Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
شَرِبٌ
W،
عناصر الموضوع
مفهوم الشرب
١٦٨
الشرب في الاستعمال القرآني
١٦٩
الألفاظ ذات الصلة
١٧٠
١٧٢
اقتران الشرب بالأكل
١٧٤
الشرب نعمة إلهية
١٨٢
أنواع الأشربة
١٩١
الشرب والابتلاء
١٩٥
أحكام تتعلق بالشرب
٢٠٠
مشروبات أهل الجنة وصفة شربها
٢٠٨
مشروبات أهل النار وصفة شربها
٢١٤
لمسات إعجازية في الشرب
المُجَلَ التَّاشِعْ عَشَرِ

حرف الشین
مفهوم الشرب
أولًا: المعنى اللغوي:
قال ابن فارس: (( الشين والراء والباء أصل واحد منقاس مطرد، وهو الشرب المعروف،
ثم يحمل عليه ما يقاربه مجازًا وتشبيهًا. تقول: شربت الماء أشربه شربًا، وهو المصدر.
والشرب الاسم. والشرب: القوم الذين يشربون. والشرب: الحظ من الماء.
والمَشْرَب: الوجه الذي يشرب منه، ويكون موضعًا ويكون مصدرًا.
والإشراب: لون قد أشرب من لون، يقال: فيه شربة حمرةٍ. ويقال: أشرب فلان حب
فلانٍ، إذا خالط قلبه، قال الله جل ثناؤه: ﴿وَأُشْرِبُواْ فِ قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾
[البقرة: ٩٣]. قال المفسرون: حب العجل))(١).
یتبین مما سبق أن الشرب في اللغة يدور حول معنى واحد، وهو تناول كل مائع، ماء كان
أو غيره.
قال تعالى في صفة أهل الجنة: ﴿وَسَقَهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١].
وقال في صفة أهل النار: ﴿وَلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ﴾ [يونس: ٤].
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
المعنى الاصطلاحي للشرب هو المعنى اللغوي، فالشرب: المائع الذي تشتفه الشفتان،
وتبلغه إلى الحلق، فيبلغ دون مضغ (٢).
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٦٧/٣-٢٦٨.
وانظر: مختار الصحاح، الرازي ص١٦٣.
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١١٤/١٤.
١٦٨
جَوْنُوبَةُ النفسية
القرآن الكريمِ

الشرب
الشرب في الاستعمال القرآني
وردت مادة (شرب) في القرآن الكريم (٣٩) مرة (١).
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
٣
[البقرة: ٢٤٩]
﴿يَأَكُلُ مِمَا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ
[المؤمنون: ٣٣]
الفعل الأمر
٧
فَكُلِى وَأَشْرِ وَقَرِى عَيْنًا﴾ [مريم: ٢٦]
المصدر
١٥
﴿فَشَرِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٥]
﴿ُتْقِيَكُ تِمَّا فِ بُطُونِهِ، مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ أَبَنَا خَالِصًا سَآَيِفًا
اسم الفاعل
٥
® [النحل: ٦٦]
٦٦
لِلشَّرِبِينَ
اسم المكان
٣
﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسِ مَشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة: ٦٠]
وجاء الشرب في القرآن على أربعة وجوه (٢):
الأول: الشرب المعروف ، ومنه قوله تعالى:
[البقرة: ٢٤٩].
ربَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّى
فَمَن شَررَ
الثاني: الحظ والنصيب من الماء، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَ هَذِهِ، نَاقَةٌ لَّا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ
يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥]، يعني: حظهم ونصيبهم من الماء.
والثالث: موضع الشرب، ومنه قوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسِ مَشْرَبَهُمْ﴾﴾ [البقرة: ٦٠].
والرابع: المخالطة وحب الشيء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُواْ فِىِ قُلُوبِهِمُ الْمِجْلُّ؟
[البقرة: ٩٣]. يعني: تمكن حب العجل من قلوبهم وخالطها.
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص ٢٣٨-٢٤١، المعجم
المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب الخاء ص٤٧٩-٤٨٢.
(٢) انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي، ٣٠٥/٣، عمدة الحفاظ، السمين الحلبي، ٢٥٧/٢، الوجوه
والنظائر، الدامغاني، ص٢٩٣.
www. modoee.com
١٦٩
﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّى
الفعل المضارع
٦

حرف الشین
الألفاظ ذات الصلة
الجرع:
١
الجرع لغة:
هو البلع، أي: تناول الشيء وشربه ماء كان أو غيره.
الجرع اصطلاحًا:
يدل على قلة الشيء المشروب.
والتجرع: تكلف الجرع، وتناول المشروب جرعة جرعة على الاستمرار.
قال تعالى: ﴿يَتَجَرَّعُهُ، وَلَا يَكَادُ يُسِيفُهُ﴾ [إبراهيم: ١٧].
الصلة بين الجرع والشرب:
اللفظان يحملان المعنى نفسه من تناول الشيء وشربه، إلا أن الجرع يزيد عن الشرب في
قلة الشيء المشروب، وأنه قد يحمل معنى التكلف، وقد يدل على تناول المشروب جرعة
جرعة على الاستمرار(١).
النهل:
٢
النهل لغة:
أول الشرب (٢).
النهل اصطلاحًا:
لا يخرج عن معناه اللغوي.
الصلة بين النهل والشرب:
الشرب والنهل يتفقان إذا كانا لمرة واحدة، ويلاحظ أن الشرب أعم من النهل، فالشرب
قد يكون مرة ومرتين، وقد يحصل منه الري، أما النهل فلا يكون إلا لأول الشرب، ولا
یحصل منه الري غالبًا.
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٤٤/١، مفاتيح الغيب، الرازي ١٩/ ٨٠ ، التحرير والتنوير، ابن
عاشور ٢١١/١٣.
(٢) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٦٤/٥، لسان العرب، ابن منظور ١١/ ٦٨٠، الكليات، الكفوي
ص٨٧٣.
١٧٠
جوسين
القرآن الكريم

الشرب
الأكل:
٢
الأكل لغةً:
من أكل الطعام يأكله أكلًا، فهو آكلٌ، والإِكلة بالكسر: الحال التي يأكل عليها؛ متكئًا أو
قاعدًا، يقال: إنه لحسن الإكلة، والأكلة بالفتح: المرة الواحدة المشبعة، والأكلة بالضم: اسم
للقمة (١).
الأكل اصطلاحًا:
ليس هناك تعريفٌ اصطلاحيّ للأكل يختلف عن تعريفه اللغوي، فالأكل معروف ولا
يحتاج إلى تعريف، ويطلق لفظ الأكل ويراد به فعل الأكل، أي : تناول الطعام، وقد يطلق
ويراد به الطعام نفسه.
الصلة بين الأكل والشرب:
كلاهما من الأطعمة، لكن غلب استعمال الشراب على السوائل، والأكل على ما يمضغ
من الطعام.
الطعام:
٤
الطعام لغة:
الطعام اسمٌ جامعٌ لكل ما يؤكل، ويقال: طعم يطعم طعمًا؛ فهو طاعمٌ، إذا أكل، أو ذاق،
وإذا استعمل هذا الفعل بمعنى الذواق جاز فيما يؤكل وفيما يشرب. وروي عن ابن عباس
أنه قال في زمزم: (إنها طعام طعم، وشفاء سقم)(٢) أي: يشبع الإنسان إذا شرب ماءها، كما
يشبع من الطعام، ويطعم: بمعنى يشبع، ويطلق الطعام عند الحجازيين على البر خاصة (٣).
الطعام اصطلاحًا:
لا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي.
الصلة بين الطعام والشرب:
الطعام أعم من الشرب، فإذا استعمل بمعنى الذواق جاز فيما يؤكل وفيما يشرب.
(١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٠٠/١.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي ذر رضي الله عنه، رقم ٢٤٧٣،
بدون لفظ (وشفاء سقم)، وأخرجه البيهقي في السنن الصغير رقم ١٧٢٤٤/ ٣٥٢، باب دخول الكعبة
والصلاة فيها، مرفوعًا من رواية أبي ذر الغفاري.
(٣) انظر: العين، الفراهيدي ٢٥/٢، لسان العرب، ابن منظور ٣٦٣/١٢.
www. modoee.com
١٧١

