Indexed OCR Text

Pages 41-47

الضعف
وحدة العقيدة.
لا يمكن أن تقوم وحدة للمسلمين
ما لم تجمعهم عقيدة واحدة، والعقيدة
تشكل أساسًا مهمًا في البناء الفردي
والاجتماعي وهي التي تصلح لجمع شتات
المسلمين، قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ
مِنَ الَّيِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًاٌ إِ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ
وَإِنَّ هَذِهِ أُتَتَّكُمْ أُمَّةُ وَجِدَةً وَأَنَّا رَبُّكُمْ
فَالْقَونِ ﴾ [المؤمنون: ٥١-٥٢]
تحقيق الأخوة بين أفراد المسلمين.
فإن من الأصول العظيمة التي تحقق
وحدة المسلمين، تحقيق الأخوة في
أواسطهم (١).
إن الأخوة منحة من الله عز وجل
يعطيها الله للمخلصين من عباده والأصفياء
والأتقياء من أوليائه وجنده وحزبه.
قال تعالى: ﴿هُوَ اَلَّذِىّ أَيَّكَ بِنَصْرِهِ.
وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٢].
إن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمد على
معاني الأخوة وعمل على تحقيقها وجعلها
من الوسائل المهمة في بناء المجتمع
الإسلامي وإن أهمية هذا الأساس تظهر في
تحقيق مبادئ العدالة والمساواة بين الأفراد،
ولا يتم ذلك ما لم تقم على أساس من
التآخي والمحبة فيما بينهم. ولذلك جعل
(١) تبصير المؤمنين بفقه النصر والتمكين، علي
الصلابي ص٣٠٨.
النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الأخوة
مسئولية حقيقية تشيع بين هؤلاء الأخوة،
وكانت هذه المسئولية محققة فيما بينهم
على خير وجه، لقد كانت رابطة الأخوة
بين الصحابة الكرام من أسباب قوتهم
ونصرة الله لهم. إن التحابب بين المسلمين
والحرص على روابط الأخوة المستمدة
من الإيمان والعقيدة سر قوة الأمة، ومفتاح
نجاحها(٢).
٢. الصبر والثبات.
الصبر هو زاد المؤمنين وعتادهم في
مسيرتهم إلى الله، وبلوغ مرضاته، وبغير
الصبر وتوطين النفس على ما تكره، لا
يستقيم خطو الإنسان أبدًا على طريق
الحق والخير، إذا كان ذلك الطريق دائمًا
موحشًا، تعترض سالكه الحواجز والمزالق
والعثرات!
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
أُصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠].
هذه الآية الكريمة دعوة خالصة للصبر،
تغري المسلمين به، وتحرضهم عليه، وتفتح
لهم طريق النجاح والفلاح بيده!
فالصبر والمصابرة والمرابطة وتقوى
الله، هن اللائي يمكن من أن يضع قدميه
على طريق النجاح والفلاح، وأن يقطع هذا
(٢) فقه السيرة النبوية، البوطي ص٢٠١.
www. modoee.com
٢٩٣

حرف الضاد
الطريق إلى غايته، فيظفر برضا الله، ويفوز وَتَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَأَنْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ
فَهَزَمُوهُم يلأِنٍ
اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُونَ وَءَاتَنَهُ اَللَّهُ
الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِنَّا يَشَآءُ﴾
[البقرة: ٢٥٠-٢٥١].
برضوانه. والصبر هو القوة التي يلقى بها اٌلْكَفِرِينَ
المرء المكاره والشدائد، فيحتملها في
إصرار وعزم، وفي غير وهن أو ضعف،
فذلك هو الصبر الذي يدعوا إليه الإسلام
ویزکیه(١).
فقد أمر الله تعالى في هذه الآية بأمور
أربعة: الصبر، والمصابرة، والمرابطة،
والتقوى.
والصبر: معناه ضبط النفس عن أهوائها،
وتحمل المكاره راضيًا غير ساخط، والقيام
بالطاعات على وجهها، وتجنب المعاصي،
وتحمل آثار الهزيمة، والعمل على
النهوض بعد الكبوة، وتحمل أذى الأعداء
وسخریتهم.
والمصابرة هي المغالبة بالصبر، وهي
تكون في الجهاد مع الأعداء في الملحمة،
أو في المجادلة، أو في أي مغالبة على
أي لون كانت، والمرابطة هي القيام على
الثغور الإسلامية لحمايتها من الأعداء، فهي
استعداد ودفاع وحماية للديار الإسلامية (٢).
وقد نصر الله عز وجل المؤمنون
الصابرون من بني إسرائيل لما ثبتوا أمام
عدوهم فقال تعالى: ﴿وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ
وَجُنُودِهِ، قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِعْ عَلَيْنَا صَبْرًّا
(١) التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم الخطيب
٦٨٠/١.
(٢) زهرة التفاسير، أبو زهرة ٣/ ١٥٦٠.
ابتدءوا بالدعاء بالصبر؛ لأن الصبر هو
عدة القتال الأولى وبه ضبط النفس فلا
تفزع. والدعاء الثاني: أن يمنحهم ربهم
الثبات في الزحف وعدم الفرار في النزال،
والدعاء الثالث: إجابته هو تحقيق لثمرة
الصبر والثبات.
بل بالصبر والثبات جعل منهم أئمة
يهدون بأمر الله عز وجل، قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ مَانَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ فَلَا تَكُنَ فِ
مِرْيَةٍ مِن لَّقَابِهِ، وَحَعَلْنَهُ هُدًى لِبَنِىّ إِسْرَّهِيلَ
وَحَعَلْنَا مِنْهُمْ أَيِمَّةُ يَهْدُونَ بِأَقْرِنَا لَمَّا
صَبَرُواْ وَكَانُواْ بِشَأْيَئِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:
٢٣ -٢٤].
٣. المدافعة حسب الاستطاعة.
اقتضت حكمة الله تبارك وتعالى إجراء
سنة المدافعة والصراع بين الحق والباطل.
تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ
قال
النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ
الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى
الْعَلَمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥١].
والمعنى: أن ما فطر الله عز وجل عليه
الناس من مدافعة بعضهم بعضًا عن الحق
٢٩٤
جوسي
القرآن الكريمِ

الضَّعف
والمصلحة، وهو المانع من فساد الأرض،
أي: هو سبب بقاء الحق وبقاء الصلاح.
ويعزز ذلك قوله تعالى في بیان حكمة الإذن
للمسلمين بالقتال: ﴿أَذِنَ لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ
٤
يأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ اللَّهَ عَ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرُ
الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَرِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّ أَن
يَقُولُواْ رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم
بِبَعْضِ لَّهِمَتْ صَوَمِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَتٌ وَمَسَجِدُ
يُذْكَرُ فِيهَا أَسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ
اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ: إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُّ عَزِيزٌ﴾
[الحج: ٣٩ - ٤٠].
فهذا إرشاد إلى تنازع البقاء والدفاع
عن الحق، وأنه ينتهي ببقاء الأمثل، وحفظ
الأفضل (١).
فبين سبحانه أن سنته في خلقه أن يدفع
الخير والشر، وأن تكون المدافعة بينهما
مستمرة، حتى لا تفسد الأرض، فإنه إن
غلب الشر كان الخراب والدمار، لذا قال:
﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اَللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ
لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥١].
وهذا التدافع هو ما عناه النبي صلى
الله عليه وسلم بقوله: (لا تزال طائفة من
أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم
القيامة)(٢).
(١) المنار، محمد رشيد رضا ٣٤٢/٢.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة،
باب لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على
الحق، ١٥٢٤/٣، رقم ١٩٢٣.
وبالتدافع يتحقق الخير للبشرية، وبه
يتحقق السلام العالمي؛ لأنه أزال كل
طاغوت يعبد من دون الله، ويستضعف
الناس.
قال تعالى: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَقَّ لَا تَكُونَ
فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ
أَنْتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾
[الأنفال: ٣٩].
٤. الهجرة.
كشف القرآن الكريم في آیات متعددة أن
الهجرة مما أمر به الله أنبياءه وجعلها لهم
سنة من سننهم، وتمكينًا لأهلهم وأقوامهم
من المؤمنين في الأرض، فهجرة الرسول
صلى الله عليه وسلم من بلده مكة المكرمة
إلى المدينة كانت جريًا على سنة الأنبياء
والمرسلين الذين سبقوه، فإن دعوتهم كانت
تعوق من جانب أعدائهم ويضطهدون من
قومهم، ويؤذون إيذاء قد يصل إلى حد
الإعتداء على حياتهم كما حدث للنبيين
الكريمين زكريا ويحيى عليهما السلام
فيضطرون للهجرة طلبًا للسلامة وتبليغًا
لرسالة ربهم.
