Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
الصَّيرة
عناصر الموضوع
مفهوم الصبر في القرآن
٢٠٢
الصبر في الاستعمال القرآني
٢٠٣
الالفاظ ذات الصلة
٢٠٤
الأسلوب القرآني في الحث على الصبر
٢٠٦
مجالات الصبر ومظاهره
٢٤٢
ثمرات الصبر
٢٥٤
المُجَلَدُ العُشْرُونْ

حف الصاد
مفهوم الصبر في القرآن
أولًا: المعنى اللغوي:
أَصلِ الصَبْر في اللغة الحَيْس، وكل من حَبَس شيئًا فقد صَبَرَه، والمَصُورة التي نُّهِی عنها
هي المَحْبُوسَة على المَوْت، وكل ذي روح يُصْبَر حيّا، ثم يُرْمَى حتى يُقْتَل فقد قُتِل صبرًا (١).
قال ابن فارس: («الصبر: الصاد والباء والراء أصولٌ ثلاثة: الأول: الحبس، والثاني: أعالي
الشيء، والثالث: جنس من الحجارة، وقد اشتق الصبر المراد هنا من المعنى الأول، وهو
الحبس، يقال: صبرت نفسي على ذلك الأمر، أي: حبستها)) (٢).
وقال الراغب: ((الصبر: الإمساك في ضيق، يقال: صبرت الدابة بمعنى حبستها بلا
علف))(٣).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
قال الراغب: ((هو حبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع، أو عما يقتضيان حيسها
عنه)»(٤).
وقيل: ((هو حبس النفس عن الجزع والتسخط، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس
الجوارح عن التشويش))(٥).
وقال الجرجاني: ((هو ترك الشكوى من ألم البلوى لغير الله إلا إلى الله))(٦).
(١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٤٣٧/٤.
(٢) مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٢٩/٣.
(٣) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٥٦٥.
(٤) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٥٦٥.
(٥) مدارج السالكين، ابن القيم ١٥٦/٢.
(٦) التعريفات، الجرجاني ص ١٧٢.
ـَ النَِّّيَّـ
جوبنيـ
الْقُرْآن الكَرِيمِ
٢٠٢

الصبر
الصبر في الاستعمال القرآني
وردت مادة (ص ب ر) في القرآن الكريم (١٠٣) مرات (١).
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
٢٢
الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
[النحل: ٤٢]
٤٢
الفعل المضارع
١١
﴿وَأَنْ تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [النساء: ٢٥]
فعل الأمر
٢٩
[الأعراف: ١٢٨]
المصدر
١٥
[يوسف: ١٨]
اسم الفاعل
٢٢
قَالَ سَتَجِدُنِىّ إِن شَآءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ [الكهف: ٦٩]
﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتِ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ
صيغة المبالغة
٤
[إبراهيم: ٥ ]
وجاء الصبر في القرآن على وجهين (٢):
الأول: حبس النفس: ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْتَهُ صَابِرَاً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ: أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤٤].
وهو الأعم في القرآن.
الثاني: الجرأة: ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥]. يعني: فما
أجرأهم على النار.
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٣٩٩-٤٠١.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص ٣٠١.
www. modoee.com
٢٠٣
قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ أَسْتَعِينُواْ بِاللَّهِ وَأَصْبِرُوّا﴾
﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ
١٨

حرف الصاد
الالفاظ ذات الصلة
الحلم:
١
الحلم لغة :
الأَناة، والتثبت فِي الأُمور (١).
الحلم اصطلاحًا:
ضبط النفس والطبع عن هيجان الغضب(٢).
الصلة بَينِ الصَبْر والحلم:
أَن الْحلم هُوَ الْإِمْهَال بِتَأْخِيرِ الْعقَاب الْمُسْتَحق والحلم من الله تعالى من العصاة فِي
الدُنْيَا فعل يُنَافِي تَعْجِيل الْعُقُوبَة مِن النِعْمَة والعافية، وَلَا يَصح الْحلم إِلَّا مِمَن يقدر على
الْعُقُوبَة، وَمَا يجْرِي مجْراها من التَأْدِيب بِالضَرْبِ (٣). أما الصبر فهو حبس النفس عن الجزع
والتسخط.
الاحتمال:
٢
الاحتمال لغة:
الإِحْتِمَالُ الْغَضَبُ. يُقَالُ احْتُمِلَ، إِذَا غَضِبَ. واحْتَمَلَهُ الْغَضَبُ، وَأَقَلَهُ الْغَضَبُ، وَذَلِكَ إِذَا
أَزْ عَجَهُ(٤).
الاحتمال اصطلاحًا:
إتعاب الْبدن فِي الْحَسَنَات (٥).
الصلة بَين الصَبْرِ وَالإِحْتِمَال:
أَن الإِحْتِمَال للشَيْء يُفيد كظم الغيظ فِيهِ، وَالصَبْر على الشدَة يُفِيد حبس النفس عن
الْمُقَابِلَة عَلَيْهِ بالْقَوْلِ وَالْفِعْل،
وَالصَبْر عَنِ الشَيْء يُفِيد حبس النَفس عَن فعله (٦).
(١) لسان العرب، ابن منظور ١٢ / ١٤٦.
(٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٢٥٣.
(٣) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص ٢٠٠.
(٤) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١٠٦/٢.
(٥) التعريفات، الجرجاني ص١٢.
(٦) الفروق اللغوية، العسكري ص٢٠٠.
ـَ النَّسَّ
جَوَسُوع
القرآن الكريمِ
٢٠٤

الصبر
الجزع:
٣
الجزع لغة:
الْجَزَعُ: نَقِيضُ الصَيْرِ، وَهُوَ انْقِطَاعُ الْمُنَةِ عَنْ حَمْلِ مَا نَزَلَ(١).
الجزع اصطلاحًا:
والجزع ◌ِظْهَار مَا يُلْحق الْمُصَاب من المضض (٢).
الصلة بين الصبر والجزع:
الصبر حبس النفس المصادفة المكروه، وصبر الرجل: حبس نفسه عن إظهار الجزع،
والجزع إظهار ما يلحق المصاب من المضض والغم (٣).
السخط:
٤
السخط لغة:
الْكَرَاهِيَةُ لِلشَّيْءِ، وَعَدَمُ الْرِضَا بِهِ (٤).
السخط اصطلاحًا:
الغضب الشديد المقتضي للعقوبة (٥).
الصلة بين الصبر والسخط:
الصبر: هو ترك الشكوى من ألم البلوى لغير الله، أما السخط فهو الغضب الشديد
المقتضي للعقوبة، ولا يكون إلا من الكبير على الصغير، يقال: سخط الأمير على الحاجب،
ولا يقال: سخط الحاجب على الأمير، والسخط إذا عديته بنفسه؛ فهو خلاف الرضا (٦).
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس ١ / ٤٥٣.
(٢) الفروق اللغوية، العسكري ص ٢٠١.
(٣) الفروق اللغوية، العسكري ص ٢٠٠.
(٤) لسان العرب، ابن منظور ٣١٣/٧.
(٥) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٤٠٢.
(٦) الفروق اللغوية، العسكري ص٣٨٦.
www. modoee.com
٢٠٥

