Indexed OCR Text

Pages 21-34

الصدعن سبيل الله
علاج القرآن للصد عن سبيل الله
أرشد القرآن الكريم إلى كيفية علاج
الصد عن سبيل الله تعالى، وسوف نتناوله
بالبيان فیما یآتي:
أولًا: دحض شبه الصادين عن سبيل
الله:
قال تعالى في دحض شبهة المشركين
التي عيروا بها المؤمنين في قتلهم ابن
الحضرمي في الأشهر الحرم: ﴿ يَسْتَلُونَكَ عَنِ
الثَّهْرِ الْحَامِ قِتَالٍ فِيَةٍ قُلْ قِتَالُ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدُّ
عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ
وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ، مِنْهُ أَكْبِرُ عِندَ اللّهَّ وَاَلْفِتْنَةُ
أَكْبُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَدِلُونَّكُمْ حَتَّى يَرُدُوكُمْ
عَن دِينِكُمْ إِنِ أَسْتَطَعُوا ﴾ [البقرة: ٢١٧].
روى الطبراني بسنده عن جندب بن
عبد الله: (عن النبي صلى الله عليه وسلم
أنه بعث رهطًا، وبعث عليهم أبا عبيدة بن
الجراح أو عبيدة، فلما ذهب لينطلق بكى
صبابة(١) إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم، فجلس فبعث عليهم عبد الله بن
جحش مکانه، و کتب له كتابًا، وأمره أن
لا يقرأ الكتاب حتى يبلغ مكان كذا وكذا،
وقال: (لا تکرهن أحدًا من أصحابك على
(١) الصبابة: بالفتح رقة الشوق وحرارته،
والصبابة بالضم بقية الماء في الإناء.
انظر: مختار الصحاح، الرازي ص ١٧٢ .
المسير معك). فلما قرأ الكتاب استرجع،
ثم قال: سمعٌ وطاعةٌ لله ورسوله، فخبرهم
الخبر، وقرأ علیهم الكتاب، فرجع رجلان،
ومضى بقيتهم، فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه،
ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجبٍ أو
جمادى، فقال المشركون للمسلمين: قتلتم
في الشهر الحرام، فأنزل الله عز وجل:
﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧]
الآية، فقال بعضهم: إن لم يكونوا أصابوا
وزرًا فليس لهم أجرٌ، فأنزل الله عز وجل:
﴿﴿ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَهَدُواْ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَبِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اَللَّهِ وَاللهُ
غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨](٢).
قال السعدي رحمه الله: ((الجمهور على
أن تحريم القتال في الأشهر الحرم منسوخ
بالأمر بقتال المشركين حيثما وجدوا، وقال
بعض المفسرين: إنه لم ينسخ؛ لأن المطلق
محمول على المقيد، وهذه الآية مقيدة
لعموم الأمر بالقتال مطلقًا؛ ولأن من جملة
مزية الأشهر الحرم بل أكبر مزاياها تحريم
القتال فيها، وهذا إنما هو في قتال الابتداء،
وأما قتال الدفع فإنه يجوز في الأشهر الحرم
(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب
السير، باب ما جاء في نسخ العفو عن
المشركين، ونسخ النهي عن القتال حتى
يقاتلوا، والنهي عن القتال في الشهر الحرام
٩/ ٢٠، رقم ١٧٧٤٥، والطبراني في المعجم
الكبير، ٢/ ١٦٢، رقم ١٦٧٠.
www. modoee.com
٣٧٥

حرف الصاد
كما يجوز في البلد الحرام)».
ولما كانت هذه الآية نازلة بسبب ما بغاة معتدون، لا يقيمون للمقدسات وزنًا،
حصل لسرية عبد الله بن جحش، وقتلهم
عمرو بن الحضرمي، وأخذهم أمواله، وكان
ذلك -علی ما قيل- في شهر رجب عیرهم
المشركون بالقتال بالأشهر الحرم، وكانوا
في تعییرهم ظالمین؛ إذ فيهم من القبائح ما
بعضه أعظم مما عيروا به المسلمین، والتي
منها:
صد المشركين من يريد الإيمان بالله
وبرسوله، وفتنتهم من آمن به، وسعيهم
في ردهم عن دينهم، وكفرهم الحاصل
في الشهر الحرام، والبلد الحرام الذي
هو بمجرده كافٍ في الشر، فكيف وقد
کان في شهر حرام وبلد حرام؟!
-وأمثالهم في كل جيل -: «هؤلاء قوم طغاة
ولا يتحرجون أمام الحرمات، ویدوسون کل
ما تواضع المجتمع على احترامه من خلق
ودين وعقيدة، يقفون دون الحق فيصدون
الناس عنه، ويفتنون المؤمنين، ويؤذونهم
أشد الإيذاء، ويخرجونهم من البلد الحرام
الذي يأمن فيه كل حي حتى الهوام! ثم
بعد ذلك كله يتسترون وراء الشهر الحرام،
ويقيمون الدنيا ويقعدونها باسم الحرمات
والمقدسات، ويرفعون أصواتهم: انظروا
ها هو ذا محمد ومن معه ينتهكون حرمة
الشهر الحرام! فكيف يواجههم الإسلام؟
يواجههم بحلول مثالية نظرية طائرة؟
إنه إن يفعل يجرد المسلمين الأخيار
من السلاح، بينما خصومهم البغاة الأشرار
إخراج أهل المسجد الحرام وهم النبي
صلى الله عليه وسلم وأصحابه؛ لأنهم
أحق به من المشركين، وهم عماره على
الحقيقة، فأخرجوهم منه ولم یمکنوهم
من الوصول إليه، مع أن هذا البيت
سواء العاكف فيه والباد، فهذه الأمور
كل واحد منها ﴿أَكْبُرُ مِنَ الْقَّتْلِ﴾ في
الشهر الحرام، فكيف وقد اجتمعت
فيهم؟! فعلم أنهم فسقة ظلمة، في
تعبيرهم المؤمنين(١).
یستخدمون کل سلاح، ولا يتورعون عن
سلاح! كلا إن الإسلام لا يصنع هذا؛ لأنه
یرید مواجهة الواقع لدفعه ورفعه، يريد أن
يزيل البغي والشر، وأن يقلم أظافر الباطل
والضلال، ويريد أن يسلم الأرض للقوة
الخيرة، ويسلم القيادة للجماعة الطيبة، ومن
ثم لا يجعل الحرمات متاريس يقف خلفها
المفسدون البغاة الطغاة ليرموا الطيبين
الصالحين البناة، وهم في مأمن من رد
وقال سيد قطب في وصف هؤلاء الهجمات ومن نبل الرماة!
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٩٧.
إن الإسلام يرعى حرمات من يرعون
٣٧٦
القرآن الكريمِ