حرف الشین
اقتران الشرب بالأكل
الأكل والشراب نعمتان عظيمتان من نعم
الله تعالى على خلقه منةً وتفضلًا، فهو الذي
خلقهم، وتكفل برزقهم، وامتن علیھم بکثیر
من النعم، التي منها نعمة الأكل والشرب،
ومما نلاحظه في القرآن الكريم اقتران
الشرب بالأكل في كثير من المواضع؛ كقول
الله: ﴿كُلُواْ وَأَشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللّهِ﴾ [البقرة:
٦٠].
وقوله: ﴿وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ وَلَا تُتْرِفُواْ﴾
[الأعراف: ٣١].
حتى في نعيم الجنة، قال الله: ﴿كُلُواْ
وَأَشْرَبُواْ هَنِيَنَا بِمَاكُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٩].
وتتجلى الحكمة - والله أعلم - من اقتران
الشرب بالأكل في القرآن، من ناحیتین:
في بیان نعمة الله على عباده؛ حيث إن
الآكل يحتاج إلى الماء لابتلاع الطعام
وازدراده، ولأن الشراب إنما يكون تبعًا
للمطعوم في حاجة الجسم إليه (١).
النعمة لا تتم إلا عند الأكل والشرب،
ألا ترى أن في البراري التي لا يوجد
فيها الماء لا یأکل الإنسان شيئًا مخافة
العطش(٢).
كما نلاحظ أنه في القرآن كله حيثما
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٢٢٠/١٧.
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٩/ ٤٢٢.
اجتمع الأكل والشرب قدم تعالى الأكل
على الشرب حتى في نعيم الجنة.
وأما عن الحكمة في تقديم الأكل على
الشرب، فیمکن بيانها كالآتي:
العادة قاضية بأن الأكل قبل الشرب،
ولذا قدم الأكل على الشرب حيث
وقع(٣).
البداءة بالأكل لأن قوام الجسد به،
والاحتياج إلى الشرب حاصل عنه(٤).
وقد ورد تقديم الأكل على الشرب
في حديث القرآن عن قصة مريم، في قوله
تعالى: ﴿فَكُلِى وَأَشْرِ وَقَرِّى عَيْنًا﴾ [مريم:
٢٦].
وقد ذكر الإمام الرازي الحكمة من تقديم
الأكل على الشرب في هذه الآية فقال: ((قدم
الأكل على الشرب لأن احتياج النفساء إلى
أكل الرطب أشد من احتياجها إلى شرب
الماء؛ لكثرة ما سال منها من الدماء)) (٥)
الشرب بين الحقيقة والمجاز:
من الآيات التي ورد فيها مادة الشرب
قول الله تعالى: ﴿وَأَشْرِبُواْ فِ قُلُوبِهِمُ
اُلْمِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٩٣].
وقد اختلف المفسرون في قوله:
(٣) انظر: روح المعاني، الألوسي ١/ ٢٧٢.
(٤) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٢٥٦/٧، روح
المعاني، الألوسي ٨/ ٤٠٤.
(٥) مفاتيح الغيب، الرازي ٥٢٨/٢١.
١٧٢
القرآن الكريمِ

الشرب
﴿وَأُشْرِبُواْ ﴾ هل المراد به المعنى الحقيقي
للشرب، أم أن العرب تستعمل هذه اللفظة
بمعنى آخر؟ علی قولین:
الأول: أن الشرب في الآية على معناه
الحقيقي، والمراد: أنهم شربوا الماء الذي
ذري فيه سحالة(١) العجل.
وهذا القول روي عن السدي حيث قال:
لما رجع موسى إلى قومه، أخذ العجل الذي
وجدهم عاكفين عليه، فذبحه، ثم حرقه (٢)
بالمبرد، ثم ذراه في الیم، فلم يبق بحر یومئذ
يجري إلا وقع فيه شيء منه. ثم قال لهم
موسی: اشربوا منه، فشربوا منه، فمن كان
یحبه خرج على شاربه الذهب. فذلك حین
يقول الله عز وجل: ﴿وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ
اٌلْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾(٣).
الثاني: أن الشرب في الآية لیس بمعناه
الحقيقي، وإنما هذا أسلوب عند العرب،
فمن عادتهم أنهم إذا أرادوا العبارة عن
مخامرة حب أو بغض في القلب أن يستعیروا
لها اسم الشراب (٤).
والمقصود من الآية بيان أن حب العجل
تداخل في قلوبهم، ورسخ فيها صورته؛
(١) السحالة: ما سقط من الذهب والفضة
ونحوهما إذا سحلا، أي: بردا بالمبرد.
انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣/ ١٤٠.
(٢) حرقه: برده بالمبرد.
انظر: مختار الصحاح، الرازي ص ٧٠.
(٣) جامع البيان، الطبري ٣٥٨/٢.
(٤) انظر: تفسير الراغب الأصفهاني ١/ ٢٦٢.
لفرط شغفهم به وحرصهم على عبادته،
كما يتداخل الصبغ الثوب، والشراب أعماق
البدن(٥).
فالشرب في الآية على معناه المجازي،
والأسلوب استعارة مكنية، شبه حب عبادة
العجل بمشروب لذيذ سائغ الشراب،
وحذف المشبه به، ورمز إليه بشيء من
لوازمه، وهو الإشراب (٦).
وهذه الاستعارة من فرائد الاستعارات
يتمثل بها عند ذكر بلاغة القرآن (٧).
والمعنى الراجح هو ما ذكره أصحاب
القول الثاني، والقول الأول مردود عليه بما
یآتي:
# أن قوله: ﴿فِي قُلُوبِهِمُ ﴾ يبعد هذا
القول جدًا؛ لأن الشراب الحقيقي لا
يكون في القلب.
ما قصه الله تعالی لنا في کتابه عما فعل
موسى عليه السلام بالعجل يبعد ظاهر
هذه الرواية (٨).
(٥) انظر: فتح البيان، القنوجي ٢٢٥/١.
(٦) انظر: المنار، محمد رشيد رضا ٣٢٠/١.
(٧) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٢٢٦/١.
(٨) انظر: روح المعاني، الألوسي ٣٢٦/١،
المنار، محمد رشيد رضا ١/ ٣٢٠.
www. modoee.com
١٧٣