حرف الصاد
الأسلوب القرآني في الحث على الصبر
أولًا: أسلوب الطلب:
ورد الصبر في القرآن بأساليب متنوعة
فتارة يكون بأسلوب الأمر الصريح للنبي
صلى الله عليه وسلم وأتباعه المؤمنين،
وتارة يكون بالنهي عن ضد الصبر:
١. الأمر بالصبر.
ورد في آيات متعددة منها قوله تبارك
وتعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَصْبِرُواْ
وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠].
قال الحسن البصري رحمه الله: ((أمروا
أن يصبروا على دينهم، الذي ارتضاه الله
لهم، وهو الإسلام، فلا يدعوه لسراء ولا
الضراءَ، ولا لِشِدَة ولا لِرِخَاء، حتى يموتوا
مسلمين، وأن يصابروا الأعداء الذين
یکتمون دینھم، و کذلك قال غير واحد من
علماء السلف)) (١)، وقال أبو حيان: ((ختم
الله تعالى هذه السورة بهذه الوصاية، التي
جمعت الظهور في الدنيا على العدو،
والفوز بنعيم الآخرة، فأمره تعالى بالصبر
والمصابرة والرباط، فقيل: اصبروا وصابروا
بمعنى واحد للتأكيد، وقال الحسن، وقتادة،
والضحاك، وابن جريج: اصبروا على طاعة
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٩٥/٢.
الله في تكاليفه، وصابروا أعداء الله في
الجهاد، ورابطوا في الثغور في سبيل الله،
أي: ارتبطوا الخيل كما يرتبطها أعداؤكم،
وقال أبي، ومحمد بن كعب القرظي: هي
مصابرة وعد الله بالنصر، أي: لا تسأموا
وانتظروا الفرج، وقيل: رابطوا، استعدوا
للجهاد كما قال: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم
مِن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ، عَدُوَّ
اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]))(٢).
وقال البغوي رحمه الله: ((قال الحسن:
اصبروا على دينكم، ولا تدعوه لشدة ولا
رخاء، وقال قتادة: اصبروا على طاعة الله،
وقال الضحاك ومقاتل بن سليمان: على أمر
الله، وقال مقاتل بن حيان: على أداء فرائض
الله تعالى، وقال زيد بن أسلم: على الجهاد،
وقال الكلبي: على البلاء، وصابروا يعني:
الكفارَ، ورابطوا يعني: المشركين، قال أبو
عبيدة: أي: داوموا واثبتوا، والربطُ الشَّدُ،
وأصل الرباط أن يربط هؤلاء خيولهم،
وهؤلاء خيولهم، ثم قيل: لكل مقيم في ثغر
يدفعُ عمن وراءه، وإن لم یکن له مركب»(٣).
والصبر يدخل تحته أنواع: الصبر على
مشقة النظر والاستدلال على الطاعات،
وعلى الاحتراز عن المنهيات، وعلى شدائد
الدنيا من الفقر، والقحط والخوف، وأما
(٢) البحر المحيط ١٥٦/٣ بتصرف يسير.
(٣) معالم التنزيل ٢/ ١٥٦.
٢٠٦
جَوَسُولَةُ النَّقِين
القرآن الكريم

الصبر
المصابرة فهي تحمل المكاره الواقعة بينه الحكم بين الفريقين إلى يوم الحساب،
وليس هو المراد من كلامه؛ لأنه لا يناسب
وبين غيره، كتحمل الأخلاق الرديئة من
أهله وجيرانه، وترك الانتقام، كقوله تعالى:
﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَِهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩].
قوله: ﴿فَاصپرُوا﴾ إذا كان خطابًا للفریقین،
فإن كان خطابًا للمؤمنين خاصة؛ صح إرادة
الحکمین جمیعًا، وأدخل نفسه في المحكوم
وإيثار الغیر علی نفسه، والأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر.
بينهم بضمير المشاركة؛ لأن الحكم المتعلق
وقوله: ﴿أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ﴾ [آل عمران: بالفريق الذين آمنوا به يعتبر شاملًا له؛ لأنه
٢٠٠] من الجناس اللفظي (١).
وَإِن كَانَ طَّابِفَةَ
وقال الله تعالى:
مِنكُمْ ءَامَنُواْ بِالَّذِىَ أُرْسِلْتُ بِهِ، وَطَآئِفَةٌ
لَمْ يُؤْمِنُواْ فَأَصْبِرُواْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَأْ وَهُوَ خَيْرٌ
اَلْحَكِمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٧].
قال الإمام البغوي رحمه الله في
قوله: ﴿فَأَصْبِرُواْ حَتَّى يَحْكُمَ اَللَّهُ يَيْنَنَا﴾
[الأعراف: ٨٧]: ((بتعذيب المكذبين وإنجاء
المصدقين))(٢)
٠
وقال ابن عاشور رحمه الله: (وحكم الله
أريد به حكم في الدنيا، بإظهار أثر غضبه
على أحد الفريقين، ورضاه على الذين
خالفوهم؛ فيظهر المحق من المبطل، وهذا
صدر عن ثقة شعيب عليه السلام بأن الله
سیحکم بینه وبین قومه، استنادًا لوعد الله
إياه بالنَصْر على قومه، أو لعلمه بسنة الله
في رسله ومَن كذبهم، بإخبار الله تعالى
إياه بذلك، ولولا ذلك؛ لجاز أن يتأخر
(١) انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل
الدمشقي الحنبلي ١٣٥/٦.
(٢) معالم التنزيل، البغوي ٢٥٧/٣.
مؤمن برسالة نفسه، وجملة: ﴿وَهُوَ خَيْرُ
الْحَكِمِينَ﴾ تذييل بالثناء على الله؛ بأن
حكمه عَدْل محض، لا يحتمل الظلم عَمدًا
ولا خطأ، وغیره من الحاکمین یقع منه أحد
الأمرين أو كلاهما))(٣).
وقال صاحب اللباب: ((قوله:
﴿فَأَصْبِرُواْ﴾ يجوز أن يكون الضمير
للمؤمنين من قومه، وأن يكون للكافرين
منهم، وأن يكون للفريقين، وهذا هو الظاهر
أمر المؤمنين بالصبر ليحصل لهم الظفر
والغلبة، والكافرون مأمورون به لينصر
الله عليهم المؤمنين لقوله: ﴿قُلْ تَرَبَّصُواْ﴾
[الطور: ٣١]. أو على سبيل التنازل معهم أي:
اصبروا؛ فستعلمون من ينتصر، ومن یغلب
مع علمه بأن الغلبة له)» (٤).
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٥٥/٥.
وانظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود
٢٤٨/٣، محاسن التأويل، القاسمي
١٤٨/٥.
(٤) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل الدمشقي
الحنبلي ٩/ ٢١٤.
www. modoee.com
٢٠٧

