Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْ مُوبَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرْآن الكَرِّيْمِ التَّشَيْطَانُ عناصر الموضوع مفهوم الشيطان ١٣٨ الشيطان في الاستعمال القرآني ١٣٩ الألفاظ ذات الصلة ١٤٠ خلق الشيطان ١٤٢ ١٤٦ الشيطان والأنبياء ١٥٧ عداوة الشيطان للإنسان ١٦٦ وسائل الحفظ من الشيطان ١٧٥ عاقبة الشيطان في الدنيا والآخرة المُجَلَدُ العُشْرُونْ حرف الشين مفهوم الشيطان أولًا: المعنى اللغوي: اختلف أهل اللغة في اشتقاق لفظ الشيطان على رأيين: الرأي الأول: أن النون في لفظ الشيطان أصلية، وهو من مادة (شطن)، وهي تدل على البعد، ونوّى شطون، أي: بعيدة، ويقال: بئر شطون، أي: بعيدة القعر، وشطن عنه: بَعُدَ، وأشطنه: أبعده(١)، وسمي الشيطان بذلك؛ لبعده عن أمر ربه، وعن الحق وتمرده، فهو بعيد عن الخير، وبعيد عن طباع البشر، وعلى ذلك فكل عات متمرد من الجن والإنس والدواب شيطان. وقيل: الشطن: هو الحبل الطويل الشّديد الفتل، والجمع أشطان، وشطنته إذا شددته بالحبل(٢)، والشيطان على وزن فيعال، ووجه تسميته بذلك؛ لأنه يوقع الإنسان بحباله الطويلة، أو أنه طاله في الشر. وقال ابن السكت: ((الشطن مصدر شطنه يشطنه، إذا خالفه عن نيته ووجهه))(٣). الرأي الثاني: ذهب آخرون من أهل اللُّغَة: إلى أن النون في لفظ الشيطان زائدة، واشتقاقه من شاط يَشيط وتشيط، وشاط الشيء شيطًا وشياطة وشيطوطة: احترق، وشاطت القدر شيطًا احترقت، وشاط الرجل إِذا لفحته النارُ فأثرت فيه، وهلك واحترق (٤)، وهذا المعنى يتناسب مع الشيطان، فالشيطان يحترق ويهلك إذا سمع صوت الحق، وذكر ابن كثير أن من العلماء من صحح الرأيين مع قولهم بأن الأول أصح (٥). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: لفظ الشيطان قد یراد به إبليس خاصة، كما في قصة آدم وإبليس، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾ [البقرة: ٣٦]. وقد يراد بالشيطان كل شرير مفسد داع للغي والفساد من الجن والإنس، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِّ عَدُوَّا شَيَطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنّ يُؤْحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢]. (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١٨٤/٣، لسان العرب، ابن منظور ٢٣٧/١٣. (٢) انظر: العين، الفراهيدي ٢٣٦/٦. (٣) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ٢١٣/١١، الصحاح، الجوهري ٢١٤٤/٥. (٤) انظر: جمهرة اللغة، ابن دريد ٨٦٧/٢، تهذيب اللغة، الأزهري ٢١٤/١١. (٥) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١١٥/١. ١٣٨ جوبيبو لِلْقُرآن الكَرِيمِ الشيطان الشيطان في الاستعمال القرآني وردت مادة (شطن) في القرآن الكريم (٨٨) مرة (١). والصيغ التي وردت، هي: الصيغة عدد المرات المثال ﴿فَأَزَّلَهُمَا الشَّيْطَنُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَا كَانَا فِيهِ﴾ الاسم (مفردًا) ٧٠ [البقرة: ٣٦] الاسم (جمعًا) ١٨ ﴿وَأَتَّبَعُواْ مَا تَنْلُواْ الشَّيَطِيْنُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَنَ [البقرة: ١٠٢] وجاءت كلمة (الشيطان) في الاستعمال القرآني بمعناها اللغوي، وهو: المتمرد الطاغي من الجن والإنس والدواب (٢). (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص٣٨٢ - ٣٨٣. (٢) انظر: نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص٣٧٤، عمدة الحفاظ، السمين الحلبي ٢٧١/٢، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧/ ٢٠. www. modoee.com ١٣٩ حرف الشين الألفاظ ذات الصلة ١ إبليس: إبليس لغةً: إبليس لعنه الله مشتق من ((بلس))، وبلس من رحمة الله، أي: يئس وندم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ بْلِسُ اَلْمُجْرِمُونَ﴾ [الروم: ١٢]. وسمي إبليس بذلك؛ لأنه يئس من رحمة الله، وأبلس الرجل: سكت، لذلك يقال للذي يسكت عند انقطاع حجته: قد أبلس، فالمبلس الساكت من الخوف أو الحزن، والإبلاس الحيرة، وسمي إبليس بهذا الاسم؛ لأنه لما أيس من رحمة الله أبلس بأسًا(١). إبليس اصطلاحًا: یمکن تعریف إیلیس تعریفًا وصفیًا بأنه ذلك المخلوق من نار السموم، کان یعبد الله مع جملة الملائكة، فاغتر إبليس بنفسه، فاطلع الله على ذلك في قلبه، فخلق الله آدم من طين، ونفخ فيه، وأمر الملائكة الذين كان إبليس في معيتهم للسجود له، فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر بحجة أنه خير منه، فقال: ﴿أَنَأْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْنَنِ مِن ◌َّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾﴾ [الأعراف: ١٢]. وطلب من الله أن يمهله إلى يوم الدين؛ كي يغوي آدم وذريته، فلُعن وطُرد من السماء، وأصبح عدوًا لبني آدم إلى يوم البعث(٢). الصلة بين إبليس والشيطان: أن الشيطان إذا أطلق يراد به إبليس وذريته المخلوقين من النار. الجن: ٢ الجن لغةً: ((الجن جماعة ولد الجان، وجمعهم: الجِنَّةُ، والجان، وإنما سمو جنّا؛ لأنهم استجنَوا عن الناس، فلا يُرون، والجان هو أبو الجن خلق من نار، ثم خلق منه نسله))(٣)، فالجان واحد الجن، وهو من الاجتنان، أي: التستر والاختفاء، ومنه قول الله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ. مِنْ حَيْثُ لَاَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧] (٤). (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١/ ٣٠٠، لسان العرب، ابن منظور ٢٩/٦. (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٢٨/١. (٣) تهذيب اللغة، الأزهري ٢٦٥/١٠. (٤) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١/ ٢٤٤. ١٤٠ القرآن الكريمِ الشيطان الجن اصطلاحًا: يمكن التعريف بالجن على ((أنهم نوع من الأرواح العاقلة، المريدة، المكلفة على نحو ما عليه الإنسان، مجردون عن المادة، مستترون عن الحواس، لا يُرون على طبيعتهم، ولا بصورتهم الحقيقية، ولهم قدرة على التشكل، ويأكلون، ويشربون، ويتناكحون، ولهم