Indexed OCR Text
Pages 21-40
الشكر في نشاط وفرح وسرور، كأنهما هما اللذان ثانيًا: عدم انتظار المحسن شكر من أحسن إليه: يأخذان! فالفطرة وحدها كفيلة بتوصية الوالدين دون وصاة، فأما الوليد فهو في حاجة إلى الوصية المكررة؛ ليلتفت إلى الجيل المضحي المدبر المولى الذاهب في أدبار الحياة، بعد ما سكب عصارة عمره وروحه وأعصابه للجيل المتجه إلى مستقبل الحياة، وما يملك الوليد وما يبلغ أن يعوض الوالدين بعض ما بذلاه، ولو وقف عمره عليهما))(١). وفي الآية دلالة على وجوب شكر الله على نعمة الإيمان، وشكر الوالدين على نعمة التربية. وكل من أسدى من الخلق معروفًا استحق الشكر. روى أبو داود بسنده عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ومن صنع إليكم معروفًا فکافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه)(٢)، أي: من أحسن إلیکم أي إحسان فکافئوه بمثله، فإن لم تقدروا فبالغوا في الدعاء له جهدكم حتى تحصل المثلية (٣) (١) في ظلال القرآن ٢٧٨٨/٥. (٢) أخرجه أبو داود في سننه، باب عطية من سأل بالله، ٢/ ٥٢. وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم ٦٠٢١. (٣) فيض القدير، المناوي ٥٥/٦. أثنى الله على المؤمنين المحسنين إلى خلقه، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ اَلَّعَمَ عَلَى حُبِّهِ، مِسْكِينًا وَيَنِعًا وَأَسِيرًا ن إِنّا نُطِمَكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَّهُ وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٨-٩]. قال ابن عباس ومجاهد رضي الله عنهما في قوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبٍِّ﴾: على قلته وحبهم إياه وشهوتهم له (٤)، وقال مجاهد رحمه الله في قوله: ﴿لَا تُمِدُمِنكُجَزَآءُ ولاشكُرًا ﴾: إنهم لم يقولوا ذلك، لكن علمه الله منهم ، فأثنى عليهم ليرغب في ذلك الراغبين(٥)، ألا ترى أنهم كانوا يطعمون الأسارى، ولا يطمع من الأسارى المجازاة والشكر؛ ليعلم أنهم لم يقصدوا بها إلا وجه الله تعالى والتقرب إليه (٦). إن سبب ما فعله هؤلاء للمحتاجين («الرحمة الفائضة من القلوب الرقيقة الرفيقة، التي تتجه إلى الله تطلب رضاه، ولا تبتغي بها جزاء من الخلق ولا شكرًا، ولا تقصد بها استعلاء على المحتاجين ولا خيلاء، كما تتقي بها يومًا عبوسًا شديد العبوس، تتوقعه وتخشاه، وتتقيه بهذا الوقاء)»(٧). (٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٩ /١٢٨. (٥) النكت والعيون، الماوردي ٦/ ١٦٧. (٦) تأويلات أهل السنة، الماتريدي ٣٦٣/١٠. (٧) في ظلال القرآن، سيد قطب ٦/ ٣٧٨٢. www. modoee.com ٤٠٣ حرف الشين مجالات الشكر تنوعت مجالات الشكر في القرآن الکریم، ومنها: أولًا: مجال الإيمان: قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَمَنْ أَرَادَالْآَخِرَةَ وَسَعَى لَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩]. يقول عز وجل: من أراد الآخرة وإياها طلب، ولها عمل عملها الذي هو طاعة الله وما يرضيه عنه، وهو مؤمن مصدق بثواب الله، وعظيم جزائه على سعيه لها، كان عملهم بطاعة الله مشكورا، وشكر الله إياهم على سعيهم ذلك حسن جزائه لهم على أعمالهم الصالحة، وتجاوزه لهم عن سیئها برحمته(١). فالذي يريد الآخرة لا بد أن يسعى لها سعيها، فيؤدي تكاليفها، وينهض بتبعاتها، ويقيم سعيه لها على الإيمان، وليس الإيمان بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل، والسعي للآخرة لا يحرم المرء من لذائذ الدنيا الطيبة، إنما يمد بالبصر إلى آفاق أعلى، فلا يكون المتاع في الأرض هو الهدف والغاية، ولا ضير بعد ذلك من المتاع حین يملك الإنسان نفسه، فلا يكون عبدا لهذا المتاع. وإذا كان الذي يريد العاجلة ينتهي إلى (١) جامع البيان، الطبري ١٤/ ٥٣٧. جوبيبو القرآن الكريم جهنم مذموما مدحورا، فالذي يريد الآخرة ویسعی لها سعیھا ینتهي إليها مشكورا يتلقى التكريم في الملأ الأعلى؛ جزاء السعي الكريم لهدف كريم، وجزاء التطلع إلى الأفق البعيد الوضيء(٢). وقد قرن سبحانه وتعالى الشكر بالإيمان وأخبر أنه لا غرض له في عذاب خلقه إن شکروا وآمنوا به. قال سبحانه وتعالى: الله مَّا يَفْعَلَ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٧]. أي: ما يصنع الله - أيها المنافقون- بعذابکم، إن أنتم تبتم إلی الله ورجعتم إلى الحق الواجب للە علیکم، فشکرتموه على ما أنعم عليكم من نعمه في أنفسكم وأهاليكم وأولادكم، بالإنابة إلى توحيده والاعتصام به، وإخلاصكم أعمالكم لوجهه، وترك رياء الناس بها، وآمنتم برسوله محمد صلى الله علیه وسلم فصدقتموه، وأقررتم بما جاءكم به من عنده، فعملتم به. يقول: لا حاجة بالله أن يجعلكم في الدرك الأسفل من النار إن أنتم أنبتم إلى طاعته وراجعتم العمل بما أمر کم به وترك ما نهاكم عنه؛ لأنه لا يجتلب بعذابکم إلی نفسه نفعا، ولا يدفع عنها ضراء وإنما عقوبته من عاقب من خلقه جزاء منه له علی جراءته علیه وعلى خلافه أمره ونهيه، وكفرانه شكر نعمه عليه، فإن أنتم شكرتم (٢) في ظلال القرآن ٢٢١٨/٤. ٤٠٤ الشكر له على نعمه وأطعتموه في أمره ونهيه، فلا معرفة النعم والشكر عليها طريق إلى معرفة المنعم والإيمان به. حاجة به إلى تعذییکم، بل یشکر لكم ما يكون منكم من طاعة له وشكر، بمجازاتكم على ذلك بما تقصر عنه أمانيكم فلم تبلغه آمالكم (١). وفي الآية استفهام إنکاري بین الله لنا به أنه سبحانه وتعالى لا يعذب أحدًا من عباده تشفيًا منه ولا انتقامًا بالمعنى الذي يفهمه الناس من الانتقام بحسب استعمالهم إياه فيما بينهم، وإنما ذلك جزاء كفرهم بنعم الله عليهم بالحواس والعقل والوجدان والجوارح، باستعمالها في غير ما خلقت لأجله من الاهتداء بها إلى تكميل نفوسهم بالعلوم والفضائل والأعمال النافعة، و كفرهم بالله سبحانه وتعالى باتخاذ شركاء له، وإن سماهم بعضهم وسطاء وشفعاء. فبكفرهم بالله سبحانه وتعالى وبنعمه عليهم في الآفاق وفي أنفسهم تفسد فطرتهم، وتتدنس أرواحهم فتهبط بهم في دركات الهاوية، ويكونون هم الجانين على أنفسهم، ولو شكروا وآمنوا فطهرت أرواحهم من دنس الشرك والوثنية، وظهرت آثار عقولهم وسائر قواهم بالأعمال الصالحة المصلحة لمعاشهم ومعادهم، لعرجت بهم تلك الأرواح القدسية إلى المقام الكريم، والرضوان الكبير في دار النعيم، وقدم الشكر هنا على الإيمان؛ لأن (١) جامع البيان، الطبري ٧/ ٦٢٤. ﴿وَكَانَ اللّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ يثيب المؤمنين الشاكرين المصلحين على حسب علمه بحالهم، لا أنه یعذبهم، بل يعطيهم أكثر مما يستحقون على شكرهم وإيمانهم(٢). ((إن عذابه لجزاء على الجحود والكفران، وتهديد لعله يقود إلى الشکر والإيمان، إنها لیست شهوة التعذیب، ولا رغبة التنکیل ولا التذاذ الآلام، ولا إظهار