حرف الصاد
والشوكاني رحمه الله يرى أن هذا من ذلك تأدبًا))(٣).
باب التهديد والوعيد الشديد لهم، ولیس
هو من باب الأمر بالصبر على الكفر، وحکم
الله بين الفريقين هو نصر المحقين على
المبطلين ومثله قوله تعالى: ﴿فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا
مَعَكُمْ مُتَرَبِصُونَ﴾ [التوبة: ٥٢](١).
قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ
وقال الله تعالى:
أَسْتَعِينُواْ بِاللَّهِ وَأَصْبِرُواْ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ
يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِهُ وَالْعَقِبَةُ
لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨].
يخبر الله تبارك وتعالى في هذه الآية بأن
نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام خاطب
قومه بهذا الخطاب؛ تطمينًا لقلوبهم، وتعليمًا
لهم بنصر الله إياهم؛ لأنه علم ذلك بوحي
الله إليه حین توعده فرعون، قال أبو حيان
رحمه الله: ((لما توعدهم فرعون جزعوا
وتضجروا؛ فسكنهم موسى عليه السلام
وأمرهم بالاستعانة بالله وبالصبر، وسلاهم،
ووعدهم النصر، وذكرهم ما وعد الله بني
إسرائيل من إهلاك القبط، وتوريثهم أرضهم
وديارهم، ﴿إِنَ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن
يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِهُ﴾))(٢).
وقال التستري: ((أمرهم أن يستعينوا بالله
على أمر الله؛ فيقهروا ما فيها، ويستولوا
عليها وعلى مخالفتها، وأن يصبروا على
(١) فتح القدير، الشوكاني ٣٢٧/٢.
(٢) البحر المحيط، أبو حيان ٤/ ٣٦٧.
جوببيو
القرآن الكريم
قال الماوردي رحمه الله: (قوله عز
وجل: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ أَسْتَعِينُواْ بِاللَّهِ
وَأَصْبِرُواْ﴾ يحتمل وجهين:
أحدهما: أنه أمرهم بذلك؛ تسلية لهم
من وعيد فرعون، كما يقول من نالته شدة:
استعنت بالله.
والثاني: أنه موعد منه بأن الله سيعينهم
على فرعون إن استعانوا به.
ثم قال: ﴿واصپرُوا﴾ يحتمل وجهين:
أحدهما: واصبروا على ما أنتم فيه من
الشدة طمعًا في ثواب الله.
والثاني: أنه أمرهم بالصبر انتظارًا لنصر
الله)) (٤).
وقال الله تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.
وَلَا تَنَزَعُواْ فَنَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَأَصْبِرُوَاْ إِنَّ
اَللَّهَ مَعَ الصَّبِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦].
قال أبو جعفر الطبري رحمه الله:
(يقول تعالى ذكره للمؤمنين به: أطيعوا
أيها المؤمنون ربّكم ورسوله فيما أمركم
به ونهاكم عنه، ولا تخالفوهما في شيء،
ولا تختلفوا؛ فتفرقوا، وتختلف قلوبكم
يقول: فتضعفوا وتجبنوا،
فَنَفْشَلُواْ﴾
﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾، وإنما يراد به في هذا
الموضع: وتذهب قوتكم وبأسكم؛ فتضعفوا
(٣) تفسير التستري، ١/ ٦٧.
(٤) النكت والعيون، الماوردي ٢٤٩/٢.
٢٠٨

الصبر
ويدخلكم الوهن والخلل، ﴿وَأَصْبِرُوَأَ﴾
مع نبي الله صلی الله عليه وسلم عند لقاء
وَإِنَّ
عدوكم، ولا تنهزموا عنه وتتركوه
اَللَّهَ مَعَ الصَّبِينَ﴾، يقول: اصبروا فإني
معکم))(١).
وقال القرطبي رحمه الله: ((بأن هذا
أمر بالصبر، وهو محمود في كل المواطن
وخاصة موطن الحرب، كما قال: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ
فِئَةٌ فَأَقْبُتُواْ﴾ [الأنفال: ٤٥]))(٢).
وفي هذه الآية تعليم من الله تبارك
وتعالى لعباده المؤمنين آداب اللقاء،
وطريق الشجاعة عند مواجهة الأعداء،
فقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً
فَتْبُتُواْ﴾ [الأنفال: ٤٥](٣).
وثبت عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله
عنهما عن رسول الله صلی الله علیه وسلم
أنه انتظر في بعض أيامه التي لقي فيها العدو
حتى إذا مالت الشمس قام فيهم، فقال: (يا
أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله
العافية، فإذا لقيتموهم؛ فاصبروا، واعلموا أن
الجنة تحت ظلال السيوف)(٤).
(١) جامع البيان، الطبري ٥٧٥/١٣، بتصرف
يسير.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٤/٨،
بتصرف يسير.
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/ ٧٠.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد
والسير، باب كان النبي صلى الله عليه وسلم
إذا لم يقاتل أول النهار أخر القتال حتى تزول
وقال ابن كثير رحمه الله: ((فأمر تعالى
بالثبات عند قتال الأعداء، والصبر على
مبارزتهم، فلا يفروا، ولا ينكلوا، ولا
يَجْبُنوا، وأن يذكروا الله في تلك الحال،
ولا ينسوه، بل يستعينوا به، ويتكلوا عليه،
ويسألوه النصر على أعدائهم، وأن يطيعوا
الله ورسوله في حالهم ذلك، فما أمرهم الله
تعالی به ائتمروا، وما نهاهم عنه انزجروا،
ولا يتنازعوا فيما بينهم أيضًا؛ فيختلفوا؛
فیکون سببًا لتخاذلهم وفشلهم، وقد كان
للصحابة رضي الله عنهم في باب الشجاعة،
والائتمار بأمر الله، وامتثال ما أرشدهم إليه،
ما لم يكن لأحد من الأمم والقرون قبلهم،
ولا يكون لأحد ممن بعدهم»(٥).
وقال الله تعالى: ﴿وَأَتَّبِعْ مَا يُوحَىَ إِلَيْكَ
وَأَصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اَللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ﴾
[يونس: ١٠٩].
هذا أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بأن
يتمسك بما أنزل الله عليه، وأوحاه إليه،
ويصبر على مخالفة من خالفه من الناس؛
حتى يفتح الله بينه وبينهم، وهو سبحانه خیر
الفاتحین بعدله وحكمته(٦).
وقال القرطبي رحمه الله: ((معناه اصبر
الشمس، رقم ٢٨٠٤، ومسلم في صحيحه،
كتاب الجهاد والسير، باب كراهة تمني لقاء
العدو والأمر بالصبر عند اللقاء، رقم ١٧٤٢ .
(٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/ ٧٢.
(٦) انظر: المصدر السابق ٣٠١/٤.
www. modoee.com
٢٠٩

حرف الصاد
على الطاعة وعن المعصية)) (١).
وحكم الله في هذه الآية لم يبينه، وقد بينه
في آيات كثيرة، قال الشنقيطي رحمه الله:
(لم يبين هنا ما حكم الله به بين نبيه وبين
أعدائه، وقد بين في آيات كثيرة أنه حكم
بنصره عليهم، وإظهار دينه على كل دين،
كقوله: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاَلْفَتْحُ﴾
[النصر: ١] إلى آخر السورة.
وقوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَالَكَ فَتْحًامُبِينًا﴾[الفتح: ١]
إلى آخرها.
وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِ اْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ
أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ الآية
[الرعد: ٤١].
إلى غير ذلك من الآيات)»(٢).
وقال الله تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ
نُوحِيَهَا إِلَيْكٌ مَاكُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ
هَذَا فَأَصْبِرٍّ إِنَّ الْعَقِبَةَ لِلْمُنَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩].
قال ابن كثير رحمه الله: ((فاصبر على
تکذیب من کذبك من قومك، وأذاهم لك،
فإنا سننصرك ونحوطك بعنايتنا، ونجعل
العاقبة لك ولأتباعك في الدنيا والآخرة، كما
فعلنا بإخوانك المرسلين حيث نصرناهم
على أعدائهم، ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ فِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ
يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٨٩/٨،
بتصرف يسير.
(٢) أضواء البيان، الشنقيطي ٢/ ١٦٣.
وَلَهُمْ سُوَّهُ أُلنَّارِ﴾ [غافر: ٥١-
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَنْنَا لِعِبَادِنَا
الْمُرْسَلِينَ { إِنَّهُمْ لَمُمُ الْمَنْصُورُونَ (٣)﴾ وَإِنَّ جُنْدَنَا
◌َهُمُ الْغَلِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣].
وقال تعالى: ﴿فَأَصْبِرِّ إِنَّ الْعَقِبَةَ
لِلْمُنَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩]))(٣).
والأمر بالصبر للنبي صلى الله عليه وسلم
في هذه الآية على القيام بأمر الله، وتبليغ
الرسالة، وما تلقى من أذى الكفار كما صبر
نوح عليه الصلاة والسلام، ووعده بأن عاقبة
الصبر هي النصر في الدنيا والفوز بالجنة في
الآخرة، وهي أمر لأتباعه صلى الله عليه
وسلم خاصة الدعاة إلى الله عز وجل، فإن
علیهم أن يقوموا بواجب الدعوة إلى الله عز
وجل وتبليغ دينه والعاقبة للمتقين.
قال ابن عطية رحمه الله في قوله:
﴿فَأَصْبِرِّ إِنَّ الْعَقِبَةَ لِلْمُنَّقِينَ﴾: ((أي:
فاجتهد في التبليغ، وچِدَ في الرسالة، واصبر
على الشدائد، واعلم أن العاقبة لك، كما
كانت لنوح في هذه القصة))(٤).
وقال الله تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ فَإِنَّاللَّهَ لَا يُضِيعُ
أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [هود: ١١٥].
قال أبو جعفر الطبري: ((يقول تعالى
ذكره: واصبر، يا محمد، على ما تلقى من
مشركي قومك من الأذى في الله والمكروه؛
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٢٨/٤.
(٤) المحرر الوجيز، ابن عطية ٣/ ١٩٤.
٢١٠
ـُ النَِّّ
جَوَسُوع
القرآن الكريم