الصدعن سبيل الله
الحرمات، ويشدد في هذا المبدأ ويصونه، [الحجر: ٣٩].
ولكنه لا يسمح بأن تتخذ الحرمات متاريس
لمن ینتهکون الحرمات، ويؤدون الطيبين،
ويقتلون الصالحين، ويفتنون المؤمنين،
ويرتكبون كل منكر وهم في منجاة من
القصاص تحت ستار الحرمات التي يجب
أن تصان!»(١).
إن هؤلاء الذين حكى عنهم القرآن نراهم
بأعيننا صباحًا ومساءً في وسائل الإعلام
المأجورة لمحاربة كل ما هو إسلامي،
يسلطون الضوء على بعض الأخطاء من
المسلمين، ويغمضون أعينهم عن صدهم
عن سبيل الله بكل وسيلة خسيسة.
ألا فليتعظ هؤلاء مما فعل بأسلافهم،
فإنهم ليسوا بمنأى من عقاب الله، وليطمئن
المؤمنون المخلصون إلى وعد الله لهم
بالنصر، ووعيد الله للمجرمين بالعذاب
المھین.
ثانيًا: التحذير من مكائد الشيطان
وتزيينه :
أخبر سبحانه في كتابه أن الشيطان توعد
بني آدم بتزيين المعاصي والشهوات لهم
وإضلالهم عن الطريق المستقيم، قال تعالى
قَالَ رَبّ بِمَآ أَغْوِيَنْنِى
على لسان الشيطان:
لَأُزَّيِّنَنَّ لَهُمْ فِى الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَمِينَ﴾
(١) في ظلال القرآن ١/ ٢٢٧.
أي: ((بسبب ما أغويتني وأضللتني
لأزينن لذرية آدم عليه السلام في الأرض،
أي: أحبب إليهم المعاصي، وأرغبهم فيها،
وأؤزهم إليها، وأزعجهم إليها إزعاجًا،
ولأغوينهم أجمعين، أي: كما أغويتني
وقدرت علي ذلك ﴿إِلَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ
الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٤٠]))(٢).
وقال تعالى محذرًا المؤمنين من وساوس
الشيطان وعداوته: ﴿وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطِنُّ
إِنَّهُ لَكُوْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الزخرف: ٦٢].
أي: لا تغتروا بوساوسه وشبه الكفار
المجادلين، فإن شرائع الأنبياء لم تختلف
في التوحيد، ولا فيما أخبروا به من علم
الساعة وغيرها بما تضمنته من جنةٍ أو
نارٍ (٣)، إن الشيطان لكم عدو ظاهر العداوة
من عهد أبیکم آدم عليه السلام.
لقد حدد الشيطان مكان المعركة وعدته
فيها، فمكان المعركة بين الإنسان والشيطان
الأرض، وعدته فيها التزيين، تزيين القبيح
وتجميله، والإغراء بزينته المصطنعة على
ارتکابه.
ألا فليفطن الناس إلى عدة الشيطان؛
وليحذروا کلما وجدوا في أمر تزیینًا، وكلما
وجدوا من نفوسهم إليه اشتهاء، فقد يكون
(٢) تفسير القرآن العظيم ٤ / ٤٥٩.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٦ / ١٠٧.
www. modoee.com
٣٧٧

حرف الصاد
الشيطان هناك.
ثم حدد -لعنه الله- الفائزين عليه في
هذه المعركة، إنهم المخلصون الذين
أخلصهم الله لنفسه، واصطفاهم لطاعته،
وأرادهم لجنته.
ثالثًا: التحذير من النفاق وبيان عوراته:
قال تعالى محذرًا عباده المؤمنين في
سياق الحديث عن المنافقين ووسائلهم في
وَالْعَدُوْ فَاحْذَرْهَمْ
الصد عن سبيل الله:
[المنافقون: ٤].
(يقول الله جل ثناؤه لنبيه صلى الله
عليه وسلم: هم العدو یا محمد فاحذرهم،
فإن ألسنتهم إذا لقوكم معكم، وقلوبهم
عليكم مع أعدائكم، فهم عينٌ لأعدائكم
عليكم)) (١).
إن الغافل عن الآخرة وحسابها يسعى
في الدنيا سعي الوحوش في البرية، فيصرف
نفسه عن الطريق المستقيم الآمن من الهلكة
في الدنيا والآخرة؛ وكذلك یصرف غيره؛
لأنه لا يحب الخير لنفسه ولا لغيره، أما إذا
تمکن حب الآخرة، من القلب كان حريصًا
على كل ما يثقل موازينه في الآخرة، ويرفع
درجاته في الجنة، فيفعل الخيرات، ويعاون
(١) جامع البيان، الطبري ٢٢/ ٦٥٣.
غيره على فعلها.
ولقد قرن سبحانه بين الصد عن سبيل
الله والكفر بالآخرة في مواضع من كتابه؛
لأنه لا يؤمن بالآخرة أحد، ويستيقن أنه
راجع إلى ربه ثم یصد عن سبيل الله، ویحید
عن نهجه وشرعه.
قال تعالى: ﴿اُلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ
وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالْآَخِرَةِ كَفِرُونَ﴾ [الأعراف:
٤٥].
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ
اللَّهِ وَ يَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِلْآَخِرَةِ هُمْ كَفِرُونَ﴾
[هود: ١٩].
وقد تكررت في الآية الثانية (هم)
((واختصت هذه الآية على نظيرها في
في قوله: ﴿هُمْ
الأعراف بزيادة
كَفِرُونَ﴾ وهو توكيدٌ يفيد تقوي الحكم؛
رابعًا: الاستعداد للموت بالإيمان لأن المقام هنا مقام تسجيل إنكارهم البعث
وإحسان العمل:
وتقريره؛ إشعارًا بما يترقبهم من العقاب
المناسب)» (٢).
فإذا آمن العبد بالآخرة، واستيقن أنه
راجع إلى ربه، أعد لذلك العمل الصالح
المقبول الذي ينجيه بين يدي مولاه.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَّ
أَنََّا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌّ فَتَنْ كَانَ يَرْجُوْ لِقَآءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ
عَمَلًا صَلِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةٍ رَيِّدِ أَحَدًا﴾ [الكهف:
١١٠].
(٢) التحرير والتنوير ٣٤/١٢.
٣٧٨
جوسين
القرآن الكريمِ