والهجرة في نظر القرآن الكريم انتصار،
لأنها فرار إلى الله القوي العزيز، حتى لو
أدى ذلك إلى الموت.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ مَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُواْ أَوْ مَاتُوْلَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا
www. modoee.com
٢٩٥

حرف الضاد
حَسَنَّاً وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَبْرُ الَّزِقِينَ﴾
[الحج: ٥٨].
إن المتدبر في هذه الآية الكريمة يجد
أن القرآن الكريم يهتم بالهجرة، حيث أنه
يعالج مخاوف النفس المتنوعة، وهي تواجه
مخاطر الهجرة، في مثل تلك الظروف
التي کانت قائمة، والتي قد تتکرر بذاتها أو
بما يشابهها من المخاوف في كل حين(١).
وتظهر أيضًا منزلة الهجرة من الإيمان حين
تکون رمزًا لحقيقة الإيمان.
قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ
وَجَهَدُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَاوَواْ وَنَصَرُّوَا
أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقَّاْلَمُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌّ كَرِيمٌ﴾
[الأنفال: ٧٤].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ
هَاجَرُوا وَجَهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَبِكَ يَرْجُونَ
رَحْمَتَ اللّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨].
فكرر الموصول ((الذين)) هنا للإشارة إلى
أن الهجرة وحدها عمل زائد على الإيمان
يستحق وحده الثواب لأنه ترك للمال
والأهل، وطلب للعزة وإعزاز الدين، بدل
البقاء في الذلة والرضا بحياة المستضعفين.
وقد أمر الله عز وجل بالهجرة عند
الاستضعاف، ونهي عن البقاء تحت نير
غير المسلمين، ولذا قال تعالى: ﴿إِنَّالَّذِينَ
تَوَقَّهُمُ الْمَلَتِكَةُّ ◌َالِىّ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيَ كُمْ قَالُواْ
كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضَِّ قَالُواْ أَلَمَّ تَكُنْ أَرْضَُ اَللَّهِ
وَسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَكَ مَأْوَنَّهُمْ جَهَنَّمٌ وَسَآءَتْ
مَصِيًّا ( ٢) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَآءِ
وَاَلْوِلْدَنِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةٌ وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا
) فَأَوْلَيْكَ عَسَى اَللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمُّ وَكَانَ اللَّهُ
٩٨
عَفُوًّا غَفُورًا وَمَن يُّهَاجِرْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ
مُرَغَمَا كَثِيرًا وَسَعَّةٌ وَمَن يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى
اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُدْرِكِهُ اَلْوَتُّ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ، عَلَى اللّهُ
وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ٩٧ - ١٠٠](٢).
وهذا تحريضٌ على الهجرة، وترغيبٌ
في مفارقة المشركين، وأن المؤمن حيثما
ذهب وجد عنهم مندوحة وملجأ يتحصن
فيه، عن أبي ضمرة بن العيص الزرقي
الذي كان مصاب البصر وكان بمكة، فلما
نزلت ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَآءِ
وَاُلْوِلْدَنِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةٌ ﴾ فقلت: إني لغنيٌ
وإني لذو حيلة، فتجهز يريد النبي صلى
الله عليه وسلم، فأدركه الموت بالتنعيم،
فنزلت هذه الآية: ﴿وَمَنِ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
يَجِدْ فِ الْأَرْضِ مُرَغَمَا كَثِيرًا وَسَمَةُ، وَمَن يَخْرُجُ مِنْ بَلْتِهِ،
مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ﴾(٣).
فبالرغم من إصابة بصره ((قال لبنيه:
احملوني فإني لست من المستضعفين، وإني
لأهتدي الطریق، وإني لا أبيت الليلة بمكة،
(١) انظر: الهجرة في القرآن الكريم، أحزمي
جزولي ص ٧٥.
(٢) زهرة التفاسير، أبو زهرة ٢/ ٦٩٤.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥٢٢/١.
٢٩٦
جوسي
الْقُرْآن الكَرِيمِ

الضَعف
فحملوه على سرير، متوجهًا إلى المدينة،
وكان شيخًا کبیرًا، فمات بالتنعيم، ولما
أدركه الموت أخذ یصفق بیمینه علی شماله،
ويقول: اللهم هذه لك وهذه لرسولك صلى
الله عليه وسلم، أبايعك على ما بايع عليه
رسولك)» (١).