الصبر
رجاءَ جزيل ثواب الله على ذلك، فإن الله الله كافيك وناصرك، ومؤيدك، ومظهرك
لا يضيع ثوابَ عمل من أحسن؛ فأطاع الله، ومُظْفِرك بهم)» (٤).
واتبع أمره؛ فيذهب به، بل يوفره أحوج ما
یکون إلیه»(١).
وقال البيضاوي رحمه الله: ((﴿ وَاصْیر﴾
على الطاعات وعن المعاصي، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا
يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ عدول عن الضمير؛
لیکون کالبرهان علی المقصود، ودلیلا علی
أن الصلاة والصبر إحسان، وإيماء بأنه لا
يعتد بهما دون الإخلاص)) (٢)
وقال ابن سعدي رحمه الله: ((﴿فَإِنَّاللَّهَلَا
يُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِينَ﴾ بل يتقبل الله عنهم
أحسن الذي عملوا، ويجزيهم أجرهم،
بأحسن ما كانوا يعملون، وفي هذا ترغيب
عظيم للزوم الصبر، بتشويق النفس الضعيفة
إلى ثواب الله، كلما ونت وفترت))(٣).
صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِّ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ
فِىِ ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٢٧].
قال ابن كثير رحمه الله: ((قال تعالى:
﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: على من
خالفك، لا تحزن عليهم؛ فإن الله قدر ذلك،
﴿وَلَا تَكُ فِ ضَيْقٍ﴾ أي: غم ﴿مِّمَّا
يَمْكُرُونَ﴾ أي: مما يجهدون أنفسهم
في عداوتك، وإيصال الشر إليك، فإن
(١) جامع البيان، الطبري ١٥/ ٥٢٦.
(٢) أنوار التنزيل، البيضاوي ٣/ ١٥١.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٣٩١.
وقال البغوي رحمه الله في قوله:
((﴿ وَأَصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا يِلَّهَّ﴾
أي:
بمعونة الله وتوفيقه،
وَلَا
تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ
في إعراضهم عنك، ﴿وَلَا تَكُ فِ ضَيْقٍ
مِّمَّا يَمْكُرُونَ﴾ أي: فيما فعلوا من
الأفاعيل»(٥).
وصرح الله تبارك وتعالى بالأمر بالصبر
في هذه الآية لرسوله صلی الله عليه وسلم؛
لأنه أولى الناس به لزيادة علمه بالله ووثوقه
علیه»(٦).
ويقول ابن سعدي رحمه الله: ((أمر
رسوله بالصبر على دعوة الخلق إلى الله
والاستعانة بالله على ذلك وعدم الاتكال
على النفس، فقال: ﴿وَأَصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ
وقال الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَصْبِرْ وَمَا إِلَّا بِاللَّهِ﴾ هو الذي يعينك عليه ويثبتك،
﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ إذا دعوتهم فلم تر
منهم قبولًا لدعوتك، فإن الحزن لا يجدي
عليك شيئًا، ﴿وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ﴾ أي:
شدة وحرج ﴿مِّمَا يَمْكُرُونَ﴾ فإن
مكرهم عائد إليهم، وأنت من المتقين
المحسنين)»(٧).
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤ / ٦١٥.
(٥) معالم التنزيل، البغوي ٥٤/٥.
(٦) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ٢٤٥/٣،
البحر المديد، ابن عجيبة ٤ /٩٦.
(٧) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤٥٢.
www. modoee.com
٢١١

حرف الصاد
وقال الله تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ
الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْمَشِّ يُرِيدُونَ
وَجْهَةٌ، وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوةِ
الدُّنيَّا وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَأَتَّبَعَ
هَوَنَهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرْطًا﴾ [الكهف: ٢٨].
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: ((أي:
اجلس مع الذین یذکرون الله ویھللونه،
ويحمدونه ويسبحونه ویکبرونه، ويسألونه
بكرة وعشيا من عباد الله، سواء كانوا فقراء
أو أغنياء، أو أقوياء أو ضعفاء، يقال: إنها
نزلت في أشراف قريش، حين طلبوا من
النبي صلى الله عليه وسلم أن يجلس معهم
وحده، ولا يجالسهم بضعفاء أصحابه،
كبلال وعمار وصهيب وخباب وابن
مسعود، وليفرد أولئك بمجلس على حدة،
فنهاه الله عن ذلك، فقال: ﴿وَلَا تَطْرُِّ الَّذِينَ
يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْوِ وَالْعَشِ﴾ الآية [الأنعام:
٥٢].
وأمره أن يصبر نفسه في الجلوس مع
هؤلاء، فقال: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ الآية
[الكهف: ٢٨])(١).
وقال الشنقيطي رحمه الله: ((أمر الله
جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم في
هذه الآية الكريمة: أن يصبر نفسه، أي:
يحبسها مع المؤمنين الذي يدعون ربهم
أول النهار وآخره، مخلصين له، لا يريدون
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٥٢/٥.
بدعائهم إلا رضاه جل وعلا، وقد نزلت هذه
الآية الكريمة في فقراء المهاجرين كعمار،
وصھیب، وبلال، وابن مسعود ونحوهم،
لما أراد صناديد الكفار من النبي صلى الله
عليه وسلم أن يطردهم عنه، ويجالسهم
بدون حضور أولئك الفقراء المؤمنين، وأن
الله كما أمره هنا بأن يصبر نفسه معهم أمره
بألا يطردهم، وأنه إذا رآهمٍ يسلم عليهم،
وذلك في قوله: ﴿وَلَا تَطُرُّدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم
بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِ﴾ الآية [الأنعام: ٥٢]))(٢).
وقال الله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ
وَمَا بَيْنَهُمَا فَأَعْبُدْهُ وَأَصْطَبِرْ لِعِبَدَيِّةٍ، هَلْ تَعْلَمُ لَهُ,
سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥].
قال الطبري رحمه الله: ((وقوله:
﴿فَاعْبُدْهُ﴾ يقول: فالزم طاعته، وذل لأمره
ونهيه ﴿وَأَصْطَيِرْ لِعِدَيِّهِ﴾ يقول: واصبر
نفسك على النفوذ لأمره ونهيه، والعمل
بطاعته؛ تفز برضاه عنك، فإنه الإله الذي لا
مثل له، ولا عدل، ولا شبيه في جوده وكرمه
وفضله))(٣).
وقال القرطبي رحمه الله في قوله:
﴿وَأَصْطَيْ لِعِندَتِهِ﴾: ((أي: لطاعته، ولا تحزن
لتأخير الوحي عنك، بل اشتغل بما أمرت
به، وأصل اصطبر: اصتبر؛ فثقل الجمع بين
التاء والصاد؛ لاختلافهما؛ فأبدل من التاء
(٢) أضواء البيان، الشنقيطي ٢٦٣/٣.
(٣) جامع البيان، الطبري ٢٢٦/١٨.
٢١٢
القرآن الكريمِ

