Indexed OCR Text

Pages 41-48

الشهادة
فعن ابن عباس قال: خرج رجل من
بني سهم مع تميم الداري وعدي بن
بداء، فمات السهمي بأرض ليس فيها
مسلم، فأوصى إليهما، فلما قدماً بتركته
فقد جامًا من فضة بالذهب، فأحلفهما
رسول الله صلی الله عليه وسلم بالله ما
كتمتماها ولا اطلعتما، ثم وجدوا الجام
بمكة، فقيل: اشتریناه من تمیم وعدي،
فقام رجلان من أولياء السهمي، فحلفا
بالله: لشهادتنا أحق من شهادتهما وأن
الجام لصاحبهم، وأخذ الجام (١).
٥. الفاسق: فلا تقبل شهادة الفاسق،
مثل المغني والرقاص والطفيلي
والمتمسخر؛ لقول الله تعالى:
إن
جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنٍََّ فَتَبَيَنُواْ أَنْ تُصِيبُواْ قَوْمًّا
بِجَهَلَةٍ فَنُصْبِحُواْ عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَدِمِينَ﴾
[الحجرات: ٦]. وقوله سبحانه
وتعالى: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنْكٌ﴾
[الطلاق: ٢](٢). وروى عمرو بن شعيب
عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: (لا تجوز شهادة
خائن ولا خائنة، ولا ذي غمر (٣) على
(١) انظر: المنار، محمد رشيد رضا ١٢٤/١٠.
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٣٣٤/٢٣،
الكافي، ابن عبدالبر ص ٤٦١، الوجيز،
الغزالي ٢٤٨/٢.
(٣) ذي غمر أي: حقد وضغن. قال الخطابي:
«ذو الغمر فهو الذي بينه وبين المشهود عليه
عداوة ظاهرة، فرد شهادته للتهمة))، معالم
أخيه) (٤). أما الخيانة في الحديث فلا
تختص بخيانة أمانات الناس، بل ذلك
عام في كل من ترك شيئًا مما أمر الله
به عباده ورسوله صلی الله علیه وسلم،
أو ارتكب ما نهى الله عنه ورسوله
صلى الله عليه وسلم، فلا يكون عدلًا
ولا تجوز شهادته؛ لقول الله تعالى:
وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَّخُونُواْ اللَّهَ
وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَنَتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمَوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ
٢٧
فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ))
[الأنفال: ٢٧-٢٨]. قال السعدي: «ولما
كان العبد ممتحنًا بأمواله وأولاده،
فربما حمله محبة ذلك على تقديم
هوى نفسه على أداء أمانته، أخبر الله
تعالى أن الأموال والأولاد فتنة يبتلي
الله بهما عباده، وأنها عارية ستؤدى
لمن أعطاها، وترد لمن استودعها)»(٥).
٦. الوالدان: فلا تقبل شهادة والد وإن علا
أو ولد وإن سفل؛ لأن الانسان يميل
بطبعه إليهم. قال الشربيني: ((الولد
قطعة من الوالدين، قال صلى الله عليه
السنن، الخطابي ٤ /١٦٩.
(٤) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأقضية، باب
من ترد شهادته، ٤٥٣/٥، رقم ٣٦٠١.
وقوى إسناده ابن حجر في التلخيص الحبير
١٩٨/٤.
(٥) تيسير الكريم الرحمن ص٣١٩.
www. modoee.com
٧٩

حرف الشین
وسلم (فاطمة بضعة مني)(١). وأيضًا
شفقة الوالدين على الولد عظيمة،
وإيصال الخير إلى الولد منهما أمر
طبيعي، واحترازهما عن إيصال الضرر
إليه أمر طبيعي)) (٢). وقال الحسن
والنخعي والشعبي وشريح ومالك
والثوري والشافعي وابن حنبل: بجواز
شهادة الوالدين والأخ، ويتأولون في
ذلك قول الله تعالى: ﴿كُونُواْ قَوَّمِينَ
بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ
اُلْوَلِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥]. فلم
يكن أحد يتهم في ذلك من السلف
الصالح رضوان الله عليهم. ثم ظهرت
من الناس أمور حملت الولاة على
اتهامهم، فتركت شهادة من يتهم،
وصار ذلك لا يجوز في الولد والوالد
والأخ والزوج والزوجة (٣).