الصدعن سبيل الله
قال ابن القيم رحمه الله في شروط العمل
الصالح المقبول: ((قال الفضيل بن عياض
رحمه الله: هو أخلص العمل وأصوبه،
قالوا: يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه؟ قال:
إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم
يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٣].
يقبل حتى يكون خالصًا وصوابًا.
وقال
تعالى:
فالخالص أن يكون لله، والصواب أن وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوَّا فَانْظُرْ كَيْفَ
يكون على السنة، فهذا هو العمل المقبول
الذي لا يقبل الله من الأعمال سواه، وهو أن
یکون موافقًا لسنة رسول الله صلی الله علیه
وسلم مرادًا به وجه الله، ولا يتمكن العامل
من الإتیان بعمل یجمع هذين الوصفين إلا
بالعلم))(١).
خامسًا: بيان عاقبة الصادين عن سبيل
الله:
قرن سبحانه بين الصد عن سبيل الله
والفساد، فكل صاد عن سبيل الله مفسد في
الأرض.
قال تعالى: ﴿اَلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ
عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا
كَانُواْ يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: ٨٨].
وأمرنا الله عز وجل أن ننظر لنتأمل عاقبة
المفسدين -ومنهم الصادین عن سبيل الله-
وما حل بهم من الخزي والنكال، وأيضًا
(١) مفتاح دار السعادة، ابن القيم ١/ ٨٢.
وجه أنظار وعقول المفسدين؛ لیعتبروا بما
حدث للمفسدين من الأمم السابقة؛ حتى
یکون رادعًا لهم عن العصيان والفساد.
﴿ُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِم مُوسَى
قال تعالى:
بِثَّا يَئِنَآ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَظَلَمُواْ بِهَا فَأَنْظُرْكَيْفَ
﴿مَحَحَدُواْ بِهَا
كَانَ عَلِقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: ١٤].
ومن سنة الأنبياء: بيان عاقبة المفسدين،
قال تعالى على لسان شعيب عليه السلام
ناصحًا قومه من عاقبة الفساد، ومنه الصد
عن سبيل الله: ﴿وَلَا نَقْعُدُواْ بِكُلٍ
صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ
مَنْ ءَامَنَ بِهِ، وَتَبْغُونَهَا عِوَجَأَ
وَأَذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًاً فَكَتَّرَكُمْ
وَأَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾
[الأعراف: ٨٦].
أي: «وانظروا ما نزل بمن كان قبلكم من
الأمم حين عتوا على ربهم، وعصوا رسله
من المثلات والنقمات، وكيف وجدوا
عقبى عصيانهم إياه، ألم يهلك بعضهم
غرقًا بالطوفان، وبعضهم رجمًا بالحجارة،
وبعضهم بالصيحة؟))(٢)؛ ((لأنهم إذا عرفوا
أن عاقبة المفسدين المتمردين ليست
إلا الخزي والنكال احترزوا عن الفساد
(٢) جامع البيان، الطبري ٣١٦/١٠.
www. modoee.com
٣٧٩