ذرية، محاسبون على أعمالهم في الآخرة)) (١). الصلة بين الشيطان والجن: أن الشيطان هو الشرير من الجن؛ ولهذا يقال للإنسان إذا كان شريرًا شيطان، ولا يقال: جني؛ لأن قولك: شيطان يفيد الشر ولا يفيده قولك: جني، وإنما يفيد الاستتار؛ ولهذا يقال على الإطلاق: لعن الله الشيطان، ولا يقال: لعن الله الجني، والجني اسم الجنس والشيطان صفة(٢). الطاغوت: ٣ الطاغوت لغة: مشتق من ((طغو)) و((طغي))، وهو مجاوزة الحد في العصيان، وطغى البحر: هاجت أمواجه، وكل شيء جاوز المقدار والحد في العصيان فهو ((طاغ))، ((وأطغيته)) جعلته ((طاغيًا))، والطاغية: صيحة العذاب البغي والكفر، والطاغوت: الكهنة والشياطين، والطاغوت كل رأس في الضلال، كما ويطلق على الأصنام، والطاغوت يكون من الجن والإنس(٣). الطاغوت اصطلاحًا: أصل الجذر يدل على مجاوزة الحد، ونجد أن الطاغوت يحتل مرتبة هي أعلى من مجرد كونه متمردًا أو عاتيًا، كما هو حال الشيطان، بل هو في مرتبة تصل إلى قمة الكفر والطغيان، بحیث یجترئ على خصائص ألوهية الله سبحانه، حیث یدعو البشر لعبادته من دون الله، فالطاغوت هو كل ذي طغيان على الله، فعُبد من دونه، إما بقهر منه لمن عبده، وإما بطاعة ممن عبده، إنسًا كان ذلك المعبود أو جانًا (٤). الصلة بين الشيطان والطاغوت: صلة عموم وخصوص، فالشيطان صورة من صور الطاغوت. (١) الموسوعة العقدية، موقع الدرر السنية، ٣٣٠/٨. (٢) الفروق اللغوية، العسكري ص ٣٠٧. (٣) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣/ ٤١٢، لسان العرب، ابن منظور ٨/١٥. (٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣١٢/١. www. modoee.com ١٤١ حرف الشين خلق الشيطان تحدث القرآن الكريم عن خلق الشيطان والغاية من خلقه وتمرده -لعنه الله- وخروجه الطاعة، وهذا ما سنتناوله بالبيان فيما يأتي: أولًا: خلق الشيطان: تقرر مما سبق أن الشيطان إذا أطلق فيراد به إبليس خاصة، واختلف علماء التفسير في إيليس هل هو من الملائكة أم من الجن إلى رأیین: الرأي الأول: إنه كان من الملائكة، قاله ابن عباس (١)، وابن مسعود، وسعيد بن المسيب (٢)، وابن جرير الطبري (٣). وقال البغوي: هذا قول أكثر المفسرين؛ لأنه سبحانه أمر الملائكة بالسجود لآدم في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَتِكَةِ أَسْجُدُواْ لَِدَمَ فَسَجَدُوْاْ إِلَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَأَسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ اُلْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]. فلولا أنه من الملائكة، لما توجه الأمر إليه بالسجود، ولو لم يتوجه الأمر بالسجود، لم يكن عاصيًا، ولما استحق الخزي والنكال (٤). الرأي الثاني: إنه كان من الجن، ولم یکن (١) انظر: الدر المنثور، السيوطي ٧٨/٥. (٢) انظر: المصدر السابق ١/ ١٢٤. (٣) انظر: جامع البيان ٥٠٨/١. (٤) انظر: معالم التنزيل ١٠٤/١. من الملائكة، قاله الحسن وقتادة، واختاره الزمخشري(٥). مستدلين بقوله تعالى: ﴿إِلَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِرَيِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠]. فهو أصل الجن کما أن آدم أصل الإنس، ولأنه خلق من نار، والملائكة من نور، ولأن له ذرية ولا ذرية للملائكة، ورد الزمخشري على المستدلين بقوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَبِّكَةِ أَسْجُدُ واْلِّدَمَ فَسَجَدُوَاْ إِلَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَأَسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَفِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]. فالأمر كان للملائكة خاصة، وإنما شمله الأمر، لأنه كان في صحبتهم، و کان یعبد الله معهم، فلما أُمِروا بالسجود لآدم والتواضع له كرامة له، كان الجني الذي معهم أجدر بأن یتواضع(٦). وجمهور العلماء على القول الأول، وأجابوا عن قوله تعالى: ﴿إِلَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ اَلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَيِّهِ»﴾،أي: من الملائكة الذين هم خزنة الجنة(٧). والصواب التفصيل في هذه المسألة، فإبليس كان من الملائكة بصورته، وكان یعبد الله معهم، وليس منهم بمادته وأصله؛ فأصله من نار، وأصل الملائكة من نور، فمن اعتبره من الملائكة فعلی کونه كان في صحبتهم في العبادة، ومن اعتبره من الجن (٥) انظر: الكشاف ١/ ١٢٧. (٦) انظر: المصدر السابق. (٧) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٤٢٨/٢. ١٤٢ القرآن الكريمِ الشيطان فعلی أصل خلقه(١). وقيل: إن فرقة من الملائكة خلقوا من النار، سموا: جنّا؛ لاستتارهم عن الأعين، فإبليس كان منهم، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ لَلِنَّةِ نَسَبَأْ وَلَقَدْ عَلِمَتِ اَلْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٨]. وهو قولهم: الملائكة بنات الله، ولما أخرجه الله من الملائكة جعل له ذرية(٢). وبعد التفصيل السابق يمكن الخروج بخلاصة القول، وهو أن أصل خلق إبليس من نار، كما تقرر ذلك الآيات. قال تعالى: ﴿وَلَْآَنَّ خَلَقْتَهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧]. قال ابن عباس في قوله: ((﴿مِنْ ثَارِ السَّمُورِ ﴾ الحارة التي تقتل، وقال ابن مسعود: ﴿السَّمُومِ﴾ التي خلق منها الجان جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم)» (٣). ويدلل على ذلك أيضًا ما جاء عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خلقت الملائكة من نور، مما وُصِف لكم) (٤). (١) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٣٤٦/٤. (٢) انظر: معالم التنزيل، البغوي ١٠٤/١. (٣) انظر: الدر المنثور، السيوطي ١٢٨/١. (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد والرقائق، بأب في أحاديث متفرقة، ٢٢٩٤/٤، رقم ٢٩٩٦. وطبيعة خلق الشيطان أنه لا يُری، كما تُقرره الآيات الكريمة. قال تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَنَكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُمِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَطِينَ أَوْلِيَّةُ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٧]. يقول الزحيلي: ((احذروا إبليس، فإنه هو وجنوده من الجن یرونکم وأنتم لا ترونھم، والضرر الناجم من العدو الذي لا یری أخطر من العدو الظاهر المرئي)»(٥). ومما جُبِل عليه الشيطان خاصة دون سائر الجن، قبح صورته، والتي تحمل في مضمونها قبح أفعاله، وقد شبه الله ثمار شجرة الزقوم التي تنبت في أصل الجحيم برؤوس الشياطين، لما عُلِم من قبح صورهم وأشكالهم. يقول تعالى: ﴿ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِ آَصْلِ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ, رُءُوسُ الشَّيَطِينِ﴾ ٦٤ الْجَحِيمِ [الصافات: ٦٤ - ٦٥]. وإنما شبهها برؤوس الشياطين وإن لم تكن معروفة عند المخاطبين؛ لأنه قد استقر وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم في النفوس أن الشياطين قبيحة المنظر، وثبت في السنة أن الشيطان له قرنان. فعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا طلع حاجب الشمس فدّعوا الصلاة حتى تبرُز، وإذا غاب حاجب الشمس فدعوا الصلاة حتى تغيب، ولا تَحَيَّنوا بصلاتكم (٥) التفسير المنير ٨/ ١٧٠. www. modoee.com ١٤٣ حرف الشین طلوع الشمس ولا غروبها، فإنها تطلع بين خوفهم وخضوعهم لله عز وجل، ففي ذلك زيادة حرص وخوف وتذلل لخالق الكون. قرني شيطان)(١). ثانيًا: الغاية من خلق الشيطان: خلق الله عز وجل الشيطان لحكم وفوائد قد تظهر للإنسان، وقد يخفى عنه بعضها، لكنه لم يخلق شيئًا عبثًا، تعالى عن ذلك سبحانه علوًا كثيرًا، فما الحكمة من خلق إبليس؟ تحدث العلماء في ذلك کثیرًا، وقد أجاد الإمام ابن القيم رحمه الله في بیان ذلك في كتابه، فذكر من الحكم والفوائد من خلق إبليس وجنوده (٢): أولًا: أن يكمل للأنبياء والمؤمنين والصالحين مراتب العبودية، وذلك وحزبه -الشيطان بمجاهدة عدو الله وذريته- وإغاظة أوليائه، والاستعاذة بالله منه، والالتجاء إليه أن يعيذهم من شره و کیده. ثانيًا: خوف الملائكة والمؤمنين والصالحين من ذنوبهم، وذلك بعدما شاهدوا ما آل إليه حال إبليس، وما شاهدوه من سقوطه من المرتبة الملكية إلى المنزلة الإبليسية، فالملائكة لما شاهدوا ذلك زاد (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده ١١٩٣/٣، رقم ٣٠٩٩. (٢) انظر: شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتنزيل ١/ ٢٣٧. ثالثًا: ابتلاء واختبار، فالغاية من خلق إبليس أن يمتحن الله به العباد، فيكون ابتلاءً، واختبارًا، وامتحانًا، فمن تبعه فيكون معه، ومن اتخذه عدوًا كما أمر الله دخل الجنة، فهذه من أهم الحكم؛ ليميز الخبيث من الطيب، ویجازي كلا بعمله، بعد أن بين لهم الطريق الصواب. رابعًا: أراد الله عز وجل من خلقه لإبليس أن يجعله عبرة لمن خالف أمره، وتگبر عن طاعته، وأصر على معصيته، فكما جعل آدم أبا البشر عبرة لمن ارتكب نهيه أو عصى أمره، ثم تاب وندم ورجع إلى ربه، جعل هذا الأب - إبليس أبي الجن- عبرة لمن أصر وأقام على ذنبه. خامسًا: من الواضح أن خلق الضدين من كمال حسن ضده، فالضد إنما يظهر حسنه بضده، فلولا القبيح لم تعرف فضيلة الجمیل. سادسًا: أن المحبة والإنابة والتوكل والصبر والرضا ونحوها أحب أنواع العبودية إلى الله سبحانه، وهذه العبودية إنما تحقق بالجهاد وبذل النفس لله تعالى، وتقديم محبته على كل ما سواه، فالجهاد ذروة سنام العبودية وأحبها إلى الرب سبحانه، فكان في خلق إبليس وحزبه قيام سوق هذه العبودية مَوَسُولَةُ النَّفي القرآن الكريمِ ١٤٤ الشيطان بمجاهدة النفس، وطاعة الله عز وجل. سابعًا: إن فى خلق من یعادي رسل الله، ویکذبهم، من تمام ظهور آياته وعجائب قدرته ولطائف صنعه. ثامنًا: إن المادة التي خلق منها إبليس عليه لعنة الله عز وجل هي المادة النارية، وهذه المادة فيها الإحراق والعلو والفساد، كما وفيها الإشراق والإضاءة والنور، فأخرج منها سبحانه هذا، وهذا، كما أن المادة الترابية الأرضية فيها الطيب والخبيث والسهل والحزن والأحمر والأسود والأبيض، فأخرج ذلك منها كله حكمة باهرة، وقدرة قاهرة، وآية دالة على أنه ليس كمثله شىء، وهو السميع البصير. تاسعًا: إن خلق إبليس فيه من الدلالة الواضحة على حلمه، وصبره، وأناته، وسعة رحمته، وجوده، فاقتضى ذلك كله خلق من يشرك به، ويضاده في حكمه، ويجتهد في مخالفته، وهو بالمقابل يسوق إليه أنواع الطيبات، ويرزقه، ويعاقبه، ويمكن له من أسباب ما يتلذذ به من أصناف النعم، ويظهر بره وإحسانه بضد ما يعامله هو به من كفره وشركه وإساءته، فلله الحمد على حلمه وصبره. ثالثًا: تمرد الشيطان وخروجه عن الطاعة: خلق الله إبليس وهو أكبر الشياطين، وكان يعبد الله مع جملة الملائكة، وكان بعلم الله يخفي نزعة التمرد، والقرآن يقص لنا كيف كانت بداية معصية الشيطان، فقد بَيَن الله عز وجل الغاية من الخلق، فقال في كتابه العزيز: ﴿وَمَا خَلَقْتُ لَلِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: ٥٦]. فإن من مظاهر عبادة الله طاعة أوامره، ومخالفة أوامر الله تعالى هي المعصية والفسوق، وهي الطريق إلى الكفر والعياذ بالله، ومن هنا فإن العبادة هي طاعة المخلوق لأوامر خالقه، وإبليس عصى أوامر الله، أما کیف بدأ إبليس معصيته لله. فقد بين ذلك في القرآن الكريم، فيقول الله عز وجل: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَئِكَةِ أَسْجُدُواْ لِلَدَمَ فَسَجَدُواْ إِلَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَأَسْتَكْبَرٌ وَكَانَ مِنَ اَلْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]. فكان بدایة کفر إبليس، إذ رفض طاعة الله عز وجل، ورفض السجود لآدم، فكانت بداية التمرد والمعصية، وكان سبب رفضه السجود لآدم عليه السلام هو الاستكبار، وقد صرح اللعين بهذا المعنى، فقال تعالى على لسانه: ﴿قَالَ أَنَأْ خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْنَنِ مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُمِن ◌ِينِ﴾ [الأعراف: ١٢]. وقال أيضًا: ﴿وَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا www. modoee.com ١٤٥ حرف الشین [الإسراء: ٦١]. لذلك عاقب الله عز وجل إبليس على تمرده وعصيانه بالهبوط من ملكوت السموات إلی درکات الأرض. يقول تعالى: ﴿قَالَ فَأَهِْطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَأَخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣]. أي: اهبط من الجنة، فليس لك أن تستکبر فيها عن طاعتي وأمري، قال الزجاج: إن إبليس طلب التكبر، فابتلاه الله تعالى بالذلة والصغار (١). (١) مفاتيح الغيب، الرازي ٢١٠/١٤. جوسين القرآن الكريم الشيطان والأنبياء ذكر القرآن الكريم موقف الشيطان من الأنبياء عليهم السلام، موقفه من آدم عليه السلام، وموقفه من يوسف عليه السلام، وموقفه من أيوب عليه السلام، وموقفه من موسى عليه السلام، وموقفه من الرسول الكريم عليه السلام. أولًا: موقف الشيطان من آدم وحواء: خلق الله عز وجل آدم، وكرمه، ورفع من شأنه، وأمر الملائكة بعد خلقه بالسجود له، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَئِكَةِ أَسْجُدُواْ لَِّدَمَ فَسَجَدُوّا إِلَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَأَسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ اُلْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]. تعظيمًا وتشريفًا له، فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبى استكبارًا منه على آدم عليه السلام، فسأله الله عز وجل عن سبب امتناعه عن السجود. قال تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتٌُّ قَالَ أَنَأْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن ◌ِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]. فقال الله عز وجل له: ﴿قَالَ فَأَهْيِطُ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣]. أي: من الجنة(٢)، فطُرِد لعنه الله من الجنة، وكان هذا سببًا لكراهية إبليس لآدم (٢) انظر: المصدر السابق ٤٢٨/٢. ١٤٦ الشيطان وذريته، وعداوته لهم، فتوعد إبليس آدم الكريم: ﴿قَالَ يَتَادَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ اْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠]. وذريته من بعده بالعداوة والإغواء، كي تکون نھایتھم کنھایتہ جھنم، وبئس المصير، فقال تعالى: ﴿ قَالَ أَرَءَيْنَكَ هَذَا الَّذِى كَرَّمْتَ عَلَّ لَبِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنْكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢]. وأمر الله عز وجل آدم وزوجه حواء أن يسكنا الجنة، كما جاء في قوله تعالى: ﴿ وَقُلْنَا يَدَمُ أَسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ اَلْجَنَّةَ وَكُلَاً مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا نَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الَّلِينَ﴾ [البقرة: ٣٥]. وبين سبحانه الميزات التي سيحصل عليها آدم عليه السلام، فقال جل جلاله: ﴿إِنَّلَكَ أَّا تَجُعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾ [طه: ١١٨]. ففي الجنة طعام يكفيك، وكساء يسترك، وماء تجده دائمًا، لا يصيبك ظمأ، وليس فيها تعب، وكل ما فيها مباح لك عدا شجرة واحدة، لا تقترب منها، ولا تأكل ثمارها، كما وحذره سبحانه وتعالى وحذر حواء من عدوهما إبليس، فقال تعالى: ﴿فَقُلْنَا يَّفَدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُاَ مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه: ١١٧]. وقتها استغل الشيطان هذا الأمر في الانتقام من آدم عليه السلام، وكانت بداية معصية آدم، فالشيطان حين أراد أن يغوي آدم وحواء بأن يأكلا من الشجرة، وأن يعصيا الله عز وجل، قال لآدم كما يروي لنا القرآن فرغَبه إبليس في دوام الراحة بقوله: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ وفي انتظام المعيشة بقوله: ﴿وَمُلْكٍ لَا يَبْلَ﴾، فكان الشيء الذي رغب الله آدم فيه هو الذي رغبه إیلیس فیه، إلا أن الله تعالى وقف ذلك على الاحتراس عن تلك الشجرة وإبليس وقفه على الإقدام عليها(١). وقال سبحانه وتعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخَجَهُمَا مِمَا كَانَا فِيَةٍ وَقُلْنَا أَهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضِ عَدُوٌ وَلَّكُمْ فِىِ الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌ وَمَتَعُ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٦]. قرأها الجماعة ﴿فَأَزَّلَّهُمَا﴾ أي: استزلهما، وأغواهما، وهو من قولك: زلَ في دينه إذا أخطأ، وعلى قراءة حمزة ((فأزالهما)»(٢): نحاهما، أي: بمعنى الزوال عن المكان، والخروج منه(٣). وقال تعالى في كتابه العزيز: ﴿فَوَسْوَسَ لَمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِىَ لَهُمَا مَا ؤُورِىَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَنَكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلََّ أَنْ تَكُوْنَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُوْنَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠ ]. وقول الحق سبحانه وتعالى ((وسوس)) (١) انظر: لباب التأويل، الخازن ٢١٤/٣. (٢) انظر: النشر في القراءات العشر، ابن الجزري ٢١١/٢. (٣) انظر: الدر المنثور، السيوطي ١/ ١٣٠. www. modoee.com ١٤٧ حرف الشین يدل على أن الحديث دار همسًا بصوت قام بإغواء آدم وحواء، ولم تقم حواء بإغواء آدم على المعصية، فالغواية جاءت من الشيطان للاثنين معًا(٣). خافت، والوسوسة إغراء بارتكاب الشر، والذي يتحدث ويأمر بالخير لا يهمه أن يكون حديثه بصوت عال، ولكن الحديث في الشر والغواية لا تتم إلا همسًا بصوت خافت (١). واختلف في كيفية وسوسة الشيطان لآدم، فإبليس طرد من الجنة، وآدم داخل الجنة، فكيف وسوس إليه وهو خارج الجنة؟ وأجيب عن ذلك بعدة أمور منها: ١. كان إبليس يوسوس لآدم عليه السلام من الأرض إلى السماء وإلى الجنة بالقوة الفوقية التي جعلها الله تعالى له. ٢. أن آدم وحواء ربما قربا من باب الجنة، وكان إبليس واقفًا من خارج الجنة على بابها، فیقرب أحدهما من الآخر، وتحصل الوسوسة هناك (٢). وهناك العديد من الروايات التي قد يتبادر إلى الذهن منها أن حواء هي من أغوت آدم، لكن الله عز وجل برأ حواء من هذه التهمة، فقد قال سبحانه وتعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ فالشيطان هو الذي زين المعصية لآدم كما زينها لحواء، أي: أن الشيطان هو الذي (١) انظر: الدر المصون، السمين الحلبي ٢٧٥/٥، فتح القدير، الشوكاني ١٩٤/٢. (٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٤ / ٢١٧، لباب التأويل، الخازن ٣٨/١. ولكن كيف استطاع الشيطان أن يخرج آدم وحواء من الجنة مع علم آدم بعداوة إبليس له قبل إغوائه، لعل السبب يرجع إلى أن إیلیس لقي آدم مرارًا وتكرارًا، ورغَبه في الأكل من الشجرة بطرق كثيرة، وبالتكرار والمواظبة على الطلب أثَر كلامه على آدم (٤) عليه السلام(٤). وحلف لهما كما يروي القرآن الكريم: وَقَاسَمَهُمَا إِ لَكُمَا لَمِنَ النَّصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١]. أي: أقسم لهما أنه يريد لهما النصح، وصدقا القسم، وصدقا الشيطان في أنه يريد لهما الخير، ولذلك عاتب الله سبحانه وتعالى آدم وحواء بأنهما صدقا قسم إبليس، مع أنه جل جلاله قد بين لهما أن إبليس عدو لهما لا يريد لهما الخير، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَنَادَنَّهُمَا رَيُّهُمَآ أَلَّ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَاْ إِنَّ الشَّيْطَنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ٢٢]. وبذلك استطاع إبليس أن يقنع آدم أن الله قد منعه من الأكل من الشجرة؛ لأنه لا يريد له الخير، وذلك حتى نفطن إلى طريق (٣) انظر: عداوة الشيطان للإنسان، الشعراوي ٢٧/١. (٤) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢١٨/١٤. جَوَسُولَة النفسية القرآن الكريمِ ١٤٨ الشيطان إبليس في الغواية، فلا خير في خير يؤدي مرض نفسي خطير - والذي يدفعهم عليه الشيطان، الذي يحرك النفوس الضعيفة، إلى النار والمعصية، ولا شر في شر يؤدي إلى رضوان الله والجنة. ويوغر الصدور، ويشعل نار العداوة والبغضاء بين الإخوة والأحبة، فعداوة ثانيًا: موقف الشيطان من يوسف عليه السلام: الشيطان ظاهرة واضحة لما فعل بآدم عليه الشيطان هو مدبر الفتن والمفاسد، كان له حضور واضح في مسيرة الأنبياء، ومن هؤلاء الأنبياء الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الکریم یوسف عليه السلام، وقد ذُكر الشيطان في قصة يوسف عليه السلام ثلاث مرات: السلام وحواء، فلا يألوا جهداً في إثارة الفتن بينهم حتى يحملهم على الكيد(٢)، لذلك أمر يعقوب عليه السلام ابنه يوسف عليه السلام أن یکتم رؤیاه عن أخوته؛ لأن رؤيا الأنبياء وحي من الله عز وجل، فلا يحدثهم بها، وعلل ذلك بقوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَنِ عَدُوٌّمُّبِينٌ﴾ [يوسف: ٥]. أولًا: كان دور الشيطان في بداية قصة يوسف عليه السلام بارزًا، يرويه لنا القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿قَالَ يَبُّنَىَ لَانَقْصُصْ رُْ يَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُ واْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَنِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [يوسف: ٥]. فقد فهم يعقوب عليه السلام من رؤيا (١) ابنه الصغير يوسف عليه السلام أنه سيكون له شأن عظيم في كِبره، وأن الله عز وجل سيصطفيه للرسالة، ويميزه على إخوته، فخاف عليه من حسد إخوته - والحسد هو (١) وقد جاء في القرآن الكريم أن يوسف رأى في منامه أحد عشر كوكبًا نزلت من السماء ومعها الشمس والقمر، فسجدوا له، وقال أهل التفسير أن النجوم في التأويل إخوته، وكانوا أحد عشر رجلًا، والشمس أبوه، والقمر أمه، وقيل: خالته؛ لأن أمه كانت قد توفيت. انظر: لباب التأويل، الخازن ٢/ ٥١١. فكأن يوسف عليه السلام استغرب أن يصدر ذلك عن إخوته الناشئين في بيت النبوة، فبين له أنه ما حذره إلا من نزغ الشيطان في نفوس أخوته (٣)، الذي قال عنه المصطفى صلى الله عليه وسلم: (إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يلقي في أنفسكما شيئًا)(٤). وقد حدث ما خشیه يعقوب عليه السلام، فتآمر الإخوة على يوسف، وكادوا يتفقون (٢) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ١٥٥/٣، مدارك التنزيل، النسفي ٢ / ٩٥. (٣) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٤/ ٢٥٣، لباب التأويل، الخازن ٥١٢/٢، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢١٤/١٢. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاعتكاف، باب زيارة المرأة زوجها في اعتكافه ٣/ ٥٠، رقم ٢٠٣٨. www. modoee.com ١٤٩ حرف الشین على قتله؛ لتزول العقبة بينهم وبين أبيهم، ثم نراك من الذین یحسنون في عبادتهم لله، ومعاملتهم لخلقه. قرروا العدول عن قتله والاكتفاء بإبعاده. قال المولى عز وجل: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ لَا نَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَبَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِظُهُ [يوسف: بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَعِلِينَ﴾ ١٠]. وهكذا كانت الغلبة لداعي الشر، وهي الخطوة الأولى في المخطط الشيطاني في إبعاد النبي يوسف عليه السلام، والانحراف به، والهجوم عليه بوساوس الشيطان لعنه الله. ثم يوضع الفتى المبتلى يوسف عليه السلام في البئر بعد أن أجمعوا على التخلص منه، ثم يساق إلى سوق العبيد، ليستقر كعبد في قصر رئيس وزراء مصر، ویمر في محن عظام، من أبرزها إغراء امرأة العزيز، و کید النسوة، ليوضع بعدها في السجن ظلمًا وبهتانًا على الرغم من ثبوت عفته وبراءته. ثانيًا: یوضع سيدنا يوسف عليه السلام في السجن، وقد