Indexed OCR Text

Pages 21-40

الشجى
لا شريك له، فإنه يسجد لعظمته كل شيء
طوعا وكرها، وسجود كل شيء مما يختص
به، كما قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ
يَنَفَيَّوْاْ ظِلَلُهُ عَنِ اَلْيَمِينِ وَالشَّمَابِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ
وَهُمْ دَيْخُرُونَ ﴾ [النحل: ٤٨].
وأما الجبال والشجر فسجودهما بفيء
ظلالهما عن اليمين والشمائل (١).
قال ابن عاشور رحمه الله: ((فالسجود
له معنى حقيقي ، وهو وضع الجبهة على
الأرض ومعنى مجازي ، وهو التعظيم،
وقد استعمل فعل يسجد هنا في معنييه
المذكورين لا محالة))(٢).
ويأتي السجود والانقياد أيضًا في الآية
الكريمة بمعنى الخضوع والخشوع ، كما
في قوله تعالى: ﴿يَنَفَيَّوْاْ ظِلَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ
وَالشَّمَآئِلِ سُجَّدً ا لِلّهِ﴾ [النحل: ٤٨].
٢ - قال تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ
﴾ [الرحمن: ٦].
وسجودهما يحتمل وجوهًا:
والثاني: سجود هذه الأشياء الموات:
طاعتها له عن اضطرار وتسخير؛ نحو قوله
تعالى: ﴿أَقْتِيَا طَوَّعًا أَوْ كُرْهَا قَالَتَا أَنْنَا طَآيِعِينَ ﴾
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير،
٤٠٣/٥.
(٢) التحرير والتنوير، ٩٩/١.
[فصلت: ١١].
والثالث: سجود حقيقة، يجعل الله في
سرية هذه الأشياء معنى يسجدون به لله
تعالى يعلمه هو، ولا يعلمه غيره؛ كقوله
تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِعُ مَدِهِ، وَلَكِنْ لَّا
نَفْقَهُونَ تَسَبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤].
وقال بعض الناس: سجودهما: هو تمييل
ظلالهما؛ كقوله تعالى: ﴿يَنَفَيَّوْاْ ظِلَلُهُ عَنِ
أَلْيَمِينِ وَالشَّمَابِلِ سُجَّدً ا لِلّهِ﴾(٣).
وفسر أكثر المفسرين (٤) كلمة النجم
بمعنى النبات المجرد عن الساق، ومنهم
من فسر النجم بالكواكب لا سيما مع تأكید
الإيهام بذكر الشمس والقمر، وأما الشجر
ما كان له ساق وسجودهما هو طاعتهم
المطلقة وخضوعهم وانقيادهم لله عز وجل،
وسيرهم مع القوانين الكونية التي خلقها الله
تعالى وعدم الخروج عنها على وجه الطاعة
والتعظيم والانقياد لأمر الله تعالى.
وسواء أكان النجم نجم السماء أم كان
أحدها: سجود خلقة؛ قد جعل الله نوعًا من النبات، فسجوده ليس كسجود
تعالى في خلقة كل شيء دلالة السجود له
والشهادة له بالوحدانية.
الإنسان بوضع الرأس على التراب، بل
(٣) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي،
٩/ ٤٦٣.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري، ١١/٢٢،
تأويلات أهل السنة، الماتريدي، ٩/ ٤٦٣،
النكت والعيون، الماوردي، ٤٢٤/٥،
المحرر الوجيز، ابن عطية، ٥ /٢٢٤، الجامع
لأحكام القرآن، القرطبي، ١٥٣/١٧، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير، ٤٨٩/٧.
www. modoee.com
١٣٩

حرف الشین
بمعنى التسلیم والخضوع لله تعالى، و کل
الكائنات خاضعة لله تعالى بالسجود له،
ولکن کل بحسبه ولغته، لا ندرك کیفیتها،
لقوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرَهَا وَظِلَلُهُم بِالْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ 1
﴾ [الرعد: ١٥].
بل نؤمن بها كما جاء بها القرآن الكريم.
ثانيًا: التسبيح:
التسبيح في اللغة: هو التنزيه، تقول:
سبحت الله تسبيحًا ، أي : نزهته تنزيها،
وقيل: تنزيه الله تعالى عن كل ما لا ينبغي له
أن يوصف(١)، ولا يخرج معناه الاصطلاحي
عن هذه المعاني.
ولا تقتصر عبادة التسبيح على الإنسان
بل شملت جميع الموجودات ومنها الشجر،
وذلك في عدد من الآيات، منها:
قوله تعالى: ﴿ُسَُّ لَهُ السَّمَوَتُّ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ
وَمَن فِيِنَّ وَإِن ◌ِّنِ شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِعُ بِهْدِهِ، وَلَكِنْ لَّا
نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ، كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا
[الإسراء: ٤٤].
أي: وما من شيء من المخلوقات
إلا يسبح بحمد الله ﴿وَلَكِن لَّا نَفْقَهُونَ
تَسْبِیجَهُمْ﴾ أي لا تفقهون تسبيحهم أيها
الناس لأنها بخلاف لغتكم، وهذا عام في
النبات والجماد والحيوانات (٢).
(١) انظر: لسان العرب، ٤٧٢/٢.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٧٩/٥.
والمراد أنها تسبح له بلسان الحال،
حيث تدل على الصانع وعلى قدرته
وحكمته، فكأنها تنطلق بذلك، وكأنها تنزه
الله عز وجل مما لا يجوز عليه من الشركاء
وغیرھا(٣).
وعن عكرمة ﴿وَإِن مِن شَىْءٍ إِلَّا يُسَمِحُ
◌ِدِهِ﴾ قال: الشجرة تسبح (٤)، وقال قتادة
رحمه الله: کل شيء فيه الروح يسبح، من
شجر أو شيء فيه الروح (٥).
وقوله تعالى: ﴿أَلْتَرَ أَنَّاللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُهُ مَن
فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَاَلَّيْرُ صَفَّتٍ كُلُّ قَدْ عَلِمَ
صَلَاتَهُ، وَتَسْبِحَةُ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴾
[النور: ٤١].
ودلالة الآية القرآنية واضحة في تقرير
حقيقة التسبيح، وأن كل شيء في الوجود
يسبح لله تعالى على وجه التقديس
والتعظيم، وكل يسبح بطريقته ولغته التي
لا يفهمها البشر ، بل نؤمن بها كما جاءت
بالقرآن الكريم.
والملاحظ عدم تخصيص الشجر في
هذه الآيات الكريمة إلا أنها تدخل في عموم
المخلوقات والموجودات التي تسبح الله
تعالى.
(٣) الكشاف، الزمخشري، ٢/ ٦٧٠.
(٤) جامع البيان، الطبري، ١٧ / ٤٥٥.
(٥) المصدر السابق، ١٧ / ٤٥٦.
١٤٠
بَرُ النَِّّيَّـ
جوبيبو
القرآن الكريم