حرفالصاد
والعصيان وأطاعوا))(١).
ووهجٍ عظيمٍ، ثم جاءتهم صيحةٌ من السماء،
و ((المراد بالمفسدين الذين أفسدوا ورجفةٌ منَّ الأرض شديدةٌ من أسفل
منهم، فزهقت الأرواح، وفاضت النفوس،
وخمدت الأجساد))(٣).
أنفسهم بعقيدة الشرك، وبأعمال الضلال،
وأفسدوا المجتمع بمخالفة الشرائع،
وأفسدوا الناس بإمدادهم بالضلال،
وصدهم عن الهدى))(٢).
وبعد أن بين لهم شعيب عاقبة الصادين
المفسدين هل ارتدعوا؟
يحكي لنا القرآن العذاب الذي وقع بقوم
شعیب؛ لإعراضهم عن دعوته، وتكذيبهم
لرسالته، وصدهم من آمن منهم عن طريقه
ومنهجه.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُواْ سُّعَيْبًا كَأَن
لَّ يَغْنَوْا فِيهَاَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَانُواْ هُمُ
الْخَسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٩٢].
وقال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابٌ يَوْمِ
الظُّلَّةُ إِنَّهُ، كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء:
١٨٩].
وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا ◌َتْنَا شُعَيْبًا
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ
ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَرِهِمْ جَثِمِينَ﴾
[هود: ٩٤].
قال ابن كثير رحمه الله: ((وقد اجتمع
علیهم ذلك كله: أصابهم عذاب يوم الظلة،
وهي سحابةٌ أظلتھم فیها شررٌ من نارٍ ولهب،
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٣١٥/١٤.
(٢) التحرير والتنوير ٢٤٩/٨.
فهؤلاء الصادون عن سبيل الله هلكوا
ولم يشعر بهم أحد في أرض ولا سماء،
ولم یأسف علیھم أحد في أرض ولا سماء،
وذهبوا غير مأسوف عليهم، فهذا الكون
یمقتهم لانفصالهم عنه، وهو مؤمن بربه،
وهم به كافرون! وهم أرواح خبيثة شريرة
منبوذة من هذا الوجود وهي تعیش فیه!
فما أكثر هؤلاء الذين حكى عنهم القرآن
في هذا العصر، وننتظر من الله عز وجل
المنتقم -بعد الأخذ بأسباب التدافع- أن
ينزل بهم بأسه الذي لا يرد عن القوم
المجرمين، ونحن من ذلك علی یقین.
فعلى الدعاة والمصلحين الاستنان بسنة
الأنبياء في بيان ما حل بالمفسدين - ومنهم
الصادين عن سبيل الله- من الخزي والنكال
والهلاك والدمار؛ لعلهم يرتدعون خوفًا مما
حل بمن سبقهم، أو پطیعون ربهم ويعودون
إليه تائبين.
(٣) تفسير القرآن العظيم ٤٤٩/٣.
٣٨٠
جَوْبُورُ
القرآن الكريم

الصدعن سبيل الله
جزاء الصد عن سبيل الله وآثاره
أوضح القرآن الكريم من خلال آياته
جزاء الصادين عن سبيل الله تعالى في الدنيا
والآخرة، وسوف نتناول ذلك بالبيان فيما
يأتي:
أولًا: الجزاء الدنيوي:
استحق الصادون عن سبيل الله العذاب،
كما حكى الله عنهم في القرآن الكريم،
ووصف العذاب بأكثر من وصف، فمرة
بالأليم، وأخرى بالعظيم، وثالثة بالمهين،
وغيرها من العذاب المضاعف:
ففي العذاب الأليم: قال تعالى: ﴿وَمَا
لَهُمْ أَلَا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ
الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الأنفال: ٣٤].
وهذا تسجیل للعذاب العام علیھم، وهو
عذاب عاجل في الدنيا، وينتظرهم العذاب
الآجل يوم القيامة.
وفي العذاب العظيم: قال تعالى:
﴿وَتَذُوقُواْ السُّوْءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ
وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ٩٤] أي: كبير
شدید، ونکر لإفادة أنه عظیم أبلغ العظم، لا
يعرف مقداره.
وفي العذاب المهين: قال تعالى:
﴿ أَّخَذُواْ أَيْمَنَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ
عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [المجادلة: ١٦] أي: يهينهم
ویخزيهم.
وأما مضاعفة العذاب: فذلك في قوله
تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلٍ
اللَّهِ زِدْنَهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ
يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: ٨٨].
ثم بين تعالى أن هذا العذاب بعد
حشرهم إلى جهنم، قال سبحانه: ﴿يَصُدُّواْ
عَن سَبِيلِ اللَّهُّ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ
حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَبُ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ
يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٦].
وبين سبحانه أن الذهاب إلى جهنم
للتسعير في نارها، قال تعالى: ﴿فَمِنْهُم مَّنَّ
ءَامَنَ بِهِ، وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّعَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾
[النساء: ٥٥].
ومن أنواع الجزاء الدنيوي التي حكته
الآيات:
١. المصائب والكوارث.
قال تعالى: ﴿وَلَا نَتَّخِذُواْ أَيْمَنَّكُمْ دَخَلًا
بَيْنَكُمْ فَزِلَ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ السُّوءَ بِمَا
صَدَدْتُمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
[النحل: ٩٤].
السوء: ما يسوءهم من قتلٍ، ونهبٍ،
وأسرٍ، وجلاءٍ، وغير ذلك مما يسوء (١).
وأيضًا السوء: ما يؤلم، والمراد به: ذوق
السوء في الدنيا من معاملتهم معاملة الناكثين
عن الدين، أو الخائنين عهودهم (٢).
(١) البحر المحيط، أبو حيان ٦/ ٥٩١.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٦٩/١٤.
www. modoee.com
٣٨١