٧. الزوجان: فلا تقبل شهادة أحد الزوجين
لصاحبه؛ لأنه ينتفع بشهادته لتبسط
كل واحد منهما في مال الآخر عادة
واتساعه سعته وإضافة مال كل منهما
إلى الآخر. قال عمر بن الخطاب لرجل
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أصحاب
النبي صلى الله عليه وسلم، باب مناقب قرابة
رسول الله صلى الله عليه وسلم، ٣٧/٧،
رقم ٥٢٣٠.
(٢) السراج المنير ٢٩٥/٢.
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٣٥٢/٥.
قال له: (إن غلامي سرق مرآة امرأتي
قال: غلامكم سرق مالكم لا قطع
عليه)(٤)؛ ولأنه إن كان الزوج الشاهد
فهو يجر إلى نفسه نفعًا؛ لأن قيمة بضع
المرآة المملوك له يزداد بيسارها وإن
كان الشاهد المرأة فنفقتها تزداد بيساره،
وعنه: أن شهادة أحدهما للآخر مقبولة
لدخوله في العموم(٥). وقال مالك وأبو
حنيفة: شهادة الزوج لزوجته لا تقبل؛
لتواصل منافع الأملاك بينهما، وهي
محل الشهادة(٦). ولأنه يتهم في إرادة
الضرر بعدوه. لذلك لا تقبل شهادة
الرجل على زوجته بالزنا؛ لأنه يقر
بعدواته لها؛ ولأنه دعوى جناية في حقه
فلم تقبل؛ لأنه خصم، ولا تقبل شهادة
المقطوع عليه الطريق على القاطع، ولا
المقذوف علی القاذف، لأنه عدو، فأما
المتحاكمان على مال فلا يمنع ذلك
قبول شهادة أحدهما على صاحبه؛ لأنه
ليس بعدواة (٧).
(٤) مصنف عبد الرزاق، كتاب اللقطة، باب
الخيانة، ٢١٠/١٠، رقم ١٨٨٦٦.
(٥) انظر: العدة شرح العمدة، أبو محمد
المقدسي، ص ٦٨٩.
(٦) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٥٢/٥.
(٧) انظر: الفتح الرباني، الجيلاني ٢٢٠/٥.
٨٠
الْقُرآن الكَرِيمِ

الشهادة
عقوبة كتم الشهادة وتزويرها
كتمان شهادة الحق من العلامات التي
ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم،" والتي
ستکون بین یدي الساعة، ففي حديث عبدالله
ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: (إن بين يدي الساعة شهادة
الزور وكتمان شهادة الحق)(١).
وشهادة الزور هي الكذب المتعمد
في الشهادة لإبطال الحق، وكذلك كتمان
الشهادة لإبطال الحق، وهذه من العلامات
التي تكون بين يدي الساعة التي وقعت الآن
بمثل ما أخبر به الصادق المصدوق.
أولًا: عقوبة كتم الشهادة:
﴿وَلَّا
قال تعالى فى كتمان شهادة الحق:
تَكْتُمُواْ الشَّهَدَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءَائِمٌ
قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
فإذا دعي المريء إلى الشهادة فلابد أن
يشهد بالحق الذي رآه بعينه والذي سمعه
بأذنيه، ولا يشهد على غبش، ولا يقل: بلغني
كذا أو سمعت عن فلان كذا وكذا (٢).
وعن سعيد بن جبير في قول الله: ﴿وَلا
تَكْتُمُواْ الشَّهَدَدَةَ ﴾ يعني: عند الحكام،
يقول: من أشهد على حقٍ، فليقمها على
(١) أخرجه أحمد في مسنده ١/ ٤٠٧.
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة،
رقم ٦٤٧.
(٢) انظر: لباب التأويل، الخازن ٣١٠/١.
وجهها، کیف کانت))(٣).
وعن الربيع: ((فلا يحل لأحدٍ أن يكتم
شهادةً هي عنده، وإن كانت على نفسه أو
الوالدين أو الأقربين)» (٤).
وكتمان الشهادة ظلم، وبخاصة عندما
تكون الشهادة المفروضة حق الله، مثل:
الشهادة بأركان الإيمان أو الإسلام.
