ﴾ أي: ثم ثبتوا على هذا
القول، وعملوا بما يقتضيه هذا القول من
طاعة الله تعالى في المنشط والمكره، وفي
العسر واليسر، ومن اقتداء برسوله صلى الله
عليه وسلم في كل أحواله.
وتنزل الملائكة عليهم بهذه البشارات
يشمل ما يكون في حياتهم عن طريق إلهامهم
بما يشرح صدورهم، ويطمئن نفوسهم، كما
يشمل تبشيرهم بما يسرهم عند موتهم وعند
بعثهم(١).
قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ
يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِهِمْ وَ يِأَيْمَتِهِ بُشْرَئِكُمُ اَلْيَوْمَ جَنَّتٌ
تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيَهَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ
اَلْعَظِيمُ ﴾ [الحديد: ١٢].
یقول ابن کثیر: يقول تعالى مخبرًا عن
المؤمنين المتصدقين: أنهم يوم القيامة
یسعی نورهم بين أيديهم في عرصات
القيامة، بحسب أعمالهم، كما قال عبدالله
(١) التفسير الوسيط، طنطاوي ٣٤٩/١٢ -٣٥٠.
أيديهم﴾ قال: على قدر أعمالهم يمرون على
الصراط، منهم من نوره مثل الجبل، ومنهم
من نوره مثل النخلة، ومنهم من نوره مثل
الرجل القائم، وأدناهم نورًا من نوره في
إبهامه يتقد مرة ويطفأ مرة(٢).
وقال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله صلى
الله عليه وسلم كان يقول: (من المؤمنين
من يضيء نوره من المدينة إلى عدن أبين
وصنعاء فدون ذلك، حتى إن من المؤمنين
من يضيء نوره موضع قدمیه)(٣).
فهذا النور دليل لهم في طريقهم إلى
الجنة، بسبب استقامتهم على صراط الله
المستقيم في الحياة الدنيا.
٠
دخول الجنة.
أهل الصراط المستقيم يكرمهم الله
النور الذي يكشف الطريق الموصلة تعالى بجنته، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَأَعْتَصَمُواْ بِهِ، فَسَيُدْخِلُهُمْ فِى
إلى الجنة.
رَحْمَةٍمِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا
(٧٥)﴾ [النساء: ١٧٥].
وفي الهداية المذكورة في الآية قولان:
أحدهما: أن يعطيهم في الدنيا ما يؤديهم
إلی نعيم الآخرة، وهذا قول الحسن.
والثاني: هو الأخذ بهم في الآخرة إلى
طريق الجنة، وهو قول بعض المفسرين
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٨/ ١٥.
(٣) جامع البيان، الطبري ٢٣/ ١٧٨.
www. modoee.com
٤١
حرف الصاد
البصريين (١).
الدخول في معية النبيين والصديقين
والشهداء والصالحين.
ومن دخل في معية هؤلاء وفي كنفهم
نال ما نالوه من الحظ عند الله تبارك وتعالى.
قال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ
فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيْنَ
وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّلِحِينَّ وَحَسُنَ
﴾ [النساء: ٦٩].
٦٩
أُولَئِكَ رَفِيقًا
فلما كان طالب الصراط المستقيم طالب
أمر أكثر الناس ناكبون عنه، مريدا لسلوك
طريق مرافقه فيها في غاية القلة والعزة،
والنفوس مجبولة على وحشة التفرد، وعلى
الأنس بالرفيق، نبه الله سبحانه على الرفيق
في هذه الطريق، وأنهم هم الذين ﴿أَنْعَمَ
اللَّهُ عَلَّهِم مِّنَ النَّبِيْئِنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ
وَالصَِّحِينَّ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا ﴾ [النساء:
٦٩](٢) .
وهذه الصحبة لهذا الرهط العلوي، إنما
هي من فضل الله. فما يبلغ إنسان بعمله
وحده وطاعته وحدها أن ينالها، إنما هو
الفضل الواسع الغامر الفائض العميم (٣).
وليس المراد بكون من أطاع الله وأطاع
الرسول مع النبيين والصديقين، كون الكل
في درجة واحدة، لأن هذا يقتضي التسوية
(١) النكت والعيون، الماوردي ١/ ٥٤٧-٥٤٨.
(٢) مدارج السالكين، ابن القيم ١ /٤٥.
(٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ٦٩٩/٢.
في الدرجة بين الفاضل والمفضول، وإنه
لا يجوز، بل المراد كونهم في الجنة بحيث
يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر، وإن
بعد المكان؛ لأن الحجاب إذا زال شاهد
بعضهم بعضا، وإذا أرادوا الزيارة والتلاقي
قدروا عليه، فهذا هو المراد من هذه
المعية (٤).