حرفالصاد
قال ابن كثير رحمه الله: ((حذر تعالى
عباده عن اتخاذ الأيمان دخلًا، أي: خديعةً
ومکرًالثلا تزل قدمٌ بعد ثبوتها، مثلٌ لمن كان
على الاستقامة فحاد عنها، وزل عن طريق
الهدى بسبب الأيمان الحائثة المشتملة على
الصد عن سبيل الله؛ لأن الكافر إذا رأى
أن المؤمن قد عاهده، ثم غدر به لم يبق له
وثوقٌ بالدين، فانصد بسببه عن الدخول في
الإسلام»(١).
((واتخاذ الأيمان غشًا وخداعًا يزعزع
العقيدة في الضمير، ويشوه صورتها في
ضمائر الآخرين، فالذي يقسم وهو يعلم
أنه خادع في قسمه، لا يمكن أن تثبت له
عقیدة، ولا أن تثبت له قدم على صراطها،
وهو في الوقت ذاته يشوه صورة العقيدة عند
من یقسم لهم ثم ینکث، ويعلمون أن أقسامه
كانت للغش والدخل، ومن ثم يصدهم عن
سبيل الله بهذا المثل السيئ الذي يضربه
للمؤمنين بالله.
ولقد دخلت في الإسلام جماعات
وشعوب بسبب ما رأوا من وفاء المسلمين
بعهدهم، ومن صدقهم في وعدهم، ومن
إخلاصهم في أيمانهم، ومن نظافتهم في
معاملاتهم، فكان الكسب أضخم بكثير من
الخسارة الوقتية الظاهرية التي نشأت عن
تمسکھم بعهودهم.
(١) تفسير القرآن العظيم ٤/ ٥١٥.
ولقد ترك القرآن وسنة الرسول صلى
الله عليه وسلم في نفوس المسلمين أثرًا
قويًا، وطابعًا عامًا في هذه الناحية ظل هو
طابع التعامل الإسلامي الفردي والدولي
المتميز))(٢).
روى الترمذي بسنده عن سليم بن عامرٍ،
قال: (كان بين معاوية وبين أهل الروم عهدٌ،
وكان يسير في بلادهم، حتى إذا انقضى
العهد أغار عليهم، فإذا رجلٌ على دابةٍ أو
على فرسٍ، وهو يقول: الله أكبر، وفاءً لا
غدرٌ، وإذا هو عمرو بن عبسة، فسأله معاوية
عن ذلك، فقال: سمعت رسول الله صلى
الله عليه وسلم يقول: (من كان بينه وبين قوم
عهدٌ فلا یحلن عهدًا، ولا يشدنه حتى يمضي
أمده، أو ينبذ إليهم على سواءٍ) قال: فرجع
معاوية بالناس)(٣).
وإنما كره عمرو بن عبسة ذلك لأنه
إذا هادنهم إلى مدةٍ وهو مقیمٌ في وطنه،
فقد صارت مدة مسيره بعد انقضاء المدة
المضروبة كالمشروط مع المدة في أن
(٢) في ظلال القرآن ٤/ ٢١٩٢.
(٣) أخرجه أحمد في مسنده، ٢٢٩/٢٨، رقم
١٧٠١٥، وأبو داود في كتاب الجهاد، باب
في الإمام يكون بينه وبين العدو عهد فيسير
إليه، ٨٣/٣، رقم ٢٧٥٩، والترمذي في
سننه، أبواب السير، باب ما جاء في الغدر،
١٩٥/٣، رقم ١٥٨٠.
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وصححه الألباني في صحيح أبي داود، رقم
٢٤٦٤.
٣٨٢
صَشَارَةُ الْتَفِيد
جوسين
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ

الصدعن سبيل الله
يغزوهم فيها، فإذا سار إليهم في أيام الهدنة وصدوا غيرهم، يفيد ضياع هذه الأعمال
وبطلانها، ولكن هذا المعنى يتمثل في
كان إيقاعه قبل الوقت الذي يتوقعونه فعد
ذلك عمرٌو غدرًا، وأما إن نقض أهل الهدنة
بأن ظهرت منهم خيانةٌ فله أن يسير إليهم
على غفلةٍ منهم(١).
حركة، فإذا بنا نرى هذه الأعمال شاردة
ضالة، ونلمح عاقبة هذا الشرود والضلال،
فإذا هي الهلاك والضياع، وهي حركة
تخلع ظل الحياة على الأعمال، فكأنما هي
٢. الضلال والبعد عن الحق.
شخوص حية أضلت وأهلكت، وتعمق
قرن سبحانه وتعالی بین الکفر وضلال
الأعمال في كتابه، فقال: ﴿وَلَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعْسًا
◌َهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَلَهُمْ﴾ [محمد: ٨].
المعنى وتلقي ظلاله، ظلال معركة تشرد
فيها الأعمال عن القوم، والقوم عن الأعمال
حتى تنتهي إلى الضلال والهلاك! وهذه
وقرن بين الصد عن سبيله وضلال
الأعمال، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَنْ
سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَ أَعْمَلَهُمْ﴾ [محمد: ١].
الأعمال التي أضلت ربما كان المقصود منها
بصفة خاصة الأعمال التي يأملون من ورائها
الخير، والتي يبدو على ظاهرها الصلاح،
فلا قيمة لعمل صالح من غير إيمان، فهذا
الصلاح شكلي لا يعبر عن حقيقة وراءه.
قال أبو جعفرٍ رحمه الله: ((يقول تعالى
ذكره: الذين جحدوا توحيد الله، وعبدوا
غيره، وصدوا من أراد عبادته، والإقرار
بوحدانيته، وتصديق نبيه محمدٍ صلى الله
عليه وسلم عن الذي أراد من الإسلام
والإقرار والتصديق جعل الله أعمالهم
ضلالًا على غير هدى وغير رشادٍ؛ لأنها
عملت في سبيل الشيطان، وهي على غير
استقامةٍ»(٢).
وانظر إلى التصوير الفني في الآية كما
يصوره سيد قطب رحمه الله قال: ((وإضلال
الأعمال الذي يواجه به الذين كفروا وصدوا
عن سبيل الله، سواء صدوا هم أم صدوا
(١) مرقاة المفاتيح، الملا علي القاري ٦/ ٢٥٦٣.
(٢) جامع البيان، الطبري ٢١/ ١٨٠.
والعبرة بالباعث الذي يصدر عنه العمل
لا بشکل العمل، وقد یکون الباعث طيبًا،
ولكنه حين لا يقوم على الإيمان يكون فلتة
عارضة أو نزوة طارئة، لا يتصل بمنهج ثابت
واضح في الضمير، متصل بخط سير الحياة
العريض، ولا بناموس الوجود الأصيل،
فلابد من الإيمان؛ ليشد النفس إلى أصل
تصدر عنه في كل اتجاهاتها، وتتأثر به في
كل انفعالاتها، وحينئذٍ يكون للعمل الصالح
معناه، ویکون له هدفه، ویکون له اطراده،
وتكون له آثاره وفق المنهج الإلهي الذي
يربط أجزاء هذا الكون كله في الناموس،
www. modoee.com
٣٨٣