الشجر
الشجر والابتلاء
ذكر الله تعالى في القرآن الكريم بعض
الآيات جاء فيها لفظ الشجر مقرونًا بأحداث
كبيرة ومتنوعة ارتبطت بالابتلاء، منها قصة
آدم عليه السلام مع الشجرة التي نهي أن
يقرب منها ، فأكل منها فصارت عليه محنة
وابتلاءً، وقصة صاحب الجنتين، وأصحاب
الجنة، وهذا ما سوف نبينه في النقاط الآتية:
أولًا : قصة آدم:
وهي أول قصة ابتلاء ارتبطت مع الشجر
لأول إنسان خلقه الله تعالى ، ورد ذكرها
في القرآن الكريم في قوله: ﴿وَيَدَمُ أَسَّكُنْ
أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ بِئْتُمَا وَلَا نَقْرَبَا
هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُوْنَا مِنَ الظَّالِمِينَ ) فَوَسْوَسَ لَهُمَا
الشَّيْطَانُ لِيُبْدِىَ لَهُمَا مَا ؤُرِىَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَ تِهِمَا
وَقَالَ مَا نَهَنكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّ أَنْ تَكُونَا
مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُوْنَا مِنَ الْخَلِينَ ، وَقَاسَمَهُمَاْ إِ لَكُمَا
لَمِنَ النَّصِحِينَ آ مَدَلَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقًا
الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَ تُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا
مِن وَرَقِ لُلْجَنَّةِّ وَنَادَتُهُمَا رَبُّهُمَا أَوْ أَنْهَكُمَا عَنْ
تِلْكُمَا النَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَاْ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ
[الأعراف: ١٩- ٢٢].
٢٢
وملخص قصة آدم عليه السلام التي
يرويها أكثر المفسرين تتمثل في أن الله تعالى
أمر آدم عليه السلام وزوجته حواء أن یسکنا
الجنة ويأكلا من ثمارها، ويبتعدا عن شجرة
بعينها من أشجار الجنة دون سائر أشجارها،
فأتى الشيطان إلى آدم عليه السلام وحواء،
فقال لهما: هل أدلكما على شجرة إن أكلتما
منها خلدتما فلم تموتا، وملكتما ملكًا لا
ينقضي فيبلى، فحلف لهما على أنه ناصح
لهما فیما ادعاه من الكذب.
فأكل آدم عليه السلام وحواء من الشجرة
التي نهيا عن الأكل منها، وأطاعا أمر إبليس،
وخالفا أمر ربهما، فانكشفت لهما عوراتهما،
و کانت مستورة عن أعينهما، فأقبلا یشدان
عليهما من ورق الجنة ليسترا عوراتهما،
وناداهما ربهما قال لهما: ألم أنهكما عن
تلكما الشجرة وأقل لكما : إن الشيطان
لكما عدو مبين، قالا: ربنا ظلمنا أنفسنا
وإن لم تغفر لنا ذنوبنا وترحمنا وتتجاوز عنا
لنكونن من الخاسرين في العقوبة.
فتاب الله عليهما، وأوحى إليهما: أن
اهبطوا من الجنة آدم وحواء وإبليس، بعضكم
لبعض عدو، یکون إبليس لهما عدوًا، وهما
لإبليس أعداء ، ولكم في الأرض مستقر
ومتاع إلی حین إلى منتھی آجالکم وإبليس
إلى النفخة الأولى، قال الله فيها تحيون،
يعني : في الأرض، وفيها تموتون عند منتهى
آجالكم ، ومنها تخرجون يوم القيامة(١).
والمتأمل في قصة آدم عليه السلام من
(١) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان، ٢/ ٣٢، جامع
البيان، الطبري، ٣٨٨/١٨، أضواء البيان،
٤ /١١٠.
www. modoee.com
١٤١

حرف الشین
خلال هذه الآيات القرآنية يجد ذكر الشجرة
التي أخرجت آدم عليه السلام وزوجه من
الجنة على وجه الابتلاء بعدم القرب والأكل
منها.
فقوله تعالى المتكرر في سورة البقرة
والأعراف: ﴿وَلَا نَقْرَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾، أي: المفسرين أنها الحنطة، وعن قتادة وابن
اختبار من الله تعالى وامتحان لآدم(١).
قال قتادة رحمه الله: ((ابتلى الله آدم كما
ابتلى ، الملائكة قبله و کل شيء خلق مبتلی
ولم يدع الله شيئا من خلقه إلا ابتلاه بالطاعة
، فما زال البلاء بآدم حتى وقع فيما نهي
عنه)»(٢).
يقول ابن عاشور في تفسير هذه الآية:
(يعني به : ولا تأكلا من الشجرة ؛ لأن
قربانها إنما هو لقصد الأكل منها ، فالنهي
عن القربان أبلغ من النهي عن الأكل ؛
لأن القرب من الشيء ینشیء داعية وميلا
إليه))(٣).
ويأتي في هذا المعنى قوله صلى الله
عليه وسلم: (من يرتع حول الحمى يوشك
أن یواقعه)(٤).
ولم يعرض القرآن الكريم ماهية تلك
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٢٣٤/١.
(٢) الدر المنثور، السيوطي، ١/ ١٣٠.
(٣) التحرير والتنوير، ١/ ٤٣٢.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع،
باب الحلال بين والحرام بين وبينهما
مشتبهات، ٣/ ٥٣، رقم ٢٠٥١.
الشجرة ونوعها التي أكل منها آدم عليه
السلام وزوجه، ومع ذلك فقد اختلف أهل
التفسير فيها على أقوال، فقد ورد عن علي
وابن مسعود وسعيد بن جبير والسدي أنها
الكرمة، وعن ابن عباس والحسن وجمهور
جريج ونسبه ابن جريج إلى جمع من
الصحابة أنها شجرة التين، ووقع في سفر
التكوين من التوراة إبهامها وعبر عنها
بشجرة معرفة الخير والشر.
وفي هذا يقول الإمام الطبري رحمه الله:
((والصواب في ذلك أن يقال: إن الله جل
ثناؤه نھی آدم وزوجته عن أكل شجرة بعينها
من أشجار الجنة، دون سائر أشجارها، فأكلا
منها، ولا علم عندنا بأي شجرة كانت على
التعیین؛ لأن الله لم يضع لعباده دليلا على
ذلك في القرآن ولا من السنة الصحيحة،
وقد قيل: كانت شجرة البر، وقيل: كانت
شجرة العنب، وقيل: كانت شجرة التين،
وجائز أن تكون واحدة منها، وذلك علم إذا
علم ينفع العالم به علمه، وإن جهله جاهل
لم يضره جهله به(٥).
وعلى أية حال فمهما تعددت الأقوال
في بيان نوع الشجرة وتعيينها تبقى مبهمة؛
لأن الله تعالى لم يذكر عنها شيئًا في القرآن
الكريم ولا في السنة النبوية الصحيحة ، فلا
(٥) جامع البيان، الطبري، ٥٢١/١.
جَوَسُولَة النفسية
القرآن الكريمِ
١٤٢

الشجر
يوجد دليل على تحديد نوعها، ولا يترتب
على تحديدها شيء؛ لذلك نؤمن بأنها
شجرة من أشجار الجنة کان لها دور كبير في
تغيير مسار حياة البشرية كافة حيث ابتلى الله
تعالی سیدنا آدم عليه السلام بها حین نھي
عن القرب منها ، فدنا منها فصارت عليه
ابتلاء ومحنة، فأخرج من تلك الجنة والنعيم
لتكون تلك الشجرة سببًا لبداية حياة البشرية
على وجه الأرض.
ثانيًا: قصة صاحب الجنتين:
ارتبط مفهوم الشجر مع قصة صاحب
الجنتين من حيث كون الشجر أصبح ابتلاء
وفتنة بعدما كان نعمة من الله تعالى على
صاحبه، حيث إن صاحب الجنتين لم يشكر
هذه النعمة ولم ينسبها إلى المنعم، وتمادى
في غيه وظلمه، وتجرأ على الكفر بإنكاره
البعث والساعة؛ لأنه يعيش فى النعم الدنيوية
، ويريدها أن تدوم بصورة أبدية، كما جاءت
القصة في سورة الكهف في قوله تعالى:
وَأَضْرِبْ لَمُ مَّثَلَا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا
جَنَّنَيْنِ مِنْ أَعْنَبِ وَحَفَفْتَهَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا
زَرْعًا ) كِلْنَا الْجَنَيْنِ ءَانَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِ مِنْهُ
شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلَلَهُمَا نَهْرَ ﴿ وَكَانَ لَهُ ثَمْرٌ فَقَالَ
لِصَحِهِ، وَهُوَ يُحَاوِرُهُمْ أَنَاْ أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزّ
نَفَرًا (٦) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ، وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ.
قَالَ مَآ أَغُنُ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِهِ أَبَدًا * وَمَآ أَظُنُّ
السَّاعَةً قَآيِمَةٌ وَلَيْنِ رُّدِدْتُ إِلَى رَبِّ لَأَجِدَنَ
خَيْراً مِّنْهَا مُنقَلَبًا ﴾ [الكهف: ٣٢ -٣٦].
وقوله تعالى: ﴿وَأَضْرِبْ لَمُ مَثَلًا ﴾ أي: بین
حالًا تكون فيها العبرة، وهي حال رجلين
مختلفين طاعة وعصيانا، ﴿جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا
جَنَّنَيْنِ مِنْ أَعْنَبٍ وَحَفَفْتَهَا بِنَخْلِ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا
زَرْعًا﴾، أي: جعل الله لأحدهما جنتين من
كروم، وأحاطهما بنخل ، كفعل كبار الملاك
الذین یجعلون مزارعهم ذات جنات وعيون
ونخل يحوطها كأنه سور يطوف بها، فتكون
مثمرة، ویکون سورها مثمرا لا یکون حدیدًا
ولا خشبًا، ولا بناءً ، بل يكون نخلاً حيًا
مثمرًا يؤتي جناه، وجعلنا بينهما زرعًا، ينتج
بقولًا وقمحًا، فحيثما نظرت إلى الجنتين
وجدت طعامًا طيبًا، فاكهةً وتمرًا وغيرهما
مما هو غذاء ومتعة.
و﴿كِنَا الْجَنََّيْنِ ءَانَتْ أُكُلَهَا﴾، أي: ثمرها
كاملًا موفورًا وبانتظام لم تتخلف سنة عن
أخرى، بل آتت به رتيبا تباعا، ولم تظلم
منه شيئا، أي: لم تنقص منه شيئا، ﴿وَفَجَرْنَا
خِلَلَهُمَا نَهْرًا﴾، أي: شققنا خلالهما نهرًا
يجري والماء موفور، لا تصاب الزروع
بحرمان منه، ولا الأرض بجفاف، بل کل
شيء ممهد (١).
وقوله: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ قيل: المراد
به: المال، روي عن ابن عباس، ومجاهد،
(١) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٤٥٢٨/٩.
www. modoee.com
١٤٣