وكان سبب نزول هذه الآية ما أخرجه
الطبراني، عن عائشة رضي الله عنها قالت:
(جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم
فقال: يا رسول الله، والله إنك لأحب إلي
من نفسي، وإنك لأحب إلي من أهلي،
وأحب إلي من ولدي، وإني لأكون في
البيت، فأذكرك فما أصبر حتى آتيك، فأنظر
إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك
إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وإني إذا
دخلت الجنة خشيت أن لا أراك. فلم يرد عليه
النبي صلی الله عليه وسلم حتى نزل جبريل
بهذه الآية: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ
مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيْنَ وَالصِّدِّيقِينَ
وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّلِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا
[النساء: ٦٩](٥).
٦٩
(٤) مفاتيح الغيب، الرازي ١٠/ ١٣٣.
(٥) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط
١٥٢/١، رقم ٤٧٧، والصغير ٥٣/١، رقم
٥٢، وذكره الواحدي في أسباب النزول، ص
١٦٦.
وصححه الوادعي في الصحيح المسند من
أسباب النزول ص ٧٠.
٤٢
جوية
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
الصراط
ولا شك أن هذه الميزة من أعظم ما
توجهت به إرادة المحبين للنبي صلى الله
علیه وسلم، وقد بین النبي صلى الله عليه
وسلم أنها من أعز المطالب، ويدل على
ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن ربيعة
بن کعب الأسلمي رضي الله عنه قال: كنت
أبیت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
فأتيته بوضوئه وحاجته فقال لي: (سل)
فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة. قال: (أو
غير ذلك) قلت: هو ذاك. قال: (فأعني على
نفسك بكثرة السجود)(١).
فهذه نماذج من الثمار التي وعد الله
بها أهل الاستقامة على الصراط المستقيم،
والمقصود هنا ذكر طرف من هذا النعيم
الذي ينعم به أهل الاستقامة في الحياة
الآخرة.
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة،
باب فضل السجود والحث عليه، ٣٥٣/١،
رقم ٤٨٩.
الإعراض عن الصراط المستقيم
أولًا: الصادون عن الصراط المستقيم:
لم يكتف أعداء الصراط المستقيم
برفض الدعوة إليه، بل سعوا جاهدين إلى
صد الناس عن اتباع ما جاءت به الرسل
عليهم الصلاة والسلام، وهذا الصد يكون
بالرفض تارة، وبالإكراه تارة أخرى، وتارة
بالتهديد، وتارة بالتشويه والتحريف، ولما
كان دأب هؤلاء هو التشهير بالدعاة، فقد
رد الله تعالى عليهم بمثل ما فعلوا، فشهر
الله بهم وفضحهم على رؤوس الأشهاد،
وبين أنهم معادون للحق ومعادون لأنفسهم
في اعتراض دعوة الرسول عليهم الصلاة
والسلام وتنفير الناس منها، ومن هؤلاء:
١ . إبليس.
أخبر الله تعالى عن إبليس بتوعده
وتعهده ببذل غاية جهده في إضلال بني
آدم، والترصد لهم، كما يترصد قطاع الطرق
للسائرين فيها، فيصدهم، ويحاول بكل
وسيلة أن يصرفهم عن الصراط المستقيم،
ولن يتكاسل عن العمل على إفسادهم
وإضلالهم.
قال تعالى: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ
صِرَطَكَ الْمُسْتَقِيَمَ ، ثُمَّ لَتِيَنَّهُم مِنْ بَيْنِ أَيَدِیهِمْ
وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَئِهِمْ وَعَنْ شَّمَيِلِهِمٌّ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ
www. modoee.com
٤٣
حرف الصاد
(١٧) ﴾ [الأعراف: ١٦-١٧].
شَكِرِينَ
أي: کما أغویتني. قال ابن عباس: كما
أضللتني. وقال غيره: كما أهلكتني لأقعدن
لعبادك الذين تخلقهم من ذرية هذا الذي
أبعدتني بسببه على ﴿صِرَطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أي:
طريق الحق وسبيل النجاة، ولأضلنهم عنها
لئلا يعبدوك ولا يوحدوك بسبب إضلالك
إياي.
وقال بعض النحاة: الباء هاهنا قسمية،
كأنه يقول: فبإغوائك إياي لأقعدن لهم
صراطك المستقيم.
قال مجاهد: ﴿صِرَطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ يعني:
الحق.