قال تعالى: ﴿أَمْ نَقُولُونَ إِنَّ إِثْزَهِعَمَ
وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ
كَانُواْ هُودًا أَوْ نَصَرَىٌّ قُلْ ءَأَنتُمْ أَعْلَم ◌َمِ اللَّهُ وَمَنْ
أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا
اللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة: ١٤٠].
وكذلك كل من يكتم الشهادة على
حقوق الناس المفروضة فهم آثم.
قال الله تعالى: ﴿﴿ وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ
وَلَمْ تَجِدُواْ كَلِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ
بَعْضُكُمْ بَعْضَا فَلْيُؤَدِّ الَّذِى أَوْتُمِنَ أَمَنَتَهُ، وَلْيَتَّقِ
اللَّهَ رَبَّهُ، وَلَا تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةٌ وَمَن يَكْتُمْهَا
فَإِنَّهُمْ ءَاثٌِّ قَلْبُهُ، وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾
[البقرة: ٢٨٣].
والخطاب في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُواْ
الشَّهَدَةَ ﴾ إلى الشهود يعني: إذا دعيتم
إلى إقامتها وأدائها، وذلك لأن الشاهد متى
امتنع عن إقامة الشهادة وكتمها فقد أبطل
بذلك حق صاحب الحق؛ فلهذا نهى الله
(٣) تفسير ابن أبي حاتم ٢/ ٥٧١.
(٤) جامع البيان، الطبري ١٣٠/٥.
www. modoee.com
٨١

حرف الشین
تعالى عن كتمان الشهادة وبالغ في الوعيد إن صلحت صلح الجسد كله، وإن فسدت
فسد الجسد كله؛ فكأنه قيل: فقد تمكن
عليه فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا﴾ يعني:
الشهادة فإنه آثم قلبه، أي: فاجر قلبه والآثم
الفاجر، وإنما أضيف الإثم إلى القلب
لأن الأفعال من الدواعي والصوارف إنما
تحدث في القلب، فلما كان الأمر كذلك
أضيف الإثم إلى القلب، قيل: ما أوعد الله
على شيء كإيعاده عن كتمان الشهادة فإنه
تعالی قال ﴿قَإنَّهُءَائِمٌ قَلْبُهُ﴾ أراد به مسخ
القلب ﴿وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ يعني: من
بيان الشهادة وكتمانها، ففيه وعيد وتحذير
لمن کتم ولم یظهرها.
الإثم في أصل نفسه، وملك أشرف مكان
فيه، ولئلا يظن أن كتمان الشهادة من الآثام
المتعلقة باللسان، وليعلم أن القلب أصل
متعلقه، ومعدن اقترافه، واللسان ترجمان
عنه؛ ولأن أفعال القلوب أعظم من أفعال
سائر الجوارح، وهي لها كالأصول التي تشع
منها، ألا ترى أن أصل الحسنات والسيئات
الإيمان والكفر، وهما من أفعال القلوب؛
فإذا جعل كتمان الشهادة من آثام القلوب،
فقد شهد له بأنه من معاظم الذنوب)»(٢).
ويدخل في كتمان الشهادة ألا يقول ما
عاین، بأن يمتنع عن الذهاب إلى مجلس
القضاء مطلقًا، أو يذهب ويقول: لا أعلم؛
فإن ذلك فوق أنه کتمان کذب، أو يقول
بعض ما يعلم. والأداء أن يقول كل ما يعلم
حیث طلب إليه أن يقول، ولا يترك شيئًا مما
يعلمه متصلًا بموضوع الشهادة(١).
قال الزمخشري في هذا المعنى: «كتمان
الشهادة هو أن يضمرها، ولا يتكلم بها، فلما
کان إثمًا مقترنًا بالقلب أسند إليه؛ لأن إسناد
الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ؛ ألا
تراك إذا أردت التوكيد تقول: هذا مما أبصرته
عيني، ومما سمعته أذني، ومما عرفه قلبي؛
ولأن القلب رئيس الأعضاء والمضغة التي
(١) زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة ٢/ ١٠٨٠.