الصبر
طاء))(١).
وقال ابن عاشور: ((والخطاب في
﴿فَأَعْبُدْهُ وَأَصْطَبِرَ﴾ للنبي صلى الله عليه
وسلم، والاصطبار: شدة الصبر على الأمر
الشاق؛ لأن صيغة الافتعال ترد لإفادة قوة
الفعل، وكان الشأن أن يعدى الاصطبار
بحرف على كما قال تعالى: ﴿وَأَمُرْ أَهْلَكَ
بِالصَّلَوْةِ وَأَصْطَيِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢].
ولكنه عدي هنا باللام؛ لتضمينه معنى
الثبات، أي اثبت للعبادة؛ لأن العبادة مراتب
كثيرة من مجاهدة النفس، وقد يغلب بعضها
بعض النفوس؛ فتستطيع الصبر على بعض
العبادات دون بعض منها، قال النبي صلى
الله عليه وسلم في صلاة العشاء: (هي أثقل
صلاة على المنافقين)(٢)، فلذلك لما أمر
الله رسوله بالصبر على العبادة کلها، وفيها
أصناف جمة تحتاج إلى ثبات العزيمة، نزل
القائم بالعبادة منزلة المغالب لنفسه؛ فعدي
الفعل باللام كما يقال: اثبت لعداتك»(٣).
وقال السمرقندي رحمه الله:
((﴿فَاعْبُدْهُ﴾ أي: أطعه، ﴿وَأَصْطَيِرْ لِبَدَتِهِ.﴾
يعني: احبس نفسك على عبادته)) (٤).
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٣٠/١١.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد
ومواضع الصلاة، باب فضل صلاة الجماعة
وبيان التشديد في التخلف عنها، رقم ٦٥١.
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٦٤/١٦.
(٤) تفسير السمر قندي، ٣٨٢/٢.
وقال البغوي رحمه الله: ((أي: اصبر
على أمره ونهيه))(٥).
وقال القشيري: بأن الاصطبار نهاية
الصبر، وأن من صبر ظفر، ومن لازم
وصل(٦).
وقال ابن سعدي رحمه الله: ((﴿وَاصْطَيِرْ
لِعِدَتِهِ﴾ أي: اصبر نفسك عليها وجاهدها،
وقم عليها أتم القيام وأكملها، بحسب
قدرتك، وفي الاشتغال بعبادة الله تسلية
للعابد عن جميع التعلقات والمشتهيات))(٧).
تَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ
وقال الله تعالى:
وَسَيْحْ بِحَمْدِرَيِّكَ قَبْلَ طُلُوعُ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوِبًا
وَمِنْ ءَانَآٍ اَلَّيْلِ فَسَيِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ
تَرْضَى﴾ [طه: ١٣٠].
وقال: ﴿فَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ
بِحَمْدٍ رَبِّكَ قبَلَ طُلُوع الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾
[ق: ٣٩].
يقول الطبري رحمه الله: ((يقول جل
ثناؤه لنبيه: ﴿فَاصْبِرْ﴾ يا محمد على ما
يقول هؤلاء المكذبون بآيات الله من قومك
لك إنك ساحر، وإنك مجنون وشاعر ونحو
ذلك من القول)» (٨).
(٥) معالم التنزيل، البغوي ٢٤٤/٥.
(٦) انظر: الجواهر الحسان، الثعالبي ١٥/٣.
(٧) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤٩٨.
(٨) جامع البيان، الطبري ١٨/ ٤٠٠.
وقال رحمه الله في موضع آخر ٣٧٦/٢٢:
((يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه
وسلم: (فَاصْبِرْ) یا محمد على ما يقول هؤلاء
www. modoee.com
٢١٣

حفالصاد
وقال القرطبي رحمه الله: ((قوله تعالى: كلمة ربك، المتضمنة لإمهالهم وتأخيرهم،
﴿ فَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ خطاب للنبي وضرب الأجل المسمى، فالأجل المسمى
صلی الله عليه وسلم، أمره بالصبر على ما
يقوله المشركون، أي: هَوِنْ أمرهم عليك،
وقيل: معناه: فاصبر على ما يقوله اليهود من
قولهم: إن الله استراح يوم السبت))(١).
وقال أبو حیان رحمه الله: «أمره تعالى
بالصبر على ما يقول مشركو قريش، وهم
الذين عاد الضمير عليهم في ﴿أَفَلَمْ يَهْدٍ
* ﴾ [طه: ١٢٨].
وكانوا يقولون أشياء قبيحة مما نص
الله عنهم في كتابه، فأمره تعالى بالصبر
على أذاهم والاحتمال لما يصدر من سوء
أخلاقهم، وأمره بالتسبيح والحمد لله،
و﴿يِحَمْدِرَيِّكَ﴾ في موضع الحال، أي
وأنت حامد لربك))(٢).
قال ابن سعدي رحمه الله: ((هذا تسلية
للرسول، وتصبير له عن المبادرة إلى
إهلاك المكذبين المعرضين، وأن كفرهم
وتکذیبھم سبب صالح لحلول العذاب بهم،
ولزومه لهم؛ لأن الله جعل العقوبات سببًا
وناشئًا عن الذنوب، ملازمًا لها، وهؤلاء
قد أتوا بالسبب، ولكن الذي أخره عنهم
اليهود، وما يفترون على الله، ويكذبون عليه،
فإن الله لهم بالمرصاد)».
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٤/١٧،
بتصرف يسير.
(٢) البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي ٦/ ٢١٢.
ونفوذ كلمة الله، هو الذي أخر عنهم العقوبة
إلى إِيَان وقتها، ولعلهم يراجعون أمر الله؛
فیتوبَ عليهم، ويرفع عنهم العقوبة، إذا لم
تحقَ عليهم الكلمة، ولهذا أمر الله رسوله
بالصبر على أذيتهم بالقول، وأمره أن
يتعوض عن ذلك، ويستعين عليه بالتسبيح
بحمد ربه، في هذه الأوقات الفاضلة، قبل
طلوع الشمس وغروبها، وفي أطراف النهار،
أوله وآخره، عموم بعد خصوص، وأوقات
الليل وساعاته، لعلك إن فعلت ذلك؛
ترضى بما يعطيك ربك من الثواب العاجل
والآجل، وليطمئن قلبك، وتقر عينك بعبادة
ربك، وتتسلی بها عن أذیتهم؛ فیخف حينئذ
عليك الصبر))(٣).
وقال الله تعالى: ﴿وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوةِ
وَأَصْطَيِرْ عَلَهًاْ لَا نَسْتَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَزُقُكَ وَالْعَقِبَةُ
لِلنَّقْوَىُ﴾ [طه: ١٣٢].
يقول الطبري رحمه الله: ((قوله تعالى
ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم:
﴿وَأَمُرْ﴾ يا محمد ﴿أَهْلَكَ بِالصَّلَوَةِوَاصْطَيِرْ
عَلَيْهًاً ﴾ يقول: واصطبر على القيام بها، وأدائها
بحدودها أنت ﴿لَانَسْشَلُكَ رِزْقًا﴾ يقول: لا
نسألك مالًا، بل نكلفك عملًا ببدنك، نؤتيك
عليه أجرًا عظيمًا، وثوابًا جزيلًا يقول: ﴿قُّْنُ
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٥١٦.
جَوْسُورَةُ النَّة
القرآن الكريمِ
٢١٤