حرف الشین
وقتادة، وقيل: الثمار، وهو أظهر هاهنا(١).
﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ, وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ أي:
دخل الجنة في هذه الحال التي استولت
عليه حال الغرور، وحال التعالي الكاذب
وعدم المبالاة إلا بالساعة التي هو فيها،
واندفع بها إلى الشرك، وهو بذلك الغرور
والكبر وغمط الناس ظالم لنفسه، فظلمه
لنفسه بهذا الذي هو محيط به، وقد أداه إلى
الشرك کما ذکرنا ، وذلك ظلم عظيم، وقد
أداه ذلك إلى أن يقول: ﴿مَآ أَغُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِهِ
أَبَدًا﴾، فهو حكم بالحاضر على المستقبل،
وذلك شأن المادي الذي يأسر الحاضر
تفکیره، حتی لا یفکر إلا في محيطه، وقد
أكد بقاءها بالنفي بـ (ما)، وبـ (أبدا)، وكأنه
یحکم على الله، ويتحكم في المقادير وما
هو بشيء، ثم يتطاول فينكر البعث، ويفتات
في تقديره، فيقول: ﴿ وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ
قَآئِمَةٌ﴾ [الكهف: ٣٦].
وينفي إيمانه بالساعة ويقول مستهينا
غير عابئ كأن الأمر لا يوجب اهتمامه :
وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآيِمَةٌ﴾، ويفرض أنه
إذا جاءت الساعة ، فإنه سينال مثل ما ينال
في الدنیا وأكثر منه، فيقول مغترًا: ﴿وَلپن
رُدِدتُ إِلَى رَبِِّ لَأَجِدَنَ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا﴾
مرجعًا انقلب إلیه، بدلا مما كنت فيه، وهو
في هذا يقسم مطمئنًا، وهو بهذا يقيس الحال
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ١٥٧/٥.
المقبلة على الحال الحاضرة، وكأن جنات
الدنيا ممتدة إلى الآخرة ، بل تزيد عليها،
وأن هذا أقصى درجات الغرور، فھو یفتات
على ربه أو يقسم عليه، وليس من المقربين
إليه الذين عادوا بما آتاهم من خير على
المحتاجين من اليتامى والمساكين وأبناء
السبيل (٢).
والمتأمل في قراءة هذه القصة يجد عدم
ذكر لفظ الشجر في هذه الآيات الكريمة
إلا أنها تدخل في عموم الجنتين التي جاء
ذكرها في القصة، ويجد من خلال هذه
الآيات القرآنية كيف يفعل الغرور والتكبر
بصاحبه حینما یتمکن منه.
ويتضح مما تقدم علاقة الشجر بقصة
صاحب الجنتين في كونه ابتلاء ومحنة
للذي أوتي الجنتين والذي جحد وعصى
وتمرد فكفر بنعمة الله تعالى وأنكرها ،
فكان جزاءه أن الله تعالى قطع عنه تلك
النعم، وصب عليه أنواع العذاب والحرمان.
ثالثًا: قصة أصحاب الجنة:
ذكر الله تعالى قصة أصحاب الجنة في
سورة القلم حيث ضرب للمشركين مثلاً
بحال أصحاب الجنة، كما ضرب مثل
قريب منه في قصة صاحب الجنتين ، كما
مضی ذكرها في المطلب السابق، فكلتاهما
(٢) زهرة التفاسير، ٤٥٢٩/٩ -٤٥٣٠.
جَوَسُو ◌َرُ الْتَفْسِيد
القرآن الكريمِ
١٤٤

الشجر
امتحان للمبتلى واختبار شكره لتلك النعم
أو كفره بها، فالمثل يضرب لمن كفر بنعمة
الله تعالى على سبيل العظة والاعتبار.
وأما أصحاب الجنة فهم الذين ابتلاهم
الله بأن أنعم عليهم بجنة، وهي بستان فيها
زروع و ثمار وأشجار، ثم جحدوا وكفروا
بتلك النعمة حين قرروا منع حق الفقير
والمسكين من تلك الثمار، ولذلك أنزل
الله تعالى على تلك الجنة صاعقة فأحرقتها،
القصة بسياقها من خلال الآيات
وتآتي
الآتية:
قال تعالى: ﴿﴿إِنَّابَلَوْنَهُمْ كُمَا بَلَوْنَا أَصْحَبَ اَلْجَنَّةِ
إِذْ أَ قْتَمُواْ لَيَصْرِ مُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلَا يَسْتَنْنُونَ (٨) فَطَافَ
عَلَيْهَا طَيِفٌ مِّنِ زَّيِّكَ وَهُمْ نَآَيِمُونَ (١) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِم
٢ )قَدَوْ مُصِْحِينَ (١) أَنِ أَغْدُواْ عَلَى حَرّيَّكُمْ إِن كُمْ
صَرِمِينَ ﴿ فَنْطَلَقُواْ وَهُمْ يَنَخَفَنُونَ { أَنْ لََّ يَدْخُلَّهَا
اَلْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (١ ) وَغَدَوْاْ عَلَى حَرْدٍ قَدِرِينَ فَلَا
رَأَوْهَا قَالُواْ إِنَّا لَعَلُونَ ﴿ بَلْ تَخْرُ مَخْرُوُمُونَ ) قَالَ
أَوْسَطُهُمْ أَوْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (٥) قَالُواْ سُبْحَنَ رَيِّناً
◌ِنَّا كُنَا ظَالِمِينَ * فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَوَمُونَ
◌َ قَالُواْ يَوَيِّنَا إِنَّا كُنَّ ◌َغِيْنَ ا عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا
٣٠
[القلم: ١٧-
خَيْراً مِنْهَا إِنَّ إِلَى رَبِّنَا رَغِبُونَ (٢)﴾
٣٢].
قال ابن كثير: «هذا مثل ضربه الله تعالى
لكفار قريش فيما أهدى إليهم من الرحمة
العظيمة، وأعطاهم من النعم الجسيمة، وهو
بعثه محمدًا صلى الله عليه وسلم إليهم،
فقابلوه بالتكذيب والرد والمحاربة؛ ولهذا
قال: ﴿إِنَّابَلَوْنَهُمْ﴾ أي: اختبرناهم، ﴿كَمَا بَلَوْنَاً
أَصْحَبَ لَلْنَّةِ﴾ وهي البستان المشتمل على
أنواع الثمار والفواكه))(١).
وقال ابن عاشور: «فالبلوى المذكورة هنا
بلوى بالخير ، فإن الله أمد أهل مكة بنعمة
الأمن ونعمة الرزق وجعل الرزق يأتيهم من
كل جهة، ويسر لهم سبل التجارة في الآفاق
بنعمة الإيلاف برحلة الشتاء ورحلة الصيف،
فلما أكمل لهم النعمة بإرسال رسول منهم
ليكمل لهم صلاح أحوالهم ويهديهم إلى
ما فيه النعيم الدائم ، فدعاهم وذكرهم بنعم
الله، أعرضوا وطغوا ولم يتوجهوا إلى النظر
في النعم السالفة ولا في النعمة الكاملة التي
أكملت لهم النعم، ووجه المشابهة بين
حالهم وحال أصحاب الجنة المذكورة هنا
هو الإعراض عن طلب مرضاة الله وعن
شكر نعمته، وهذا التمثيل تعريض بالتهديد
بأن يلحقهم ما لحق أصحاب الجنة من
البؤس بعد النعيم والقحط بعد الخصب»(٢).
وقال ابن كثير: ((وقوله: ﴿إِذْ أَقْسَمُواْلَصْرِمُنَّهَا
مُصْبِيِينَ﴾ أي: حلفوا فيما بينهم ليجذن
ثمرها ليلاً ؛ لئلا يعلم بهم فقير ولا سائل،
لیتوفر ثمرها علیهم ولا يتصدقوا منه بشيء،
﴿وَلَا يَسْتَنُْونَ﴾ أي: فيما حلفوا به))(٣).
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٨/ ١٩٦.
(٢) التحرير والتنوير، ٧٩/٢٩.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٨/ ١٩٦.
www. modoee.com
١٤٥