البطش والسلطان، تعالى الله عن ذلك كله علوًا كبيرًا، فمتى اتقيتم بالشكر والإيمان فهنالك الغفران والرضوان، وهناك شكر الله سبحانه وتعالى لعبده، وعلمه سبحانه وتعالى بعبده، وشكر الله سبحانه وتعالى للعبد، يلمس القلب لمسة رفيقة عميقة. إنه معلوم أن الشكر من الله سبحانه وتعالى معناه الرضا، ومعناه ما يلازم الرضا من الثواب، ولكن التعبير بأن الله سبحانه وتعالى: (شاكر) تعبير عميق الإيحاء. وإذا كان الخالق المنشئ، المنعم المتفضل، الغني عن العالمين يشكر لعباده صلاحهم وإيمانهم وشكرهم وامتنانهم، وهو غني عنهم وعن إيمانهم وعن شکرهم وامتنانهم، إذا كان الخالق المنشئ، المنعم المتفضل، الغني عن العالمين يشكر، فماذا ينبغي للعباد المخلوقين المحدثين المغمورين بنعمة (٢) المنار، محمد رشيد رضا ٣٨٦/٥. www. modoee.com ٤٠٥ حرف الشین الله تجاه الخالق الرازق المنعم المتفضل الكريم؟! ألا إنها اللمسة الرفيقة العميقة التي ينتفض لها القلب ویخجل ویستجیب»(١). في الآية دلالة على أن الإيمان بالله وصفاته أول درجات شکر العبد ربه. المقابلة بين الشكر والكفر: قسم الله سبحانه وتعالى عباده في كتابه إلى شكور وكفور، فأبغض الأشياء إليه الكفر وأهله، وأحب الأشياء إليه الشكر وأهله. قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣]. وقال نبيه سليمان عليه السلام: ﴿هَذَامِنْ فَضْلِ رَبٍِّ لِيَبْلُوَبِىِّ ءَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرٌ وَمَنْ شَكُرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِ غَنِىٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٤٠]. وَإِذْ تَأْذَنَ وقال سبحانه وتعالى: رَبُّكُمْ لَبِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَيِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِ لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧]. وَمَا مُحَمَّدُ إِلَا وقال سبحانه وتعالى: رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْنِ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ أَنْقَلَبْتُمْ عَى أَعْقَلِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِى اَللَّهُ الشَّكِرِينَ ﴾ [آل عمران: ١٤٤]. والشاكرون هم الذين ثبتوا على نعمة الإيمان، فلم ينقلبوا على أعقابهم، وقال سبحانه وتعالى: ﴿إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ اَلْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ (١) في ظلال القرآن ٢/ ٧٨٦. [الزمر: ٧]. ((فالكفر والشكر واقعان بمشيئته وقدره، وأحدهما محبوب له مرضٍ، والآخر مبغوض له مسخوط)»(٢). ثانيًا: مجال الأحكام الشرعية: أخبر سبحانه وتعالى أنه یرید بعباده اليسر والسهولة في شرائعه، ولا يريد بهم العسر والمشقة، ويريد منهم الشكر له على ما أنعم به عليهم من الهداية والتوفيق والتيسير في شرائعه. قال سبحانه وتعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَتٍ مِّنَ الْهُدَى وَاَلْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهَرَ فَلْيَصُمَّةٌ وَمَن كَانَ مَرِيضًّا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَنَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اَلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْمُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْمِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَنَكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. يعني تعالى ذكره: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾؛ ولتشكروا الله على ما أنعم به علیکم من الهداية والتوفيق، وتيسير ما لو شاء عسر عليكم (٣). فغاية الصيام ((أن يشعر الذين آمنوا بقيمة الهدى الذي يسره الله لهم، وهم یجدون هذا في أنفسهم في فترة الصيام أکثر من کل فترة، وهم مكفوفو القلوب عن التفكير في (٢) مدارج السالكين، ابن القيم ١/ ٢٦٦. (٣) جامع البيان، الطبري ٢٢٢/٣. ٤٠٦ القرآن الكريم الشكر المعصية، ومکفوفو الجوارح عن إتيانها. وهم شاعرون بالهدى ملموسًا محسوسًا؛ ليكبروا الله على هذه الهداية؛ وليشكروه على هذه النعمة؛ ولتفيء قلوبهم إليه بهذه الطاعة»(١). وأخبر سبحانه وتعالى أنه يريد في أمر المؤمنين بالطهارة أن يحط بها عنهم أوزارهم، ويدخلون بها عليه، ويرفع به درجاتهم، لا أن يضيق عليهم بها؛ وأباح التیمم توسعةً علیھم، ورحمة بهم، إذ جعله بديلًا للماء في الطهارة، فكانت رخصة التيمم من تمام النعم التي تقتضي شكر المنعم بطاعته فیما أمر وفیما نھی. قال سبحانه وتعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَأَمْسَحُوا بِرُهُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِّ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنَكُمْ مِنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِنِ يُرِيدُ ◌ِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَنَّهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ ﴾ [المائدة: ٦]. تَشْكُرُونَ ن) فالله سبحانه وتعالى لا يريد أن يعنت الناس، ويحملهم على الحرج والمشقة بالتكاليف، إنما يريد أن يطهرهم، وأن ينعم (١) في ظلال القرآن ١/ ١٧٢. عليهم بهذه الطهارة، وأن يقودهم إلى الشكر على النعمة؛ ليضاعفها لهم ويزيدهم منها. فهو الرفق والفضل والواقعية في هذا المنهج اليسير القويم (٢). وبين الله سبحانه وتعالى للمؤمنين حکم الأيمان والتحلل منها؛ لیشکروا له، وهذه عادة شرعه أن يكون بيانًا، قال سبحانه وتعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَنْكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُ كُمْ بِمَا عَقَّدُمُ الْأَيْمَنَ فَكَفََّرَنَّهُ إِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْكِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيُرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَهِيَامُ ثَثَةِ أَيَّاءِ ذَلِكَ كَفَّرَةُ أَيْمَنْكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَأَحْفَظُواْ أَيْمَنَّكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٨٩]. أي: لا يؤاخذكم الله بالأيمان التي تحلفونها بلا قصد، كما يقول الرجل في كلامه بدون قصد : لا والله، وبلى والله، فلا مؤاخذة على مثل هذه بكفارة في الدنيا، ولا عقوبة في الآخرة، ولكن يؤاخذكم بما صممتم عليه من الأيمان وقصدتموه إذا أنتم حنثتم فيه، والذي يكفر عقد اليمين إذا نقض، أو إذا أريد نقضه بالحنث به هو إحدى هذه المبرات الثلاث على سبيل التخيير: إطعام عشرة مساكين، وجبة واحدة لكل منهم من الطعام الغالب الذي یأکله أهلو کم في بيوتكم. * أو كسوة عشرة مساكين، وهي تختلف (٢) المصدر السابق ٢/ ٨٥٠. www. modoee.com ٤٠٧ حرف الشین باختلاف البلاد والأزمنة. أو تحرير رقبة. فمن لم يستطع واحدًا من الثلاثة المتقدمة فعليه أن يصوم ثلاثة أيام متتابعات أو متفرقات، فإن عجز عن ذلك لمرض، صام عند القدرة، فإن لم يقدر يرجى له عفو الله ورحمته إذا صحت نيته وصدقت عزيمته، ﴿وَاحْفَظُواْآَيْمَنَكُمْ ﴾، فلا تبذلوها في أتفه الأمور وأحقرها، ولا تكثروا من الأيمان الصادقة فضلا عن الأيمان الكاذبة، على هذا النحو الشافي الوافي ، يبين الله لكم أعلام شريعته وأحكام دينه؛ ليعدكم ويؤهلكم بذلك إلى شكر نعمه على الوجه الذي يحبه ويرضاه، ویکون سببًا في المزید من فضله وإحسانه(١). وفي الآيات السابقة دلالة على أنه ينبغي للعبد أن يتدبر الحكم والأسرار في شرائع الله؛ ليزداد معرفة وعلما، ويزداد شكرا لله ومحبة له على ما شرع من الأحكام، التي توصل العبد إلى المنازل العالية الرفيعة. ثالثًا: مجال النعم: أنعم الله على عباده بنعمة الأطعمة الحلال المستلذة؛ ليشكروه عليها، قال سبحانه وتعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ وَأَشْكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢]. وأنعم على أهل مكة بجميع أنواع الثمار التي تجلب إليهم من مواطنها؛ ليشكروه عليها، فقال سبحانه وتعالى على لسان إبراهيم عليه السلام: ﴿رَبَّنآ إِی اُسْکنتُ مِن ذُرِّيَّقِ بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْئِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلَوَةَ فَأَجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَّهْوِىّ إِلَيْهِمْ وَأَرْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَتِ لَعَلَّهُمْ [إبراهيم: ٣٧]. نَشْكُرُونَ وسخر لهم البحر؛ ليأكلوا مما يصطادون من سمکه لحمًا طريًا، ويستخرجوا منه زينة يلبسونها ، كاللؤلؤ والمرجان وغيرهما، وسخر لهم السفن العظيمة تشق وجه الماء تذهب وتجيء، ويركبونها؛ ليطلبوا رزق الله بالتجارة والربح فيها؛ ليشكروه على هذه النعم العظيمة، ولا يعبدوا غيره. قال سبحانه وتعالى: ﴿وَهُوَ أَلَّذِى سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلِيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى اَلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِنْ فَضْلِهِ. وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٤]. وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِى اَلْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآَيَغْ شَرَابُهُ، وَهَذَا مِلْحُ أُجَاجٌ وَمِن كُلِّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيبًا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةٌ تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُواْ مِنْ فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [فاطر: ١٢]. وأنعم سبحانه وتعالى على عباده بوسائل الإدراك من السمع والبصر والقلوب؛ لعلهم يشكرونه على تلك النعم، وبتلك النعم، (١) تفسير المراغي ٧/ ١٧ . ٤٠٨ جَوُورُ القرآن الكريم الشكر ويفردونه سبحانه وتعالى بالعبادة، فقال عز بطاعته واجتناب محارمه؛ لتشكروه على ما من به عليكم من النصر على أعدائكم، وجل: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَحَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَاَلْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةٌ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨]. وإظهار دينكم، ولما هداكم له من الحق الذي ضل عنه مخالفوكم (١). وسخر سبحانه وتعالى البدن؛ ليأكلوا منها ويطعموا منها الفقير الذي لم يسأل تعففا، والذي يسأل لحاجته؛ ویشکروا الله على هذه النعم الجليلة. قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَالْبُدْنَ جَعَلْتَهَا لَكُ مِن شَعَكَبِ اللَّهِ لَكُنْ فِيهَا خَيْرٌ فَذَّكُرُواْ أَسْمَ اَللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآَفَّ فَإِذَا وَجَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْقَانِعَ وَالْمُعْتَّ كَذَلِكَ سَخَّتَهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الحج: ٣٦]. وجعل سبحانه وتعالى لعباده الليل ظلامًا؛ ليستقروا فيه وترتاح أبدانهم، وجعل النهار ضياء؛ ليطلبوا فيه معايشهم، وليشكروه على إنعامه وإفضاله، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَيَوْمَ رَحْمَتِهِ، جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ ◌ِتَسْكُواْ فِيهِ وَلِتَبْنَغُواْ مِن فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧٣]. وأنعم سبحانه وتعالى على عباده المجاهدين بنعمة النصر على المشركين مع قلة عددهم وعددهم ، فقال سبحانه وتعالى في معرض المن عليهم، وأن هذا النصر سبب لشكره سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَقَدْ نَصْرَكَم اَللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٣]. يقول سبحانه وتعالى: فاتقوا ربكم وفي نسبة النصر إليه سبحانه وتعالى حض منه على اللجأ إليه وطلبه منه وحده سبحانه وتعالى؛ لأنه ((لا ناصر لهم من أنفسهم ولا من سواهم، فإذا اتقوا وخافوا فليتقوا وليخافوا الله، الذي يملك النصر والهزيمة والذي يملك القوة وحده والسلطان، فلعل التقوى أن تقودهم إلى الشكر، وأن تجعله شكرًا وافيًا لائقًا بنعمة الله عليهم على كل حال))(٢). وأخبر سبحانه وتعالى على رغبة الزوجين في الذرية الصالحة، صلاحًا في الخلقة وصلاحًا في الخلق؛ ليشكروه عليها، فإذا آتاهم الله الولد صالحًا سليمًا كما أراده، صرفاه عن الفطرة إلى الشرك. قال سبحانه وتعالى: ﴿﴿ هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّنَهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَبِنْ ءَتَيْتَنَا صَلِحًا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّكِينَ ()﴾ [الأعراف: ١٨٩]. فنعم الله على عباده لا تحصى ولا تعد، وهي سبيل من سبل معرفة الله وتعظيمه وإفراده بالوحدانية والعبادة. (١) جامع البيان، الطبري ٦/ ١٦. (٢) في ظلال القرآن ١/ ٤٧٠. www. modoee.com ٤٠٩ حرف الشین رابعًا: مجال الشدائد: لقن الله رسوله صلی الله علیه وسلم أن يقول للمشركين: من ينقذكم من مخاوف ظلمات البر والبحر؟ أليس هو الله سبحانه وتعالى الذي تدعونه في الشدائد متذللين جهرًا وسرًا؟ تقولون: لئن أنجانا ربنا من هذه المخاوف لنكونن من الشاكرين بعبادته عز وجل وحده لا شريك له، قال سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيَكُم مِّنِ ظُلُنْتِ أَلْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَّيِنْ أَنْجَنَا مِنْ هَذِهِ، لَتَكُونَنَّ مِنَ الشَّكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٦٣]. وأخبر سبحانه وتعالى أنه هو الذي يسير الناس فى البر على الدواب وغيرها، وفي البحر في السفن، حتى إذا كانوا فيها وجرت بريح طيبة، وفرح ركاب السفن بالربح الطيبة، جاءت هذه السفن ريح شديدة، وجاء الرکاب الموج من کل مکان، وأيقنوا أن الهلاك قد أحاط بهم، أخلصوا الدعاء لله وحده، وترکوا ما کانوا یعبدون، وقالوا: لئن أنجيتنا من هذه الشدة التي نحن فيها، لنكونن من الشاكرين لك على نعمك. هَوَ الّذِى يُسَيِّرُكُمْ فِي قال سبحانه وتعالى: أَلْبَرِ وَالْبَحْرِّ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْقُلْكِ وَجَرَیْنَ بِهِم بِيج طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَمَتَّهَا رِيحُ عَاصِفٌ وَجَآءَ هُمُ اَلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَنُّوَاْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَواْاللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الذِينَ لَبِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَتَكُونَنَّ مِنَ الشَّكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢]. خامسًا: الشكر والتفكر: ينوع الله سبحانه وتعالى الحجج والبراهين ويضرب فيها الأمثال للشاكرين نعمه؛ لأنهم يرونها من أكبر النعم الواصلة إليهم من ربهم، فيتلقونها مفتقرين إليها فرحين بها، فيتدبرونها ويتأملونها ويعملون بمقتضاها. قال سبحانه وتعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ، وَالَّذِى خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٨]. أي: والبلد الطيبة تربته، العذبة مشاربه، يخرج نباته - إذا أنزل الله الغيث وأرسل عليه الحیا- بإذنه طيبا ثمره في حينه ووقته، والذي خبث فردؤت تربته وملحت مشاربه لا يخرج نباته إلا عسرا في شدة، كذلك نبين آية بعد آية، وندلي بحجة بعد حجة، ونضرب مثلا بعد مثل، لقوم يشكرون الله على إنعامه عليهم بالهداية وتبصيره إياهم سبيل أهل الضلالة، باتباعهم ما أمرهم باتباعه، وتجنبهم ما أمرهم بتجنبه من سبل الضلالة. وهذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر، فالبلد الطيب الذي يخرج نباته بإذن ربه مثل للمؤمن، والذي خبث فلا يخرج نباته إلا نكدًا مثل للكافر(١). وفي الآية دلالة على أن الشاكرين (١) جامع البيان، الطبري ٢٥٨/١٠. ٤١٠ مَؤُوابَرُ الْتَسِالوَصُوم جوسين القرآن الكريم الشكر ينتفعون بالآيات الكونية الدالة على وجود والتي انتفع بها الشاكرون، توجيه الرياح إلی بلد محتاج إلی المطر، فتحیا به البلاد والعباد. الصانع سبحانه وتعالى وقدرته وعظمته وتفرده بالتدبير. والله سبحانه وتعالى يدعو عباده إلى معرفته بالنظر والتأمل في مصنوعاته في الكون: ومن ذلك أنه سخر لعباده البحر؛ لتجري السفن فيه بأمره، وليبتغوا من فضله بأنواع التجارات والمكاسب؛ لعلهم يشكرونه على تسخيره البحر ويثنون عليه، ويهتدون إلى الصانع سبحانه وتعالى من خلال مصنوعاته، قال عز وجل: ﴿اللَّهُ الَّذِى سَخَّرَ ◌َكُمُ الْبَعْرَ لِتَجْرِىَ الْقُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ، وَلِبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ. وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الجاثية: ١٢]. وفي الآية دلالة على أن من حكم تسخير البحر للناس: حملهم على الاعتراف لله بالعبودية، ونبذهم إشراك غيره فيها، وشكره والثناء عليه. ومنها: أنه سبحانه وتعالی بین لعباده ما منحهم في آيات الليل والنهار من المصالح والمنافع؛ کي يتفكروا فيهما ويستدلوا بهما على وحدانيته وقدرته الباهرة؛ فيشكرونه ويثنون عليه ويفردونه بالعبادة. قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمِن رَّحْمَتِهِ، جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُوْ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن [القصص: ٧٣]. فَضْلِهِ ، وَلَّعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ومن آياته الدالة على تفرده بالألوهية قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنْءَايَتِهِ= أَنْ يُرْسِلَ الْرِيَحَ مُبَشِّرَتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِن رَّحْمَتِهِ، وَلِتَجْرِىَ اَلْقُلْكُ بِأَمْرِهِ، وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [الروم: ٤٦]. أي: «من آياته أشياء يقضي كل عقل بأنها لا مشارکة للأوثان فيها، وهو ما في الربح من المنافع ، وذلك أنها بشرى بالمطر، ويذيق الله بها المطر، ويلقح بها الشجر، وغير ذلك، ويجري بها السفن في البحر، ويبتغي الناس بها فضل الله في التجارات في البحر، وفي ذرو الأطعمة، وغير ذلك))(١). فالشكر والتفكر قرينان، فالتفكر يغذي الشكر؛ لأنه يمد الشاكرين بدلائل الوحدانية والقدرة الباهرة، فیشکرون الرب ويفردونه بالعبادة. (١) المحرر الوجيز ٣٤١/٤. www. modoee.com ٤١١ حرف الشين نماذج قرآنية في الشكر أخبر سبحانه وتعالى في كتابه عن نماذج شكرت نعمه فأثنى عليها، وألقى في قلوب عباده المؤمنين الثناء عليهم، وأخبر عن الجاحدين نعمه وكيف سلبها منهم، وفي هذا المبحث نبين نماذج شاكرة لنعم الله، ونماذج غير شاكرة لنعمه؛ لنقتدي بالأولى، ونتجنب عاقبة الثانية: أولًا : نماذج شاكرة: أثنى الله سبحانه وتعالى على الرسل والأنبياء الشاكرين لنعمه بقلوبهم وألسنتهم وجوارحهم في كتابه الكريم؛ ليقتدي بهم المؤمنون في شكرهم ويتابعونهم عليه، ومن هؤلاء: ١. نوح عليه السلام. الذي أُثنی الله علیه بأنه كان عبدا شكورًا بقلبه ولسانه وجوارحه. قال سبحانه وتعالى: ﴿ذُرِّيَّةً مَنْ حَمَلْنَا [الإسراء: مَعَ نُوجَّ إِنَّهُ عَبْدًا كَانَ شَكُورًا ﴾ ٣]. عن مجاهدٍ رحمه الله قال عن نوح عليه السلام: ((لم يأكل شيئًا قط إلا حمد الله عز وجل، ولم يشرب شرابًا قط إلا حمد الله عليه، ولم يمش مشيًا قط إلا حمد الله عليه، ولم يبطش بشيءٍ قط إلا حمد الله عليه؛ فأثنى الله عز وجل عليه أنه كان عبدًا شكورًا))(١). وفي هذا المعنی روی مسلم بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها)(٢). وفي الآية دلالة على أن من يعبد الله فقد شکره، ومن لم یشکره لم یکن من أهل عبادته. ٢. إبراهيم عليه السلام. أثنى الله على خليله إبراهيم عليه السلام فقال: ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِّةِ اجْتَبَنَهُ وَهَدَنُهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: کان علیه السلام يخلص الشكر لله فيما أنعم عليه، ولا يجعل معه في شكره في نعمه عليه شريكًا من الآلهة والأنداد وغير ذلك، كما يفعل مشرکو قریش(٣). وفي الآية أوثر صيغة جمع القلة؛ للإيذان بأنه عليه السلام كان لا يخل بشكر النعمة القليلة، فكيف بالكثيرة؟!