وقال محمد بن سوقة، عن عون بن عبد
الله: يعني طريق مكة.
المستقيم أعم من ذلك كله (١).
فالله تعالى خلق في نفس إبليس مقدرة
على إغواء الناس بقوله: ﴿إِنَّكَ مِنَ الصَّغِرِينَ ﴾
[الأعراف: ١٣].
وإنه جعله باقيا متصرفا بقواه الشريرة إلى
يوم البعث، فأحس إبليس أنه سيكون داعية
إلى الضلال والكفر، بجبلة قلبه الله إليها قلبا
وهو من المسخ النفساني، وإنه فاعل ذلك لا
محالة مع علمه بأن ما يصدر عنه هو ضلال
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير
٣٩٣/٣-٣٩٤.
وفساد، فصدور ذلك منه كصدور النهش من
الحية، وكتحرك الأجفان عند مرور شيء
علی العین، وإن کان صاحب العین لا یرید
تحریکھما.
وإضافة الصراط إلى اسم الجلالة على
تقدير اللام، أي: الصراط الذي هو لك أي
الذي جعلته طريقا لك، والطريق لله هو
العمل الذي يحصل به ما يرضي الله بامتثال
أمره، وهو فعل الخيرات، وترك السيئات،
فالكلام تمثيل هيئة العازمين على فعل
الخير، وعزمهم عليه، وتعرض الشيطان لهم
بالمنع من فعله، بهيئة الساعي في طريق إلى
مقصد ينفعه وسعيه إذا اعترضه في طريقه
قاطع طريق منعه من المرور فيه (٢)
وهذا الكلام يدل على أن إبليس علم أن
قال ابن جرير: والصحيح أن الصراط الله خلق البشر للصلاح والنفع، وأنه أودع
فيهم معرفة الكمال، وأعانهم على بلوغه
بالإرشاد، فلذلك سميت أعمال الخير،
في حکایة کلام إبليس، صراطا مستقيما،
وأضافه إلى ضمير الجلالة، لأن الله دعا إليه
وارد من الناس سلوكه، ولذلك أيضا ألزم
لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتيناهم
من بین أیدیهم ومن خلفهم.
وبهذا الاعتبار كان إبليس عدوا لبني آدم؛
لأنه يطلب منهم ما لم يخلقوا لأجله وما
هو مناف للفطرة التي فطر الله عليها البشر،
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٦/٨-٤٧.
جَوَسُوع
القرآن الكريمِ
٤٤
الصراط
فالعداوة متأصلة وجبلية بين طبع الشيطان
وفطرة الإنسان السالمة من التغيير(١).
وقد اتخذ إبليس مسلك التخويف من
أعداء الله للصد عن صراط الله المستقيم،
وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام فيما
أخرجه النسائي عن سبرة بن أبي فاکه رضي
الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله
عليه وسلم يقول: (إن الشيطان قعد لابن آدم
بأطرقه، فقعد له بطريق الإسلام، فقال: تسلم
وتذر دینك ودین آبائك وآباء أبيك، فعصاه
فأسلم، ثم قعد له بطريق الهجرة، فقال:
تهاجر وتدع أرضك وسماءك، وإنما مثل
المهاجر كمثل الفرس في الطول، فعصاه
فهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد، فقال:
تجاهد فهو جهد النفس والمال، فتقاتل
فتقتل، فتنكح المرأة، ويقسم المال، فعصاه
فجاهد)، فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (فمن فعل ذلك كان حقًّا على الله
عز وجل أن يدخله الجنة، ومن قتل کان حقًّا
على الله عز وجل أن يدخله الجنة، وإن غرق
کان حقًّا على الله أن يدخله الجنة، أو وقصته
دابته كان حقًا على الله أن يدخله الجنة)(٢).
(١) المصدر السابق ٤٨/٨.
(٢) أخرجه النسائي في سننه، كتاب الجهاد، باب
ما لمن أسلم وهاجر وجاهد، ٢١/٦، رقم
٠٣١٣٤
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة،
١١٨٦/٦.
وذكر الله تعالى توعد إبليس وتعهده،
ورد الله تعالى عليه في سورة الحجر، فقال
تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْنَنِى لَأُزَّيِّنَنَّ لَهُمْ فِى
اُلْأَرْضِ وَلَأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿ إِلَّا عِبَادَكَ
مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ، قَالَ هَذَا صِرَّطُ عَلَّ
مُسْتَقِيمُ ﴾ إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ
سُلْطَانُّ إِلَّا مَنِ أَتَبَعَكَ مِنَ الْغَارِينَ ))
[الحجر: ٣٩- ٤٢].