حرف الشین
من الثمرة شيئًا للمساكين، أي : أقسموا
لیصرمن جمیع الثمر ولا یترکون منه شيئا،
وهذا التعميم مستفاد مما في الصرم من
معنى الخزن والانتفاع بالثمرة ، وإلا فإن
الصرم لا ينافي إعطاء شيء من المجذوذ
لمن يريدون»(١).
ولهذا حنثهم الله في أيمانهم، فقال:
﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَيِفٌ مِّنِ زَّيِّكَ وَهُمْ نَآَيِمُونَ﴾ أي:
أصابتها آفة سماوية(٢).
قال ابن عاشور: ((ولم يعين جنس
﴿ناصبحتالمِم﴾، أي : كاللیل الأسود،
فَنَاهَ وْأْمُصْبِحِينَ﴾ أي: لما كان وقت الصبح
نادى بعضهم بعضًا ليذهبوا إلى الجذاذ،
﴿أَنِ أَهْدُواْ عَلَى حَرّيْكُمْ إِنْ كُمْ صَرِمِينَ﴾ أي:
تريدون الصرام، ﴿فَأَنْطَلَقُواْ وَهُرْ يَنَخَفَنُونَ ﴾
أي: يتناجون فيما بينهم بحيث لا يسمعون
أحدًا كلامهم، أي: يقول بعضهم لبعض:
لا تمكنوا الیوم فقيرًا یدخلھا علیکم، قال
الله تعالى: ﴿وَغَدَوْاْ عَلَى حَرْرٍ قَدِرِينَ﴾ أي: قوة
وشدة، ﴿قَدِرِينَ﴾ أي: عليها فيما يزعمون
ويرومون، ﴿فَلَّا رَأَوْهَا قَالُواْ إِنَّا لَصَالُّونَ﴾ أي:
(١) التحرير والتنوير، ٢٩/ ٨١.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ١٩٦/٨.
(٣) التحرير والتنوير، ٢٩/ ٨١.
ويتبين من كلام المفسرين اعلاه ،
ملخص قصة أصحاب الجنة ، وهي أن
الله تعالى قد ابتلى أصحاب الجنة في يوم
(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير،
١٩٦/٨.
(٥) التحرير والتنوير، ٨٦/٢٩.
١٤٦
جَوَسُولَة التقنية
القرآن الكريمِ
ومعنى لا يستثنون: «أنهم لا يستثنون فلما وصلوا إليها وأشرفوا عليها، وهي على
الحالة التى قال الله عز وجل قد استحالت
عن تلك النضارة والزهرة وكثرة الثمار إلى
أن صارت سوداء مدلهمة، لا ينتفع بشيء
منها، فاعتقدوا أنهم قد أخطئوا الطريق؛
ولهذا قالوا: ﴿إِنَّا لَصَالُونَ﴾ أي: قد سلكنا
إليها غير الطريق فتهنا عنها، ثم رجعوا عما
كانوا فيه، وتيقنوا أنها هي فقالوا: ﴿بَلْ نَخْنُ
څُومُونَ﴾ أي: بل هذه هي، ولكن نحن لا
حظ لنا ولا نصيب (٤).
قال ابن عاشور: «﴿بَلْ نَحْنُ مَخْرُومُونَ﴾
الطائف لظهور أنه من جنس ما يصيب إضراب للانتقال إلى ما هو أهم بالنظر لحال
تبييتهم إذا بيتوا حرمان المساكين من فضول
الجنات من الهلاك، ولا يتعلق غرض بتعيين
نوعه؛ لأن العبرة في الحاصل به))(٣).
ثمرتهم ، فكانوا هم المحرومين من جميع
الثمار، فالحرمان الأعظم قد اختص بهم
إذ ليس حرمان المساكين بشيء في جانب
حرمانهم، ويحتمل: أن يكون الضلال
حقيقيًّا، أي : ضلال طريق الجنة، أي :
قالوا: إنا أخطأنا الطريق في السير إلى جنتنا
؛ لأنهم توهموا أنهم شاهدوا جنة أخری غیر
جنتهم التي عهدوها، قالوا ذلك تحيرًا في
أمرهم» (٥).

الشجر
الحصاد، أي : في يوم جمع الثمار، حيث والعذاب، وفي القصة تحذير عن فعلهم
اتفقوا على أن يجمعوا ثمار هذه الجنة أو وعدم الاستهانة بنعم الله تعالى والحفاظ
عليها وعدم التفريط بها، وذلك بالشكر
والثناء على الله تعالى مع المسارعة إلى
التوبة والاستغفار والرجوع إلى الله تعالی.
البستان في الصباح الباكر، ولا یترکوا من
ثمارها شيئًا إلا جمعوه ، فأرسل الله تعالى
عليها أثناء الليل وهم نائمون طائفًا من عنده
فأحرقها، فأصبحت أشجارها وثمارها
محترقة وهم لا يشعرون، فقاموا من نومهم
متجهين ليباشروا حصاد تلك الثمار ، وهم
يتحدثون بصوت خافت حتى لا ينتبه إليهم
أحد، لأنهم قرروا أن يمنعوا حق الفقراء
والمساكين في تلك الثمار، ونسوا أن الزكاة
والصدقة تنمي المال وتمنعه من الزوال
وتضع فيه البركة، ومع ذلك اعتقدوا أنهم
ضلوا الطريق، فذهبوا إلى مكان آخر لكنهم
فوجئوا بأنها هي الجنة نفسها فكان جزاؤهم
أن حرموا من تلك النعم كلها نتيجة ظلمهم
وأكلهم حق المساکین.
ويتضح مما مضى أن قصة أصحاب
الجنة المذكورة في القرآن الكريم وارتباطها
مع الشجر على سبيل الابتلاء والمحنة،
حيث أعطت هذه القصة دروسًا في أخذ
العبرة من أصحاب تلك الجنة التي حفت
بالأشجار والثمار المتنوعة إلا أنهم جحدوا
نعمة الله تعالى عليهم، بحرمانهم حق
المساكين، مع نسيانهم أن الله تعالى هو
المعطي ، وهو القادر على أن يسلب منهم
كل النعم، فكان عقابهم الحرمان والهلاك
www. modoee.com
١٤٧