(٤). (١) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، ٢٥٦/٦، رقم ٤١٣٢. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه ، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب استحباب حمد الله سبحانه وتعالى بعد الأكل والشرب، ٢٧٣٤. (٣) جامع البيان، الطبري ١٤/ ٣٩٣. (٤) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ١٤٩/٥. ٤١٢ جَوَسُور القرآن الكريمِ الشكر ٣. موسى عليه السلام. أمر سبحانه وتعالى موسى عليه السلام أن يأخذ ما أعطاه من أمره ونهيه، وأن يتمسك به، وأن يعمل به، وأن یکون من الشاكرين له سبحانه وتعالى على ما آتاه من رسالته، واختصاصه بكلامه، قال سبحانه وتعالى: ﴿قَالَ يَمُوسَى إِنِّ أَصْطَفَيْتُكَ عَلَ النَّاسِ بِسَلَتِى وَبِكَلَمِى فَخُذْ مَآ ءَاتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّكِرِينَ ﴾ [الأعراف: ١٤٤]. ((وأمر الله سبحانه وتعالى لموسى بأخذ ما آتاه، والشكر على الاصطفاء والعطاء، فهو أمر التعليم والتوجيه لما ينبغي أن تقابل به نعمة الله. والرسل صلوات الله وسلامه عليهم قدوة للناس، وللناس فيهم أسوة، وعلى الناس أن يأخذوا ما آتاهم الله بالقبول والشكر؛ استزادة من النعمة، وإصلاحًا للقلب، وتحرزًا من البطر، واتصالًا بالله))(١). وقد قام عليه السلام لله مقامات عظيمة في مقابلة أعدی عدو له وهو فرعون، وصدع بأمره، وعالج أمتي القبط وبني إسرائيل أشد المعالجة، وتحمل في سبيل ذلك الأذى؛ وصبر عليه ابتغاء وجه الله سبحانه وتعالى، وكان الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم يصبر نفسه بما حدث لأخيه موسی عليه السلام ويقول: (يرحم الله موسى؛ لقد (١) في ظلال القرآن ٣/ ١٣٧٠. أوذي بأكثر من هذا، فصبر)(٢). ٤. محمد صلی الله عليه وسلم. أمر الله الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بعبادة ربه وحده لا شريك له، وأن یکون من الشاکرین لنعمه، قال سبحانه وتعالى: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِّنَ الشَّكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٦]. فامتثل صلى الله عليه وسلم أمر ربه ، وقام بمقام الشكر حق القيام؛ ففي مقام العبادة قام بين يدي ربه حتی تورمت قدماه الشريفتان. روى البخاري بسنده عن زيادٍ هو ابن علاقة أنه سمع المغيرة يقول: (قام النبي صلی الله عليه وسلم حتی تورمت قدماه، فقيل له: غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر! قال: أفلا أكون عبدا شكورًا)(٣). وأوصى معاذًا فيما رواه أبو داود عن معاذ بن جبل، أن رسول صلی الله عليه وسلم أخذ بيده، وقال: (یا معاذ، والله إني لأحبك، والله إني لأحبك، فقال: أوصیك یا معاذ لا تدعن في دبر كل صلاةٍ تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك، وحسن عبادتك)(٤). (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب حديث الخضر مع موسى عليه السلام، رقم ٣٢٢٤. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التهجد، باب قيام النبي حتى تتورم قدماه، رقم ٤٤٥٩. (٤) أخرجه أبو داود في سننه، باب الاستغفار، www. modoee.com ٤١٣ حرفالشین رواه الإمام أحمد في مسنده عن ابن عباسٍ: أن رسول الله صلی الله علیه وسلم کان يدعو: (رب أعني ولا تعن علي، وانصرني ولا تنصر علي، وامكر لي ولا تمكر علي، واهدني ويسر الهدى إلي، وانصرني على من بغى علي، رب اجعلني لك شكارًا، لك ذکارًا)(١). وفي تبليغ الرسالة: لما نزل عليه: ﴿يَأَيُّهَا اٌلْمُدَّثِّرُ قُرْ فَذِرْ ل وَرَبَّكَ فَكَبِ ، وَثِيَابَكَ فَطَعِرْ﴾ [المدثر: ١- ٤]. شمر عن ساق الدعوة، وقام في ذات الله آتم قیام، ودعا إلى الله ليلا ونهارا، وسرا وجهارا، ولما نزل عليه: ﴿فَأَصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤]. فصدع بأمر الله ، لا تأخذه فيه لومة لائم، فدعا إلى الله الصغير والكبير، والحر والعبد، والذكر والأنثى، والأحمر والأسود، والجن والإنس (٢). وفي هذا المعنى يقول سيد قطب رحمه الله: ((إنه النداء العلوي الجليل، للأمر ١٥٢٢. وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم ٧٩٦٩. (١) أخرجه أحمد في مسنده، ٢/ ٤٥٢، رقم ١٩٩٧. وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم ٣٤٨٥. (٢) زاد المعاد، ابن القيم ٣/ ١٢. وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم فيما العظيم الثقيل، نذارة هذه البشرية وإيقاظها، وتخليصها من الشر في الدنیا، ومن النار في الآخرة، وتوجیھھا إلی طريق الخلاص قبل فوات الأوان، وهو واجب ثقيل شاق، حین يناط بفرد من البشر - مهما يكن نبيًا رسولا- فالبشرية من الضلال والعصيان والتمرد والعتو والعناد والإصرار والالتواء والتفصي من هذا الأمر، بحيث تجعل من الدعوة أصعب وأثقل ما يكلفه إنسان من المهام زه، في هذا الوجود، ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّفِرُ قُرْفَانِ والإنذار هو أظهر ما في الرسالة، فهو تنبيه للخطر القريب الذي يترصد للغافلين السادرين في الضلال وهم لا يشعرون، وفيه تتجلى رحمة الله بالعباد، وهم لا ينقصون في ملكه شيئا حين يضلون، ولا يزيدون في ملکه شیئا حین یھتدون؛ غیر أن رحمته اقتضت أن يمنحهم كل هذه العناية ليخلصوا من العذاب الأليم في الآخرة، ومن الشر الموبق في الدنيا، وأن يدعوهم رسله ليغفر لهم ويدخلهم جنته من فضله)» (٣). هذا غيض من فيض من شكره صلى الله عليه وسلم، وإلا فهو سيد الشاكرين. ثانيًا: نماذج غير شاكرة: هذان نموذجان لقرى غير شاكرة لأنعم الله، وبيان کیف سلب الله نعمه منهم: (٣) في ظلال القرآن ٦/ ٣٧٥٤. جَوَسُوعَةُ النَفسِير القرآن الكريم ٤١٤ الشكر ١. قرية كانت آمنة. أخبر سبحانه وتعالى عن بلدة كانت في أمان من الاعتداء، واطمئنان من ضيق العيش، يأتيها رزقها هنيئًا سهلا من كل جهة، فجحد أهلها نعم الله عليهم، وأشركوا به، ولم یشکروا له، فعاقبهم الله بالجوع، والخوف. قال سبحانه وتعالى: ﴿وَضَرَبَ اَللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةٌ مُّطْمَيِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَقَهَا اَللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢]. قال ابن عباس ومجاهد وابن زيد وقتادة رحمهم الله: ((والقرية المضروب بها المثل مکة، کانت بهذه الصفة التي ذكر الله؛ لأنها کانت لا تغزی ولا یغیر علیها أحد، وكانت الأرزاق تجلب إليها، وأنعم الله عليها برسوله، فکفروا بأنعم الله في ذلك وفي جملة الشرع والهداية، فأصابتهم السنون والخوف، وسرایا رسول الله صلی الله عليه وسلم وغزواته))(١). ((وإن من أشنع ما كانوا يصنعون تكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أنه منهم، وذلك أظهر في