حرف الصاد
ويجعل لكل عمل ولكل حركة وظيفة وأثرًا الفشل بضياع المال دون تحقيق الغاية،
ومما يزيد الأمر مرارة أن ينقلب هذا الإنفاق
في كيان هذا الوجود، وفي قيامه بدوره،
وانتهائه إلى غایته»(١).
حسرة علیهم، ليس ذلك فحسب، بل تكون
الهزيمة والغلبة عليهم أيضًا، بالإضافة إلى
٣. التضييق في الطيبات والمباحات.
العذاب الأخروي، وهو الحشر إلى جهنم؛
ليذوقوا العذاب.
فبسبب صد اليهود أنفسهم وغيرهم عن
دين الله القويم حرم الله عليهم طيبات من
المأکل کانت حلالًا لهم.
قال تعالى: ﴿فَيُظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا
عَلَيَّهِمْ طَيِّبَتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ
كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٦٠].
قال ابن كثير رحمه الله: ((الجميع من
الأطعمة كانت حلالاً لهم من قبل أن تنزل
التوراة ما عدا ما كان حرم إسرائيل على
نفسه من لحوم الإبل وألبانها.
ثم إنه تعالى حرم أشياء كثيرةً في التوراة،
كما قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ
حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ◌ُفُرٍّ وَمِنَ الْبَقَرِ
وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَاً إِلََّ مَا
حَمَلَتْ ◌ُظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَآ أَوْ مَا أَخْتَلَطَ
بِعَظْهَ ذَلِكَ جَزَيْنَهُم بِبَغْيِهِمٌ وَإِنَّا لَصَدِقُونَ ﴾
[الأنعام: ١٤٦])»(٢).
٤. إنفاق الأموال هدرًا، وانقلابها
حسرة وغلبة.
إنه لمن دواعي الهم والغم أن ينفق
الإنسان ماله لهدف من الأهداف، ثم يكون
(١) في ظلال القرآن ٦/ ٣٢٨١.
(٢) تفسير القرآن العظيم ٢/ ٤٦٧.
قال تعالى: ﴿إِنَّالَّذِينَ كَفَرُواْ يُنْفِقُونَ
أَمْوَلَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهُّ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ
تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَُ وَالَّذِينَ
كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٦].
عن سعيد بن جبيرٍ في قوله:
﴿إِنَّالَّذِينَ كَفَرُواْيُنْفِقُونَ أَمَوَّلَهُمْ لِيَصُدُّواْ
عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٦] قال: نزلت في
أبي سفيان بن حربٍ استأجر يوم أحدٍ ألفين
من الأحابيش(٣) من بني كنانة، فقاتل بهم
النبي صلى الله عليه وسلم (٤).
قال الطبري رحمه الله: ((يقول تعالى
ذكره: إن الذين كفروا بالله ورسوله ينفقون
أموالهم، فيعطونها أمثالهم من المشركين؛
ليتقووا بها على قتال رسول الله صلى الله
عليه وسلم والمؤمنين به؛ ليصدوا المؤمنين
(٣) الأحابيش: هم أحياء من القارة انضموا إلى
بني ليث في محاربتهم قريشًا، والتحبش:
التجمع، وقيل: حالفوا قريشًا تحت جبلٍ
يسمى حبشيًا، فسموا بذلك.
انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن
الأثير ١/ ٣٣٠.
(٤) لباب النقول في أسباب النزول، السيوطي
ص٩٩.
٣٨٤
القرآن الكريمِ

الصدعن سبيل الله
بالله ورسوله عن الإيمان بالله ورسوله،
فسينفقون أموالهم في ذلك (ثم تكون)
نفقتهم تلك حسرة، يقول: تصير ندامةً
عليهم؛ لأن أموالهم تذهب، ولا يظفرون
بما يأملون، ويطمعون فيه من إطفاء نور
الله، وإعلاء كلمة الكفر على كلمة الله؛
لأن الله معلي كلمته، وجاعلٌ كلمة الكفر
السفلى، ثم يغلبهم المؤمنون، ويحشر الله
الذین کفروا به وبرسوله إلی جهنم، فیعذبون
فيها، فأعظم بها حسرةً وندامةً لمن عاش
منهم ومن هلك، أما الحي فحرب ماله (١)
وذهب باطلًا في غیر درك نفع ورجع مغلوبًا
مقهورًا محزونًا مسلوبًا، وأمّا الهالك تاب
فقتل وسلب وعجل به إلى نار الله يخلد
فيها، نعوذ بالله من غضبه))(٢).
((والكفار في هذا الزمان ينفقون القناطير
المقنطرة من الأموال للصد عن الإسلام،
وفتنة الضعفاء من العوام، بجهادٍ سلمي،
أعم من الجهاد الحربي، وهو الدعوة إلى
أديانهم، والتوسل إلى نشرها بتعليم أولاد
المسلمین في مدارسهم، ومعالجة رجالهم
ونسائهم في مستشفياتهم، والمسلمون
مواتون، یرسلون أولادهم إلیھم ولا يبالون
ما يعملون)»(٣).
((إن المعركة لن تكف، وأعداء هذا الدین
(١) أي: سلب ماله.
(٢) جامع البيان، الطبري ١١/ ١٧٠.
(٣) المنار، محمد رشيد رضا ٩/ ٥٥٠.
لن يدعوه في راحة، ولن يتركوا أولياء هذا
الدين في أمن، وسبيل هذا الدين هو أن
يتحرك ليهاجم الجاهلية، وسبيل أوليائه
أن يتحركوا لتحطيم قدرة الجاهلية على
العدوان، ثم لإعلاء راية الله حتى لا يجرؤ
عليها الطاغوت.
والله سبحانه ينذر الكفار الذين ينفقون
أموالهم ليصدوا عن سبيل الله بأنها ستعود
عليهم بالحسرة.
إنهم سينفقونها لتضيع في النهاية،
وليغلبوا هم، وينتصر الحق في هذه الدنيا،
وسيحشرون في الآخرة إلى جهنم، فتتم
الحسرة الكبرى.
إن هذا المال الذي ينفق يؤلب الباطل،
ويملي له في العدوان فيقابله الحق بالكفاح
والجهاد، وبالحركة للقضاء على قدرة
الباطل على الحركة، وفي هذا الاحتكاك
المرير تنكشف الطباع، ويتميز الحق من
الباطل، كما يتميز أهل الحق من أهل الباطل
-حتى بين الصفوف التي تقف ابتداء تحت
راية الحق قبل التجربة والابتلاء - ويظهر
الصامدون الصابرون المثابرون الذين
يستحقون نصر الله؛ لأنهم أهل لحمل
أماناته، والقيام عليها، وعدم التفريط فيها
تحت ضغط الفتنة والمحنة)»(٤).
٥. كيد الصادين عن سبيل الله في
(٤) في ظلال القرآن ١٥٠٧/٣.
www. modoee.com
٣٨٥