أوتيَ من العلم بتفسير الرؤيا ما لم يُؤت أحد في زمانه، ودخل السجن مع يوسف فتيان. قال أحدهما ليوسف عليه السلام: إني رأيت في المنام أني أعصر عنبًا ليصير خمرًا. وقال الآخر: إني رأيت أني أحمل فوق رأسي خبزًا تأكل الطير منه. أخبرنا يا يوسف بتفسير ما رأينا، إنا فكان تفسير يوسف عليه السلام الأول: بأنه يخرج من السجن، ويكون ساقي الخمر للملك، وأما الآخر الذي رأى أنه يحمل على رأسه خبزًا فإنه يُصْلب ويُتْرك، وتأكل الطير من رأسه(١). ويأتي الأمل لسيدنا يوسف عليه السلام، بعدما فسر لأحد السجينين أنه سيكون مقربا من الملك، فأوصاه بتذکیره بحاله وما حدث له، وعلمه بالرؤیا، لعله یفرج عنه، هنا يتدخل الشيطان مرة أخرى محاولًا الكيد بسيدنا يوسف، والبقاء به في السجن. قال تعالى في ذلك: ﴿وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُ نَاجِ مِنْهُمَا أَذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنَسَنَهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ، فَلَبِثَ فِ السِّجْنِ يِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: ٤٢]. أي: أن الشيطان أنسى الساقي تذكير سيده بأمر يوسف عليه السلام، فبقي في السجن مظلومًا منسيًا(٢). وقيل: إن المعنى أن الشيطان أنسى يوسف ذكر ربه وهو الله عز وجل، فعاقبه الله تعالى بإبقائه في السجن بضع سنين، فهو استحق هذا العقاب؛ لأنه توسل إلى (١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٩/ ١٩٤، فتح القدير، الشوكاني ٣٥/٣، صفوة التفاسير، الصابوني ٢/ ٤٧. (٢) انظر: المنار، محمد رشيد رضا ٢٥٨/١٢. ١٥٠ جوبي القرآن الكريمِ الشيطان الملك لإخراجه، ولم يتوكل على الله عز يُرْجِع سبب محنته الأولى إلى الشيطان. وجل(١). لکن الراجح القول الأول، فالناسي هو الناجي من السجن -الساقي - على رأي جمهور المفسرین(٢). وتدخل الشيطان في عملية النسيان مذكور في أكثر من موضع في القرآن الكريم. قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا نَفْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىْ مَعَ الْقَوْمِ الَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]. وقال أيضًا في قصة موسى عليه السلام: ﴿قَالَ أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَيِّنَآَ إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِ نَسِيتُ اُْوتَ وَمَآ أَنَسَنِيَهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرُهُ، وَالَّخَذَ سَبِيلَهُ فِ اَلْبَحْرِ عَمً﴾ [الكهف: ٦٣]. وللإمام الرازي رأيٌ في تسبب الشيطان في النسيان حيث قال: ((الشيطان يمكنه إلقاء الوسوسة، وأما النسيان فلا، لأنه عبارة عن إزالة العلم عن القلب، والشيطان لا قدرة له عليه، وإلا لكان قد أزال معرفة الله تعالى عن قلوب بني آدم))(٣). ثالثًا: كانت قصة يوسف عليه السلام مليئة بالمحن والابتلاءات، وكان كيد الشيطان واضحًا في قصته، وعندما يجتمع يوسف عليه السلام بأهله في نهاية القصة (١) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٣٥/٣. (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٩١/٤، الدر المصون، السمين الحلبي ٦/ ٥٠٠. (٣) مفاتيح الغيب ١٨/ ٤٦٢. قال تعالى على لسان نبيه يوسف عليه السلام: ﴿ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُواْلَهُ. سُجَّدَا وَقَالَ يَأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُوْيَىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبٍِ حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بِيِّ إِذْ أَخْرَجَنِ مِنَ السِّجْنِ وَجَلَّ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِ وَبَيْنَ إِخْوَتَّ إِنَّ رَبِ لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِمُ الْحَكِيمُ ﴾ [يوسف: ١٠٠]. هذا هو الشيطان بحضوره الماكر والذي يبوء بالخسران أمام فتى رباني تقي صابر ممسك بأطراف الإحسان جميعًا ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤]. ثالثًا: موقف الشيطان من أيوب عليه السلام: لقد كانت حياة الأنبياء دروسًا وعبرًا لأولي الأبصار، ابتلاهم الله عز وجل بأنواع الشدائد والبلايا، فصبروا على ذلك، فهذا نبي الله أيوب عليه السلام من ذرية يعقوب عليه السلام، اصطفاه الله عز وجل بالنبوة، وآتاه جملة عظيمة من الثروة في الأموال والأولاد، كان شاكرًا لأنعم الله، مواسيًا عباد الله، برًا رحيمًا، لم يؤمن به سوى ثلاثة نفر (٤). وقد ابتلي نبي الله أيوب عليه السلام في جسده، وماله، وأهله، وسلم دينه ومعتقده، (٤) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٤ / ٥٠٦، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٠٨/١٥. www. modoee.com ١٥١ حرف الشین فقد حصل لأيوب عليه السلام نوعان من كله، فشكر أيوب ربه عز وجل، ولم يغيره المكروه. قال تعالى: ﴿وَأَذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ: أَنِي مَسَّفِىَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١]. فالله عز وجل يخاطب في هذه الآية نبيه محمدًا صلی الله عليه وسلم قائلا له: اذكر یا محمد صبر أيوب عليه السلام، فقد ابتلاه الله عز وجل بأنواع البلايا فصبر، فاصبر كما صبر، فقد أصيب أيوب بالنصب والعذاب، فالنصب: هو المشقة والعناء والأمراض، والعذاب: زوال الخيرات وحصول المكروهات بذهاب وهلاك ماله وولده(١). وقد ظهر ذلك واضحًا من قول نبي الله أيوب عليه السلام، ونسب ما أصابه من بلاء إلی الشيطان، فالشيطان كان له دور في ذلك، ولأهل التفسير في هذا الموضع قولان: القول الأول: إن الآلام والأسقام الحاصلة لأيوب عليه السلام إنما حصلت بفعل الشيطان، حيث قيل: إن إبليس لعنه الله سمع تجاوب ملائكة السموات بالصلاة على أيوب حين ذكر ربه وأثنى عليه، فأدرك إبليس الحسدُ والبغيُّ، فسأل الله عز وجل أن يسلطه عليه ليفتنه عن دينه، فسلط على ماله دون جسده وعقله، فأذهب الله ماله (١) انظر: تفسير السمر قندي ١٦٩/٣، معالم التنزيل، البغوي ٧٣/٤، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٠٨/٥، مفاتيح الغيب، الرازي ٣٩٦/٢٦. ذلك عن عبادة ربه سبحانه، وقال لله ما أعطى ولله ما أخذ، فسأل إبليس الله عز وجل أن يُسلطه على ولده، فأهلك ولده، فشكر أيوب ربه، ولم يغيره ذلك عن عبادة ربه تعالى. فسأل إیلیس الله أن یسلطه على جسده، فسلط عليه دون لسانه وقلبه وعقله، فجاءه وهو ساجد فنفخ في مِنْخره نفخة اشتعل منها جسده، فصار أمره إلى أن تناثر لحمه، فثبت أيوب عليه السلام سبع سنين، ولم يصبر عليه أحد إلا امرأته. فجاء الشيطان إلى امرأته، وقال: لو أن زوجك استعان بي لخلصته من هذا البلاء، فذكرت المرأة ذلك لزوجها، فحلف بالله: لئن عافاه الله ليجلدنها مائة جلدة، وقتها قال أيوب عليه السلام: ﴿أَنّ مَسَّتِىَ الشَّيْطَانُ يُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾. فأجاب الله دعاءه، وأوحى إليه أن اركض برجلك، فأظهر الله من تحت رجله عينًا باردة طيبة، فاغتسل منها. قال تعالى: ﴿أَرَّكُضْ بِحْلِكٌ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَبٌ ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُهُ أَهْلَهُ، وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ﴾ [ص: ٤٢ - ٤٣]. فأذهب الله عنه كل داء في ظاهره وباطنه، ورد علیه أهله وماله، ورفع الله عنه ما کان به ١٥٢ جوسين القرآن الكريمِ الشيطان من بلاء (١). القول الثاني: إن الآلام والأسقام التي حصلت لأيوب عليه السلام إنما حصلت بفعل الله، والعذاب المضاف إلى الشيطان فلعل الواحد منا إنما وجد الحياة بفعل الشيطان، ولعل كل ما حصل عندنا من الخيرات والسعادات، فقد حصل بفعل الشيطان، كما أن الشيطان لو قدر على ذلك فلمَ لا يسعى في قتل الأنبياء والأولياء؟ ولمَ لا یخرب دورهم؟ ولم لا يقتل أولادهم؟ وقد جاء في الكتاب العزيز أنه لا سلطان له على عباده إلا بالوسوسة فحسب(٢). قال تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَنُ لَمَّا قُضِىَ اُلْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَلَكُمْ وَعْدَ لَلِّْ وَوَعَدُّكُوِ فَأَخْلَفْتُكُمٌّ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مِن سُلْطَانٍ إِلَّ (١) انظر: الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب ١٠/ ٦٢٥٦، المحرر الوجيز، ابن عطية ٥٠٦/٤، مفاتيح الغيب، الرازي ٣٩٦/٢٦. (٢) انظر: الكشاف، الزمخشري ٤/ ٩٧، مفاتيح الغيب، الرازي ٢٦/ ٣٩٦، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٠٩/١٥. أَنْ دَعُوْتُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِ فَلاَ تَلُومُونِ وَلُومُوّا أَنْفُسَكُمْ﴾[إبراهيم: ٢٢]. وإنما نسب نبي الله أيوب عليه السلام ما أصابه إلی الشيطان؛ لأنه أرادما کان یوسوس هو عذاب الوسوسة، وإلقاء الخواطر به إليه في مرضه من تعظيم ما نزل به من بلاء، ويغريه على الكراهية والجزع، فالتجأ إلی الله في أن یکفیه ذلك بکشف البلاء، أو بتثبيته على الصبر على ما أصاب (٣). الفاسدة، فالله عز وجل لا يسلط الشيطان على أنبيائه؛ ليقضي من إتعابهم وتعذيبهم وطره، فالشيطان لا یمکن أن یکون هو من قام بذلك، فلو جاز ذلك لظن بعض الناس أن حصول الموت، والحياة، والصحة، والمرض من الشيطان. كما أن علة نبي الله أيوب عليه السلام كانت شديدة الألم، ثم طالت مدة تلك العلة، واستقذره الناس، ونفروا عن مجاورته، ولم يبق له شيء من الأموال البتة، وامرأته كانت تخدم الناس، وتحصِل له القوت، ثم بلغت نفرة الناس عنه إلى أن منعوا امرأته من الدخول عليهم، ومن (٤) الاشتغال بخدمتهم . والشيطان كان قد تعرض لأهله، ووسوس لهم، وطلب منه أن يشرك بالله، ويذكره النعم التي كانت والآفات التي حصلت، وكان يحاول دفع تلك الوساوس، فلما قويت تلك الوساوس في قلبه خاف وتضرع إلى الله، وقال: ﴿أَنّ مَسَّفِىَ الشَّيْطَانُ يِنُصٍْ وَعَذَابٍ﴾ لأنه كلما كانت تلك الخواطر أكثر كان ألم قلبه منها أشد، فكان يشتكي إلى الله فعل الشيطان، الذي كان (٣) انظر: الكشاف، الزمخشري ٤/ ٩٧. (٤) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٣٩٧/٢٦. www. modoee.com ١٥٣ حرف الشین أشد علیه من مرضه(١). والرأي الثاني هو الراجح، على الرغم من ذکر الکثیر من أهل التفسير للرأي الأول، وقد رد ابن العربي على من قال به، فما ذكره المفسرون من أن إیلیس کان له مكان في السماء السابعة فقول باطل؛ لأنه أُهبط منها بلعنة وسخط إلى الأرض، فکیف یرقی إلى محل الرضا، ويجول في مقامات الأنبياء، ويخترق السموات العلى، ويعلو إلى السماء السابعة إلى منازل الأنبياء، فيقف موقف الخليل؟! أما أنه طلب من الله أن يسلطه على أيوب عليه السلام فلا يصح؛ لأن الله عز وجل لا يكلم الكفار الذين هم من جند إبليس الملعون، فكيف يكلم من تولى إضلالهم؟! وأما قولهم: إن الله قال قد سلطتك على ماله وولده، فذلك ممكن في القدرة، ولكنه بعید في هذه القصة، وكذلك قولهم: إنه نفخ في جسده حین سلطه علیه، فهو أبعد، والباري سبحانه قادر على أن يخلق ذلك کله من غير أن يكون للشيطان فيه كسب حتى تقر له -لعنة الله عليه- عين بالتمكن من الأنبياء في أموالهم وأهليهم وأنفسهم (٢). رابعًا: موقف الشيطان من موسی علیه (١) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٤ / ٥٠٦. (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٠٩/١٥. السلام: لقد كان للشيطان دور مع سيدنا موسى عليه السلام توضحه لنا الآيات الكريمة. قال تعالى: ﴿وَدَخَلَ اَلْمَدِينَةَ عَلَىچِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَئِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ، وَهَذَا مِنْ عَدُوٌِّ، فَاسْتَغَنَهُ الَّذِى مِنْ شِعَيْهِ. عَلَى الَّذِى مِنْ عَدُوِّهِ، فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِّ إِنَُّ عَدُوٌّ مُضِلٌّ ◌ُّبِينٌ﴾ [القصص: ١٥]. فيروى أن موسى عليه السلام بعدما بلغ أشده، - أي: من ثلاثين إلى أربعين سنة (٣) - دخل المدينة التي كان يسكنها