حرف الشين
الشرب نعمة إلهية
نعم الله على عباده لا تعد ولا تحصى،
فقد امتن الله على عباده بكثير من النعم،
ومن هذه النعم نعمة الشرب، قال تعالى
على لسان خليله إبراهيم عليه السلام، وهو
يخاطب قومه: ﴿وَلَّذِى هُوَ يُطْعِمُنِ وَيَسْفِينٍ﴾
[الشعراء: ٧٩].
فالذي يطعم ويسقي هو رب العالمين،
لا غيره.
والحق أن نعمة الشرب تحفها نعم كثيرة،
منها ما يتعلق بالشرب في حد ذاته، ومنها ما
يتعلق بأصناف الشاربين، ومنها ما يتعلق
بالأشربة وهذا بيانها:
أولًا: ما يتعلق بالشرب:
الشرب في ذاته نعمة إلهية، وهذه النعمة
الإلهية تكتنفها نعمٌ أخرى عند التأمل،
فإيجاد قدرة الشرب في الإنسان نعمة،
وخلق الشراب وإيجادها نعمة، وتنوعها
نعمة، والحصول عليها نعمة، واستساغتها
نعمة والارتواء منها نعمة، والتلذذ بها نعمة؛
ولم يقف الأمر عند هذه النعم، بل خلق الله
تعالى في جسم الإنسان أجهزة تعمل بإذن
ربها، لا بإرادة من الإنسان، لتحول ما يشربه
إلى عناصر يمتصها الدم؛ لينقل كل عنصر
إلى الجزء الذي يحتاجه الجسم ولا يخطئ؛
ليتم بذلك تجدد قوة الجسم ونشاطه.
((وحتى تتضح أهمية نعمة الشرب، لابد
أن نعلم أن نقص الماء في جسم الانسان
يؤدي إلى الجفاف، ويساعد في تزايد
نسبه الأملاح في الجسم، وتؤدي كذلك
إلى الإصابة بالتعب والإرهاق الجسدي،
والإصابة بالصداع، والماء ومركباته
الكهربية وجزيئاته لها أهمية ضخمة في
كل التفاعلات الحيوية التي تحدث داخل
الخلية، وتلك الخواص هي التي تحدد
كل الخواص البيولوجية للمواد العضوية
الكيماوية الأخرى : مثل البروتينات
والأحماض النووية وأغشية الخلايا
والريبوسومات وغيرها من التراكيب.
وعلى ذلك فتغير نسب الماء قد يدمر
كل التفاعلات الكيماوية، ومن ثم الوظائف
الحيوية للخلية)» (١).
ومن الآيات التي ورد فيها نعمة الشرب
قول الله: ﴿كُلُواْ وَأَشْرَبُوا مِن رِّزْقِ اللهِ﴾
[البقرة: ٦٠].
وقوله:
﴿وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ وَلَا تُشْرِفُواْ﴾
[الأعراف: ٣١].
وقوله: ﴿ هُوَ اَلَّذِىّ أَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ
مَةٌ لَكُ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ
تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠].
(١) التحديد القرآني لدور المياه في الحياة
للدكتور/ إسلام محمد الشبراوي، مقال
منشور على موقع الهيئة العالمية للإعجاز
العلمي.
١٧٤
جودـ
القرآن الكريم

الشرب
٦٨
وقوله: ﴿أَفَرََّ يْتُمُ الْمَآءَ الَّذِى تَشْرَبُونَ
ءَأَنْتُمْ أَنْزَ لْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِأَمْ تَّحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ [الواقعة:
٦٨-٦٩].
وقوله: ﴿ وَأَرْسَلْنَا الْرِّيَحَ لَوَقِحَ فَأَنْزَلْنَا
مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَأَسْقَيْنَكُمُوهُ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ,
بِخَزِنِينَ﴾ [الحجر: ٢٢].
وقوله: ﴿لِّنُحْتِىَ بِهِ، بَلْدَةً مَّيْنَا وَنُسْقِيَهُرُمِمَّا
خَلَقْنَا أَنْعَمًا وَأَنَاسِىَّ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ٤٩].
وغير ذلك من الآيات.
والملاحظ على الآيات التي ورد فيها
نعمة الشرب ما يأتي:
١. أنها وردت في سياق الامتنان على
الخلق بنعمة الشرب، وغيرها من النعم.
بل ورد في بعض الآيات التصريح بأن
الشرب وغيره من نعم الله، وأن الخلق لا
يستطيعون إحصاء نعم الله عليهم، ففي
سورة النحل ذكر الله تعالى أصنافًا من
النعم، حيث ذكر أصولها ومكملاتها، ففي
أول السورة نعمة الوحي وإرسال الرسل
داعية إلى التوحيد، ثم ذكر الله تعالى نعمته
بخلق السموات والأرض، وخلقه الإنسان
من نطفة، ونعمته بخلق الأنعام، ونعمة
إنزال الماء وشربه، ونعمة إرساء الجبال،
وشق الأنهار، وتمديد الطرق، وتزيين
السماء بالنجوم، واهتداء الخلق بها، في
نظم عجيب، وآيات باهرة، ختمها الله تعالی
بقوله: ﴿وَإِن تَعْدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُخْصُوهَاْ إِنَّ
اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨].
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذِاُسْتَسْقَى
مُوسَى لِقَوْمِهِ، فَقُلْنَا أَضْرِب بِعَصَاكَ الْحَجِّ
فَأَنْفَجَرَتْ مِنْهُ أَثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِ كُلُّ
أُنَاسِ مَشْرَبَهُمُّ كُلُواْ وَأَشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللّهِ﴾
[البقرة: ٦٠].
فقد نص على المشرب في قوله: ﴿قَدْ
عَلِمَ كُلُّ أُنَاسِ مَشْرَبَهُمٌ﴾ تنبيهًا على
المنفعة العظيمة التي هي سبب الحياة (١).
وقوله: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَآءِ
مَءُ لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ
تُسِيمُونَ﴾ [النحل : .
فبعد أن ذکر نعمته علیهم بتسخير الدواب
والأنعام - شرع يذكر نعمته عليهم في إنزال
المطر ونعمة الشرب فقال: ﴿هُوَ أَلَّذِىّ
أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاَءَ لَّكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ
شَجَرٌ فِيهِ شِيمُونَ﴾ أي : إن الذي خلق
لكم الأنعام والخيل وسائر البهائم لمنافعكم
ومصالحكم هو الذي أنزل المطر من السماء
عذبا زلالًا تشربون منه (٢).
هذا الماء یذکر هنا نعمة من نعم الله فیه،
وهو ﴿لَكُ مِنْهُ شَرَابٌ﴾ فهي خصوصية
الشراب التي تبرز في هذا المجال(٣).
ءَأَنْتُمْ أَنْزَ لْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِأَمَ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ [الواقعة:
٦٨
﴿أَفَرََّ يْتُمُ أَلْمَآءَ الَّذِى تَشْرَبُونَ
وقوله:
(١) انظر: روح المعاني، الألوسي ١/ ٢٧٢.
(٢) انظر: تفسير المراغي ٥٩/١٤.
(٣) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢١٦٢/٤.
www. modoee.com
١٧٥