حرف الشين
الشجر في المثل القرآني
ذكر لنا القرآن الكريم أمثلة كثيرة في
مواطن شتى لتوضيح معانٍ كثيرة من إنفاقٍ
في سبيل الله وإيمانٍ به تعالى وغيرها،
وتقریب هذه المعاني إلى النفوس کي يزداد
المؤمن يقينا بها، ومن هذه الأمثلة ما كان
المثل فيها هو الشجر، وسيتم الحديث عنها
في النقاط الآتية:
أولًا: الحث على الإنفاق في سبيل الله:
ضرب الله تعالى مثلًا للذين ينفقون
أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع
سنابل كما جاء في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ
يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ
أَثْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِ كُلِّ سُتْبُلَةٍ مِّأْئَةُ حَبَّةٌ وَالَهُ
يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ ﴾
[البقرة: ٢٦١].
قال ابن كثير: ((هذا مثل ضربه الله تعالى
لتضعيف الثواب لمن أنفق في سبيله وابتغاء
مرضاته، وأن الحسنة تضاعف بعشر أمثالها
إلى سبعمائة ضعف، فقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ
يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ في سپیلِ اللهِ ﴾ قال سعید بن
جبير: في طاعة الله، وقال مکحول: يعني به:
الإنفاق في الجهاد، من رباط الخيل وإعداد
السلاح وغير ذلك، وعن عكرمة عن ابن
عباس: الجهاد والحج، يضعف الدرهم
فيهما إلى سبعمائة ضعف؛ ولهذا قال الله
تعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَثْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي
كُلِّ سُتْلَةٍ مِّأْئَةُ حَبَّةٍ﴾، وهذا المثل أبلغ في
النفوس من ذكر عدد السبعمائة، فإن هذا فيه
إشارة إلى أن الأعمال الصالحة ينميها الله
عز وجل، لأصحابها، كما ينمي الزرع لمن
بذره في الأرض الطيبة))(١).
قال ابن عاشور: ((مثل ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ
أَمْوَلَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ تشبيه حال جزائهم
وبر کتهم، والصلة مؤذنة بأن المراد خصوص
حال إنفاقهم بتقدير مثل نفقة الدين، وقد
شبه حال إعطاء النفقة ومصادفتها موقعها
وما أعطي من الثواب لهم بحال حبة أنبتت
سبع سنابل، أي: زرعت في أرض نقية
وتراب طيب وأصابها الغيث فأنبتت سبع
سنابل»(٢).
وجاء في الحديث عن أبي هريرة رضي
الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة
عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف)(٣).
ومعنى الحديث أن الحسنة تضاعف
بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى
أضعاف كثيرة.
((وقد ذكر الزمخشري وغيره: أن التشبيه
ليس بين الذين ينفقون والحبة، بل بين
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ١/ ٦٩١.
(٢) التحرير والتنوير، ٤١/٣.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصيام،
باب فضل الصيام، ٨٠٧/٢، رقم ١١٥١.
١٤٨
الْقُرآن الكَرِيْمِ

الشجر
الصدقة نفسها والحبة؛ فالكلام فيه مضاف
محذوف مقدر في القول، وتقديره: مثل
صدقة الذين ينفقون في سبيل الله، فقد شبه
سبحانه الصدقة التي تنفق في سبيل الله بحبة
تلقى في الأرض ، فتخرج عودًا مستويًا قائمًا
تتعلق به سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة،
أي: أنه يتولد عن هذه الحبة التي باركها
خالق الحب والنوى سبعمائة حبة، وإسناد
الإنبات إليها من حيث اتصاله بها، وأن تلك
الحبات هي نماء متولد عنها، وفي الحقيقة
إن المنبت هو الله سبحانه وتعالى))(١).
وتعطي الآية المتقدمة دروسًا في الإنفاق
في سبيل الله وعدم البخل في المال، وأن
الحسنة تضاعف بعشر أمثالها إلى سبعمائة
ضعف، ويرتبط مفهوم الشجر بالإنفاق في
سبيل الله من حيث كون السنابل نباتًا، وهي
مثل ضربه الله تعالى لبيان هذا الإنفاق.
ومن الجدير بالذكر أن لفظ السنبلة ذكر
في القرآن الكريم في مواضع منها:
قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَثْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ
فِي كُلِّ سُتْبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءُ
وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: ٢٦١].
وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِّ أَرَى سَبْعَ
بَقَرَتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ
(١) انظر: الكشاف، الزمخشري، ٣١٠/١، زهرة
التفاسير، أبو زهرة ٢/ ٩٧١.
سُتْبُّكَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَاِسَتٍ يَأَيُّهَا الْمَلَأُ
أَفْتُونِ فِ رُمْ يَنِىَ إِن كُنتُمْ لِلْزُّهْيَا تَعْبُرُونَ
[يوسف: ٤٣].
ثانيًا: الإيمان والهدى:
ضرب الله تعالى الشجرة المباركة مثالًا
على نور إيمان المؤمن وهداه في قوله تعالى:
اَللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَِّ مَثَلُ نُورِهِ،
كَمِشْكَوْمٍ فِيهَا مِصْبَاحُ الْمِصْبَاحُ فِ زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ
كَأَنَّهَا كَوَّكَبُ دُرِىٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَرَكَةٍ زَيْتُونَةٍ
لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرِبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىّءُ وَلَوْ لَمْ
تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌّ عَلَى نُورٍّ يَهْدِى اللّهُ لِنُّورِهِ مَن
يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْسَلَ لِلنَّاسُِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ
عَلِيمٌ {٢٥
﴾ [النور: ٣٥].
قال الواحدي: «بنوره وهداه يهتدي من
في السماوات والأرض، ثم ضرب مثلا
لذلك النور الذي يقذفه في قلب المؤمن
فَوَرِوء كَمِثْ
حتی یھتدي به فقال:
وهي الكوة غير النافذة، والمراد بها هاهنا
الذي وسط القنديل ، وقوله: ﴿فِهَا مِصْبَاحُ﴾
يعني: السراج، ﴿اَلْبِصْبَاحُ فِ زُجَاجَةٍ﴾ لأن
النور في الزجاج وضوء النار أبين منه في
كل شيء، ﴿الزُّجَاجَةُ كَنَّهَا كَوَكَبٌ﴾ لبياضه
وصفائه، ﴿دُرِّئَّ﴾ منسوب إلى أنه کالدر،
﴾ أي: الزجاجة ، والمعنى للمصباح،
﴿مِن شَجَرَقْ﴾ أي: من زيت شجرة،
﴿مُبَرَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ﴾ ليست مما
www. modoee.com
١٤٩

حرف الشین
يطلع عليها الشمس في وقت شروقها فقط،
﴿وَلَا غَرْبِيَّةِ﴾ أو عند الغروب ، والمعنى:
ليس يسترها عن الشمس في وقت من النهار
شيء فهو أنضر لها وأجود لزيتها ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا
يُضِىَءُ﴾ لصفائه دون السراج وهو قوله:
﴿وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ثُورُّ علىثورٍ﴾ يعني: نور
السراج ونور الزيت ، ثم قال عز من قائل:
﴿يَهْدِى اَللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ﴾))(١).
فبعد بيان تفسير هذه الآية الكريمة
يمكن بيان مفهوم الشجرة المباركة التي
ذكرت في الآية الكريمة، وبعد أن شبه الله
تعالى الزجاجة وفیھا المصباح، بالكوكب
الدري المتلآلىء، عاد سبحانه وتعالى إلى
المصباح، فأخبر أنه: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَقِ﴾، فما
المراد من هذه الشجرة؟
اختلف في هذا على ستة أقوال:
الأول: أنها ليست من شجر الشرق دون
الغرب، ولا من شجر الغرب دون الشرق؛
لأن الذي يختص بإحدى الجهتین کان أدنی
زيتًا، وأضعف ضوءًا ولكنها ما بين الشرق
والغرب، كالشام؛ لاجتماع الأمرين فيه؛
وهو قول مالك.
وفي رواية ابن وهب عنه قال: هو الشام،
الشرق من هاهنا والغرب من هاهنا، ورأيته
لابن شجرة أحد حذاق المفسرين.
الثاني: أنها ليست بشرقية تستر عن
(١) الوجيز، الواحدي، ص٧٦٤.
الشمس عند الغروب، ولا بغربية تستر عن
الشمس وقت الطلوع؛ بل هي بارزة؛ وذلك
أحسن لزيتها أيضا؛ قاله قتادة.
الثالث: أنها وسط الشجر، لا تنالها
الشمس إذا طلعت ولا إذا غربت، وذلك
أجود لزيتها: قاله عطية.
الرابع: أنها ليس في شجر الشرق ولا في
شجر الغرب مثلها، قاله یحیی بن سلام.
الخامس: أنها من شجر الجنة لا من
الدنیا، قاله الحسن.
السادس: أنها مؤمنة، ليست بنصرانية
تصلي إلى الشرق، ولا يهودية تصلي إلى
الغرب، وهو قول ابن عمر (٢).
وعلى أية حال فأن جميع هذه الأقوال
حسنة غير مردودة إلا أن أغلب المفسرين
ذكروا أن هذه الشجرة هي هي شجرة الزيتون
المبار کة ضرب الله تعالى بها مثلا لنوره جل
وعلا، ونور إیمان قلب المؤمن وهداه.
وأما وصفها مباركة:
وقيل : إنما وصفت بالبركة لأنها تثبت
في الأرض التي بارك الله تعالى فيها
للعالمين، وقيل : بارك فيها سبعون نبيا منهم
إبراهيم عليه السلام، زيتونة بدل من شجرة،
وقال أبو علي: عطف بيان عليها ، وهو
مبني على مذهب الكوفيين من تجويزهم
عطف البيان في النكرات، وأما البصريون
(٢) أحكام القرآن، ابن العربي، ٣/ ٤٠٤.
مَوَسُوعَر النفسية الوضوء
القرآن الكريم
١٥٠