﴿فَإِنَّهُمْ ءَائِمٌ قَلْبُدُ﴾ مرفوع بالفاعلية أو
الابتداء، أي: يأثم قلبه أو قلبه آثم، وأسند
الإثم إلى القلب لأن الكتمان فعل القلب،
ففي الإسناد إليه تأكید ومبالغة، كما يقال،
رأيته بعيني وسمعته بأذني وحفظته بقلبي
أو لأنه رئيس الأعضاء وأفعاله أعظم، قال
رسول الله صلی الله عليه وسلم (ألا وإن
في الجسد مضغةً: إذا صلحت صلح الجسد
کله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي
القلب)(٣) (٤).
وعن ابن عباسٍ قال: ((ومن الكبائر:
﴿وَمَنْ
كتمان الشهادة؛ لأن الله يقول:
(٢) الکشاف ٣٢٩/١.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب فضل من استبرأ لدينه، ١/ ٢٠، رقم ٥٢.
(٤) انظر: التفسير المظهري ١/ ٤٣٦.
٨٢
القرآن الكريمِ

الشهادة
يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءَائِمٌ قَلْبُدُ﴾))(١).
وعن سعيد بن جبير في قول الله:﴿وَمَن
يَكْتُمها﴾: «یعني: الشهادة، لا یشهد بها
إذا دعي لها، فإنه آثمٌ قلبه)) (٢).
وعن السدي في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ؟
ءَائِمٌ قَلْبُهُ﴾ يقول: فاجرٌ قلبه (٣).
وختمت الآية بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا
تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ يعني: من كتمان الشهادة،
وإقامتها علیھم علیمٌ وتهديد هذه الآية دليل
على أن كتمان الشهادة حرام وأداؤها فريضة
وإن لم يسأله المشهود له، وإذا كان المشهود
له لا يعلم بشهادة الشاهد يجب على الشاهد
أن یعلمه بأنه شاهد.
وقال آخرون: الشهادة من قبل أن يستشهد
مذمومه؛ لحديث عمران بن حصين قال قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم (خير أمتي
قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم،
ٹم أن بعدهم قومًا یشهدون ولا يستشهدون
ویخونون ولا یؤتمنون، وينذرون ولا یوفون،
ويظهر فيهم السمن) (٤)(٥).
ثم جاء قوله تعالى: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٣٠/٥، تفسير
ابن أبي حاتم ٢/ ٥٧١.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٣٠/٥.
(٣) تفسير ابن أبي حاتم ٢/ ٥٧١.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
الشهادات، بابٌ لا يشهد على شهادة جوٍ إذا
أشهد، ١٧١/٣، رقم ٢٦٥١.
(٥) انظر: التفسير المظهري ٤٣٦/١.
فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُّوهُ﴾ فالآية خاصة
متصلة بالآية التي قبلها، وإنما نزلت في
كتمان الشهادة، ومعنى الآية ﴿وَإِن تُبْدُواْ
مَا فِىّ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُّوهُ﴾ أيها الشهود
من كتمان الشهادة أو تخفوه، أي: تخفوا
الکتمان یحاسبکم به الله (٦).
ثانيًا : عقوبة شهادة الزور:
شهادة الزور من أكبر الكبائر، وأعظم
الذنوب، فهي سبب في أكل أموال الناس
بالباطل، وسبب لإضاعة الحقوق، وسبب
لإضلال الحكام والقضاة ليحكموا بغير
الحق، فیجب اجتنابها.
والزور في اللغة: الكذب والباطل،
وقيل: هو شهادة الباطل، يقال: رجلٌ زور،
وقوم زور؛ أي: مموهٌ بكذب(٧).
وشهادة الزور شرعًا: الشهادة بالكذب؛
لیتوصل بها إلى الباطل، من إتلاف نفس، أو
أخذ مال، أو تحلیل حرام، أو تحریم حلال،
وقيل: أن يشهد المرء بما لا يعلم عامدًا ولو
طابق الواقع. وقيل: هي الشهادة بالكذب (٨).
وتعتبر شهادة الزور من أبشع الرذائل،
وأشنع المعاصي، وأفحش الآثام، وأعظم
(٦) انظر: لباب التأويل، الخازن ١/ ٣١٠.
(٧) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص
٣٨٦.