الصبر
نَزُقُكَ﴾ نحن نعطيك المال ونُكْسِبَكَهُ، ولا بالمعروف، وانهوهم عن المنكر، ولا
تدعوهم هملا فتأكلهم النار يوم القيامة))(٣).
وقال البغوي رحمه الله: ((﴿وَاصْطَيِرْ
عَلَيْهًا﴾ أي اصبر على الصلاة؛ فإنها تنهى
عن الفحشاء والمنكر)) (٤).
نسألُكَه، وقوله: ﴿وَالْعَقِبَةُ لِلنَّقْوى﴾ يقول:
والعاقبة الصالحة - مِن عملٍ كلٍ عاملٍ-
لأهل التقوى والخشية من الله، دون من لا
یخاف له عقابًا، ولا یرجو له ثوابًا))(١).
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله: ((أي:
اسْتَنْقِذْهم من عذاب الله؛ بإقام الصلاة،
واصطبر أنت على فعلها، كما قال تعالى:
﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قُواْ أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾
[التحريم: ٦]»(٢).
وقد ورد الثناء على إسماعيل عليه
الصلاة والسلام لأمره أهله بالصلاة، كما في
قوله سبحانه: ﴿وَأَذَّكُرْ فِ الْكِتَبِ إِسْمَعِلَ إِنَّهُ كَانَ
صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولَا فِيًّا وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ.
بِالصَّلَوْةِ وَالزَّكَوَةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ، مَرْضِيًا﴾ [مريم:
٥٤ -٥٥].
وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن
ينذر عشيرته وقرابته، کما في قوله سبحانه:
﴿وَأَنْذِرْ عَشِيَرَتَكَ الْأَقْرِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤].
وأمر سبحانه بوقاية النفس والأهل من
نار جهنم، فقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا قُواْ
أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَاَلْحِجَارَةُ
عَلَيْهَا مَتِكَةُ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾ الآية [التحريم:
٦].
قال ابن كثير رحمه الله: ((أي: مروهم
(١) جامع البيان، الطبري ٤٠٥/١٨.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٢٧/٥.
وقال السمرقندي رحمه الله في قوله:
(يعني: اصبر على ما أصابك فيها من
الشدة»(٥).
وقد تقدم كلام ابن عاشور رحمه الله
على الآية كما في قوله: ﴿فَأَعْبُدْهُ وَأَصْطِرْ
لِعِبَدَتِهِ﴾ في سورة مريم.
﴿وَاصْطَبِرْ
قال ابن سعدي رحمه الله: «
عَلَيْهًا ﴾ أي: على الصلاة بإقامتها، بحدودها
وأركانها وآدابها وخشوعها، فإن ذلك شاق
على النفس، ولكن ينبغي إكراهها وجهادها
على ذلك، والصبر معها دائمًا، فإن العبد إذا
أقام صلاته على الوجه المأمور به، کان لما
سواها من دينه أحفظ وأقوم، وإذا ضيعها كان
لما سواها أضيع، ثم ضمن تعالى لرسوله
الرزق، وأن لا يشغله الاهتمام به عن إقامة
دينه، فقال: ﴿نُهْنُ نَزُقُك﴾ أي: رزقك علينا
قد تكفلنا به، كما تكفلنا بأرزاق الخلائق
كلهم، فكيف بمن قام بأمرنا، واشتغل
بذکرنا؟! ورزق الله عام للمتقي وغيره،
فينبغي الاهتمام بما يجلب السعادة الأبدية،
(٣) المصدر السابق ٥/ ٢٤٠.
(٤) معالم التنزيل، البغوي ٣٠٤/٥.
(٥) تفسير السمر قندي، ٤١٨/٢.
www. modoee.com
٢١٥

حرف الصاد
وهو: التقوى، ولهذا قال: ﴿وَاَلْعَقِبَةُ﴾ في رَبِّكَ﴾ يقول: وصل بالشكر منك لربك
﴿بِالْعَشِيِ﴾ وذلك من زوال الشمس إلى
الدنيا والآخرة ﴿لِلنَّقْوَى﴾ التي هي فعل
المأمور، وترك المنھي، فمن قام بها، كان له
العاقبة، كما قال تعالى: ﴿وَالْعَقِبَةُ لِلْمُنَّقِينَ﴾
[ القصص: ٨٣]))(١).
الليل ﴿وَاَلْإِبْكَرِ﴾ وذلك من طلوع
الفجر الثاني إلى طلوع الشمس، وقد وجه
قوم الإبكار إلى أنه من طلوع الشمس إلى
وقال الله تعالى:
ارتفاع الضحى، وخروج وقت الضحى،
والمعروف عند العرب القول الأول»(٢).
فَأَصْبِرْ إِنْ وَعَدَ اللَّهِ
حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِقَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾
[الروم: ٦٠].
وقال: ﴿فَأَصْبِرْإِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ
وَأَسْتَغْفِرْ لِذَنْكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدٍ رَبِّكَ
بِالْعَشِيِّ وَاَلْإِبْكَرِ﴾ [غافر: ٥٥].
﴿فَأَصّبِرُّ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٍّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ
بَعْضَ الَّذِىِ نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾
[غافر: ٧٧].
قال الطبري رحمه الله: ((وقوله:
﴿ فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ يقول تعالى
ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم:
فاصبر يا محمد لأمر ربك، وانفذ لما
أرسلك به من الرسالة، وبلغ قومك ومن
أمرت بإبلاغه ما أنزل إليك، وأيقن بحقيقة
وعد الله الذي وعدك من نصرتك، ونصرة
من صدقك وآمن بك، على من كذبك،
وأنكر ما جئته به من عند ربك، وإن
وعد الله حق لا خلف له، وهو منجز له
﴿وأُسْتَغْفِرْ لِذَنْكَ﴾ يقول: وسله غفران
ذنوبك، وعفوه لك عنها، ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدٍ
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٥١٧.
وقال رحمه الله: ((يقول تعالى ذكره
لنبيه محمد صلی الله عليه وسلم: فاصبر یا
محمد على ما يجادلك به هؤلاء المشركون
في آيات الله التي أنزلناها عليك، وعلى
تکذیبهم إياك، فإن الله منجز لك فیھم ما
وعدك من الظفر عليهم، والعلو عليهم،
وإحلال العقاب بهم، كسنتنا في موسى
بن عمران ومن كذبه ﴿فَإِمَّانُرِیَنَّكَ بَعْضَ
الَّذِی نَعِلُهُمْ﴾، يقول جل ثناؤه: فإما نرینك
یا محمد في حياتك بعض الذي نعد هؤلاء
المشركين، من العذاب والنقمة أن يحل بهم
﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قبل أن يَحِلَ ذلك بهم ﴿فَإِلَيْنَا
يُرْجَعُونَ﴾ يقول: فإلينا مصيرك ومصيرهم؛
فنحكم عند ذلك بينك وبينهم بالحق
بتخليدنا هم في النار، وأكرمناك بجوارنا في
جنات النعيم)»(٣).
وقال ابن كثير رحمه الله: ((أي: اصبر على
مخالفتهم وعنادهم، فإن الله تعالى منجز
(٢) جامع البيان، الطبري ٢١/ ٤٠٣.
(٣) المصدر السابق ٤١٨/٢١.
٢١٦
جوبسين جر
الْقُرآن الكَرِيمِ