الشجر
فلا يجوزونه إلا في المعارف، وفي إبهام أقلاما تكتب بها كلمات الله تعالى في قوله
تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِ الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلٌَ
الشجرة ووصفها بالبركة ثم الإبدال عنها أو
بيانها تفخيم لشأنها(١).
وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ، مِنْ بَعْدِهِ، سَبْعَةُ أَبْجُرٍ مَّا
نَفِدَتْ كَلِمَتُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )﴾
[لقمان: ٢٧].
وأما علاقة الشجر بهذه الآية الكريمة،
کونه مثالا للهدی والإيمان.
يقول أبو بكر ابن العربي: ((فضرب مثلاً
للهدى النور، وللقلب المشكاة، وللإيمان
المصباح، وللصدر الزجاجة، ولصفاء
الصدر وانشراحه الكوكب المضيء،
وللاستضاءة سداد المعارف وصلاح
الأعمال، وللإیقاد من الزيت الاستمداد من
بحر المعارف، وللشجرة انقسام القلوب،
والمعارف من أصل العلم الأول، على
أغصان إلى أوراق إلى ثمار على اختلاف
أنواع الشجر وصفات الأغصان واختلاف
حال الثمار في الهيئات والطعوم، وإمكان
الجني وتعذره، وحلوه ومره، إلى غير ذلك
من معانٍ لا تبلغها القدرة البشرية، ولا تنتهي
إليها العلوم الجزئية))(٢).
ويتضح مما تقدم ارتباط شجرة الزيتون
المباركة بضرب الأمثال في القرآن الکریم،
وهي مثل للمؤمن في نور الإيمان والهدى
في قلبه.
ثالثًا: كلمات الله تعالى:
ضرب الله تعالى مثلا في الشجر بوصفه
(١) انظر: روح المعاني، الألوسي، ٣٦٠/٩.
(٢) انظر: قانون التأويل، ابن العربي، ٤٧٩/١.
قال ابن كثير: ((ولو أن جميع أشجار
الأرض جعلت أقلامًا، وجعل البحر مدادًا
ومده سبعة أبحر معه، فکتبت بها كلمات
الله الدالة على عظمته وصفاته وجلاله
لتكسرت الأقلام، ونفد ماء البحر، ولو جاء
أمثالها مدداً)) (٣).
قال الحسن البصري: ((لو جعل شجر
الأرض أقلامًا، وجعل البحر مدادًا، وقال
الله: «إن من أمري کذا، ومن أمري کذا لنفد
ما في البحور، وتكسرت الأقلام» (٤).
وقد روي أن هذه الآية نزلت جوابًا
للیهود، قال ابن إسحاق: حدثني ابن أبي
محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن
ابن عباس؛ أن أحبار یهود قالوا لرسول الله
صلى الله عليه وسلم بالمدينة: يا محمد،
أرأيت قولك: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا
قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]. إيانا تريد أم قومك؟
فقال رسول الله صلی الله علیه وسلم: كلا،
فقالوا: ألست تتلو فيما جاءك أنا قد أوتينا
التوراة فيها تبيان لكل شيء؟ فقال رسول
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٣٤٨/٦.
(٤) المصدر السابق.
www. modoee.com
١٥١

حرف الشین
قلیل، وعندکم من ذلك ما یکفیکم)، وأنزل
الله فيما سألوه عنه من ذلك: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِى
اُلْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَهٌ﴾ [لقمان: ٢٧](١).
قال الزركشي: ((قال المفسرون:
والغرض من ذلك الإعلام بكثرة كلماته وهي
في نفسها غير متناهية وإنما قرب الأمر على
أفهام البشر بما يتناهى ، لأنه غاية ما يعهده
البشر من الكثرة، وقال بعض المحققين: إن
ما تضمنت الآية أن كلمات الله تعالى لم
تكن لتنفد ، ولم تقتض الآية أنها تنفد بأكثر
من هذه الأقلام والبحور ، وكما قال الخضر
عليه السلام: ما نقص علمي وعلمك من
علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من ماء
البحر حين غمس منقاره فيها)) (٢).
قيل لابن عرفة: إن قلت: ما فائدة قوله:
﴿مِن شجرةٍ﴾، ولو حذف لكان أبلغ، لأنه
إذا کان جميع ما في الأرض من شجر، و حجر
ومدر وعظام أقلامًا، و کتب بها كلمات الله
تعالى فلم تنفد بنفود الأقلام، فأحرى أن
لا تنفد حالة كتبها بالأقلام المصنوعة من
الشجر فقط، والجواب: بأنه لو لم يقل ، من
شجرة ، لزم منه المحال ؛ لأن الأرض فيها
الجوهر والعرض فيلزم صيرورة العرض
كلاما وهو محال، وكان يلزم عليه المحال،
(١) المصدر السابق.
(٢) البرهان في علوم القرآن، ٣/ ٥٤.
الله صلى الله عليه وسلم: (إنها في علم الله وهو نفود كلمات الله تعالى؛ لأن المحال قد
يستلزم محالا، ورده ابن عرفة في مختصره
المنطقي: بأنه لو استلزم المحال محالًا
لما صدقت قضية تقدمها كاذب، مع أنه قد
تصدق وقد تكذب، فإن قلت: هلا قال: ولو
أن ما في الأرض من شجر أقلام، فالجواب:
أن الشجر أقرب إلى الأقلام من الحجر(٣).
قال الرازي: فإن قيل: كيف قال تعالى:
﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَتِ رَبِ﴾ [الكهف:
١٠٩].
ولم يقل من شجر؟ قلنا: لأنه أراد تفصيل
الشجر وتقصيها شجرة شجرة حتى لا يبقى
من جنس الشجر شجرة واحدة إلا وقد
بريت أقلامًا (٤).
ويتضح مما مضى ارتباط مفهوم الشجر
بكلمات الله تعالى بوصفه أقلامًا يكتب بها
كلمات الله تعالى الباقية التي لا تنفد، مع
فرض شجر الأرض أقلامًا، والبحر ممدودًا
بسبعة أبحر مدادًا، لا يقع نفاد الكلمات،
وهذه صورة مقربة للأذهان بما يتناهى من
الشجر والأقلام مع كلمات الله تعالى غير
المتناهية، فلو جعلت الأشجار التي في
الأرض أقلامًا لكتابة كلمات الله، وجعل
مدادها البحر المتصل بمدار سبعة أبحر
أخرى، فإن تلك الأقلام ومعها المداد تنفد
(٣) انظر: تفسير ابن عرفة، ٢٧٦/٣.
(٤) انظر: أنموذج جليل في أسئلة وأجوبة عن
غرائب آي التنزيل، الرازي، ١ /٤٠٥.
١٥٢
مَقَ الَرَ النَّفْسِيْ
القرآن الكريمِ