(٨) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٥٥/١٢، حاشية الطحاوي ٢٦٠/٣، فتح
الباري، ابن حجر ١٠/ ٤١٢.
www. modoee.com
٨٣

حرف الشین
الموبقات، وأكبر الكبائر. ويكفي للدلالة
على فظاعتها وخطورتها أن رب العزة
سبحانه قرن النهي عنها بالنهي عن عبادة
الأوثان في محكم القرآن (١).
قال الله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُواْ الرَّحْسَ
مِنَ اْأَوْثَنِ وَأَجْتَنِبُواْ قَوْلَ الزُّورِ﴾
[الحج: ٣٠].
وعن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال
النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم بأكبر
الكبائر). ثلاثًا، قالوا: بلی یا رسول الله، قال:
(الإشراك بالله، وعقوق الوالدين-وجلس
و کان متكئا، فقال- ألا وقول الزور). قال:
فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت (٢).
فجلوسه عليه الصلاة والسلام بعد اتكائه
يشعر باهتمامه الكبير بهذه الآفة الخطيرة،
ویفید تأکید حرمتها، وعظم قبحها. وسبب
اهتمامه عليه الصلاة والسلام المتزايد
بها، هو: كونها أسهل وقوعًا على الناس،
والتهاون بها أكثر، والحوامل عليها كثيرة،
كالعداوة والحسد وغير ذلك (٣).
وشاهد الزور خوان أثیم، وله عند الله
العذاب الأليم.
(١) انظر: أحكام القرآن، الجصاص ٢٤١/٣.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
الشهادات، باب ما قيل في شهادة الزور، رقم
٢٥١١، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب الكبائر وأكبرها، رقم ٨٧.
(٣) انظر: فتح الباري، ابن حجر ٢٦٣/٥.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ
خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ [النساء: ١٠٧].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا
إيمان لمن لا أمانة له). (٤)
وشاهد الزور غشاش مکار کذاب، شاهد
الزور إذا مات ولم يتب يعذب في النار بقدر
جرمه وكذبه.
ونبينا صلى الله عليه وسلم يقول: (من
غشنا فليس منا)(٥).
وعن عبدالله رضي الله عنه قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن
الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى
الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب
صدیقًا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن
الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب
حتی یکتب كذابًا)(٦).
وشاهد الزور يجني على نفسه أولًا،
فيلبسها لباس الخزي والعار والذل
والاحتقار، ويعرضها لعقاب الجبار.
ثانيًا: يجني على المشهود عليه بإلحاق
(٤) أخرجه ابن حبان في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب فرض الإيمان، رقم ١٩٤.
وصححه الألباني في تعليقه على الإيمان لابن
تيمية ص٢١.
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من
غشنا فليس منا)، رقم ١٠٢.
(٦) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر
والصلة، باب قبح الكذب، رقم ٢٦٠٧.
فَضْو
جوبيين
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
٨٤

الشهادة
الضرر به، وقهره وغلبته بالباطل، وحرمانه قتلٌ بالسبب، والقتل تسببًا لا يساوي القتل
مباشرة؛ فوجبت به الدية لا القصاص(٢).
من حقه، وإیغار صدره علیه، والله تعالى
يقول:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَكَانُ قَوْمٍ
عَلَى أَلَّا تَعْدِلُواْ أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾
[المائدة: ٨]
ثالثًا: يجني على المشهود له بإعانته على
الباطل والجور والعصيان، وربناجل وعلا
يقول ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِ وَالنَّقْوَىّ وَلَا نَعَاوَنُواْ
عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ﴾ [المائدة: ٢].
رابعًا: يجني أيضًا على المجتمع برمته،
بحیث یسهم في إفساده وتخريبه وتهديد
كيانه وإسقاطه من بين المجتمعات الراقية،
ذلك أن أي مجتمع تنتشر وتتفشى فيه هذه
الآفة الخطيرة وهذه الجريمة الشنيعة يكون
عرضة للانحدار والسقوط(١).