حرف الصاد
خسران وهلاك.
وهذه حقيقة حتمية، قررها رب العالمين
بفضله ورحمته للمؤمنين؛ ولولا ذلك
لصرف الناس وصدوا عن سبيل الله.
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ
سُوءُ عَمَلِهِ، وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِّ وَمَا كَيْدُ
فِرْعَوْنَ إِلَّا فِ تَبَابٍ ﴾[غافر: ٣٧].
و(التباب): الخسران، ومنه: ﴿تَبَّتْ يَدَآ
أَبِىِ لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١].
وبه فسر مجاهد وقتادة رحمهما الله،
وتب فرعون ظاهر؛ لأنه خسر ماله في
الصرح وغيره، وخسر ملكه، وخسر نفسه
وخلد في جهنم(١).
ولتأكيد هذه الحقيقة جاءت أدوات
الحصر (ما - إلا) بمعنى: أنه لن يعدو كيد
فرعون إلا أن يكون في هلاك وخسارة
وضياع، دون تحقيق الهدف والغاية التي
أراد من صد المؤمنين عن إيمانهم بربهم
ونبيهم موسى عليه السلام.
وهذه الحقيقة الحتمية تسلية وتسرية
للمؤمنين العاملين للتمكين للإسلام
في واقع الحياة؛ لأن ما يفعله الطغاة
والمستبدون لصرفهم عن طريق الإيمان في
خسران وضياع، ولن يتحقق لهؤلاء غاية،
ولن ترفع لهم راية، طالما وجد المؤمنون
المستحقون لنصر الله.
(١) المحرر الوجيز، ابن عطية ٤ / ٥٦٠.
ثانيًا: الجزاء الأخروي:
١. مضاعفة السيئات ومحق
الحسنات.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ
عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا
كَانُواْ يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: ٨٨].
أي: عذابًا على كفرهم، وعذابًا على
صدهم الناس عن اتباع الحق، كقوله تعالى:
﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْتَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٦].
أي: ینهون الناس عن اتباعه، ويبتعدون
هم منه أيضًا، وهذا دليلٌ على تفاوت
الكفار في عذابهم، کما يتفاوت المؤمنون
في منازلهم في الجنة ودرجاتهم، كما قال
تعالى: ﴿قَالَ لِكُلِّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَّا نَعْلَمُونَ﴾
[الأعراف: ٣٨].
عن عبد الله رضي الله عنه في قول
الله: ﴿زِدْنَهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ قال:
زيدوا عقارب أنيابها كالنخل الطوال، وعن
ابن عباس رضي الله عنهما في الآية أنه
قال: ﴿زِدْنَهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ قال: هي
خمسة أنهار تحت العرش، يعذبون ببعضها
في الليل، وببعضها في النهار(٢).
وقد زيد لهم العذاب؛ لأنهم زادوا
علی کفرهم صد غیرهم عن الإيمان، فهم
في الحقيقة ازدادوا كفرًا على كفرٍ، وأيضًا
(٢) تفسير القرآن العظيم ٤ / ٥١٠.
٣٨٦
مَوَسُولَةُ النَّفي
القرآن الكريمِ