معنى الإنعام عليهم (٢) والرفق بهم)) (٢). (١) المحرر الوجيز ٤٢٦/٣. (٢) التحرير والتنوير ٣٠٨/١٤. وفي الآية دلالة على أن عدم شكر نعم الله سبب لزوالها عن أهلها. ٢. قبيلة سبأ. قال سبحانه وتعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَلِ فِي مَسْكَّنِهِمْ ءَايَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينِ وَشِمَالٍ كُواْ مِن رِّزْقِ رَيْكُمْ وَاشْكُرُواْ لَهُ، بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبُّ غَفُورٌ ﴿ فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَهُم بِجَنََّيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَىْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ ، ذَلِكَ جَزَيْنَهُمْ فِيهَا قُرَّى وَهَلْ تُجْزِيٌ إِلَّا الْكَفُورَ ١٧ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِ بَرَكْنَا فِيهَا قُرَىُ ظَاهِرَةٌ وَقَدَّرْنَا فِيَهَا السَّيْرِّ سِيرُواْ فِيَهَا لَيَالِىَ وَأَيَّامًا ءَامِنِينَ ﴿ فَقَالُواْ رَبَّنَا بَعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [سبأ: ١٥ - ١٩]. سبأ قبيلة معروفة في أداني اليمن، ومسكنهم بلدة يقال لها : (مأرب)، ومن نعم الله ولطفه بالناس عمومًا، وبالعرب خصوصًا، أنه قص في القرآن أخبار المهلكين والمعاقبين، ممن كان يجاور العرب، ويشاهد آثاره، ويتناقل الناس أخباره؛ ليكون ذلك أدعى إلى التصديق، وأقرب للموعظة، فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَلٍ فِي مَسْكَنِهِمْ﴾، أي: محلهم الذي يسكنون فيه ﴿مَايَةٌ﴾، والآية هنا: ما أدر الله عليهم من النعم، وصرف عنهم من النقم، الذي يقتضي www. modoee.com ٤١٥ حرفالشین ذلك منهم، أن یعبدوا الله ویشکروه. ثم فسر الآية بقوله: ﴿جَنَّتَانِ عَن يَمِينِ وَشِمَالٍ﴾ وکان لهم وادٍ عظيم، تأتيه سیول كثيرة، وكانوا قد بنوا سدًا محكما، يكون مجمعًا للماء، فكانت السيول تأتيه، فيجتمع هناك ماء عظيم، فيفرقونه على بساتينهم، التي عن يمين ذلك الوادي وشماله. وتغل لهم تلك الجنتان العظيمتان من الثمار ما يكفيهم، ويحصل لهم به الغبطة والسرور، فأمرهم الله بشکر نعمه التي أدرها علیھم من وجوه کثيرة: منها: هاتان الجنتان اللتان غالب أقواتهم منهما. ومنها: أن الله جعل بلدهم بلدة طيبة، لحسن هوائها، وقلة وخمها، وحصول الرزق الرغد فيها. ومنها: أن الله سبحانه وتعالى وعدهم - إن شكروه- أن يغفر لهم ويرحمهم؛ ولهذا قال: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبُّ غَفُورٌ﴾. ومنها: أن الله لما علم احتياجهم في تجارتهم ومكاسبهم إلى الأرض المباركة - الظاهر أنها قرى صنعاء، قاله غير واحد من السلف، وقيل: إنها الشام- هيأ لهم من الأسباب ما به يتيسر وصولهم إليها، بغاية السهولة، من الأمن، وعدم الخوف، وتواصل القری بينهم وبينها، بحيث لا يكون عليهم مشقة، بحمل الزاد والمزاد. ولهذا قال: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اَلْقُرَى الَّتِى بَرَكْنَافِيهَا قُرَى ظَهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيَهَا السَّيْرَ﴾، أي: سيرا مقدراً يعرفونه، ويحكمون عليه، بحيث لا يتيهون عنه ﴿لَيَالِىَ وَأَيَّامًا ءَامِنِينَ﴾، أي: مطمئنين في السير في تلك الليالي والأيام، غير خائفين، وهذا من تمام نعمة الله عليهم، أن أمنهم من الخوف، فأعرضوا عن المنعم، وعن عبادته، وبطروا النعمة، وملوها، حتى إنهم طلبوا وتمنوا أن تتباعد أسفارهم بين تلك القرى، التي كان رو. السير فيها متيسرًا، وأً أنفسهم بکفرهم بالله وبنعمته. فعاقبهم الله سبحانه وتعالى بهذه النعمة، التي أطغتهم، فأبادها عليهم، فأرسل عليها سيل العرم، أي: السيل المتوعر، الذي خرب سدهم، وأتلف جناتهم، وخرب بساتينهم، فتبدلت تلك الجنات ذات الحدائق المعجبة، والأشجار المثمرة، وصار بدلها أشجار لا نفع فيها، ولهذا قال: ـهم ◌ِنََّيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ﴾، أي: شيء قليل من الأكل الذي لا يقع منهم موقعا ﴿خَمْطٍ وَقْلٍ وَشَىْءٍ مِّنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾، وهذا کله شجر معروف، وهذا من جنس عملهم. فكما بدلوا الشكر الحسن بالكفر القبيح، بدلوا تلك النعمة بما ذكر، ولهذا قال: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَهُم بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ تُجْزِىَ إِلَّا ٠٦٠٠٠٠ اُلْكَفُورَ﴾، أي: وهل نجازي جزاء العقوبة ٤١٦ جونيو القرآن الكريم الشكر -بدليل السياق- إلا من كفر بالله وبطر النعمة؟! فلما أصابهم ما أصابهم، تفرقوا وتمزقوا، بعدما كانوا مجتمعين، وجعلهم الله أحاديث يتحدث بهم، وأسمارًا للناس، وكان يضرب بهم المثل، فيقال: ((تفرقوا أيدي سبا»، فكل أحد يتحدث بما جرى لهم، ولكن لا ينتفع بالعبرة فيهم إلا من قال الله: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾. صبار على المكاره والشدائد، يتحملها لوجه الله، ولا يتسخطها ، بل يصبر عليها، شكور لنعمة الله سبحانه وتعالى يقر بها ويعترف، ويثني على من أولاها، ويصرفها في طاعته، فهذا إذا سمع بقصتهم، وما جرى منهم وعليهم، عرف بذلك أن تلك العقوبة جزاء لكفرهم نعمة الله، وأن من فعل مثلهم فعل به كما فعل بهم، وأن شكر الله سبحانه وتعالى حافظ للنعمة، دافع للنقمة، وأن رسل الله صادقون فيما أخبروا به، وأن الجزاء حق، كما رأى أنموذجه في دار الدنيا(١). (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦٧٧. ثمرات الشكر أطلق الله جزاء الشاكرين ولم يقيده، ففي سياق الحديث عن الذين ثبتوا على الإيمان حين أشاع الأعداء مقتل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد. قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُّ أَفَإِيْنِ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ أَنْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَلِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِى اَللَّهُ الشَّكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤]. قوله: ﴿وَسَيَجْزِى اَللَّهُ الشَّكِرِينَ﴾، أي: الذين صبروا وقاتلوا واستشهدوا؛ لأنهم بذلك شكروا نعمة الله عليهم بالإسلام(٢)، فهم الذين يعرفون مقدار النعمة التي منحها الله لعباده في إعطائهم هذا المنهج، فيشكرونها باتباع المنهج، ويشكرونها بالثناء على الله، ومن ثم يسعدون بالمنهج؛ فيكون هذا جزاء طيبًا على شكرهم، ثم يسعدون بجزاء الله لهم في الآخرة، وهو أكبر وأبقى(٣). وقد ذكر الطبري بسنده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال في تفسير هذه الآية: (الشاکرون) الثابتون علی دینھم، أبو بکر وأصحابه، وكان يقول: ((أبو بكر أمير الشاكرين))، وهذه عبارة من علي بن أبي (٢) فتح القدير، الشوكاني ١/ ٤٤٢. (٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ٤٨٦/١. www. modoee.com ٤١٧ حرف الشین طالب رضي الله عنه إنما هي إلى صدع أبي بسببه (١). بكر رضي الله عنه بهذه الآية في يوم موت النبي صلى الله عليه وسلم وثبوته في ذلك الموطن، وثبوته في أمر الردة. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قبض وشاع موته، هاج المنافقون وتكلموا، وهموا بالاجتماع والمكاشفة، أوقع الله سبحانه وتعالى في نفس عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقبض ، فقام بخطبته المشهورة المخوفة للمنافقين برجوع النبي صلى الله عليه وسلم، ففت ذلك في أعضاد المنافقين وتفرقت كلمتهم، ثم جاء أبو بكر بعد أن نظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فسمع کلام عمر فقال له: «اسکت))، فاستمر عمر في كلامه، فتشهد أبو بكر فأصغی الناس إليه، فقال: ((أما بعد فإنه من كان يعبد الله تعالی فإن الله حي لا يموت، ومن کان یعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ﴿ وَمَا مُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾))، وتلا الآية کلها. فیکی الناس ولم يبق أحد إلا قرأ الآية، کأن الناس ما سمعوها قبل ذلك اليوم، قالت عائشة رضي الله عنها: ((فنفع الله بخطبة عمر، ثم بخطبة أبي بكر))، فهذا من المواطن التي ظهر فيها شكر أبي بكر وشكر الناس وفي هذه الآية الكريمة إرشاد من الله سبحانه وتعالى لعباده أن يكونوا بحالة لا يزعزعهم عن إيمانهم أو عن بعض لوازمه فَقْدُ رئيسٍ ولو عَظُم، وما ذاك إلا بالاستعداد في كل أمر من أمور الدين بعدة أناس من أهل الكفاءة فیه، إذا فقد أحدهم قام به غيره، وأن يكون عموم المؤمنين قصدهم إقامة دين الله، والجهاد عنه، بحسب الإمكان، لا یکون لهم قصد في رئیس دون رئیس، فبهذه الحال يستتب لهم أمرهم، وتستقيم أمورهم. وفي هذه الآية أيضًا أعظم دليل على فضيلة الصديق الأكبر أبي بكر، وأصحابه الذين قاتلوا المرتدين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم هم سادات الشاكرين(٢). ووعد سبحانه وتعالى من طلب بعمله الجزاء منه في الآخرة أن يمنحه ما طلبه، ويؤتيه جزاءه وافرًا مع ما له في الدنيا من رزق مقسوم؛ لأنه شکر الله بطاعته وجهاده. قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْثَوَابَ الدُّنْيَا تُؤْتِهِ، مِنْهَا وَمَن يُرِدْ تَوَابَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ، مِنْهَاً وَسَنَجْزِى الشَّكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٥]. أي: من کان عمله للدنيا فقط نال منها ما قدره الله له، ولم یکن له في الآخرة نصیب، (١) المحرر الوجيز، ابن عطية ١/ ٥١٧. (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٥٠. ٤١٨ صَوْسُو القرآن الكريمِ الشكر ومن قصد بعمله الدار الآخرة أعطاه الله منها الآخرة، ويعم الجزاء كل بحسبه(٢). مع ما قسم له في الدنيا، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِى حَرْئِهِ، وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ. مِنْهَا وَمَا لَهُ، فِ اْلْآَخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠]. وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩]. وقوله: ﴿وَسَنَجْزِى الشَّكِرِينَ﴾، أي: سنعطيهم من فضلنا ورحمتنا في الدنيا والآخرة بحسب شکرهم وعملهم(١). وليس المراد أن من أراد ثواب الدنيا وحظوظها يحرم من ثواب الآخرة وحظوظها؛ فإن الأدلة الشرعية دلت على أن إرادة خیر الدنیا مقصد شرعي حسن، وهل جاءت الشريعة إلا لإصلاح الدنيا، والإعداد الحياة الآخرة الأبدية الكاملة. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَانَهُمُ اَللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابٍ اُلْآَخِرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤٨]. وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَتَّصُونَ بِنَآ إِلَّاً إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢]. أي: الغنيمة أو الشهادة، وجملة: ﴿وَسَنَجِى الشَّكِرِينَ﴾، تذییل یعم الشاکرین ممن يريد ثواب الدنيا، ومن يريد ثواب (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١١٣/٢. قال ابن فورك: وفيه إشارة إلى أنهم ينعمهم الله بنعیم الدنیا، ولا یقصرهم على نعيم الآخرة(٣). أولًا : الثمرات الدنيوية: ١. الهداية إلى الحق. قال سبحانه وتعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّاً بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُواْ أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اَللّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣]. أي: ابتلينا واختبرنا وامتحنا بعضهم ببعض، ليقولوا: أهؤلاء من الله عليهم من بيننا، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان غالب من اتبعه في أول بعثته ضعفاء الناس، من الرجال والنساء والعبيد والإماء، ولم يتبعه من الأشراف إلا قليل، والغرض أن مشركي قريش كانوا يسخرون بمن آمن من ضعفائهم، ويعذبون من يقدرون عليه منهم، وكانوا يقولون: أهؤلاء من الله عليهم من بيننا؟! أي: ما كان الله ليهدي هؤلاء إلى الخير، لو كان ما صاروا إلیه خیرًا لم يدعنا. وقال في جوابهم: ﴿أَلَيْسَ اَللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّكِرِينَ﴾، أي: أليس هو (٢) التحرير والتنوير ١١٥/٤. (٣) البحر المحيط ٣/ ٣٦٧. www. modoee.com ٤١٩ حرف الشین أعلم بالشاكرين له، بأقوالهم وأفعالهم وضمائرهم، فیوفقهم ویهدیھم سبل السلام، ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه، ويهديهم إلى صراط مستقيم. و كذلك ابتلى الله سبحانه وتعالى بعض عباده ببعض بتباين حظوظهم من الأرزاق والأخلاق، فجعل بعضهم غنيًا وبعضهم فقيرًا، وبعضهم قويًا وبعضهم ضعيفًا، فأحوج بعضهم إلى بعض اختبارًا منه لهم بذلك؛ ليقول الكافرون الأغنياء: أهؤلاء الضعفاء من الله عليهم بالهداية إلى الإسلام من بيننا؟! أليس الله سبحانه وتعالى بأعلم بمن يشكرون نعمته، فيوفقهم إلى الهداية لدینه؟