الشجى
دون أن تنفد كلمات الله.
قال الزمخشري: ((وجاء التعبير بالشجرة
على الإفراد دون الجمع لإرادة تفصيل
الشجر وتقصيها شجرة شجرة، حتى لا يبقى
من جنس الشجر ولا واحدة إلا قد بريت
أقلامًا))(١).
(١) الكشاف، الزمخشري، ٥٠١/٣.
الشجر في الآخرة
أولًا: شجر نعيم:
لا شك أن في الجنة أشجارًا وثمارًا كثيرةً
ومتنوعةً لا حصر لها، أعدها الله تعالى
لعباده المؤمنين حيث وصفها الله تعالى
في القرآن الكريم بأنها نعيم دائم لأصحاب
الجنة، كما جاء في الآيات القرآنية نذكر
بعضًا منها كما يأتي:
قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَّقِينَ فِي ظِلَلٍ وَعُيُونٍ
﴿ وَفَوَكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ ﴾ [المرسلات: ٤١-
٤٢].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَارًا (١) حَدَابِقَ
وَأَعْنَبَّكَ﴾ [النبأ: ٣١-٣٢].
وقال تعالى: ﴿وَأَضَْبُّ الْيَمِينِ مَآ أَصْحَبُ
اَلْيَمِينِ فِي سِدْرٍ تَخْضُودِ وَطَلْجِ مَّنْصُورٍ
٢ ◌َوَظِلِ تَّمَّدُورِ ) وَمَآءٍ مَسْكُوبٍ ﴿ وَفَكِهَةِ
[الواقعة:
كَثِيرَةِ ) لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْتُوعَدٍ )﴾
٢٧-٣٣].
وقال تعالى: ﴿مُتَّكِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا
﴾ [ص: ٥١].
بِفَكِهَةٍ كَثِيرَةِ وَشَرَابٍ
٦٨
وقال تعالى: ﴿فِهِمَا فَكِهَةٌ وَغَخْلٌ وَرَُّانٌ
﴾ [الرحمن: ٦٨].
وقد وردت في القرآن الكريم أسماء
لبعض أشجار الجنة وأكدت ذلك السنة
النبوية .
www. modoee.com
١٥٣

حرف الشین
ومنها ما يأتي:
١. شجرة طوبى.
قال تعالى: ﴿أَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَثَابٍ ﴾
[الرعد: ٢٩].
قال الزمخشري: ((ومعنى (طوبى لك)
أصبت خيرا وطيبا، ومحلها النصب أو
الرفع، كقولك : طيبا لك، وطيب لك،
وسلاما لك، وسلام لك))(١).
قال ابن عاشور: ((وطوبى: مصدر من
طاب طيبًا إذا حسن، وهي بوزن البشرى
والزلفى، قلبت ياؤها واوا لمناسبة الضمة،
أي : لهم الخير الكامل ؛ لأنهم اطمأنت
قلوبهم بالذکر، فهم في طیب حال: في الدنيا
بالاطمئنان، وفي الآخرة بالنعيم الدائم،
وهو حسن المئاب ، وهو مرجعهم في آخر
أمرهم»(٢).
وذكر الإمام الرازي في تفسير كلمة
طوبى ثلاثة أقوال:
القول الأول: إنها اسم شجرة في الجنة،
فعن عتبة بن عبد السلمي، يقول: (جاء
أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ،
فسأله عن الحوض، وذكر الجنة، ثم قال
الأعرابي: فيها فاكهة؟ قال: (نعم، وفيها
شجرة تدعى طوبى)، فذكر شيئا لا أدري
ما هو؟ قال: أي شجر أرضنا تشبه؟ قال:
(ليست تشبه شيئا من شجر أرضك)، فقال
النبي صلى الله عليه وسلم: (أتيت الشام؟)
فقال: لا، قال: (تشبه شجرة بالشام تدعى
الجوزة، تنبت على ساق واحد، وينفرش
أعلاها)، قال: ما عظم أصلها؟ قال: (لو
ارتحلت جذعة من إبل أهلك، ما أحطت
بأصلها حتى تنكسر ترقوتها هرما)(٣).
وحكى أبو بكر الأصم رحمه الله: أن
أصل هذه الشجرة في دار النبي صلى الله
علیه وسلم وفي دار كل مؤمن منها غصن.
القول الثاني: وهو قول أهل اللغة أن
طوبى مصدر من طاب، كبشرى وزلفى،
ومعنى طوبى لك، أصبت طيبا، ثم اختلفوا
على وجوه: قال ابن عباس رضي الله عنه:
فرح وقرة عين لهم، وقال عكرمة: نعم ما
لهم، وقيل: غبطة لهم ، عن الضحاك. وقيل:
حسنى لهم ، عن قتادة، وقيل: خير وكرامة
، عن أبي بكر الأصم، وقيل: العيش الطيب
لهم، عن الزجاج.
واعلم أن المعاني متقاربة والتفاوت
يقرب من أن يكون في اللفظ، والحاصل
أنه مبالغة في نيل الطيبات ويدخل فيه جميع
اللذات، وتفسيره أن أطيب الأشياء في كل
الأمور حاصل لهم.
(١) المصدر السابق ٥٢٨/٢.
(٢) التحرير والتنوير، ١٨٢/١٢.
(٣) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ١٧٦٤٢،
١٩١/٢٩.
◌َ التفسير الحضوري
جوية
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
١٥٤

الشعر
القول الثالث: إن هذه اللفظة ليست
عربية، ثم اختلفوا : فقال بعضهم: طوبى
اسم الجنة بالحبشية، وقيل: اسم الجنة
بالهندية، وقيل: البستان بالهندية، وهذا
القول ضعيف؛ لأنه ليس في القرآن إلا
العربي لا سيما واشتقاق هذا اللفظ من اللغة
العربية ظاهر (١).
وعلى كلام الزمخشري تكون هذه
الكلمة السامية تحية من الله تعالى لعباده
المؤمنين، وتكون هذه التحية مقررة لهم
بأن لهم السلام والاطمئنان، والطيب في
إقامتهم في الجنة، بدليل ما جاء معطوفًا
عليها، وهو قوله تعالى: ﴿وَحُسْنُ مَثَابٍ﴾
أي: مآبٍ، ومرجع ونهاية ، هي حسنة في
ذاتها، ليجتمع لها طيب الإقامة، وحسن
الثواب، بل كلاهما من الثواب(٢).
ولا مانع من أن يكون لكلمة طوبى
معنيان، الأول ما ذكره الزمخشري، والثاني
ما جاء في السنة النبوية من أن طوبى شجرة
في الجنة حسب ما جاء به حدیث عتبة بن
عبد السلمي رضي الله عنه کما مر ذكره.
٢. سدرة المنتهى.
جاء ذكرها في سورة النجم في قوله
تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِندَ سِدْرَةْ
اْتُنَفَى عِندَهَا جَّةُ الْآْوَى (@)﴾
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٤١/١٩.
(٢) انظر: زهرة التفاسير، ٣٩٤٧/٨.
١٣-١٥].
قال الإمام الطبري: والسدرة: شجرة
النبق، وقيل لها سدرة : المنتهى في قول
بعض أهل العلم من أهل التأويل، لأنه إليها
ینتهي علم کل عالم(٣).
والمنتهى هي آخر شيء ومكانها عند
جنة المأوى، حیث ینتهي إليها ما يصعد به
من الأرض وما يهبط به من فوقها، وجاء في
حدیث المعراج المشهور لما عرج به جبريل
إلى السماء ودخل السماء السابعة قال: ((ثم
رفعت إلي سدرة المنتهى فإذا نبقها مثل
قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفیلة، قال:
رة المنتهى)) (٤).
وأما سبب تسميتها سدرة المنتهى كما
جاء في حديث ابن مسعود، قال: (لما
أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم
انتھی به إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء
السادسة، إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض
فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط به من
فوقها فیقبض منها)(٥).
جاء عن ابن عباس في تسمية سدرة
المنتهى: «لأن علم الملائكة ينتهي إليها ،
(٣) جامع البيان، الطبري، ٥١٣/٢٢.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب مناقب
الأنصار، باب المعراج، ٥٢/٥، رقم ٣٨٨٧.
[النجم:
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب في ذكر سدرة المنتهى، ١٥٧/١، رقم
٠١٧٣
www. modoee.com
١٥٥