حرفالشین
٦٨-٦٩].
لما ذكر تعالى نعمته على عباده بالطعام،
ذكر نعمته عليهم بالشراب العذب الذي منه
يشربون، وأنهم لولا أن الله يسره وسهله،
لما كان لكم سبيل إليه (١).
وتخصيص هذا الوصف ﴿الَّذِى تَشْرَبُونَ﴾
بالذكر، مع كثرة منافع الماء؛ لأن الشرب
أهم المقاصد التي من أجلها أنزل سبحانه
الماء من السحاب، ولأن شرب الماء من
أعظم النعم على الإنسان (٢).
فهذه الآيات السابقة تتجلى هداياتها في
بيان عظيم نعمة الشرب التى امتن الله بها
على عباده، وإنزال الماء الذي فيه وبه قوام
حیاتهم.
٢. أغلب الآيات التي ورد فيها نعمة
الشرب آيات مكية.
قصد القرآن من ورائها بجانب الامتنان
على العباد، الاستدلال بنعمة الشرب
وغیرها على وحدانية الله، أو إثبات البعث،
أو الاثنين معًا.
ومن ذلك قوله: ﴿أَفَرَّهَ يْتُمُ الْمَآءُ الَّذِى تَشْرَبُونَ
ءَنْتُمْ أَنْزَ لْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾
٦٨
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٨٣٥.
(٢) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود
١٩٨/٨، التحرير والتنوير، ابن عاشور
٣٢٣/٢٧، التفسير الوسيط، طنطاوي
٠١٧٨/١٤
[الواقعة: ٦٨-٦٩].
أي: أخبروني أيها الناس عن الماء العذب
الذي تشربونه لإطفاء العطش، أأنتم أنزلتموه
من السحاب، أم نحن المنزلون بقدرتنا دون
غیرنا، فکیف لا تقرون بالتوحيد، وتصدقون
بالبعث؟(٣).
وفي قوله: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ مِنَ
السَّمَاءِ مَآءَ لَّكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ
تُِيمُونَ﴾
ففي الآية نلحظ أن صيغة تعريف المسند
إليه والمسند أفادت الحصر، أي: هو لا غيره.
وهذا قصر على خلاف مقتضى الظاهر؛ لأن
المخاطبین لا ینکرون ذلك، ولا یدعون له
شریگًا في ذلك، ولكنهم لما عبدوا أصنامًا
لم تنعم علیهم بذلك، كان حالهم كحال من
يدعي أن الأصنام أنعمت عليهم بهذه النعم،
فنزلوا منزلة من يدعي الشركة لله في الخلق،
فكان القصر قصر إفراد تخريجًا للكلام على
خلاف مقتضى الظاهر (٤).
وذكر مظاهر قدرة الله وعلمه وحكمته
ورحمته في نعمة الشرب، وأن هذه النعمة
وما يكتنفها من نعم أعظم دليل على
وحدانية الله، وقدرته على بعث المخلوقات
للحساب والجزاء.
٣. ورد في بعض الآيات الأمر بالأكل
(٣) التفسير المنير، الزحيلي ٢٦٩/٢٧.
(٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١١٣/١٤.
١٧٦
جوية
القرآن الكريم

الشرب
والشرب.
وذلك نحو قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا
تُشْرِفُواْ﴾ [الأعراف: ٣١].
وسواء کان الأمر للوجوب أو للإباحة،
ففي ذلك بیان نعمة الله على عباده؛ حيث
أمرهم بما فیه منفعتهم، وأرشدهم إلى ما فيه
وبه قوام حیاتهم.
قال الشيخ الشعراوي عند تفسير هذه
الآية: ((والمأكل والمشرب من الأمور
المباحة؛ لأن فيها مقومات الحياة)»(١).
٤. النعمة الإلهية في الشرب لم تقتصر
على البشر فقط، بل شملت أنعامهم،
وزروعهم.
وهذا من رحمة الله بعباده، فالله أنزل
الماء من السماء؛ ليسقى البشر، والزرع
والغراس، والأعشاب التي يكون منها طعام
(١) انظر: تفسير الشعراوي ٤١١٣/٧.
والمقصود بكون الأكل والشرب من الأمور
المباحة، بيان نعمة الله على عباده في الأكل
والشرب، لا أن المقصود بالإباحة ترك
الإنسان للأكل والشرب، فإن الأصوليين
نصوا على أن المباح إذا أطلق فإنما هو بالنسبة
إلى الجزء وليس إلى الكل، كالأكل والشرب
فهما مباحان، فللمكلف أن يختار ما یأکل وما
يشرب من المباحات، كما له أن يترك الأكل
والشرب في بعض الأوقات، ولكن أصل
الأكل والشرب مطلوب من حيث الجملة،
لأن فيهما حياة الإنسان، وحفظ الحياة
مطلوب من المكلف.
انظر: الوجيز في أصول الفقه، عبد الكريم
زیدان ص٤٨.
الإنسان والحيوان، و کل ما یدب علی ظهر
الأرض.
فمن ذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ أَلَّذِىَّ أَنَزَلَ
مِنَ السَّمَاءِ مَاءَ لَّكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ
فِيهِ ◌ُيمُونَ﴾
ففي هذه الآية يخبرنا الله أن الذي خلق
لكم الأنعام والخيل وسائر البهائم لمنافعكم
ومصالحكم هو الذي أنزل المطر من السماء
عذبا زلالًا تشربون منه، وتسقون أشجاركم
ونباتکم التي تسیمون فيها أنعامکم، وفيها
ترعى(٢).
فالآية استئناف لذکر دلیل آخر من مظاهر
بدیع خلق الله تعالی أدمج فيه امتنان بما يأتي
به ذلك الماء العجيب من المنافع للناس من
نعمة الشراب، ونعمة الطعام للحيوان الذي
به قوام حياة الناس وللناس أنفسهم(٣).
وقوله: ﴿لَكُ مِنْهُ شَرَابٌ﴾ أي : أن
الماء لكم منه شراب، تشربونه وتدفعون به
العطش، وعبر سبحانه بقوله تعالى:
مِنْهُ شَرَابٌ﴾ ليشمل شربه ريًا وسقيًا (٤).
وهذا الماء الذي أنعم الله علينا بشربه،
ذکر العلماء عجائب خواصه وتكوينه، فهو
سائل شفاف، وهو في نقاته لا لون له، ولا
رائحة، ولا طعم، ويتركب جزيء الماء من
ذرتين من ذرات غاز الهيدروجين، وذرة
(٢) انظر: تفسير المراغي ٥٩/١٤.
(٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٤/ ١١٣.
(٤) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٤١٣٩/٨.
www. modoee.com
١٧٧