وإذا أقر الإنسان أنه شهد زورًا عند القذف أولًا، ثم يقتلون إذا تبين كذبهم بعد
القاضي فهو فاسق ترد شهادته، يفعل
القاضي به ما يحقق المصلحة، بحسب
الناس، وحجم القضية. فله أن يعزره بما
يردعه بالضرب مثلًا، أو الحبس، أو التوبيخ،
أو يشهر به في الأسواق أو بين قومه، ليعرفه
الناس ويحذروه.
وأما إذا تسبب في القتل بشهادته، فقد
ذهب الحنفية، والمالکیة إلى أن الواجب هو
الدية لا القصاص؛ لأن القتل بشهادة الزور
(١) انظر: أحكام القرآن، الجصاص ٤١/٣،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٢/ ٥٥.
وجاء عن الإمام مالك: ((قلت: أرأيت
القاضي إذا أخذ شاهد زور كيف يصنع
به وما يصنع به؟ قال: قال مالك: يضربه،
ويطوف به في المجالس)» (٣).
وقال ابن جزي: «إذا عثر على شاهد
الزور عوقب بالسجن والضرب، ويطاف به
في المجالس» (٤).
وقال ابن العربي: ((یسود وجهه، ولا تقبل
شهادته؛ لأنه لا تعرف له توبة»(٥).
وعند الشافعية والحنابلة: يجب حد
القذف على الشهودِ إذا شهدوا بالزنا، ويقام
عليهم الحد، سواء تبين كذبهم قبل الاستيفاء
أم بعده، ويحدون في الشهادة بالزنا حد
استيفاء الحد بالرجم (٦).
ثالثًا: حکم توبة شاهد الزور:
ذهب الحنفية والشافعية، والحنابلة وأبو
ثور (٧)، إلى أنه إذا تاب شاهد الزور، وأتت
(٢) انظر: بدائع الصنائع، الكاساني ٢٨٥/٦،
الشرح الصغير، الدردير ٤ /٢٩٥.
(٣) المدونة ٤ / ٧٤.
(٤) القوانين الفقهية، ابن جزي ص ٢٢٧.
(٥) أحكام القرآن، ابن العربي ٩/٦.
(٦) انظر: نهاية المحتاج، الرملي ٢١١/٨،
المهذب، الشيرازي ص ٣٤١، المغني، ابن
قدامة ٩ / ٢٤٥.
(٧) انظر: العناية، البابرتي ٨٤/٦، روضة
www. modoee.com
٨٥

حرف الشین
علی ذلك مدة، فظهر فيها توبته، وتبین صدقه
فيها وعدالته قبلت شهادته؛ لقوله تعالى:
﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِنْ يَعْدٍ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ﴾ [آل
عمران: ٨٩].
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(التائب من الذنب كمن لا ذنب له)(١). ولأنه
تائب من ذنبه، فقبلت توبته کسائر التائبين.
ومدة ظهور التوبة عندهم سنة؛ لأنه لا
تظهر صحة التوبة في مدة قريبة، فكان أولى
المدد بالتقدير سنة؛ لأنه تمر فيها الفصول
الأربعة التي تهيج فيها الطبائع، وتتغير فيها
الأحوال(٢).
وقال البابرتي: ((مدة ظهور التوبة عند
بعض الحنفية ستة أشهر، ثم قال: والصحيح
أنه مفوض إلى رأي القاضي)»(٣).
وقال المالكية: إن كان ظاهر الصلاح
حين شهد بالزور، لا تقبل له شهادة بعد
ذلك؛ لاحتمال بقائه على الحالة التي كان
عليها، وإن كان غير مظهر للصلاح حين
الشهادة، ثم ظهر فيه الصلاح تقبل توبته (٤).
الطالبين، النووي ٢٤٥/١١، كشاف القناع،
البهوتي ٦ / ٤٤٣.
(١) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الزهد، باب
ذكر التوبة، ٢/ ١٤٢٠، رقم ٤٢٥٠.
وحسنه ابن حجر، كما في المقاصد الحسنة،
السخاوي ص ٢٤٩.
(٢) انظر: المغني، ابن قدامة ٩/ ٢٠٢.
(٣) العناية، البابرتي ٦/ ٨٤.
(٤) انظر: الشرح الصغير، الدردير ٢٦/٤،
الكافي، ابن عبد البر ٢١٠/٦.
موضوعات ذات صلة:
الدَين، الزور، العدل
٨٦
القرآن الكريمِ