Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْ مُوبَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقْرَآن الْكِرِيْمِ سـ الشَّك د عناصر الموضوع مفهوم الشك ٤٢٤ الشك في الاستعمال القرآني ٤٢٥ الألفاظ ذات الصلة ٤٢٦ ٤٢٩ اقتران الشك بالريب ٤٣٠ الإيمان والشك ٤٣٢ من صور الشك ٤٣٧ أسباب الشك ٤٤٢ علاج الشك ٤٤٤ عاقبة الشك المُجَلَ التَّاشِعْ عَشَرِ حرف الشین مفهوم الشك أولًا: المعنى اللغوي: قال ابن فارس: ((الشين والكاف أصل واحد مشتق بعضه من بعض، وهو يدل على التداخل، ومن هذا الباب الشك، الذي هو خلاف اليقين، إنما سمي بذلك لأن الشاك كأنه شك له الأمران في مشك واحد، وهو لا يتيقن واحدًا منهما))(١). وقال ابن منظور: «الشك: نقيض اليقين، وجمعه شكوك، وقد شككت في كذا وتشککت، وشك في الأمر یشك شگا، وشککه فيه غيره)»(٢). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: لا يختلف المعنى الاصطلاحي للشك عن معناه اللغوي، الذي يدور حول اعتدال النقيضين عند الإنسان وتساويهما، وذلك قد يكون لوجود أمارتين متساويتين عند النقيضين، أو لعدم الأمارة فيهما(٣). وعرفه الجرجاني بأنه: ((التردد بين النقيضين بلا ترجيح لأحدهما على الآخر عند الشاك))(٤). وذكر أيضًا في تعريفه: ((أنه ما استوى طرفاه، وهو الوقوف بين الشيئين لا يميل القلب إلى أحدهما)»(٥). وقال المناوي: ((الشك: الوقوف بين النقيضين، وقيل: هو الوقوف بين المعنى ونقيضه، وضده: الاعتقاد))(٦). (١) مقاييس اللغة ٣/ ١٧٣. (٢) لسان العرب ٤٥١/١٠. (٣) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٢٦٥. (٤) التعريفات، ص١٢٨. (٥) المصدر السابق. (٦) التوقيف على مهمات التعاريف، ص ٢٠٧. ٤٢٤ جَوَسُوع القرآن الكريم الشك الشك في الاستعمال القرآني وردت مادة (ش ك ك) في القرآن الكريم (١٥) مرة (١). والصيغ التي وردت، هي: الصيغة عدد المرات المثال ٦٦ المصدر ١٥ ﴿بَلْ هُمْ فِي شَِّ مِنْهَاٌ بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ [النمل: ٦٦] وجاء الشك في القرآن بمعناه اللغوي، وهو: التردد في أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر، أو اعتدال النقيضين في النفس وتساويهما(٢). (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٣٨٦-٣٨٧، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب الشين ص٦٧١. (٢) انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروز آ بادي، ٣٣٢/٣-٣٣٣، عمدة الحفاظ، السمين الحلبي، ٢٨٥/٢- ٢٨٦، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص ٤٢٤. www. modoee.com ٤٢٥ حرف الشین الألفاظ ذات الصلة الظن: ١ الظن لغةً: الظاء والنون أصل صحيح يدل على معنيين مختلفين: يقين وشك، فأما اليقين فقول القائل: ظننت ظنًا، أي: أيقنت، والأصل الآخر: الشك، يقال: ظننت الشيء، إذا لم يتيقنه، ومن ذلك الظنة: التهمة. والجمع: الظنن (١). الظن اصطلاحًا: قال الراغب الأصفهاني: ((اسم لما يحصل عن أمارة، ومتى قويت أدت إلى العلم، ومتى ضعفت جدًا لم يتجاوز حد التوهم)»(٢). وقال الجرجاني: ((هو الاعتقاد الراجح مع احتمال النقيض، ويستعمل في اليقين والشك، وقيل: الظن: أحد طرفي الشك بصفة الرجحان))(٣). الصلة بين الظن والشك: أن الشك استواء طرفي التجويز، والظن رجحان أحد طرفي التجويز، والشاك يجوز كون ما شك فيه على إحدى الصفتين ، لأنه لا دليل هناك ولا أمارة، ولذلك كان الشاك لا يحتاج في طلب الشك إلى الظن والعلم، وغالبًا ما يطلبان بالنظر. ويجوز أن يقال: الظن قوة المعنى في النفس من غير بلوغ حال الثقة الثابتة، والشك ليس كذلك (٤). الريب: ٢ الريب لغة: الريب مأخوذة من مادة (ري ب) يدل على شك أو شك وخوف(٥). الريب اصطلاحا: قال ابن الأثير رحمه الله: ((الريب هو الشك مع التهمة))(٦). (١) مقاييس اللغة، ابن فارس، ٤٦٢/٣، الصحاح، الجوهري ٢١٦٠/٦. (٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٥٣٩. (٣) التعريفات، الجرجاني ص١٤٤. (٤) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص٩٩. (٥) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ٤٦٣/٢، لسان العرب، ابن منظور، ٤٤١/١. (٦) النهاية في غريب الأثر ٢/ ٢٨٦. ٤٢٦ جوسين القرآن الكريم الشك الصلة بين الشك والريب: الريب يكون في علم القلب وفي عمله؛ بخلاف الشك فإنه لا يكون إلا في العلم فقط. ثم الشك سبب الريب، کأنه شك أولًا ، ثم أوقعه شكه في الريب، فالشك مبدأ الريب، كما أن العلم مبدأ اليقين، فيوصف الشك بالريب، والشك المريب أقوى ما يكون من الشك، وأشده إظلامًا، وإنما وصف الشك بالمريب للمبالغة فيه، ولتقوية معنى الشك(١). الوهم: ٣ الوهم لغة: وهم إلى الشيء بالفتح یهم وهمًا، إذا ذهب وهمه إليه وهو يريد غيره، ووهم يوهم وهما -بالتحريك - إذا غلط (٢). الوهم اصطلاحًا: هو الطرف المرجوح غير الجازم من المترددين، وهو أضعف من الظن ، وكثيرا ما يستعمل في الظن الفاسد (٣). الصلة بين الوهم والشك: الشك استواء الطرفين، أما إن كان أحد الطرفين راجحًا، والآخر مرجوحًا، فالمرجوح يسمى وهمّا، والراجح يسمى ظنًا (٤). الوسوسة: ٤ الوسوسة لغة: قال ابن منظور: ((الوسوسة والوسواس: الصوت الخفي من ريح، والوسواس: صوت الحلي، والوسواس، بالفتح، الاسم، مثل الزلزال والزلزال، والوسواس، بالكسر، المصدر. والوسواس، بالفتح: هو الشيطان، وكل ما حدثك ووسوس إليك، فهو اسم)) (٥). الوسوسة اصطلاحًا: قال الكفوي: «الوسوسة: القول الخفي لقصد الإضلال من وسوس إلیه ووسوس له، (١) انظر: الكليات، الكفوي ص٥٢٨. (٢) الصحاح، الجوهري ٢٠٤٥/٥، النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير ٢٣٤/٥، لسان العرب، ابن منظور ٦٤٣/١٢. (٣) انظر: الكليات، الكفوي ص٩٤٣. (٤) المصدر السابق ص٥٢٨. (٥) لسان العرب، ٢٥٤/٦. www. modoee.com ٤٢٧ حرف الشین أي: فعل الوسوسة لأجله، وهي حديث النفس، والشيطان بما لا نفع فيه ولا خير))(١)، وقال الزبيدي: ((الوسوسة: الكلام الخفي في اختلاط)) (٢) الصلة بين الشك والوسوسة: أن الشك ينشأ عن سبب معتبر معتد به، وأصل يبني عليه شكه بخلاف الوسوسة، فإن الموسوس يبني وسوسته من غير وجود أصل معتبر، وإنما تنشأ الوسوسة عن أوهام لا اعتبار لها. والشك إذا كثر، وتكرر من الإنسان، فإنها تعد وسوسة. والشك يزول بزوال سببه، وأما الوسوسة، فلا تزول إلا بجهد بالغ، ومشقة متناهية، وعزيمة قوية (٣). المرية: ٥ المرية لغة: المرية: بالكسر والضم، الشك والجدل، والامتراء في الشيء: الشك فيه، وكذلك التماري، والمراء: المماراة والجدل، والمراء أيضًا: من الامتراء والشك (٤). المرية اصطلاحًا: ((الامتراء: طلب التشكك مع ظهور الدليل، أو هو ظهور تكلف المؤنة ، وهي محاولة مستخرج السوء من خبيئة المحاولة من امتراء ما في الضرع، وهو استئصاله حلبا))(٥). الصلة بين الشك والامتراء ((أن الامتراء هو استخراج الشبه المشكلة، ثم كثر حتى سمي الشك مرية وامتراء، وأصله المري، وهو استخراج اللبن من الضرع، مرى الناقة يمريها مريًا، ومنه ماراه مماره ومراء إذا استخرج ما عنده بالمناظرة ، وامترى امتراء إذا استخرج الشبه المشكله من غير حل لها))(٦). (١) الكليات ص ٩٤١. (٢) تاج العروس، ١٧ /١٢. (٣) انظر: الوسوسة وأحكامها في الفقه الإسلامي، الجدعاني ص ٨١ - ٨٥. (٤) لسان العرب ٢٧٨/١٥. (٥) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ٦١. (٦) الفروق اللغوية، العسكري ص٩٩. ٤٢٨ جوبيـ القرآن الكريم الشك افتران الشك بالريب وردت لفظتا (الشك، والريب) في كتب الترادف ضمن الألفاظ المترادفة المختلفة في اللفظ، المتفقة في المعنى. وعرفنا أن الشك: تردد الذهن بین أمرین، وأما الريب فهو شك مع تهمة. فعند اقتران لفظتي الشك مع الريب فإن المعنى بناءً على ما سبق يكون: التردد مع التهمة. وقد جمعت بعض الآيات بين الشك والريب في سياقٍ واحد. قال تعالى: ﴿قَالُواْ يَصَلِحُ قَدْكُنْتَ فِنَا مَرْجُوًا قَبْلَ هَذَا أَنَنْهَمْنَا أَنْ تَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَاؤُنا وَإِنَّنَا لَفِى شَكِّ ◌ِمَّا تَدْعُونَّ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [هود: ٦٢]. بعد أن دعا صالح عليه السلام قومه لعبادة الله وحده، وذكرهم بقدرة الله عز وجل ونعمه علیهم، فيأتي الرد من قومه بأنه خاب رجاؤنا فيك، وصرت في رأينا رجلًا مختل التفكير، ولن نترك عبادة الأصنام التي كان يعبدها آباؤنا، وقالوا: ﴿وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍ مِّمَا تَدْعُونآ إِليهِ مُيپٍ﴾ فإننا لفي شك کبیر وریب عظيم من صحة ما تدعونا إليه، وهو شك موقع في التهمة وسوء الظن (١). وبنفس هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ (١) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية، ١٨٣/٣. وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ وَ إِنَّهُنَّهُمْ لَفِى شَّكٍ مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾ [هود: ١١٠]. فقوم موسی ترددوا وشكوا فيما جاءهم به موسی علیه السلام، وفي نفس الوقت تبع هذا الشك التهمة لما جاءهم به. وقال تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُواْ فِ شَِ تُرِسٍ﴾ [سبأ: ٥٤]. تتحدث هذه الآية عن مصير المشركين وما يلاقونه يوم القيامة، وذلك لأنهم كانوا يشكون في أمر هذا الدين ، وفي نفس الوقت کانوا یتهمونه بتهم باطلة. www. modoee.com ٤٢٩ حرف الشین الإيمان والشك الإيمان والشك خطان متوازيان لا يمكن أن يلتقيان بحال من الأحوال، والمؤمن كلما ارتقى في سلم الإيمان زاد بعدًا عن الشك، فالعلاقة بين الإيمان والشك علاقة طردية، فإذا زاد الإيمان قل الشك، والعكس صحيح، وكما جاء في تعريف الشك سابقًا بأنه تردد بین شیئین، کالذي لا يجزم بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يكذبه، ولا يجزم بوقوع البعث ولا عدم وقوعه. والإیمان لغة: مصدر آمن یؤمن إيمانًا فهو مؤمن(١)، وأصل آمن آآمن بهمزتين لينت الثانية (٢)، وهو من الأمن ضد الخوف (٣). النفس وزوال الخوف» (٤). وقال شيخ الإسلام: ((فإن اشتقاقه من الأمن الذي هو القرار والطمأنينة، وذلك إنما يحصل إذا استقر في القلب التصديق والانقياد)»(٥). والإيمان اصطلاحًا: ((هو التصديق الجازم، والإقرار الكامل، والاعتراف (١) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ٥١٣/١٥. (٢) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية، ١٨٣/٣. (٣) انظر: القاموس المحيط، الفيروز آبادي ص ١٥١٨. وانظر: الصحاح، الجوهري ٢٠٧١/٥. (٤) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٣٥. (٥) انظر: الصارم المسلول، ابن تيمية ص٥١٩. التام؛ بوجود الله تعالى وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، واستحقاقه وحده العبادة، واطمئنان القلب بذلك اطمئنانًا ترى آثاره في سلوك الإنسان، والتزامه بأوامر الله تعالی، واجتناب نواهيه»(٦). والحديث عن الإيمان والشك يكون في النقاط الآتية: أولًا: العلاقة بين الإيمان والشك: من خلال تعريف كل من الإيمان والشك يتضح لنا أن معنى الإيمان على النقيض من معنی الشك، فالشك هو تردد بین نقيضين، أما الإيمان فهو تصديق جازم وإقرار كامل. وقد ذكر علماء السنة أن من شروط لا إله قال الراغب: ((أصل الأمن طمأنينة إلا الله (اليقين المنافي للشك). قال الشيخ حافظ حكمي: «بأن يكون قائلها مستيقنًا بمدلول هذه الكلمة يقينًا جازمًا، فإن الإيمان لا يغني فيه إلا علم اليقين لا علم الظن، فكيف إذا دخله الشك. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَحَهَدُواْ بِأَمَّوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّدِقُونَ ﴾ [الحجرات: ١٥]. فاشترط في الصدق إيمانهم بالله ورسوله کونھم لم یرتابوا، أي: لم یشکوا، فأما المرتاب فهو من المنافقين - والعياذ (٦) الإيمان حقيقته وخوارمه، الأثري، ص ١٣. ٤٣٠ جوبيه لِلْعُرآن الكَرِيْمِ الشك بالله- الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّمَا يَسْتَعْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ اُلْآَخِرِ وَأَرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِ رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة: ٤٥]. فاشترط في دخول قائلها الجنة أن يكون مستيقنا بها قلبه غير شاك فيها، وإذا أنتفى الشرط انتفى المشروط)»(١). قال الإمام ابن القيم رحمه الله موضحًا منزلة اليقين وأهميتها، ومعارضتها لكل شك وريب: ((فاليقين روح أعمال القلوب التي هي أرواح أعمال الجوارح، وهو حقيقة الصديقية، وهو قطب هذا الشأن الذي عليه مداره، ومتى وصل اليقين إلى القلب امتلأ نورًا وإشراقًا، وانتفی عنه كل ریب وشك وسخط ، ثم ذكر من تعريفات اليقين ((المكاشفة، وهو على ثلاثة أوجه: مكاشفة في الأخبار، ومكاشفة بإظهار القدرة، ومكاشفة القلوب بحقائق الإيمان، ومراد القوم بالمكاشفة: ظهور الشيء للقلب بحيث يصير نسبته إليه كنسبة المرئي إلى العین، فلا یبقی معه شك ولا ریب أصلاً، وهذا نهاية الإيمان، وهو مقام الإحسان))(٢). ثانيًا: كيف تحدث القرآن الكريم عن الإيمان والشك: المتأمل للقرآن الكريم يلاحظ أن الله (١) معارج القبول، ٣٧٩،٣٧٨/١. (٢) مدراج السالكين، ٢/ ٤١٣-٤١٥. سبحانه وتعالى يؤكد على المسائل العقدية الكبرى التي يجب الإيمان واليقين بها بقوله: لا ريب فيه، فحينما حدثنا في بداية ﴿ ذَلِكَ الْكِتَبُ سورة البقرة عن القرآن قال: لَرَيْبُ فِيهِ هُدَى لِلْلَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]. ويقول تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْءَانُ أَن يُفْتَرَىْ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ اَلْكِتَبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [يونس: ٣٧]. وعن قيام الساعة يقول: ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَّ رَيْبَ فِيَةٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ اَلْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ٩]. ويقول أيضًا: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَهُمْ لِيَوْرٍلَّا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٢٥]. فهذه الآيات تؤكد على أهمية اليقين، وذم الشك والريب والتردد في أمور الدين والعقيدة ومسائل الإيمان، وأن نكون فيها جازمین ثابتین غیر متزعزعین ولامتشککین. وفي المقابل يقول الله جل وعلا عن حال أهل الإيمان واليقين: ﴿إِنَّمَا أَلْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَهَدُواْ بِأَقْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصََّدِقُونَ ﴾ [الحجرات: ١٥]. www. modoee.com ٤٣١ حرف الشين من صور الشك تعددت وتنوعت صور الشك من قبل المشركين، فتارة يشكون في الله عز وجل، وتارة يشكون في الكتب السماوية ، وتارة يشكون في الرسل ورسالتهم ، وتارة أخرى يشكون في اليوم الآخر، هذا ما سنتعرف عليه من خلال النقاط الآتية: أولًا: الشك في الله جل جلاله: أن الله تعالى عاب على المشركين شکھم في ربوبيته وألوهيته ، فقال سبحانه: ﴿رَبِّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَاْ إِن كُنتُم ◌ُوقِنِينَ ل لَآ إِلَهَ إِلَّ هُوَ يُّهِ، وَيُمِيثٌ رَبَّكُمْ وَرَبُّ ءَابَآَبِكُمُ الْأَوَّلِينَ ، بَلْ هُمْ فِ شَاقٍ يَلْعَبُونَ ﴾ [الدخان: ٧-٩]. في هذه الآيات يخبر الله عز وجل بأنه رب السموات والأرض وما بينهما من سائر المخلوقات، وخالقها ومالكها وما فيها، بعد إثبات الربوبية لله أثبت الوحدانية، فھو الإله الواحد الذي لا إله غيره، وأثبت القدرة فهو المحيي والمميت، يحيي ما يشاء، ويميت ما يشاء، ثم أكد الربوبية على البشر بالذات، فهو ربكم أيها المخاطبون ورب آبائكم وأجدادكم الأولين، ومدبر شئونهم، فهو المستحق للعبادة، دون غيره من الآلهة المزعومة(١). (١) انظر: تفسير السمر قندي، ٢٦٧/٣. قال الإمام الألوسي رحمه الله: «قوله: ﴿بَّ هُمْ فِي شَكٍ يَلْعَبُونَ﴾ إضراب إيطالي، أبطل به إيقانهم لعدم جريهم على موجبه، وتنوين ﴿شَكٍ﴾ للتعظيم، أي: في شك عظيم. ﴿يَلْعَبُونَ﴾ أي: لا يقولون ما يقولون عن جد وإذعان، بل يقولونه مخلوطًا بهزء ولعب، وهذه الجملة خبر بعد خبر لهم، والالتفات عن خطابهم لفرط عنادهم، وإهمال أمرهم»(٢). ففي هذه الآية ينفي الحق سبحانه إيقانهم بأن خالق السموات والأرض هو الله، لعدم جریهم على ما يقتضيه هذا الإیقان، لأنهم لو كانوا موقنين حقا بذلك، لأخلصوا لله تعالى العبادة والطاعة(٣). وقد أغلظ ابن حزم رحمه الله تعالى على من انتحلوا مذهب الشك فقال: ((والله ما سمع سامع قط بأدخل في الكفر من قول من أوجب الشك في الله تعالى وفي صحة النبوة فرضًا على كل متعلم لا نجاة له إلا به، ولا دین لأحد دونه، وإن اعتقاد صحة التوحيد لله تعالى وصحة النبوة باطل لا يحل، فحصل من كلامهم أن من لم يشك في الله تعالى