فرعون، وهي قرية على رأس فرسخين من مصر، وقال الضحاك: هي عين شمس (٤)، في وقت غفلة أهلها، منتصف النهار وقت القيلولة، وقيل: ما بين المغرب والعشاء(٥). ((وسبب دخول المدينة في ذلك الوقت أن موسی کان یسمی ابن فرعون، وكان یرکب في مراکب فرعون، ويلبس لباسه، فرکب فرعون يومًا و کان موسی غائبًا، فلما جاء قيل له: إن فرعون قد ركب، فركب موسی في أثره، فأدركه المقیل بأرض مَنْف، فدخلها وليس في أطرافها أحد، وقيل: كان لموسى شيعة من بني إسرائيل يسمعون منه، (٣) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ٤ /١٧٣. (٤) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٤/ ٥٨٤. (٥) انظر: تفسير السمر قندي ٦٠١/٢. ١٥٤ لِلْقُرآن الكَرِيمِ الشيطان ويقتدون به، فلما عرف ما هو عليه من الحق، رأی نُراق فرعون وقومه، فخالفهم في دينه، حتی أنکروا ذلك منه، وخافوه، وخافھم، فكان لا يدخل قرية إلا خائفًا مستخفيًا على حين غفلة من أهلها))(١). فوجد فيها رجلين رجل من شيعته أي: من بني إسرائیل علی دینه، ورجل آخر عدوه على غير دينه، يقال: إنه من القبط(٢)، وكانوا في حالة صراع، فطلب الرجل الذي من شيعة موسى النصرة منه ضد عدوه القبطي، فضربه موسى عليه السلام بكفه ضربة في صدره، فقتله، ولم يتعمد القتل، ثم ندم على قتله، وأرجع ذلك إلى وسوسة الشيطان. قال القشيري: ((فقد تمنی موسی أن لو دفعه عنه بأيسر مما دفعه، ولم ينسب القتل إلى الشيطان، ولكن دفعه عنه بالغلظة نسبه إلى الشيطان بأن حمله على تلك الحدة))(٣). وإنما جعل قتل الكافر من عمل الشيطان، وسماه ظلمًا لنفسه واستغفر منه؛ لأنه قتله قبل أن يؤذن له في القتل، فكان ذنًا یستغفر منه، وعن ابن جريج أنه قال: لیس لنبي أن يقتل ما لم يؤمر(٤)، ثم تاب موسى الكريم صلى الله عليه وسلم: (١) لباب التأويل، الخازن ٣٥٩/٣. (٢) انظر: تفسير السمرقندي ٦٠١/٢، الكشاف، الزمخشري ٣٩٨/٣. (٣) لطائف الإشارات ٣/ ٥٧. (٤) انظر: الكشاف، الزمخشري ٣٩٨/٣، أنوار التنزيل، البيضاوي ٤ / ١٧٣. عليه السلام عما جرى على يده، واستغفر ربه، وأخبره الله عز وجل أنه غفر له. وبعد بيان دور الشيطان في قتل الغلام على يد موسى عليه السلام يتأكد لنا عداوة الشيطان للإنسان بشكل عام، وخاصة الأنبياء؛ لأنهم أصحاب رسالة، فهم ألد أعداء الشياطين، فكلما اقترب العبد من ربه، ابتعد عن الشيطان، وبالتالي زادت العداوة بينهما، والأنبياء هم أقرب الناس مكانة من الله حيث العصمة، والمعجزة، والتأييد، والنصرة. وقد بين الله تعالى أنه ما من نبي على مر الزمان بعثه الله إلا وكان له من الشياطين زمرة تناصبه العداء، وتمشي في طريق حربه والكيد له، شياطين من الجن، وشياطين من الإنس، يعملون سويًا على محاربة الحق. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيّ عَدُوَا شَيَطِينَ الْإِنسِ وَاَلْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًاً وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهٌ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١٢)﴾ [الأنعام: ١١٢]. خامسًا: موقف الشيطان من الرسول تبين لنا مما سبق موقف الشيطان من هؤلاء الأنبياء، فالشيطان أشد عداوة للأنبياء والرسل؛ لأنهم هم خاصة الله من خلقه، فهم حملة رسالة من الله عز وجل؛ ولقد www. modoee.com ١٥٥ حرف الشین كان للشيطان موقفه العدائي من الرسول فقال أبو جهل: والله لأشیرن علیکم برأي ما أرى غيره، قالوا: وما هذا؟ صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة. قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا ◌ِيُقْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ ﴾ [الأنفال: ٣٠]. فقد نزلت هذه الآية في شأن اجتماع قريش في دار الندوة، جاء في كتب التفسير أن نفرًا من قريش ومن أشراف كل قبيلة اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة، واعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل، فلما رأوه قالوا: من أنت؟ قال: شيخ من أهل نجد، سمعت بما اجتمعتم له، فأردت أن أحضر وأنصحكم، فسمحوا له بالدخول، فدخل معهم فقال: انظروا في شأن هذا الرجل، فوالله لیوشکن أن یواتیکم في أمرکم بأمره، فقال أحدهم: احبسوه في وثاق، ثم تربصوا به المنون حتى يهلك، كما هلك من كان قبله من الشعراء، فقال عدو الله الشيخ النجدي: لا، والله ما هذا لكم برأي، فانظروا في غير هذا الرأي، فقال قائل: فأخرجوه من بين أظهركم فاستريحوا منه، فإنه إذا خرج لم یضرکم ما صنع وأین وقع. فقال الشيخ النجدي: لا، والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حلاوة قوله وطلاقة لسانه وأخذه القلوب بما تستمع من حديثه. قالوا: صدق و الله، فانظروا رأیًا غير هذا، قال: تأخذوا من كل قبيلة غلامًا وسطًا شابًا مهدًا، ثم يعطى كل غلام منهم سيفًا صارمًا، ثم يضربوه ضربة رجل واحد، فإذا قتلتموه تفرق دمه في القبائل كلها، فلا أظن بني هاشم يقدرون على حرب قریش کلها. فقال الشيخ النجدي: هذا والله هو الرأي القول، لا أرى غيره، فتفرقوا على ذلك وهم مجتمعون له، فأتى جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره أن لا يبيت في مضجعه، وأخبره بمكر القوم، فلم ییت رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته تلك الليلة، وأذن الله له عند ذلك في الخروج، وأمرهم بالهجرة (١). فهذه الراوية تبين عِظم عداوة الشيطان -لعنه الله- للرسول صلی الله علیه وسلم. ولقد قرر الله عز وجل فى كتابه العزيز أن الشيطان له دور إغواء الرسل. قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن زَّسُولٍ وَلَا نَبٍِ إِلَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِيٌّ أُمَنِيَّتِهِ فَيَفْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ ءَايَتِهُ وَاللَّهُ عَلِيٌِّ حَكِيمٌ )﴾ [الحج: ٥٢]. أي: إلا إذا تمنی زور في نفسه ما یهواه، (١) انظر: الدر المنثور، السيوطي ٤ /٥٢، فتح القدير، الشوكاني ٣٤٧/٢، التفسير الوسيط، الزحيلي ١/ ٧٩١. ١٥٦ جوبي القرآن الكريمِ