حرفالشین
واحدة من ذرات غاز الأوكسجين، وترتبط
هذه الذرات الثلاث مع بعضها البعض
برابطتين تساهميتين تشكلان فيما بينهما
زاوية قدرها (١٠٥ من الدرجات).
وقد جعل ذلك لجزيء الماء قطبين
کھربیین یحمل أحدهما شحنتين موجبتين،
ويحمل الآخر شحنة سالبة مكافئة، وهذه
الخاصية وفرت للماء -بأمر الله- من
الصفات الطبيعية والكيميائية ما جعل منه
أقوى مذيب معروف، وبالتالي جعله من
أهم ضرورات الحياة، فأجساد الكائنات
الحية يغلب على تركيبها الماء الذي تتراوح
نسبته في جسم الإنسان بين (٧١٪) في
الإنسان البالغ و (٩٣٪) في الجنين ذي
الأشهر المعدودة. والماء العادي يحتوي
على مواد كثيرة مختلفة، لکن الهيدروجین
والأكسجين يشكلان الجزء الأكبر من
ترکیبه.
ويتميز الماء بخواص فيزيائية وكيميائية
تجعله أهم مادة في الطبيعة على الإطلاق،
بالنسبة إلى جميع الكائنات الحية، ومن
عجائب تكوين الماء في تركيبه أنه مؤلف
من هيدروجين وأوكسجين، فالهيدروجين
مادة مشتعلة، والأو كسجين مادة تساعد على
الاحتراق، فالهيدروجين نار، والأوكسجين
نار، ولما التقيا صارت الحياة، وصار الماء،
﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ: إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَّهُ, كُنْ
فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢](١).
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِىّ
أَرْسَلَ الْرِيَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِّ وَأَنْزَلْنَا
مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ طَهُورًا (٨) لِّنُحْعِىَ يِهِ، بَلْدَةً مَّيْتًا
وَنُقِيَّهُ مِمَّا خَلَقْنَاً أَنْعَمَا وَأَنَاسِىَّ كَثِيرًا﴾
[الفرقان: ٤٨-٤٩].
فالآيات بيان لبعض بدائع آثار قدرته
تعالی وحکمته، وروائع أحکام رحمته،
ونعمه الفائضة على الخلق، وتلوين
الخطاب لتوفية مقام الامتنان (٢).
والآيات تخبرنا أن الله هو الذي رحم
عباده وأدر عليهم رزقه، بأن أرسل الرياح
مبشرات بين يدي رحمته وهو المطر، ومن
بركته أنه أنزله ليحيي به بلدة ميتًا، فتختلف
أصناف النوابت والأشجار فيها مما يأكل
الناس والأنعام ﴿وَنُشْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَمًا
وَأَنَاسِىَّ كَثِيرًا﴾ أي: نسقيكموه أنتم
وأنعامكم(٣).
وهنا یثور سؤال، وهو لم خص الإنسان
والأنعام هاهنا بالذكر، دون الطير والوحش
مع انتفاع الكل بالماء؟
الجواب: لأن الطير والوحش تبعد في
(١) انظر: المدخل إلى العلوم البيئية، سامح يحيى
فرحان الغريبة ص٢٤٨.
(٢) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود
٢٢٣/٦.
(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٥٨٤.
١٧٨
مَوَسُولَةُ النَفسِير
القرآن الكريم

الشرب
طلب الماء فلا يعوزها الشرب، بخلاف
الأنعام لأنها قنية (١) الأناسي وعامة منافعهم
متعلقة بها، فكأن الإنعام عليهم بسقي
أنعامهم كالإنعام عليهم بسقيهم (٢).
وأخر ذكر الإنسان عن النبات والحيوان
لحاجته إليهما في حياته، ولأنهم إذا ظفروا
بماء يسقی أرضهم ومواشيهم، لم يعدموا ما
(٣)
يكون منه سقياهم
.
وفي تقديم الأنعام على الناس إشارة
إلی أن رحمة الله تسری في الكائنات کلها،
وأنها ليست للناس وحدهم، وليس هذا
فحسب، فإنه مع تقديم الأنعام على الناس،
كان التعبير بـ((ما)) التي هي لغير العقلاء، بدلا
من (من)) الذي للعقلاء، فقال تعالى: ﴿مِمَّا
خَلَقْنَآَ﴾ بدلا ((ممن خلقنا)) وذلك لتوكيد
المعنى المقصود هنا، وهو أن الأنعام لها
عند الله وزنها وتقديرها، وأنها إذ كانت أقل
حيلة من الإنسان، فقد كفل الله لها حاجتها،
وقدم مطلوبها على مطلوب الإنسان(٤).
فالآيات السابقة تبرز هداياتها في بيان
بعض بدائع آثار قدرته تعالی وحكمته،
وروائع أحكام رحمته، وسابغ إحسانه،
(١) قنية: ملكهم، وملازمة لهم.
انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٩/٥.
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٤ / ٤٦٦.
(٣) تفسير المراغي ٢٤/١٩.
(٤) انظر: التفسير القرآني للقرآن، لخطيب
١٠/ ٣٦.
ونعمه الفائضة على الخلق، والمنافع
الناجمة لهم ولأنعامهم وزروعهم من إنزال
الماء الذي فيه سر الحياة، وأنه لولا هذا
الماء الذي ينزل من السماء، ما كان للحياة
أثر على هذه الأرض.
ثانيًا: أصناف الشاربين:
ذكر القرآن أثناء حديثه عن الشرب
أصنافًا وأشخاصًا امتن الله عليهم بنعمة
الشرب، وذكر القرآن لهؤلاء الأشخاص
تکریم لهم، وبيان لعناية الله بهم.
وما يأتي بيان لأمثلة من هذه الأصناف
والأشخاص؛ طلبًا للاختصار:
١. البشرية جمیعًا.
فقد امتن الله في كتابه على البشرية
جميعًا بنعمة الشرب، وكل الآيات التي
تناولت الشرب في الدنيا في مقام الامتنان،
هي نعمة على البشرية جميعًا، ومن هذه
الآيات قوله: ﴿أَفَرَءَيْتُمُ اَلْمَآءَ الَّذِى تَشْرَبُونَ﴾
[الواقعة: ٦٨] لتحيوا به أنفسكم، وتسكنوا به
عطشكم (٥).
٢. بنو إسرائيل.
قال تعالى: ﴿وَإِذٍ اُسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ،
فَقُلْنَا أَضْرِبِ بِعَصَاكَ الْحَجِّ فَأَنْفَجَرَتْ مِنْهُ
أَثْنَا عَشْرَةَ عَيْنَا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسِ مَشْرَبَهُمٌ
كُلُواْوَاشْرَبُواْ مِنْ رِّزْقِ اَللّهِ﴾ [البقرة: ٦٠].
(٥) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٢٠/١٧.
www. modoee.com
١٧٩