ولا في صحة النبوة فهو كافر، ومن شك فيهما فهو محسن مؤد ما وجب عليه، وهذه فضيحة وحماقة (٤). (٢) روح المعاني، ١٣ / ١١٥. (٣) انظر: المصدر السابق. (٤) الفصل في الملل والأهواء والنحل ١٦٣/٤. ٤٣٢ جَوُو ◌َرَ النَّفَ القرآن الكريم الشك وبعد أن شك المشركون في الله عز وجل برسالة خاتم الأنبياء، وأصبحوا مكذبين القرآن ومحمدا صلى الله عليه وسلم الذي صدق کتابهم في أصله الأول»(٣). بقولهم: ﴿وَقَالُواْ إِنَّا كُغَرْنَا بِمَا أُرْ سِلْتُم بِهِ، وَإِنَّا لَفِى شَاكِّ مِّمَا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [إبراهيم: ٩]. جاءهم الجواب على ألسن رسله عليهم السلام بالاستفهام الإنكاري: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِ اَللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَاْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠]. يخبر تعالى أن ما أنزله على عبده ورسوله قال البغوي رحمه الله تعالى: ((هذا من قرآن يمثل كتابًا عظيمًا لا يحتمل الشك، استفهام بمعنی نفي ما اعتقدوه))(١)، وقال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: ((هذا استفهام إنکار، والمعنى: لا شك في الله، أي: في توحيده)) (٢) . ثانيًا: الشك في الكتب السماوية: قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْرِقُواْ الْكِنَبَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِى شَكٍ مِّنْهُ مُرِيبٍ ﴾[الشورى: ١٤]. قال الزحيلي: ((أي: وإن الجيل المتأخر من أهل الكتاب الذين توارثوا التوراة والإنجيل عمن سبقهم لفي شك من كتابهم ودينهم وإيمانهم، وهو شك مقلق موقع في الريب بشدة، لأنهم لم يتبعوا الحق، وإنما قلدوا رؤساء الدين المتأخرين الذين صوروا لهم الدين بصورة مغايرة لحقيقته الأولى، واتبعوا الآباء والأسلاف بلا دليل ولا برهان، وهم في حيرة من أمرهم، ولذلك لم يؤمنوا (١) معالم التنزيل ٣٢/٣. (٢) زاد المسير، ٥٠٦/٢. وعندما شك المشركون في القرآن الکریم جاءهم الرد من الله عز وجل بقوله: ﴿ذَلِكَ الْحَكِتَبُ لَّا رَيْبُ فِيهِ هُدًى لِلْلَقِينَ﴾ [البقرة: ٢] ولا يتطرق إليه احتمال کونه غیر وحي الله وكتابه، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْءَانُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ اَلْكِتَبِ لَا رَيِّبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [يونس: ٣٧]. قال الإمام ابن كثير: «هذا بيان الإعجاز القرآن، وأنه لا يستطيع البشر أن يأتوا بمثله، ولا بعشر سور ولا بسورة من مثله لأنه بفصاحته وبلاغته ووجازته وحلاوته واشتماله على المعاني الغزيرة النافعة في الدنيا والآخرة، لا يكون إلا من عند الله تعالی الذي لا يشبهه شيء في ذاته ، ولا في صفاته، ولا في أفعاله ولا في أقواله، فكلامه لا يشبه كلام المخلوقين)» (٤). ثالثًا: الشك في الرسل ورسالاتهم: قال تعالى: ﴿وَإِلَى تَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِحَاً قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، هُوَ أَنشَأَكُم (٣) التفسير المنير، ٢٥/ ٤١. (٤) تفسير القرآن العظيم، ٢٦٨/٤. www. modoee.com ٤٣٣ حرف الشین مِنَ الْأَرْضِ وَأَسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيَّةٍ إِنَّ رَبِى قَرِيبٌ أُجِيبٌ ﴿ قَالُواْ يَصَلِحُ قَدْكُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَنَتْهَيْنَا أَنْ تَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ مَابَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍ مِّمَّا تَدْعُونًا إِلَيْهِمُرٍِ﴾ [هود: ٦١ - ٦٢]. بعد أن دعا صالح عليه السلام قومه لعبادة الله وحده، وذكرهم بقدرة الله عز وجل ونعمه عليهم، فيأتي الرد من قومه بقوله تعالى: ﴿قَالُواْ يَصَلِحُ قَدْكُنْتَ فِيْنَا مَرْجُوًّا قَبْلَهَذَآ﴾ قالوا : يا صالح ، لقد كنت فينا رجلًا فاضلًا نرجوك لمهمات الأمور فينا ، لعلمك وعقلك وصدقك، قبل أن تقول ما قلته، أما الآن وبعد أن جئتنا بهذا الدين الجدید فقد خاب رجاؤنا فيك، وصرت في رأينا رجلا مختل التفكير، ثم ختموا ردهم عليه بقولهم: ﴿وَإِنَّنَا لَفِى شٍَّ مِّمَّا تَدْعُونَاْ إِلَيْهِ شيٍ﴾ أي: لن نترك عبادة الأصنام التي کان یعبدها آباؤنا، وإننا لفي شك کبیر وریب عظيم من صحة ما تدعونا إليه، وهو شك موقع في التهمة وسوء الظن(١). ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى وقال تعالى: اُلْكِتَبَ فَأَخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّيِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ وَلِِّنَّْلَفِى شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [هود: ١١٠]. يخبر الله عز وجل عن اختلاف قوم موسى عليه السلام في شأن التوراة التي (١) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية، ١٨٣/٣. أنزلها علی نبیهم لهدایتهم، إذ منهم من آمن بها ، ومنهم من كفر بها، ثم يوضح الله عز وجل بقوله: ﴿وَإُِّنَّالَّفِى شَكٍ مِّنْهُ مُرِيٍ﴾ أي: وإن هؤلاء المختلفين في شأن الكتاب لفي شك منه، وهذا الشك قد أوقعهم في الريبة والتخبط والاضطراب، وهذا شأن المعرضين عن الحق، لا يجدون مجالا لنقده وإنکاره، فیحملهم عنادهم وجحودهم على التشكيك فيه، وتأويله تأويلا سقيما يدعو إلى الريبة والقلق (٢). قال الشيخ محمد الطنطاوي شيخ الأزهر: (وبعض المفسرين يرى عودة الضمير في قوله ﴿وَإِنَُّّ﴾ إلى قوم موسى، وفي قوله ﴿مِنْهُ﴾ إلى كتابهم التوراة، وبعضهم يرى عودة الضمير الأول إلى قوم النبي صلى الله عليه وسلم والثاني إلى القرآن