الصدعن سبيل الله
أتباعهم إنما اقتدوا بهم في الكفر، فوجب
أن يحصل لهم مثل عقاب أتباعهم؛ لقوله يتوبوا منه ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ﴾ لا بشفاعة ولا
تعالى:
﴿وَلَيَحْمِلُنَ أَنْقَهُمْ وَأَنْقَالًاً مَّعَ
أَتَّقَاِهِمْ ﴾ [العنكبوت: ١٣].
ولقوله صلی الله عليه وسلم فيما رواه
البخاري بسنده عن جرير بن عبد الله قال:
قال رسول الله صلی الله عليه وسلم: (ومن
سن في الإسلام سنةً سيئةً، فعمل بها بعده،
کتب علیه مثل وزر من عمل بها، ولا ينقص
من أوزارهم شيءٌ)(١).
٢. عدم المغفرة لهم إذا ماتوا على
الكفر.
قال تعالى: ﴿إِنَّالَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن
سَبِيلِ اَلَّهِ ثُمَّ مَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اَلَّهُ لَهُمْ﴾
[محمد: ٣٤].
قال السعدي رحمه الله: ((هذه الآية
والتي في البقرة قوله: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِ دْمِنَكُمْ
عَنْ دِينِهِ، فَيَمُتْ وَهُوَ كَاِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ
أَعْمَلُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٧].
مقيدتان لكل نص مطلق فيه إحباط
العمل بالكفر، فإنه مقید بالموت علیه، فقال
هنا: ﴿إِنَّالَّذِينَ كَفرُواْ﴾ بالله وملائكته وكتبه
ورسله واليوم الآخر ﴿وَصَدُّوا﴾ الخلق ﴿عَن
سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بتزهيدهم إياهم بالحق، ودعوتهم
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب
الحث على الصدقة ولو بشق تمرة، ٧٠٤/٢،
رقم ١٠١٧.
وُمَّ مَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ لم
إلى الباطل وتزيينه
بغيرها؛ لأنه قد تحتم عليهم العقاب، وفاتهم
الثواب، ووجب عليهم الخلود في النار،
وسدت عليهم رحمة الرحيم الغفار.
ومفهوم الآية الكريمة: أنهم إن تابوا من
ذلك قبل موتهم فإن الله يغفر لهم ويرحمهم،
ويدخلهم الجنة، ولو كانوا مفنين أعمارهم
في الكفر به، والصد عن سبيله، والإقدام
على معاصیه، فسبحان من فتح لعباده أبواب
الرحمة، ولم يغلقها عن أحد، ما دام حيًا
متمكنًا من التوبة)﴾(٢).
وما تضمنته الآية الكريمة أن من مات
على الكفر لن يغفر الله له؛ لأن النار وجبت
له بموته على الكفر، جاء موضحًا في آياتٍ
أخر من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم
مِلُْ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ اُفْتَدَى بِهِ: أُوْلَئِكَ لَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيٌ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّصِرِينَ﴾ [آل عمران: ٩١].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَا تُواْ وَهُمْ
كُفَّارٌ أُوْلَكَ عَلَيْهِمْ لَقْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَئِكَةِ وَالنَّاسِ
أَجْمَعِينَ آ خَلِدِينَ فِيهَا لَا يُحَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ
وَلََّ هُمْ يُظَرُونَ﴾ [البقرة: ١٦١ -١٦٢].
وقوله تعالى: ﴿وَلَاَ اَلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ
كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾
[النساء: ١٨].
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٩٠.
www. modoee.com
٣٨٧

حرف الصاد
فالفرصة متاحة فقط للمغفرة فى هذه
الدنيا، وباب التوبة يظل مفتوحًا للكافر حتى
يغرغر، فإذا بلغت الروح الحلقوم فلا توبة
ولا مغفرة، فقد ذهبت الفرصة التي لا تعود،
روى الترمذي بسنده عن ابن عمر رضي الله
عنهما عن النبي صلی الله عليه وسلم قال:
(إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر) (١).
٣. العذاب المهين.
قال تعالى: ﴿أَتَّخَذُوَأْ أَيْمَنَّهُمْ جُنَّةٌ فَصَدُّواْ
عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [المجادلة: ١٦].
قال الرازي رحمه الله: ((فيه مسألتان:
المسألة الأولى: قرأ الحسن: ﴿أَتَّخَذُواْ
أَيْمَنَهُمْ﴾ بكسر الهمزة، قال ابن جني: هذا
على حذف المضاف، أي: اتخذوا ظهار
إيمانهم جنةً عن ظهور نفاقهم وكيدهم
للمسلمين، أو جنةً عن أن يقتلهم المسلمون،
فلما أمنوا من القتل اشتغلوا بصد الناس عن
الدخول في الإسلام بإلقاء الشبهات في
القلوب، وتقبيح حال الإسلام.
المسألة الثانية: قوله تعالى: ﴿فَلَهُمْ عَذَابٌ
(١) أخرجه أحمد في مسنده، ٣٠٠/١٠، رقم
٦١٦٠، والترمذي في سننه، أبواب الدعوات،
باب في فضل التوبة والاستغفار وما ذكر من
رحمة الله بعباده، ٤٣٨/٥، رقم ٣٥٣٧، وابن
ماجه في سننه، كتاب الزهد، باب ذكر التوبة،
٢/ ١٤٢٠، رقم ٤٢٥٣.
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
وصححه الألباني في صحيح الجامع
٣٨٦/١، رقم ١٩٠٣.
مُهِينٌ﴾ أي: عذاب الآخرة))(٢).
وقال الشنقيطي رحمه الله: ((ذكر جل
وعلا في هذه الآية الكريمة أن المنافقين
اتخذوا أيمانهم جنةً، والأيمان جمع یمینٍ،
وهي الحلف، والجنة هي الترس الذي
يتقي به المقاتل وقع السلاح، والمعنى:
أنهم جعلوا الأيمان الكاذبة، وهي حلفهم
للمسلمين إنهم معهم، وإنهم مخلصون في
باطن الأمر ترسًا لهم يتقون به الشر الذي
ینزل بهم لو صرحوا بكفرهم، وقوله تعالى:
﴿فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اَلَّهِ﴾ الظاهر أنه من (صد)
المتعدية، وأن المفعول محذوفٌ، أي:
فصدوا غيرهم ممن أطاعهم؛ لأن صدودهم
في أنفسهم دل عليه قوله: ﴿أَخَذُواْ أَيْمَنَهُمْ
جُنَّةٌ﴾ والحمل على التأسيس أولى من
الحمل على التأكيد)»(٣).
فعذاب المهانة جزاء الاستهانة بالأيمان
التي اتخذوها على أنفسهم، وجزاء الاستهانة
بالمنهج الإلهي وبما جاء به.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
موضوعات ذات صلة:
الابتلاء، الأذى، الإعراض، الباطل،
الفتنة، الضلال
(٢) مفاتيح الغيب ٤٩٧/٢٩.
(٣) أضواء البيان ٥٥٣/٧.
٣٨٨
جوسين
لِلْقُرآن الكَرِيمِ