حرف الشین
فقد ذكر الله اليهود في زمن النبي صلى مثل ما يقع بين المختلفين. وهذا أيضًا من
الله عليه وسلم بنعمة من أجل نعمه على تمام النعمة عليهم (٢).
آبائهم، وهي إغائتهم في التیه بالماء بعد أن
اشتد بهم العطش، وهذه النعمة كانت نافعة
لهم في دنياهم؛ لأنها أزالت عنهم الحاجة
الشديدة إلى الماء ولولاه لهلكوا، وكانت
نافعة لهم في دينهم؛ لأنها من أظهر الأدلة
على وجود الله. وعلى قدرته وعلمه، ومن
أقوى البراهين على صدق موسى عليه
السلام في نبوته.
ومعنى الآية الكريمة: واذكروا يا بني
إسرائيل وقت أن أصاب آباءكم العطش
الشديد وهم في صحراء مجدبة، فتوسل إلينا
نبيهم موسى عليه السلام في خشوع وتضرع
أن أمدهم بالماء الذي يكفيهم، فأجبناه إلى
ما طلب، إذ أوحينا إليه أن اضرب بعصاك
الحجر، ففعل، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا
بمقدار عدد الأسباط، وصار لكل سبط منهم
مشرب يعرفه ولا يتعداه إلى غيره، وقلنا
لهم: تمتعوا بما من الله به عليكم من مأكول
طيب ومشروب هنيء رزقكم الله إياه من
غير تعب ولا مشقة(١).
وقوله: ﴿قَدْ عَلِ كُلُّ أُنَاسِ مَشْرَبَهُمّ﴾
كأنه أمر كل سبط أن لا يشرب إلا من جدول
معين حسمًا لمادة التشاجر، فإن العادة في
الرهط الواحد أن لا يقع بينهم من التنازع
(١) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ١/ ١٤٣.
وأما إضافة المشرب إليهم فلأنه تعالى
لما أباح لكل سبط من الأسباط ذلك الماء،
الذي ظهر من ذلك الشق الذي یأتیه، صار
ذلك كالملك لهم. وجازت إضافته إليهم (٣).
٣. مريم عليها السلام.
قال تعالى: ﴿فَنَادَتَهَا مِن تَحْنِهَا أَلَّا تَحْزَنِ
قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (١) وَهُزِّىَّ إِلَيْكِ يحِذْع
النَّخْلَةِ تُسَقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٥ فَكُلِى
وَأَشْرِ وَقَرِى عَيْنًا﴾ [مريم: ٢٤-٢٦].
فقد ذكر سبحانه جانبًا من إكرامه لمريم
عليها السلام في تلك الساعات العصيبة من
حیاتها بعد ولادتها عيسى عليه السلام، مبينًا
أن الله لم ینسك ولم یترکك، بل أجرى لك
تحت قدميك جدولًا ساريًا - الأرجح أنه
جرى للحظته من ينبوع، أو تدفق من مسيل
ماء في الجبل- وهذه النخلة التي تستندين
إليها هزيها فتساقط عليك رطبًا ، فهذا طعام
وذاك شراب (٤).
وفي تخصيص الرطب: لأن ((الطعام
الحلو مناسب للنفساء)»(٥)، والرطب والتمر
من أجود طعام النفساء.
وقدم الأكل على الشرب لأن احتياج
(٢) غرائب القرآن، النيسابوري ٢٩٨/١.
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ٣/ ٥٣٠.
(٤) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٣٠٧/٤.
(٥) انظر: المصدر السابق.
١٨٠
جَوَسُولَةُ النَّقِين
القرآن الكريم

الشرب
النفساء إلى أكل الرطب أشد من احتياجها كل داء(٣).
إلى شرب الماء؛ لكثرة ما سال منها من
الدماء(١).
وفرع على التسلية الأمر بالأكل والشرب؛
لأن الحزين قد لا يتفرغ لمثل ذلك، وأكد
ذلك بالأمر الأخير (٢).
٤. أيوب عليه السلام.
قال تعالى: ﴿وَأَذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُُّبَ إِذْ نَادَى
رَبَّهُّ أَنّ مَسَّفِىَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ أَرَّكُضْ
بِحْلِكٌ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: ٤١-٤٢].
الآيات تخبرنا أن الله ابتلى عبده أيوب
ببعض الأمراض التي لا تتنافى مع منصب
النبوة، وقد صبر أيوب على ذلك حتى
ضرب به المثل في الصبر، وقد توجه إلى
ربه بالشكوى مما يلقى من إيذاء الشيطان،
ولما عرف ربه منه صدقه وصبره، ونفوره
من محاولات الشيطان، وتأذيه بها، أدركه
برحمته، وأنهى ابتلاءه، وأعطاه من فضله
الکثیر من نعمه.
وقد أمره أن يضرب الأرض بقدمه،
فتتفجر عين باردة، وقلنا له: هذا الماء النابع
من العين إذا اغتسلت به وشربت منه ذهب
کل مرض في داخل جسدك، ثم اغتسل به
فيذهب ما كان في ظاهر بدنك، وتبرأ من
الأمراض، ففعل ما أمرناه به، فبرئ بإذننا من
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٥٢٨/٢١.
(٢) روح المعاني، الألوسي ٨/ ٤٠٤.
وظاهر اللفظ يدل على أنه نبعت له عين
واحدة من الماء اغتسل منه، وشرب (٤)، وقد
ذكر بعض التابعين أنه نبعت له حين ضرب
برجله الأرض عينان، فشرب من إحداهما،
واغتسل من الأخرى(٥).
فالآيات فيها بيان لنعمة الله على عبده
أيوب عليه السلام باستجابة الدعاء، وإزالة
ما به من الضر والمرض، وشفائه وسقيه
من هذا الماء المبارك الذي أخرجه له من
الأرض؛ جزاء لصبره على البلاء، وفي
الآيات بيان أن من صبر على الضر فالله
تعالی یثیبه ثوابًا عاجلًا وآجلاً.
ثالثًا: الأشربة:
فقد أنعم الله على عباده بالأشربة
المباحة، وقد نص القرآن على عدد من
الأشربة التي امتن الله بها على عباده، وهي:
الماء، والألبان، والعسل؛ من باب التنبيه
على أهميتها، وبيان نعمة الله على عباده.
وسيأتي في المبحث الآتي تفصيل لذلك،
فنقتصر على ما ذكرناه؛ لعدم التكرار.
(٣) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٠٢١/٥،
التفسير الوسيط، طنطاوي ١٢/ ١٦٧.
(٤) مفاتيح الغيب، الرازي ٣٩٨/٢٦.
(٥) انظر: جامع البيان، الطبري ١٠٧/٢٠.
www. modoee.com
١٨١

حرف الشین
أنواع الأشربة
مشروبات مباحة:
امتن الله على عباده بالإباحة للأشياء،
فسخر لهم ما في السماوات والأرض نعمة
منه ورحمة، قال تعالى: ﴿هُوَ أَلَّذِى خَلَقَ
لَكُم مَّا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩].
وقال: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ أَلَِّي أَخْرَجَ
لِعِبَادِهِ، وَالَطِّبَتِ مِنَ الرِّزْقِّ قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْفِى
الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا خَالِصَةٌ يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ [الأعراف:
٣٢].
وهذه قاعدة عظيمة، فإن الأصل في
كل شيء الحل حتى يوجد من الشرع
دليل يخرجه من الحل إلى الحرمة، وأن ما
يخرج من الحل إلى حرمة أو كراهة مفصل
في الكتاب والسنة، وهو محصور معدود
يمكن أن تستقصى أفراده، ألم تقرأ قوله
تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوَاْ أَثْلُ مَا حَزَّمَ رَبُّكُمْ
عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١].
وقوله: ﴿وَقَّدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا
مَا أَضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩].
ومن هذا المنطلق فقد أباح الله لعباده كل
الأشربة، إلا ما حرمه عليهم بالقرآن والسنة،
وهذه الأشربة المباحة لا عدد لها ولا حصر،
والدليل على ذلك أنه قال: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُواْ
وَلَا تُشْرِفُواْ﴾ [الأعراف: ٣١].
فلم يذكر ما الذي يشرب، والقاعدة
تقول: إن حذف المتعلق یفید العموم، فهذا
يدل على أن جميع الأشربة مباحة إلا ما
خصه الدلیل بالتحریم.
﴿وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ
قال الرازي: (قوله:
مطلق يتناول الأوقات والأحوال، ويتناول
جميع المطعومات والأشربة، فوجب أن
يكون الأصل فيها هو الحل في كل الأوقات
وفي كل المطعومات والأشربة إلا ما خصه
الدليل المنفصل؛ لأن الأصل في المنافع
الحل والإباحة)» (١).
إلا أن القرآن نص على بعض الأشربة،
من باب التنبيه على أهميتها، وبيان نعمة الله
على عباده، وهذا بيانها:
١. الماء.
الماء أصل الحياة، وعنصرها الذي لا
تنشأ إلا به كما قدر الله، فقد خلق الله الإنسان
والدواب وجميع الكائنات الحية من الماء ،
كما قال في محكم كتابه: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ
كُلَّ شَىْءٍ حَيٍ﴾ [الأنبياء: ٣٠].
وقد امتن الله على عباده بنعمة الماء
وإنزاله من السماء، وجعله ينابيع في الأرض،
يستخدمونه في أي وقت يشاءون لشربهم،
وشرب أنعامهم وزروعهم، ولمنافعهم.
قال تعالى: ﴿ وَأَرْسَلْنَا الْرِيَحَ لَوَقِحَ فَأَنزَلْنَا
مِنَ السَّمَآءِ مَآءَ فَأَسْقَيْنَكُمُوهُ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ,
◌ِخَزِنِينَ﴾ [الحجر: ٢٢].
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ١٤/ ٢٢٩.
١٨٢
جَوَسُوع
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