الكريم، والذي يبدو لنا أن الرأى الأول أظهر في معنى الآية، لأن الكلام في موسى عليه السلام وقومه الذين اختلفوا في شأن كتابهم التوراة اختلافًا كبيرًا، وعود الضمير إلى المتكلم عنه أولى بالقبول، وهذا لا يمنع أن بعض المكذبين للرسول صلى الله عليه وسلم كانوا في شك من القرآن، أوقعهم هذا الشك في الريبة والحيرة، فتكون الجملة الكريمة من باب التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما قاله بعض المشركين في (٢) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ١٢ /١٦٠. صَوَبُو ◌َرَ النَفسِير القرآن الكريم ٤٣٤ الشك شأن القرآن الكريم)» (١). وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَآءَ كُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَتِ فَمَا زِلْتُمْ فِى شَكِّ مِّمَّا جَآءَ كُم بٍِ حَقٌ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَنَ اَللّهُ مِنْ بَعْدِهِ، رَسُولًا﴾ [غافر: ٣٤]. قال ابن كثير: ((قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَآءَ كُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ يِلْبَيْنَتِ﴾ يعنى: أهل مصر، قد بعث الله فيهم رسولاً من قبل موسى، وهو يوسف عليه السلام كان عزيز أهل مصر، و کان رسولا يدعو إلى الله أمته القسط، فما أطاعوه تلك الساعة إلا لمجرد الوزارة، والجاه الدنيوي، ولهذا قال: ﴿فَا زِلْتُمْ فِي سٍَّ مِّمَّا جَآءَ كُم بِهِهُ حَقَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ، رَسُولاً﴾ أي: يئستم فقلتم طامعين: لن يبعث الله من بعده رسولًا، وذلك لكفرهم وتكذيبهم» (٢). فالكلام في هذه الآية جاء على لسان مؤمن آل فرعون، يحذر قومه من الشك في دعوة موسى عليه السلام ، كما فعل أجدادهم من قبل مع يوسف عليه السلام، ﴿َا زِلْتُمْ فِ شَكٍ مِّمَّا جَآءَ كُم بِهِ﴾ أي: فما زال آباؤكم في شك مما جاءهم به من البينات والهدى، كشأنكم أنتم مع نبيكم موسى عليه السلام(٣). (١) التفسير الوسيط، ٧/ ٢٨١. (٢) تفسير القرآن العظيم، ١٤٣/٧. (٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٧٣٦. رابعًا: الشك في اليوم الآخر: قال تعالى: ﴿بَلِ أَذَّرَكَ عِلْمُهُمْ فِ الْآخِرَوَّ بَلْ هُمْ فِي شَلِكٍ مِنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل: ٦٦]. قال البغوي رحمه الله تعالى: ((يعني : هم اليوم في شك من الساعة))(٤). وقال الشنقيطي رحمه الله تعالى: «فهذا الذي کانوا یشکون فيه في دار الدنيا، ویعمون عنه مما جاءتهم به الرسل ، يعلمونه في الآخرة علمًا كاملًا لا يخالجه شك عند معاینتهم لما كانوا ينكرونه من البعث والجزاء))(٥). وقال تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُواْ فِ شَكٍ تُرٍِ﴾ [سبأ: ٥٤]. قال الطبري رحمه الله تعالى: ((إنهم كانوا قبل في الدنيا في شك من نزول العذاب الذي نزل بهم وعاینوه))(٦). والمعنى: لقد فعلنا بهم كما فعلنا في أمثالهم ونظرائهم من كفار الأمم الماضية، إنهم كانوا جميعا في الدنيا في شك مغرق في الريبة في أمر إثبات البعث والجزاء في الآخرة (٧). وقال تعالى: ﴿وَقَالُواْ أَوِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَنَا (٤) معالم التنزيل ٥١١/٣. (٥) أضواء البيان، ٦/ ١٢٢. (٦) جامع البيان، ٤٣٢/٢٠. (٧) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ٢١٦/٢٢. www. modoee.com ٤٣٥ حرف الشين أَنَّا لَمَبْعُوتُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٤٩]. قال طنطاوي في هذه الآية: ((وقال الكافرون المنكرون للبعث والحساب، قالوا للنبي صلی الله عليه وسلم على سبيل الإنكار والاستبعاد: أإذا كنا یا محمد، عظامًا بالية، ورفاتًا يشبه التراب في تفتته ودقته، أإِنا لمعادون إلى الحياة مرة أخرى، بحيث تعود إلينا أرواحنا، وتدب الحياة فینا ثانیة، ونبعث على هيئة خلق جدید، غير الذي کنا عليه في الدنيا؟))(١). وبنفس هذا المعنى في آيات عديدة منها، قوله تعالى: ﴿قَالُواْ أَعِذَا مِنْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَمَا أَونَا لَمَبْعُوتُونَ ﴾ [المؤمنون: ٨٢]. وقوله تعالى: ﴿وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْهُمْ أَوِذَا كُتَّا تُرَبًا أَوَنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الرعد: ٥]. وقوله تعالى: ﴿أَوِذَا مِتْنَا وَكُنَّا نُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [ق: ٣]. وقد أكد الحق سبحانه في غير موضع من القرآن الكريم نفي الشك في وقوع البعث والجزاء: قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَهُمْ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٢٥]. أي: فكيف يكون حالهم إذا جمعناهم الجزاء يوم لا ريب في مجيئه وحصوله(٢). (١) التفسير الوسيط، ٣٦٩/٨. (٢) انظر: أيسر التفاسير، الجزائري، ٣٠١/١. جوية القرآن الكريمِ وقال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ فَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [النساء: ٨٧] أي: الله الواحد الأحد الفرد الصمد والذي لا معبود بحق سواه، كتب على نفسه أنه ليبعثنكم من قبوركم وليحشرنكم إلى الحساب في يوم القيامة الذي لا شك في حصوله ووقوعه، فقررت الآية أن يوم الحساب آت لا شك فيه مهما أنكره الملحدون(٣). وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُواْ أَنَ وَعْدَ اللَّهِ حَقِّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا ﴾ [الكهف: ٢١]. أي: أن القيامة آتية لا ريب فيها، ولا شك في حصولها (٤). وبنفس المعنى في قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَئِيَةٌ لََّ رَيْبَ فِيهَا﴾ [غافر: ٥٩]. وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحِيكُمْ ثُمَ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَئُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ لَا رَوْبَ فِيهِ﴾﴾ [الجاثية: ٢٦]. الشك في الوعد والوعيد: قال تعالى: ﴿ قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللّهَ وَحْدَهُ، وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَاؤُنَا فَأَيْنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾ [الأعراف: ٧٠]. في هذه الآية يأتي رد قوم هود على نبيهم (٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص١٩١. (٤) انظر: المصدر السابق ص ٤٧٣. ٤٣٦ الشك عليه السلام بعدما دعاهم لعبادة الله وحده، بالاستهزاء والإنكار: أجئتنا يا هود لأجل أن نعبد الله وحده، ونترك ما كان يعبد آباؤنا من الأوثان والأصنام ؟! إن هذا لن يكون منا أبدًا ، فأتنا بما تعدنا به من العذاب إن كنت من الصادقين فيما تخبر به، فهم استعجلوا العذاب؛ لأنهم كانوا يشكوا في وقوعه (١). وبنفس المعنى في قوله تعالى: ﴿ قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْءَ الِتِّنَا فَأَيْنَا بِمَا تَعِدُنَّ إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٢]. وفي قوله تعالى أيضًا: ﴿قَالُواْ يَانُّوحُ قَدْ جَدَلْتَنَا فَأَكْثَرَتَ جِدَلَنَا فَأَنِنَا بِمَا تَعِدُنَاْ إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾ [هود: ٣٢]. أي: لقد سئمنا مجادلتك لنا ومللناها، فأتنا بالعذاب الذي تتوعدنا به، إن كنت من الصادقين في دعواك النبوة، وفي وعيدك لنا بعقاب الله، فإننا مصرون على عبادة آلهتنا، وكارهون لما تدعونا إليه (٢). (١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٢٦/٨. (٢) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ٤/ ٢٠٤. أسباب الشك الأسباب التي توقع الإنسان في الشك كثيرة ومتنوعة، ومن أهمها: أولًا: الكفر: الشك في الله عز وجل وفي اليوم الآخر وغيرها من صور الشك من أبرز أسبابها الكفر. قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِّكُمْ نَبَوُاْ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُجٍ وَعَادٍ وَثَمُودٌ وَأَلَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِنَتِ فَرَدُّواْ أَبْدِيَهُمْ فِيَّ أَفْوَهِهِمْ وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُزْسِلْتُم بِهِ، وَإِنَّا لَفِى شَكٍّ مِّمَا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [إبراهيم: ٩]. في هذه الآية يتضح أن السبب وراء شك أولئك الأقوام بما جاءت به رسلهم هو الكفر، فبعد أن جاء كل رسول إلى قومه بالحجج الواضحات، وبالمعجزات الظاهرات، الدالة على صدقه فیما يبلغه عن ربه، كان الجواب منهم: ﴿وَقَالُواْ إِنَّا كَعَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ وَإِنَّا لَفِى شَكٍّ مِّمَا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾. قال الجمل: ((فإن قيل: إنهم أكدوا کفرهم بما أرسل به الرسل، ثم ذكروا بعد ذلك أنهم شاكون مرتابون في صحة قولهم فكيف ذلك؟ فالجواب: کأنهم قالوا : إنا کفرنا بما أرسلتم به أيها الرسل ، فإن لم نكن www. modoee.com ٤٣٧ حرف الشین كذلك، فلا أقل من أن نكون شاكين مرتابين في صحة نبوتكم، أو يقال: المراد بقولهم ﴿إِنَّ كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِ﴾ أي: بالمعجزات والبينات، وبقولهم: ﴿وَإِنَّا لَفِى شَاقٍّ مِّمَا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ وهو الإيمان والتوحيد، أو يقال: إنهم كانوا فرقتين : إحداهما جزمت بالكفر، والأخرى شكت)»(١). والشك الذي وقع من قوم صالح عليه السلام إنما كان سببه الكفر، قال تعالى: ﴿قَالُواْ يَصَلِحُ قَدْ كُنْتَ فِيِنَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَاً أَنَتْهَيْنَآ أَنْ تَّعْبُّدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِىِ شَكِ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرٍِ﴾ [هود: ٦٢]. بعد أن دعا صالح عليه السلام قومه لعبادة الله وحده، وذكرهم بقدرة الله عز وجل ونعمه عليهم، فيأتي الرد منهم بالعناد والكفر، فقالوا : یا صالح لقد كنت فينا رجلاً فاضلًا نرجوك لمهمات الأمور فينا لعلمك وعقلك وصدقك، قبل أن تقول ما قلته، أما الآن وبعد أن جئتنا بهذا الدين الجديد فقد خاب رجاؤنا فيك، وصرت في رأينا رجلا مختل التفكير، ثم ختموا ردهم عليه بقولهم: ﴿وَإِنَّا لَفِى شَكٍ مِّمَّا تَدْعُونَّ إِلَيْهِ مُيٍِ﴾ أي: لن نترك عبادة الأصنام التي كان يعبدها آباؤنا، وإننا لفي شك كبير وريب عظيم من صحة ما تدعونا إليه (٢). (١) حاشية الجمل على الجلالين، ٢ / ٥١٦. (٢) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية، ١٨٣/٣. جوبيه القرآن الكريمِ ثانيًا: النفاق: النفاق من أبرز الأسباب المؤدية للشك. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَعْذِئُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِ رَيْبِهِمْ يَتَّرَدَّدُونَ﴾ [التوبة: ٤٥]. أي: إنما يستأذنك- يا محمد- في القعود عن الجهاد أولئك الذين من صفاتهم أنهم لا يؤمنون بالله إیمانا كاملًا، ولا يؤمنون باليوم الآخر وما فیه من ثواب وعقاب إيمانا یقینیا، ويجانب عدم إيمانهم بالله واليوم الآخر، رسخ الريب في قلوبهم فصاروا يشكون في صحة ما جئت به - أيها الرسول الكريم-، ويقفون من تعاليمك وتوجيهاتك، موقف المكذب المرتاب لا موقف المصدق المذعن، وأضاف الشك والارتياب إلى القلوب، لأنها محل المعرفة والإيمان (٣). قال طنطاوي: ((وأوثرت صيغة الماضي (ارتابت) للدلالة على تحقق الريب وتوبيخهم، وأصل معنى التردد: الذهاب والمجيء. والمراد به هنا التحير على سبيل المجاز ؛ لأن المتحير لا يستقر في مكان، ولا يثبت على حال، فهم في شكهم الذي حل بهم يتحيرون)) (٤). وقال تعالى: ﴿لَا يَزَالُ بُلْيَشُهُمُ الَّذِى بَنَوَّا (٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ١٥٨/٤. (٤) التفسير الوسيط ٣٠٦/٦. ٤٣٨ الشك رِيبَةٌ فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَعَ قُلُوبُهُمُ وَاللّهُ عَلِيهُ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: تكشف هذه الآية عن حال المنافقين بعد أن فضح الله نواياهم بما أرادوه من بناء المسجد الذي سماه الله عز وجل بمسجد الضرار، والمعنى: لا يزال ما بناه هؤلاء المنافقون موضع ريبة وقلق في نفوسهم في كل وقت وحال إلا في وقت واحد، وهو وقت أن تتمزق قلوبهم بالموت ، فهم لا يزالون في قلق وحيرة، والسبب في أن هذا البناء کان مثار ریبتهم وقلقهم حتى بعد هدمه، أنهم بنوه بنية سيئة، ولتلك المقاصد الأربعة الخبيثة التي بينتها الآية الأولى، فكانوا يخشون أن يطلع الله نبيهم على مقاصدهم الذميمة، فهذه الخشية أورثتهم القلق والريبة، فلما أطلع الله تعالى نبيه على أغراضهم، و تم هدم مسجد الضرار، وانهار الجرف المتداعي المتساقط، استمر قلقهم وریبهم ؛ لأنهم لا يدرون بعد ذلك ماذا سيفعل المؤمنون بهم ثالثًا: الجهل: قال تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى أَبْنَ مَنْيَ رَسُولَ الَّهِ وَمَا قَثَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُّهَ لَهُمَّ وَ إِنَّ الَّذِينَ أَخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِى ◌ٍَّ مِّنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلٍَّ إِلَّا أَنْبَاعَ الَِّنَّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيَنًا﴾ (١) انظر: الكشاف، الزمخشري، ٣١٣/٢. [النساء: ١٥٧]. الجهل هو أحد أسباب الوقوع في الشك، وهذا ما حدث لبني إسرائيل بعدما وقعت حادثة رفع عيسى عليه السلام إلى السماء، فالذين اختلفوا في شأن عیسی من أهل الكتاب لفي شك دائم من حقيقة أمره، فهم في حیرة وتردد، لیس عندهم علم ثابت قطعي في شأنه، أو في شأن قتله، ولكنهم لا يتبعون فيما يقولونه عنه إلا الظن الذي لا تثبت به حجة. ولا يقوم عليه برهان، وهذا الشك أساسه الجهل الذي وقع منهم، حین قالوا : إنه ابن الله، وادعوا أن في عيسى عنصرًا إلهيا مع العنصر الإنساني، وأن الذي ولدته مریم هو العنصر الإنساني، ثم أفاض عليه بعد ذلك العنصر الإلهي، فالشك هنا أساسه وسببه جهل بني إسرائيل بما حدث لعيسى عليه السلام (٢). وقال تعالى: ﴿بَلَّ هُمْ فِى شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ [الدخان: ٩]. صدر هذا الكلام من الكافرين نتيجة جهلهم بقدرة الله عز وجل وعظمته، فهؤلاء الكفار لم يكونوا موقنين بأن رب السموات والأرض وما بينهما هو الله، بل قالوا ما قالوا في ذلك على سبيل الشك واللعب(٣). (٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٨/٦. (٣) انظر: تفسير الوسيط، الزحيلي ٢٣٧٩/٣. www. modoee.com ٤٣٩ حرف الشین تُْفَةٍ ثُمَّ سَوَّلَكَ رَجُلًا ﴾ [الكهف: ٣٥ -٣٧]. رابعًا: الكبر: يصرح المشركون أن السبب الحقيقي الذي حال بينهم وبين الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وهو الحقد والحسد والكبر، وإنكار أن يختص الله تعالى رسوله من بينهم بالرسالة، فقالوا كما حكى القرآن عنهم: ﴿أَهُنَزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَاً بَلْ هُمْ فِ شَكٍ مِّنِ ذِكْرِىّ بَل لَّمَّ يَذُوقُواْعَذَابٍ﴾ [ص: ٨]. والاستفهام للإنكار والنفي، أي: كيف يدعي محمد صلی الله عليه وسلم أنه قد أنزل عليه القرآن من بيننا، ونحن السادة الأغنياء العظماء، وهو دوننا في ذلك؟ إننا ننكر وننفي دعواه النبوة من بینتا(١). قال الزمخشري: ((أنكروا أن يختص بالشرف من بین أشرافھم ورؤساٹھم وینزل عليه الكتاب من بينهم، كما قالوا: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ وهذا الإنكار ترجمة عما كانت تغلي به صدورهم من الحسد على ما أوتي من شرف النبوة من بینھم»(٢). وقال تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ، وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَآ أَعُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِيِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآيِمَةً وَلَيِن رُّدِدْتُ إِلَى رَبِّ لَأَجِدَنَ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا (٦) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ. وَهُوَ يُحَاوِرُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن (١) انظر: أيسر التفاسير، الجزائري، ٤ /٤٣٥. (٢) الكشاف، ٤/ ٧٤. انتقل صاحب الجنتين من غرور إلى غرور أشد، فهذا الكافر لم يكتف بتطاوله على صاحبه المؤمن، بل سار به نحو جئته حتى دخلها ، وهو ظالم لنفسه بسبب کفره وجحوده و کبره، ثم ختم هذا الكافر وَمَآ أَظُنُّ محاورته لصاحبه بقوله: السَّاعَةَ قَآئِمَةٌ ﴾ أي: كائنة ومتحققة، فهو قد أنكر البعث وما يترتب عليه من حساب بعد إنكاره لفناء جنته، ثم أكد كلامه بجملة قسمية، فقال: ﴿وَلَپن رُدِدْتُ إِلَى رَبِّ﴾ أي: والله لئن رددت إلى ربي على سبيل الفرض والتقدير ، كما أخبرتنى يا صاحبي بأن هناك بعثا وحسابا ﴿لَأَجِدَنَ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا﴾ أي: من هذه الجنة منقلبًا أي: مرجعا وعاقبة، و کل هذا الكلام الذي صدر من صاحب الجنة الكافر ما صدر إلا نتيجة الكبر والغرور(٣). خامسًا: وسوسة الشيطان: يبين الحق عز وجل أن إغواء الشيطان ووسوسته من الأسباب التي أدت الشك. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِيْلِيسُ ظَنَّهُ، فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآَخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِىِ شَكٍ﴾[سبأ: ٢٠- (٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٥/ ١٥٧، الدر المصون، الحلبي، ٤٨٨/٧. ٤٤٠ جَوَسُو القرآن الكريمِ الشك ٢١]. قال طنطاوي: ((لفظ(صَدَقَ ﴾ قرأهبعض القراء السبعة بتشديد الدال المفتوحة، وقرأه البعض الآخر بفتح الدال بدون تشديد، والمعنى على القراءة بالتشديد: ولقد صدق عليهم إبليس ظنه في قدرته على إغوائهم، وحقق ما كان يريده منهم من الانصراف عن طاعة الله تعالى وشكره، فاتبعوا خطوات الشيطان، بسبب انغماسهم في الفسوق والعصيان، إلا فريقًا من المؤمنين، لم يستطع إبليس إغواءهم ، لأنهم أخلصوا عبادتهم لخالقهم عز وجل، واستمسكوا بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، والمعنى على القراءة بالتخفيف: ولقد صدق إبليس في ظنه أنه إذا أغواهم اتبعوه، لأنه بمجرد أن زین لهم المعاصي أطاعوه، إلا فريقا من المؤمنين لم يطيعوه))(١). ثم بين سبحانه أن إغواء الشيطان لأهل سبأ ولأشباههم من بنی آدم، لم یکن عن قسر وإكراه، وإنما كان عن اختيار منهم ليتميز الخبيث من الطيب ، فقال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لَهُ, عَلَيْهِم ◌ِّن سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ پِالآخِرَةِ مِمَنْ هُوَمِنْهَا فِى شَكٍ ﴾ أي: وما كان لإبليس عليهم من سلطان قاهر يجعلهم لا یملکون دفعه، وإنما كان له عليهم الوسوسة التي یملکون صرفها ودفعها متی حسنت (١) التفسير الوسيط، ٢٧٨/١١. صلتهم بنا، ونحن ما أبحنا لإبليس الوسوسة لبنى آدم، إلا لنظهر في عالم الواقع حال من یؤمن بالآخرة وما فيها من ثواب وعقاب وحساب، ولنميزه عمن هو منها في شك وريب وإنكار (٢). قال الشوكاني رحمه الله: ((والاستثناء في قوله ﴿إِلَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآَخِرَةِ مِمَّنْ هُوَمِنْهَا فِ شَكٍ﴾ منقطع أي: لا سلطان له علیھم، ولکن ابتليناهم بوسوسته لنعلم، وقيل: هو متصل مفرغ من أعم العلل، أي: ما كان له عليهم من تسلط بحال من الأحوال، ولا لعلة من العلل، إلا ليتميز من يؤمن ومن لا يؤمن، لأنه سبحانه قد علم ذلك علما أزليًا، وقال الفراء: إلا لنعلم ذلك عندكم. والأولى حمل العلم هنا على التمييز والإظهار))(٣). (٢) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ٧/ ١٣٠. (٣) فتح القدير، الشوكاني ٣٧١/٤. www. modoee.com ٤٤١ حرف الشین علاج الشك الشك هو داء خطير خصوصًا إذا ما أصاب المسلم، ولكن لكل داء دواء، وفيما يأتي أهم أدوية الشك: أولًا: الثبات على الإيمان. وسنتعرف على أهم الوسائل التي تعين المسلم على الثبات على الإيمان، وبالتالي تبعده عن الشك، وفيما يلي بعض هذه الوسائل: ١. الإقبال على القرآن الكريم. قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ جْلَةٌ وَحِدَةٌ كَذَلِكَ لِنُكَّبْتَ بِهِ فُؤَادَكٌ وَرَقَلْنَهُ تَرْبِيلًا ) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلَّا ◌ِتْنَكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَغْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٢ -٣٣]. أي: أنزلناه كذلك منجمًا ومفرقًا لحكمة عالية وهي تقوية قلبك وتثبيته؛ لأنه كالغيث كلما أنزل أحيا موات الأرض وازدهرت به ونزوله مرة بعد مرة أنفع من نزول الغيث دفعة واحدة(١). فإذا كان القرآن الكريم مثبتًا للنبي صلى الله عليه وسلم، فكيف بنا نحن الضعاف ؟ كيف بنا نحن المقصرين ؟ إذًا القرآن الكريم، الإقبال عليه؛ تلاوةً، وحفظًا، وفهمًا، وتدبرًا، (١) انظر: أيسر التفاسير، الجزائري، ٤٣٥/٤. جوببية الْقُرْآن الكَرِيمِ وتطبيقًا، هو أحد الوسائل الفعالة لثباتك على الإيمان وبالتالي البعد كل البعد عن الشك. ٢. التزام شرع الله عز وجل والعمل الصالح. قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَبِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَنَبِيتًا﴾ [النساء: ٦٦]. في هذه الآية بيان للنتائج الطيبة التي تترتب على امتثال شرع الله عز وجل، أي: ولو ثبت أن هؤلاء الذين أمرناهم بطاعتنا ﴿فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَيدِ﴾ أي: ما أمرناهم به من اتباع لرسولنا صلی الله عليه وسلم وانقياد لحكمه؛ لأنه الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، فلو ثبت أنهم فعلوا ذلك لكان ما فعلوه خيرًالهم في دنياهم وآخرتهم. ولكان أشد تثبيتًا لهم على الحق والصواب، وأمنع لهم من الشك والضلال(٢). ﴿يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ وقال تعالى: ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةُ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَْ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَآءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. والمعنى: يثبت الله تعالى الذين آمنوا بالقول الثابت، أي: الصادق الذي لا شك فيه، في الحياة الدنيا، بأن يجعلهم متمسكين بالحق، ثابتين عليه دون أن يصرفهم عن ذلك ترغيب أو ترهيب، ويثبتهم أيضا بعد (٢) الكشاف، ٤/ ٧٤. ٤٤٢