(١). في الآية دلالة على أن الله تعالى بحكمته بأنفسهم، فإن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها يقيم العبد فى مقامه الذي يليق به. ٢. حفظ النعم من الزوال. قال سبحانه وتعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمّ يَكُ مُغَيْرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمٌّ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنٌَ وَأَلَّذِينَ مِن قَبْلِهِزْ كَذَّبُواْ بِثَايَتِ رَيْهِمْ فَأَهْلَكْتَهُم ◌ِدُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ وَكُلَ كَانُواْ ظَلِمِينَ﴾ [الأنفال: ٥٣ - ٥٤]. (يخبر تعالى عن تمام عدله وقسطه في حكمه بأنه سبحانه وتعالى لا يغير نعمة (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٣٣/٣. أنعمها على أحد، إلا بسبب ذنب ارتكبه، ب الله لا يَغْيِّرَ كقوله سبحانه وتعالى: مَا بِقَوْمٍ حَقَّى يُغَيِرُواْ مَا يَأَنْفُسِمٌّ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ، وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ ﴾ [الرعد: ١١]. وقوله: ﴿كَدَأْبِ ءَالٍ فِرْعَوْنَ﴾ أي: کصنعه بآل فرعون وأمثالهم، حین كذبوا بآياته، أهلكهم بسبب ذنوبهم وسلبهم تلك النعم التي أسداها إليهم، من جنات وعيون وزروع و کنوز ومقام کریم، ونعمة كانوا فيها فاکھین، وما ظلمهم الله في ذلك ، بل كانوا هم الظالمين))(٢). فقد أزال الله عنهم ما هم فيه من النعم والنعيم، بسبب ذنوبهم وتغييرهم ما على قوم من نعم الدين والدنيا، بل يبقيها ويزيدهم منها، إن ازدادوا له شكرًا(٣). ومن تأمل ما قص الله في كتابه من أحوال الأمم الذين أزال نعمه عنهم، وجد سبب ذلك جميعه إنما هو مخالفة أمره وعصيان رسله، وكذلك من نظر في أحوال أهل عصره، وما أزال الله عنهم من نعمه، وجد ذلك کله من سوء عواقب الذنوب، فما حفظت نعمة الله بشيء قط مثل طاعته، ولا حصلت فيها الزيادة بمثل شكره، ولا زالت (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦٩/٤. (٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٣٢٤. ٤٢٠ القرآن الكريم الشكر عن العبد نعمة بمثل معصيته لربه؛ فإنها نار النعم التي تعمل فيها كما تعمل النار في الحطب اليابس، ومن سافر بفكره في أحوال العالم استغنى عن تعريف غيره له (١). فشكر النعم وثيقة تأمين إلهية تحفظ النعم من زوالها. ٣. زيادة النعم. في سياق الحديث عن إنجاء المؤمنين مع موسى عليه السلام. بحانه وتعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ قال سـ رَبُّكُمْ لَيِنِ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَيْن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِ لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧]. قال الربيع: أخبرهم موسى عن ربه أنهم إن شکروا النعمة زادهم من فضله، وأوسع لهم من الرزق، وأظهرهم على العالم (٢). قوله: ﴿لَيِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾، أي: لئن شكرتم نعمتي عليكم لأزيدنكم منها، ﴿وَلَيِنْ كَفَرْتُمْ﴾، أي: كفرتم النعم وسترتموها وجحدتموها عَذَابِ نَّ ◌َشَدِيدٌ﴾، وذلك بسلبها عنهم، وعقابه إياهم على كفرها(٣). وعن علي رضي الله عنه قال: ((إن النعمة موصولة بالشكر، والشكر معلق بالمزيد، وهما مقرونان جميعًا، فلن ينقطع المزيد من (١) التفسير القيم، ابن القيم ص٦٠٩. (٢) انظر: فتح القدير، الشوكاني ١١٨/٣. (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤١٢/٤. الله حتى ينقطع الشكر من العبد)» (٤). ((إن شكر النعمة دليل على استقامة المقاييس فى النفس البشرية، فالخير يشكر؛ لأن الشكر هو جزاؤه الطبيعي في الفطرة المستقيمة، هذه واحدة، والأخرى أن النفس التي تشكر الله على نعمته، تراقبه في التصرف بهذه النعمة، بلا بطر، ويلا استعلاء على الخلق، وبلا استخدام للنعمة في الأذى والشر والدنس والفساد، وهذه وتلك مما يزكي النفس، ويدفعها للعمل الصالح، وللتصرف الصالح في النعمة بما ينميها، ويبارك فيها، ويرضي الناس عنها وعن صاحبها، فيكونون له عونًا، ويصلح روابط المجتمع؛ فتنمو فيه الثروات في أمان، إلى آخر الأسباب الطبيعية الظاهرة لنا في الحياة، وإن كان وعد الله بذاته يكفي لاطمئنان المؤمن -أدرك الأسباب أولم یدر کھا- فهو حق واقع؛ لأنه وعد الله»(٥). ٤. النجاة من الهلاك. ﴿إِنَّ كَذَلِكَ قال سبحانه وتعالى: تَجْرِى حَاصِبًا إِلَّ ءَالَ لُوطٍ لَيْنَهُمْ بِسَحَرٍ ) نِعْمَةٌ مِّنْ عِندِنَاْ كَذَلِكَ نَجْزِى مَن شَكَرَ﴾ [القمر: ٣٤- ٣٥]. أي: وكما أثبنا لوطا وآله، وأنعمنا عليه، فأنجیناهم من عذابنا بطاعتهم إيانا، كذلك (٤) انظر: الشكر، ابن أبي الدنيا ص ١١. (٥) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٠٨٩/٤. www. modoee.com ٤٢١ حرف الشین نثيب من شكرنا على نعمتنا عليه، فأطاعنا ثانيًا : الثمرات الأخروية: وانتهى إلى أمرنا(١). ٥. الأمن من عذاب الله. قال سبحانه وتعالى: ﴿مَّا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٧]. ما یصنع الله -أيها المنافقون- بعذابکم، إن أنتم تبتم إلى الله، فشكرتموه على ما أنعم عليكم من نعمه في أنفسكم وأهاليكم وأولادكم، بالإنابة إلى توحيده والاعتصام به، وإخلاصكم أعمالكم لوجهه، وترك رياء الناس بها، وآمنتم برسوله محمد صلی الله علیه وسلم فصدقتموه، وأقررتم بما جاءکم به من عنده ، فعملتم به. فلا حاجة بالله أن يجعلكم في الدرك الأسفل من النار إن أنتم أنبتم إلی طاعته، وعملتهم بما أمركم به، وترك ما نهاكم عنه؛ لأنه لا يجتلب بعذابكم إلى نفسه نفعًا، ولا يدفع عنها ضرًا، وإنما عقوبته من عاقب من خلقه جزاءً منه على خلافه أمره ونهيه، و کفرانه شکر نعمه علیه، فإن أنتم شكرتم له على نعمه، وأطعتموه في أمره ونهيه، فلا حاجة به إلى تعذییکم، بل يشكر لكم ما يكون منكم من طاعة له وشكر، بمجازاتكم على ذلك بما تقصر عنه أمانیکم فلم تبلغه آمالکم(٢). (١) جامع البيان، الطبري ١٤٨/٢٢. (٢) انظر: المصدر السابق ٧ /٦٢٤. قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ تَوَابَ اْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ، مِنْهَاً وَسَنَجْرِى الشَّكِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٥]. أي: ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها ما وعده مع ما يجرى عليه من رزقه في دنياه(٣). ولما دخل أهل الجنة إلى منازلهم ورأوا نعيمها وما أعده الله لهم فيها، قالوا: ﴿وَقَالُواْ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنِّ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورُ﴾ [فاطر: ٣٤]. قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورُ﴾ ((ثناء على الله، شكروا به نعمة السلامة، أثنوا علیه بالمغفرة؛ لما تجاوز عما اقترفوه من اللمم وحديث الأنفس، ونحو ذلك مما تجاوز الله عنه بالنسبة للمقتصدين والسابقين؛ ولما تجاوز عنه من تطويل العذاب وقبول الشفاعة بالنسبة لمختلف أحوال الظالمين أنفسهم، وأثنوا على الله بأنه شكور؛ لما رأوا من إفاضته الخيرات علیهم ومضاعفة الحسنات مما هو أكثر من صالحات أعمالهم» (٤). موضوعات ذات صلة: الجزاء، الحمد، المدح (٣) المصدر السابق ٦/ ١٠٨. (٤) التحرير والتنوير ٣١٦/٢٢. ٤٢٢ فَضْو جوبيبو القرآن الكريمِ