فهؤلاء هم الصادقون في إیمانهم، إذ قد
فعلوا ما يدل على الإخلاص فيه والرغبه
الصادقة من نيل المغفرة والكرامة عند ربهم.
قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِنَ الَّذِينَ
أُخْرِجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَأَمْوَ لِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا
مِّنَ اَللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، أُوْلَكَ هُمُ
الصَّدِقُونَ ﴾ [الحشر: ٨].
فهم قد أخرجوا من ديارهم وهي العزيزة
على النفوس، المحببة إلى القلوب، ((وما
فعلوا ذلك إلا لإعلاء منار الدين ورفعة
شأنه، وذیوع ذکره فحق لهم من ربهم النعيم
المقيم، وجزيل الثواب بما لا عين رأت،
ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر،
كفاء ما قاموا به من جليل الأعمال وعظيم
الخلال)» (٢).
ثالثًا: عاقبة الاستضعاف:
إن الواجب الشرعي یحتم علينا أن نتدبر
القرآن العظيم في قصص الأنبياء، نجد أن
عاقبة الاستضعاف التمكين.
(١) أسباب النزول، الواحدي ص ١٨١.
(٢) تفسير المراغي ٢٨/١٠.
قال تعالى: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ آَسْتَعِينُواْ
بِاللّهِ وَأَصْبِرُوَاْ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا
مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِهُ وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ
! قَالُواْ أُوْذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ
بَعْدِ مَا جِئْتَنَأْ قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ
عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِ اَلْأَرْضِ
فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ [الأعراف: ١٢٨ -
١٢٩].
إنه مشهد النبي موسى عليه السلام مع
قومه، يحدثهم بقلب النبي ولغته، ومعرفته
بحقيقة ربه، وبسنته وقدره، فيوصيهم
باحتمال الفتنة، والصبر على البلية،
والاستعانة بالله عليها، ويعرفهم بحقيقة
الواقع الكوني، فالأرض لله يورثها من
يشاء من عباده، والعاقبة لمن يتقون الله ولا
يخشون أحدًا سواه (٣).
فنجد أن موسى عليه السلام أمر قومه
بشیئین، وبشرهم بشيئين:
أما اللذان أمر موسى عليه السلام بهما
فهما: الاستعانة بالله تعالى، والصبر
على بلاء الله، وإنما أمرهم بذلك لأنه
ليس للمستضعفين ((إلا ملاذ واحد،
وهو الملاذ الحصين الأمين، وإلا
وليٍّ واحد وهو الولي القوي المتين،
وعليهم أن يصبروا حتى يأذن الولي
بالنصرة في الوقت الذي قدره بحكمته
(٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ١٣٥٥/٣.
www. modoee.com
٢٩٧

حرفالضاد
وعلمه وألا يعجلوا، فهم لا يطلعون
الغيب، ولا يعلمون الخير))(١)، قال
تعالى: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَئِكُمْ فَنِعْمَ
اَلْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج: ٧٨].
وأما اللذان بشر بهما، فالأول: وراثة
الأرض وهذا إطماع من موسى قومه
في أن یورثهم الله تعالی أرض فرعون
بعد إهلاكه، وذلك معنی الإرث: وهو
جعل الشيء للخلف بعد السلف.
والثاني: قوله: ﴿وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾
أي: العاقبة الحسنى والمصير الأفضل
لکل من اتقى الله تعالی وخافه، سواء
في الدنيا أو الآخرة، أما في الدنيا فهو
الفتح والنصر على الأعداء، وأما في
الآخرة فهو نعيم الجنة(٢).
إن الأرض لله، وما فرعون وقومه
إلا نزلاء فيها، والله يورثها من يشاء من
عباده -وفق سنته وحكمته- فلا ينظر
المستضعفون إلى شيء من ظواهر الأمور
التي تخيل للناظرين أن الطاغوت مكين في
الأرض غير مزحزح عنها، فصاحب الأرض
ومالكها هو الذي يقرر متى يطردهم منها.
وإن العاقبة للمتقين طال الزمن أم قصر،
فلا يخالج قلوب المستضعفين قلق على
المصیر، ولا یخایل لهم تقلب الذين كفروا
في البلاد، فیحسبونهم باقین (٣).