الشرب
أي: وسخرنا الرياح، رياح الرحمة تلقح
السحاب، فينشأ عن ذلك الماء بإذن الله،
فیسقیه الله العباد ومواشيهم وأرضهم، ويبقى
في الأرض مدخرًا لحاجاتهم وضروراتهم
ما هو مقتضى قدرته ورحمته(١).
وقوله: ﴿فَأَسْقَيْنَكُمُوهُ﴾ أي : جعلناه
لكم سقیًا، وهو أبلغ من «سقينا كموه، لما
فيه من الدلالة على جعل الماء معدًا لهم
ينتفعون به متى شاءوا(٢).
وقال ربنا: ﴿هُوَ اَلَّذِىّ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَآءِ
مَءُ لَكُ مِنْهُ شَرَابٌ﴾ [النحل: ١٠].
أي: أن الماء لكم منه شراب، تشربونه
وتدفعون به العطش، وعبر سبحانه بقوله
تعالى: ﴿لَكُ مِنْهُ شَرَابٌ﴾ ليشمل شربه
ريًا وسقيا، ويشمل اتخاذه محلى بمادة من
مواد الحلوى، وليشمل الشراب الذي یکون
من النبات والكروم غير المتخمر، فإن الماء
أصل ذلك كله(٣).
وامتن الله على عباده في كتابه بأنه أنزل
لهم من السماء ماء طھورًا عذبًا فراتًا، صالحًا
للشرب، فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ الْرِّيَحَ بُشْرًا
بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِّ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ
طَهُورًا (٨) لِنُحْتِىَ إِ بَلْدَةً مَّيْنًا وَنُشَقِيَهُ،مِمَّا
خَلَقْنَا أَنْعَمَا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ٤٨-
٤٩].
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٣٠.
(٢) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٧٢/٥.
(٣) زهرة التفاسير، أبو زهرة ٤١٣٩/٨.
وقال: ﴿وَأَسْقَيْنَكُمْ مَّاءٍ فُرَاتًا﴾ [المرسلات:
٢٧]. أي: عذبًا سائغًا للشاربين.
ومن رحمة الله بعباده أنه لم يجعل ماء
الشرب مالحًا، تكرهه النفوس، مع قدرته
على ذلك، فامتن على عباده بهذه النعمة
فقال: ﴿أَفَرَّهَ يْتُمُ الْمَآءَ الَّذِى تَشْرَبُونَ () ءَأَنْتُمْ
أَنْزَ لْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ تَحْنُ الْمُنْزِلُونَ ) لَوْ نَشَآءُ
جَعَلْتَهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾
[الواقعة: ٦٨-
٧٠].
فتخصيص هذا الوصف، وهو ﴿الَّذِى
تَشْرَبُونَ﴾ بالذكر، مع كثرة منافع الماء ، لأن
شرب الماء من أعظم النعم على الإنسان (٤).
وفي الآيات بيان لمظهر من مظاهر رحمته
سبحانه، فلو نشاء أن نجعل هذا الماء النازل
من المزن لشربكم، ماء جامعًا بين الملوحة
والمرارة مكروهًا للنفوس، لا ينتفع به،
لفعلنا، ولكنا لم نشأ ذلك رحمة بكم،
وفضلاً منا عليكم.
فالآيات السابقة تتجلى هداياتها في بيان
أن من نعم الله على الإنسان ((نعمة الماء)»،
آیة من آیات الله، خلق الله منه الکائنات، لا
غنی للناس عنه؛ فھو سبب بقائهم، وأساس
حیاتھم، منه یشربون ویزرعون ويأكلون،
وفیه منافع لهم ولأنعامهم.
والماء لم تنقص قيمته لا بتقدم الإنسانية
ولا بتخلفها، بل لقد زادت أهمیته ثم زادت،
(٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٢٣/٢٧.
www. modoee.com
١٨٣

حرف الشین
حتى صاروا يتحدثون عن الأمن المائي والدم، فأخرج من بين ذلك لبنًا خالصًا من
والصراع على موارد المياه ومصادرها الكدر سائغًا للشاربين، للذته، ولأنه يسقي
ومنابعها.
فإنه يعد القرن الجديد ((الألفية الثالثة))،
قرن الصراع على المياه، حيث أخذت
مشكلات استثماره، تشغل حيزًا كبيرًا في
الأحداث العالمية المعاصرة، بل وفي
رسم المستقبل السياسي لكثير من دول
العالم. ومن الملاحظ، أن الخريطة المائية
تظهر خطوطا متشابكة للتداخل الدولي في
أحواض أنهارها، وفي استثمار مواردها مما
يترك علاج هذا الاستثمار، رهينًا بالعلاقات
القائمة بين الدول ذات العلاقة، التي تقوم
في الأساس على مبدأ القوة أولًا، ومدى
الاحترام المتبادل للاتفاقيات القائمة بينها
ثانیًا».
٢. ألبان الأنعام.
من النعم التي امتن الله بها على العباد
نعمة شرب ألبان الأنعام على اختلافها ما
بین إبل وبقر وغنم، وقد امتن الله على
عباده بهذه النعمة في كتابه فقال: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ
فِي الْأَنْعَمِ لَعِبْرَةٌ نُسْقِيَكُمْ بِمَّا فِ بُطُونِهِ، مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ
وَدَمٍ أَنَا خَالِصًا سَآبِغَا لِلشَّرِيِينَ﴾ [النحل: ٦٦].
فهذه حجة أخرى، ومنة من المنن الناشئة
عن منافع خلق الأنعام، أدمج في منتها العبرة
بما في دلالتها على بديع صنع الله، حيث
أسقاكم من بطونها المشتملة على الفرث
ويغذي(١).
وقوله سبحانه: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ أَّبَناً
خَالِصًا سَآَبِغًا لِلشَّرِبِينَ﴾ بيان لموطن العبرة،
ومحل النعمة، ومظهر الدلالة على وحدانية
الله تعالی وقدرته ورحمته.
وخلوصه: نزاهته مما اشتمل عليه البول
والثفل(٢)، وسوغه للشاربين: سلامته مما
يشتمل عليه الدم من المضار لمن شربه،
(٣)(٤)
فلذلك لا يسيغه الشارب ويتجهمه
٠
وقال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم
مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعَمَّا فَهُمْ لَهَا مَلِكُونَ
VI
وَذَلَّلْنَهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَّكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْ كُونَ () وَلَهُمْ
فِيهَا مَنَفِعُ وَمَشَارِبٌّ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ [يس:
٧١-٧٣].
أي: أو لم يشاهد هؤلاء المشركون بالله
أنا خلقنا لهم أنعامًا من الإبل والبقر والغنم
يصرفونها كما شاءوا، فهي ذليلة منقادة لهم،
وسخرنا لهم هذه الأنعام، فمنها ما يركبون
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٩٩/١٤،
تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٤٤.
(٢) الثفل: الكدر.
انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٨٠/١.
(٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٩٩/١٤.
(٤) التجهم: حلاف البشاشة والطلاقة، والمراد:
يتغير وجهه إذا أجبر على ذلك الشراب كرهًا
له.
انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١/ ٤٩٠.
١٨٤
القرآن الكريم