الصبر
لك ما وعدك من نصره إياك، وجعله العاقبة الغضب)) (٣).
لك ولمن اتبعك في الدنيا والآخرة)»(١).
وقال القرطبي رحمه الله في قوله:
(أي:
فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اَللَّهِ حَقُّ﴾.
أصبر على أذاهم فإن الله ينصرك ﴿وَلَا
يَسْتَخِفَّنَّكَ﴾ أي: لا يستفزنك عن دينك،
والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم
والمراد أمته يقال: استخف فلان فلانا أي:
استجهله حتى حمله على اتباعه في الغي،
وهو في موضع جزم بالنهي، أكد بالنون
الثقيلة؛ فبني على الفتح، كما يبنى الشيئان
إذا ضم أحدهما إلى الآخر))(٢).
وحذف متعلق الأمر بالصبر لدلالة المقام
عليه، أي اصبر على تعنتهم، وجملة ﴿إِنَّ
وَعْدَاللَّهِ حَ﴾﴾ تعلیل للأمر بالصبر، وهو
تأنيس للنبي صلى الله عليه وسلم بتحقيق
وعد الله من الانتقام من المكذبين ومن
نصر الرسول عليه الصلاة والسلام، والحق:
مصدر حَقَ یحق بمعنی ثبت، فالحق: الثابت
الذي لا ريب فيه ولا مبالغة، والاستخفاف:
مبالغة في جعله خفيفًا، فالسين والتاء للتقوية
ضد الصبر.
والمعنى: لا يحملنك على ترك الصبر،
والخفة مستعارة لحالة الجزع وظهور آثار
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٢٨/٦.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤٩/١٤،
بتصرف.
وقال الشوكاني رحمه الله: «ثم أمر الله
رسوله صلى الله عليه وسلم بالصبر على
الأذى فقال: ﴿فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾
أي: اصبر على أذى المشركين كما صبر من
قبلك من الرسل؛ إن وعد الله الذي وعد به
رسله حق لا خلف فيه، ولا شك في وقوعه
كما في قوله: ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا﴾ [غافر:
٥١].
وقوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمِنْنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ
١٧٩
إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ ﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَمُ
اٌلْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ -١٧٣]))(٤).
وقال الله تعالى: ﴿يَبُنَّ أَقِمِ الصَّلَوَةَ
وَأَمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأَصْبِرْ عَلَى مَآ
أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧].
قال الطبري رحمه الله: ((﴿وَأَصْبِرْ عَلَى
مَا أَصَابَكٌ﴾ يقول: واصبر على ما أصابك
من الناس في ذات الله، إذا أنت أمرتهم
بالمعروف، ونهيتهم عن المنكر، ولا
يصدنك عن ذلك ما نالك منهم ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ
عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ يقول: إن ذلك مما أمر الله به
مثلها في نحو: استجاب واستمسك، وهو من الأمور عزما منه))(٥).
وقال القرطبي رحمه الله في هذه الآية
ثلاث مسائل: ((الثانية: قوله تعالى: ﴿ وَاصْبِرْ
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٨٤/٢١،
بتصرف يسير.
(٤) فتح القدير، الشوكاني ٧٠٨/٤.
(٥) جامع البيان، الطبري ٢٠/ ١٤٢.
www. modoee.com
٢١٧

حفالصاد
عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ يقتضي حضًا على تغيير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
المنكر -وإن نالك ضرر-، فهو إشعار
بأن المغير يؤذى أحيانًا، وهذا القدر على
جهة الندب والقوة في ذات الله، وأما على
اللزوم، فلا، وقيل: أمره بالصبر على شدائد
الدنيا كالأمراض وغيرها، وألا يخرج من
الجزع إلى معصية الله عز وجل، وهذا قول
حسن؛ لأنه يعم، الثالثة: قوله تعالى: ﴿إِنَّ
قال ابن عباس: من
ذلك مِن عَزْم الأمور
حقيقة الإيمان الصبر على المكاره، وقيل:
إن إقامة الصلاة والأمر بالمعروف والنهى
عن المنكر من عزم الأمور، أي: مما عزمه
الله، وأمر به، قاله ابن جريج، ويحتمل أن
يريد أن ذلك من مكارم الأخلاق وعزائم
أهل الحزم السالكين طريق النجاة، وقول
ابن جریج أصوب»(١).
وقال البغوي رحمه الله: ((﴿وَأَصْبِرْ عَلَى
مَا أَصَابَكٌ﴾ يعني من الأذى، ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ
عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ يريد الأمر بالمعروف، والنهي
عن المنكر، والصبر على الأذى فيهما،
من الأمور الواجبة التي أمر الله بها، أو من
الأمور التي يُعْزم عليها لوجوبها))(٢).
وقال الماوردي في قوله تعالى: ﴿ وَاصْبِر
عَلَ مَآ أَصَابَكٌ﴾: ((يحتمل وجهين:
أحدهما: على ما أصابك من الأذى في
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٦٨/١٤-
٦٩، بتصرف يسير.
(٢) معالم التنزيل، البغوي ٢٨٩/٣.
الثاني: على ما أصابك من البلوى في
نفسك أو مالك.
﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: ما أمر الله به من الأمور.
الثاني: من ضبط الأمور، قاله المفضل.
الثالث: من قطع الأمور))(٣).
وقال الله تعالى: ﴿وَأَنْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ
أَمْشُواْ وَأَصْبِرُواْ عَلَىْ ءَالِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَىْءٌ يُرَادُ
[ص: ٦].
قال البغوي رحمه الله: ((أي: انطلقوا
من مجلسهم الذي کانوا فيه عند أبي طالب،
يقول بعضهم لبعض: امشوا واصبروا على
آلهتكم، أي: اثبتوا على عبادة آلهتكم، ﴿إِنَّ
هَذَا لَشَىْءٌ يُرَادُ ﴾ أي: لأمر يراد بنا، وذلك
أن عمر لما أسلم وحصل للمسلمين قوة
بمكانه قالوا: إن هذا الذي نراه من زيادة
أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لشيء
يراد بنا»(٤).
وقال الماوردي رحمه الله في قوله: ﴿أَنِ
أَمْشُواْ وَأُصْبِرُواْ عَلَ ءَالهَتِكُمْ﴾: «فيه وجهان:
أحدهما: اتركوه واعبدوا آلهتكم.
الثاني: امضوا على أمركم في المعاندة،
واصبروا على آلهتكم في العبادة، والعرب
تقول: امش على هذا الأمر، أي: امض عليه
(٣) النكت والعيون، الماوردي ٣٣٨/٤.
(٤) معالم التنزيل، البغوي ٧٢/٧.
وانظر: لباب التأويل، الخازن ٦/ ٤٢.
موسوعة التفسير
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
٢١٨