معنى قوله: ﴿هَذَا صِرَّطُ عَلَّ مُسْتَقِيمٌ﴾
أي: مرجعكم كلكم إلي، فأجازيكم
بأعمالكم، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر،
كما قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِاَلْمِرْصَادِ؟
١٤
[الفجر: ١٤](٣).
قال المراغي: أي: قال هذا طريق مرجعه
إلي، فأجازي كل امرئ بعمله، إن خيرا فخیر
وإن شرا فشر، كما يقول القائل لمن يتوعده
ويتهدده: طريقك علي. وأنا على طريقك:
أي: لا مهرب لك مني، ونظير الآية قوله
تعالی: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَیِالْمِرْصَادِ﴾. وهذا رد لما
جاء في كلام إبليس حيث قال: ﴿قَالَ فَيِمَاً
أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَطَكَ الْمُسْتَقِيمَ فُمَّ
لَتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيْدِهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [الأعراف:
١٦ - ١٧ ] (٤) .
فالصراط هو الذي يسلكه عباد الله
المخلصون، وليس لإبليس سلطان على
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤ /٥٣٥.
(٤) تفسير المراغي ٢٣/١٤.
www. modoee.com
٤٥
حرف الصاد
أحد ممن سلك هذا السبيل، واستقام على قومه ويأمرهم بترك الصد عن صراط الله
المستقيم، وعدم الاعتراض لدعوته فقال:
هذا الصراط؛ لأن الله سبحانه وتعالى قد
أوجب على نفسه حراسة المستقیمین علیه،
من كيد الشيطان وإغوائه (١).
﴿وَلَا نَقْعُدُواْ بِكُلِ صِرَطٍ تُوعِدُونَ
وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ
◌ِهِ، وَتَبْغُونَهَا عِوَجَاً وَأَذْكُرُوّا إِذْ
كُنْتُمْ قَلِيلًاً فَكَثََّكُمْ وَأَنْظُرُواْ كَيْفَ
[الأعراف:
كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (@)﴾
٨٦].
فکأنه سبحانه یقول في الرد على إبليس
الذي اعترف بعجزه عن إغواء المخلصين
من عباد الله: يا إبليس، إن عدم قدرتك
على إغواء عبادي المخلصين منهج قويم
من مناهجي التي اقتضتها حكمتي وعدالتي
ورحمتي، وسنة من سنني التي آليت على
نفسي أن ألتزم بها مع خلقي. إن عبادي
المخلصين لا قوة ولا قدرة لك على إغوائهم؛
لأنهم حتى إذا مسهم طائف منك. أسرعوا
بالتوبة الصادقة إلي، فقبلتها منهم. وغفرت
لهم زلتهم، ولكنك تستطيع إغواء أتباعك
الذين استحوذت عليهم فانقادوا لك(٢).
٢. الكافرون.
الكفار هم ممن أغواهم الشيطان عن
صراط الله المستقيم، فانتهجوا نهجه،
فجعلوا من أنفسهم حواجز مانعة عن
وصول الدين القويم إلى الناس.
ولقد عنى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
من صدهؤلاء عن صراط الله المستقيم، فهذا
نبي الله شعيب عليه الصلاة والسلام يعظ
(١) التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم الخطيب
٢٣٨/٧.
(٢) التفسير الوسيط، طنطاوي ٤٥/٨-٤٦.
قال ابن كثير: نهاهم شعيب عليه السلام،
عن قطع الطريق الحسي والمعنوي(٣).
والمعنى: ولا تقعدوا بكل طريق من
الطرق المسلوكة تهددون من آمن بي
بالقتل، وتخيفونه بأنواع الأذى، وتلصقون
بي وأنا نبیکم التهم التي أنا بريء منها، بأن
تقولوا لمن يريد الإيمان برسالتي: إن شعيبًا
کذاب وإنه یرید أن یفتنکم عن دینکم.
وقوله: ﴿وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ
ءَامَنَ بِهِ، وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ أي:
وتصرفون عن دين الله وطاعته من آمن
به، وتطلبون لطريقه العوج بإلقاء الشبه أو
بوصفها بما ينقصها، مع أنها هي الطريق
المستقيم الذي هو أبعد ما يكون عن شائبة
الاعوجاج (٤).
فإن قيل: صراط الحق واحد، ﴿وَأَنَّ هَذَا
صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَقَّبِعُوا السُبُلَ
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٤٧/٣.
(٤) التفسير الوسيط، طنطاوي ٣٢١/٥.
٤٦
◌َةُ النَّسِية
جوبي
القرآن الكريمِ