وتم الوعد الحق، وأورثهم الله جل
جلاله مشارق الأرض ومغاربها المباركة
بما صبروا.
قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ
يُسْتَضْعَفُونَ مَشَرِقَ الْأَرْضِ وَمَغَرِبَهَا
الَّتِى بَرَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى
عَلَى بَنِيّ إِسْرَّهِ يلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا
كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ, وَمَا كَانُواْ
يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧].
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَافِى الزَّبُورِ
مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ
الصََّلِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥].
فجدير بالمؤمنين بالله تعالى ورسله أن
يتفكروا في وعد الله تعالى للمؤمنين بالنصر
كما وعد المرسلين إذا هم قاموا بما أمرهم
تعالى به على ألسنتهم، وأن لا يستعظموا في
هذه السبيل قوة الدول الظالمة لهم)) (٤).
قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ﴾
[غافر: ٥١].
وقال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ
الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧].
الَّذِينَ
وعَدَ اللهُ
وقوله سبحانه وتعالى:
ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ
(١) المصدر السابق.
(٢) التفسير المنير، الزحيلي ٥٨/٥.
جوبيبو
القرآن الكريم
(٣) في ظلال القرآن ٣/ ١٣٥٥.
(٤) المنار، محمد رشيد رضا ٩/ ٧٦.
٢٩٨

الضَّعف
فيِ الْأَرْضِ كَمَا أُسْتَخْلَفَ اَلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ
وَلَيُمَكِّنَنَّ لَمْ دِيْنَهُمُ الَّذِى أَرْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِلَهُم
مِّنْ بَعْدٍ خَوْفِهِمْ أَمْنَا يَعْبُدُونَفِى لَا يُشْرِكُونَ
بِ شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَوْلَيْكَ هُمُ
اُلْفَسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥].
ولعل في قصة موسى عليه السلام في
سورة القصص ما یبین للمسلم کیف تتدخل
قدرة الله تعالى في نصر المستضعفين.
قال تعالى: ﴿ وَثُرِيدُ أَنْ ثَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ
أُسْتُضْعِفُواْ فِي الْأَرْضِ وَغَجْمَلَهُمْ أَبِمَّةً
وَجْعَلَهُمُ الْوَرِنَ ا وَثُمَكِّنَ لَّمْ فِ اَلْأَرْضِ
وَثُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَحُنُودَهُمَا مِنْهُم ◌َّا
كَانُواْ يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٥-٦].
فكان الضعف علامة على التمكين،
(«فذكر سبحانه ما أكرم به هذه الأمة وما أتاح
لها من السلطان الديني والدنيوي، فتأسست
لهم دولة عظيمة في بلاد الشام، وصاروا
يتصرفون في أرض مصر كما شاؤوا
وخلاصة الأمر:
إن فرعون علا في الأرض.
استضعف حزبًا من أحزاب مصر.
قتل الأبناء.
استحيا النساء.
إنه كان من المفسدين
وقد قابل سبحانه هذه الخمسة بخمسة
مثلها تکرمه لبني إسرائيل:
﴾ إنه مَنَّ عليهم بإنقاذهم من بطش فرعون
وجبروته.
إنه جعلهم أئمة مقدمین في الدارين.
إنه ورثهم أرض الشام.
إنه مكن لهم في أرض الشام ومصر.
# إنه أری فرعون وهامان وجنودهما ما
كانوا يحذرون من ذهاب ملكهم على
أیدیھم.
وانظر إلى الدولتين الفارسية والرومية،
وما كان لهما من مجد بازخ، وملك واسع،
كيف دالت دولتهما، وذهب ريحهما بظلم
أهلهما، وتقسم ملكهما، ثم قامت بعدهما
الدولة العربية وعاشت ما شاء الله أن تعيش،
ثم قام بعدها بنوا عثمان، وملكوا أكثر مما
كان بيد الأمة العربية، ثم هرمت دولتهم
وشاخت واستولت عليها ممالك أوربا:
﴿قُلِ اَللَّهُمَّ مَلِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ
وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَنْ قَشَاءُ وَتُذِلُ
مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرٌّ إِنَّكَ عَلَ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل
عمران: ٢٦](١).
موضوعات ذات صلة:
الذل، العزم، المرض، الوهن
(١) تفسير المراغي ١١٩/٧ - ١٢٠.
www. modoee.com
٢٩٩