الشرب
في الأسفار، ويحملون عليه الأثقال، ومنها دخوله في المنافع؛ لشرفه واعتناء العرب به،
وجمع باعتبار أصنافه، ولا ريب في تعددها،
وتعميم المشارب للزبد والسمن
ما ینحرون، فيأكلون لحومها، ولهم فيها
منافع أخرى غير الركوب والأكل منها،
كالجلود والأصواف والأوبار والأشعار
ولهم منها مشارب من ألبانها ونتاجها(١).
وقوله: ﴿وَلَمْ﴾ هو محل الامتنان،
أي : لأجلهم؛ فإن جميع المنافع التي على
الأرض خلقها الله لأجل انتفاع الإنسان بها؛
تكرمة له (٢).
وقوله: ﴿وَهُمْ فِهَا مَنَفِعُ وَمَشَارِبٌ أَفَلاَ
بيان لفوائد أخرى غير
يَشْكُرُونَ
الركوب والأكل؛ وذلك لأن من الحيوانات
ما لا يركب كالغنم، فقال: ﴿مَنَفِعُ﴾ لتعمها،
والمشارب كذلك عامة، إن قلنا: بأن المراد
جمع مشرب وهو الآنية، فإن من الجلود ما
يتخذ أواني للشرب والأدوات من القرب
وغيرها.
وإن قلنا: إن المراد: المشروب وهو
الألبان والأسمان، فهي مختصة بالإناث،
ولكن بسبب الذكور؛ فإن ذلك متوقف على
الحمل، وهو بالذكور والإناث(٣).
وقوله: ﴿وَمَشَارِبٌّ﴾ مصدر بمعنى
المفعول(٤)، والمراد به اللبن، وخص مع
(١) انظر: تفسير المراغي ٣٢/٢٣.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٦٧/٢٣.
(٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٦/ ٣٠٦.
(٤) هذا على أحد القولين في المراد بالمشارب،
وإلا فما قبله يبين المعنيين.
والجبن والأقط(٥) لا يصح إلا بالتغليب،
أو التجوز؛ لأنها غير مشروبة (٦).
فالآيات فيها بيان لفضل الله على عباده
في تذليل الأنعام لهم، وتسخيرها لمنافعهم
المختلفة، وامتنان من الله على عباده بنعمة
ألبان هذه الأنعام.
٣. العسل.
من الأشربة المباحة التي امتن الله بها
على عباده شراب العسل الذي يخرج من
النحل، فقال تعالى: ﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّقْلِ أَنِ
اَّخِذِى مِنَ الْبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ
٦٨
ثُمَّ كُلِ مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ فَاسْلُكِى سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا
يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفُّ أَلْوَنُهُ فِيهِ شِفَاءٌ
لِّلنَّاسِنَّ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآَيَّةً لِّقَوْمٍ يَتَفَّرُونَ﴾ [النحل:
٦٨ - ٦٩].
فالله يخبر عباده بأنه جعل لهم آية في
خلق هذه النحلة الصغيرة، التي هداها الله
هذه الهداية العجيبة، ويسر لها المراعي،
ثم الرجوع إلى بيوتها التي أصلحتها بتعليم
الله لها، وهدايته لها ، ثم يخرج من بطونها
هذا العسل اللذيذ، مختلف الألوان بحسب
(٥) الأقط: اللبن المجفف.
انظر: مختار الصحاح، الرازي ص١٩.
(٦) انظر: روح المعاني، الألوسي ١٢/ ٥٠.
www. modoee.com
١٨٥

حرف الشین
اختلاف أرضها ومراعيها، فيه شفاء للناس منه الأشربة.
من أمراض عديدة. فهذا دليل على كمال
عناية الله تعالى، وتمام لطفه بعباده، وأنه
الذي لا ينبغي أن يحب غيره ويدعي
سواه(١).
فالآيات عطف عبرة على عبرة ، ومنة
على منة، وغير أسلوب الاعتبار لما في هذه
العبرة من تنبيه على عظيم حكمة الله تعالى؛
إذ أودع في خلقة الحشرة الضعيفة هذه
الصنعة العظيمة وجعل فيها هذه المنفعة (٢).
﴿يَخْجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ﴾
وجملة
مستأنفة استئنافًا بيانيًا؛ لأن ما تقدم من الخبر
عن إلهام النحل تلك الأعمال يثير في نفس
السامع أن يسأل عن الغاية من هذا التكوين
العجيب، فیکون مضمون جملة ﴿يَخْرُجُ مِنْ
بُطُونِهَا شَرَابٌ﴾ بيانًا لما سأل عنه. وهو أيضًا
موضع المنة كما كان تمام العبرة(٣).
وجيء بالفعل المضارع ﴿يُخْرِجُ
للدلالة على تجدد الخروج وتكرره (٤).
وقد وصف الله العسل بهذه الصفات
الثلاثة:
فالصفة الأولى: كونه شرابًا والأمر
کذلك؛ لأنه تارة یشرب وحده، وتارة يتخذ
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٤٤٤.
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٠٤/١٤.
(٣) انظر: المصدر السابق.
(٤) انظر: المصدر السابق.
وعبر عن العسل باسم الشراب دون
العسل لما يومئ إليه اسم الجنس من معنى
الانتفاع به، وهو محل المنة، وليرتب عليه
جملة ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾، وسمي شرابًا
لأنه مائع یشرب شربًا ولا يمضغ.
والصفة الثانية: قوله: ﴿قُخْتَلِفَ أَلْوَنُهُ﴾
والمعنى: أن منه أحمر وأبيض وأصفر،
وغير ذلك من ألوان العسل، على حسب
اختلاف مراعیھا ومآکلها، وغير ذلك بما
اقتضته حکمته سبحانه، ووصفه بـ ﴿قُختلفُ
أَلْوَنُهُ﴾ لأن له مدخلًا في العبرة؛ فذلك من
الآيات على عظيم القدرة ودقيق الحكمة (٥).
والصفة الثالثة: قوله: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ
لِلنَّاسِ﴾، وسيأتي الحديث عن هذه الصفة
في المبحث الأخير.
والآيات السابقة تتجلى فيها قدرة الله في
خلق النحلة الصغيرة وما يخرج من بطونها
من عسل لذيذ، مختلف الألوان بحسب
اختلاف أرضها ومراعیها، وفي ذلك دلیل
على كمال عناية الله وتمام لطفه بعباده، وأنه
لا ينبغي أن یحب غيره ویرجی سواه.
ثانيًا :مشروبات محرمة:
التحريم لم يأت في شريعة الإسلام
(٥) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٣٨/٢٠،
التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٠٤/١٤،
التفسير الوسيط، طنطاوي ١٨٩/٨.
١٨٦
قَ الَشية
جوبي
القرآن الكريمِ