الصبر
والزمه))(١).
وقال القاسمي رحمه الله في هذه يا محمد على ما يقول مشركو قومك لك
الآية: ((﴿وَأَنْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾ أي: الأشراف
من قريش يحضون بعضهم على التمسك
بالوثنية، ويتواصون بالصبر على طغيانهم
قائلين: ﴿أَنْ آَمْشُواْ﴾ أي: في طريق آبائكم:
﴿وَأَصْبِرُواْ عَلَى ءَالِهَتِكُمْ﴾ أي: عبادتها مهما
سمعتم من تسفیه أحلامنا، وتفنيد مزاعمنا:
﴿إِنَّ هَذَا لَشَىْءٌ يُرَادُ ﴾ تعليل للأمر بالصبر؛
أي: يراد منا إمضاؤه وتفنيده لا محالة؛ أي:
يريده محمد من غير صارف يلويه، ولا
عاطف یثنیه، لا قول يقال من طرف اللسان،
أو المعنى: إن هذا الأمر لشيء من نوائب
الدهر يراد منا، أي: بنا، فلا انفكاك لنا عنه،
وما لنا إلا الاعتصام عليه بالصبر)»(٢).
وقال ابن سعدي رحمه الله في قوله:
«أي:
نِ آَمْشُواْ وَأَصْبِرُواْ عَلَى ءَالِهَتِكُمْ﴾
استمروا عليها، وجاهدوا نفوسكم في
الصبر عليها وعلى عبادتها، ولا يردکم عنها
راد، ولا يصدنكم عن عبادتها صاد))(٣).
وقال الله تعالى: ﴿أَصْبِرْعَلَى مَايَقُولُونَ وَاذْكُرُ
عَبْدَنَا دَاوُ دَ ذَا الْأَبْدِّ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ١٧].
وقال في آية أخرى: ﴿وَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ
وَأَهْجُرْهُمْ هَجْرَاجَمِيلًا﴾ [المزمل: ١٠].
قال الطبري رحمه الله: ((يقول تعالى
(١) النكت والعيون، الماوردي ٧٩/٥.
(٢) محاسن التأويل، القاسمي ٢٤٠/٨.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ٧٠٩.
ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: اصبر
مما تكره قيلهم لك، فإنا ممتحنوك بالمكاره
امتحاننا سائر رسلنا قبلك، ثم جاعلو العلو
والرفعة والظَفَر لك على من كذبك وشاقك،
سنتنا في الرسل الذین أرسلناهم إلى عبادنا
قبلك، فمنهم عبدنا أيوب وداود بن إيشا،
فاذكره ذا الأيد، ويعني بقوله: ﴿ذَا الْأَبْدِّ﴾ ذا
القوة والبطش الشديد في ذات الله والصبر
على طاعته»(٤).
وقال القرطبي رحمه الله: ((قوله تعالى:
﴿وَأَذْكُرُ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَبْدِّ﴾ لما ذكر من
أخبار الكفار وشقاقهم وتقريعهم بإهلاك
القرون من قبلهم، أمر نبيه عليه الصلاة
والسلام بالصبر على أذاهم، وسلاه بكل ما
تقدم ذكره، ثم أخذ في ذكر داود وقصص
الأنبياء؛ لیتسلی بصبر من صبر منهم، وليعلم
أن له في الآخرة أضعاف ما أُعْطَيه داود
وغيره من الأنبياء، وقيل: المعنى اصبر على
قولهم، واذکر لهم أقاصیص الأنبياء، لتكون
برهاناً على صحة نبوتك)»(٥).
أمر الله تبارك وتعالى نبيه محمدًا صلى
الله عليه وسلم على جلالة قدره بأن يقتدي
في الصبر على طاعة الله بداود وذلك
تشريف عظيم وإكرام لداود، حيث أمر الله
(٤) جامع البيان، الطبري ٢١ / ١٦٦.
(٥) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٥٨/١٥.
www. modoee.com
٢١٩

حف الصاد
أفضل الخلق محمدًا صلى الله عليه وسلم عاقبة الكفار ما ذكر؛ فاصبر على أذاهم،
بأن يقتدي به في مكارم الأخلاق)»(١).
وقال الله تعالى: ﴿فَأَصّبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ
اَلْعَزْرِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا نَسْتَعْجِل ◌َهُمْ كَانَهُمْ يَوْمٍ يَرَوْنَ
مَا يُوعَدُونَ لَّمْ يَلْبَنُواْ إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَرِّ بَلَغْ فَهَلْ
يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥].
أمر الرسول صلی الله عليه وسلم بالصبر
على ما لقیه منهم من أذى، وضرب له المثل
بالرسل أولي العزم، ويجوز أن تكون الفاء
فصيحة، والتقدير: فإذا علمت ما كان من
الأمم السابقة وعلمت كيف انتقمنا منهم
وانتصرنا برسلنا فاصبر كما صبروا(٢).
وقال الخازن رحمه الله: ((قوله تعالى:
﴿وَلَا تَسْتَعْجِلِ لَّهُمْ﴾ يعني اصبر على أذاهم،
لا تستعجل بنزول العذاب علیھم؛ فإنه نازل
بهم لا محالة كأنه صلى الله عليه وسلم
ضجر بعض الضجر؛ فأحب أن ينزل العذاب
بمن أبى منهم، فأمره الله تعالى بالصبر وترك
الاستعجال، ثم أخبر بقرب العذاب، فقال
تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ﴾ يعني
من العذاب في الآخرة ﴿لَمْ يَلْبَثُواْ﴾ يعني
يفي الدنيا، ﴿إِلَّسَاعَةٌ مِّن نَّهَارٍ﴾ يعني أنتهم
إذا عاينوا العذاب صار طول لبثهم)) (٣).
والفاء في قوله: ﴿فَأَصْبِرّ﴾ الفصيحة؛
لأنها جواب شرط مقدر، أي: إذا كانت
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٦/ ١٦١.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٦/ ٥٦.
(٣) لباب التأويل، الخازن ٦/ ١٧١.
واصبر فعل أمر مبنى على السكون، وفاعله
مستتر تقديره أنت، وكما صبر في محل
نصب مفعول مطلق، أو حال، وأولو العزم
فاعل صبر، ومن الرسل حال (٤).
وقال الله تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ لِحُكِِّ رَبِكَ فَإِنَّكَ
بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بَحِيْدٍ رَيِّكَ حِينَ نَقُومُ﴾ [الطور:
٤٨].
وقال سبحانه: ﴿فَأَصْبِرٌ لِتُكْرِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ
مِنْهُمْ ءَائِمًا أَوْكَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤].
وقال الله تعالى: ﴿فَاصْبِر ◌ِكْرِرَيْكَ وَلَا تَكُنْ
كَصَاحِبِ الْمُتِ إِذْ نَادَى وَهُوَمَّْظُومٌ﴾ [القلم: ٤٨].
قال ابن جرير الطبري رحمه الله: ((يقول
تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه
وسلم: فاصبر يا محمد لقضاء ربك وحكمه
فيك، وفي هؤلاء المشرکین بما أتیتهم به من
هذا القرآن، وهذا الدين، وامض لما أمرك به
ربك، ولا يثنيك عن تبليغ ما أمرت بتبليغه
تكذيبهم إياك، وأذاهم لك»(٥).
وقال ابن كثير رحمه الله: ((يقول تعالى
ممتنًا على رسوله صلی الله عليه وسلم بما
نزله عليه من القرآن العظيم تنزيلًا: ﴿فَأَشْبِر
◌ِحُكْرِرَيِّكَ﴾ أي: كما أكرمتُكَ بما أنزلتُ
عليك، فاصبر على قضائه وقَدَره، واعلم أنه
سَيُدَبرك بحسن تدبيره، ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ ءَائِمًا أَوْ
(٤) إعراب القرآن وبيانه، محيي الدين درويش
٩/ ١٩٤.
(٥) جامع البيان، الطبري ٢٣/ ٥٦٢.
٢٢٠
جوب
القرآن الكريمِ