حرف الشین
ولم يجاوزها أحد إلا رسول صلى الله عليه يسير الراكب في ظلها مائة عام، لا يقطعها،
فاقرء وا إن شئتم: ﴿وَظِلّ ◌َمْدُورٍ﴾ [الواقعة:
٣٠](٤).
وسلم))(١).
وقد وصف النبي صلی الله عليه وسلم
سدرة المنتهى بما ورد عن مالك بن صعصعة
رضي الله عنهما، قال: قال النبي صلى الله
عليه وسلم: (ورفعت لي سدرة المنتهى،
فإذا نبقها کأنه قلال هجر، وورقها کأنه آذان
الفیول، في أصلها أربعة أنهار نهران باطنان،
ونهران ظاهران، فسألت جبريل، فقال: أما
الباطنان: ففي الجنة، وأما الظاهران: النيل
والفرات)(٢).
٣. الظل الممدود.
قال تعالى: ﴿وَأَصْحَبُ اَلْيَمِينِ مَآ أَصْحَبُ
الْيَمِينِ (٧ فيِ سِدْرٍ تَخْضُودِ وَطَلْحِ مَّنْضُورٍ
٦ وَظِلّ ◌َمَّدُورِ﴾ [الواقعة: ٢٧ -٣٠].
وظل ممدود: لا يتقلص، بل منبسط لا
ينسخه شيء، قال مجاهد: ((هذا الظل من
سدرها وطلحها)) (٣).
وذكر بعضهم في تفسير الظل الممدود
على أنه شجرة في الجنة ، واعتمدوا في
ذلك على ما جاء في الحديث عن أبي
هريرة رضي الله عنه، يبلغ به عن النبي صلى
الله عليه وسلم قال: (إن في الجنة شجرة،
(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ٢١٤/٢.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء
الخلق، باب ذكر الملائكة، ١٠٩/٤، رقم
٣٢٠٧.
(٣) البحر المحيط، ١٠/ ٨٢.
جَوَسُولَةُ التَّقِينَ
القرآن الكريمِ
وجاء عن ابن عباس في قوله ﴿وَظِلّ
مَمَّدُورٍ﴾ قال: ((شجرة في الجنة على ساق
يخرج إليها أهل الجنة فيتحدثون في أصلها
، فیشتهي بعضهم لهو الدنیا فیرسل الله عز
وجل ريحًا من الجنة ، فتحرك تلك الشجرة
بکل لهو في الدنيا)»(٥).
ويتضح مما تقدم أن في الجنة أشجارًا
كثيرة ومتنوعة أعدت للمؤمنين، ذكرها الله
تعالى في القرآن الكريم بأسمائها ، وأكدتها
السنة النبوية بأحاديث كثيرة بينت صفاتها
وأنواعها وثمارها.
ثانيًا: شجر عذاب:
کما أن لأهل الجنة شجر نعیم، فإن لأهل
النار أیضا شجر عذاب، حیث ورد ذکر شجر
العذاب كالشجرة الملعونة أو شجرة الزقوم
في مواضع متفرقة في القرآن الكريم من
خلال الآيات الآتية:
قال تعالى: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِ الْقُرْءَانِ
وَتُخُوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا ◌ُفْيَنًا كِبِيْرًا﴾
[الإسراء: ٦٠].
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير
القرآن، باب قوله: ﴿وَظِلِ مَمْدُود﴾، رقم
٠١٤٦/٦،٤٨٨١
(٥) لباب التأويل، الخازن، ٢٣٧/٤.
١٥٦

الشجر
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَنْهَا الضَّالُونَالْمُكَذِبُونَ ورأى شجرة الزقوم، فكذبوا بذلك حتى قال
أبو جهل لعنه الله بقوله: هاتوا لنا تمرًا وزیدًا،
وجعل يأكل هذا بهذا ويقول: تزقموا، فلا
نعلم الزقوم غير هذا))(٢).
٦ لَكُونَ مِن شَجَرٍ مِّنِ زَقُومٍ ٢ ◌َالِقُونَ مِنْهَا الْبُعُونَ
[الواقعة: ٥١-
فَشَرِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحِيمِ ).
٥٣
٥٤].
وقال تعالى: ﴿أَذَلِكَ خَيْرُ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ
إِنَّهَا
٦٣
الزَّقُومِ إِنَّا جَعَلْنَهَا فِتْنَةٌ لِظَّالِمِينَ
طَلْعُهَا كَنَّهُ.
٦٤
شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِى أَصْلِ الْجَحِيمِ (
رُؤُوسُ الشَّيَطِينِ ، فَإَِهُمْ لَّ كِلُونَ مِنْهَا فَمَالِثُونَ مِنْهَا
الْبُطُونَ ﴾[الصافات: ٦٢-٦٦]
وقال تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُومِ
٣ طَعَامُ الْأَثْمِ كَالْمُهْلِ يَغْلِى فِ اَلْبُعُونِ
كَفَلِ الْحَمِيمِ ﴾ [الدخان: ٤٣-٤٦].
والمتأمل في هذه الآيات الكريمة يجد
أن الشجرة الملعونة هي شجرة الزقوم التي
جعلت طعامًا للظالمين ، كما وصفها الله
تعالی.
ويرى جمهور المفسرين(١) أن الشجرة
الملعونة التي جاء ذكرها في سورة الإسراء بذلك الضريع وشجرة الزقوم عن جوعهم،
والصافات والواقعة والدخان هي شجرة
الزقوم نفسها.
قال ابن كثير: «وأما «الشجرة الملعونة»،
فهي شجرة الزقوم، کما أخبرهم رسول الله
صلى الله عليه وسلم أنه رأى الجنة والنار،
(١) انظر: جامع البيان، الطبري، ٤٨٤/١٧،
الوجيز، الواحدي، ٦٣٩/١، معالم
التنزيل، البغوي، ١٤١/٣، الجامع لأحكام
القرآن، القرطبي، ٢٨٢/١٠، أنوار التنزيل،
البيضاوي، ٢٦٠/٣.
وذكر في الشجرة الملعونة أقوال:
منها: أنها شجرة الزقوم طعام الأثيم،
وقال الحسن ومجاهد وقتادة والضحاك
وسعید بن جبیر وطاووس وابن زید: و کانت
فتنتهم بها قول أبي جهل وأشياعه: النار تأكل
الشجر فکیف تنبتها.
ومنها: هي الكشوت (٣) التي تلتوي على
الشجر، قاله ابن عباس (٤).
فأما قوله: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِ أَصْلِ
اٌلْجَحِيمِ﴾، وقوله: ﴿لَيْسَ لَّمْ طَعَامُ إِلَّ مِنْ ضَرِيح
﴾ [الغاشية: ٦].
وقولهم: كيف يكون في النار نبت
وشجر، فإنه لا تعلق لهم فیه، إن کان کنی
وأنهم لا يشبعون وعن شيء مشبهٍ لشجرةٍ
تشبه رؤوس الشياطين في قبح منظرها،
فليس هناك نبت ولا شجر، وإنما ذلك
أمثال وتشبيه، وإذا كان أراد تعالى تحقيق
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٩٢/٥.
(٣) نبات مجتث مقطوع الأصل، وقيل: لا أصل
له، وهو أصفر يتعلق بأطراف الشوك وأغصان
الشجر من غير أن يضرب بعرق في الأرض.
انظر: لسان العرب، ١٨١/٢.
(٤) انظر: النكت والعيون، الماوردي، ٢٥٣/٣.
www. modoee.com
١٥٧

حرف الشین
نبتٍ وشجرٍ يخرج من النار، فإن ذلك غير ، كذا قاله ابن عباس رضي الله عنهما،
مستحيل(١).
وأما قولهم ، إنه لا معنى لتمثيل طلع
الشجرة برؤوس الشياطين ، من وجهين:
أحدهما: أن الشجرة لا طلع لها وإنما
یکون الطلع دون الشجر.
والوجه الآخر: أننا لا نعرف رؤوس
الشياطين، وليس هو ما تعرفه العرب، فيمثل
لها به بعض الأشياء، فإنه باطل لأنه إنما أراد
بقوله تعالى: ﴿طَلْعُهَا﴾ ثمرها لطلوعه
كل سنةٍ ، ومنه سمي طلع النخل طلعًا عند
أول خروجه، مأخوذٌ ذلك من طلوعه، فإذا
تغيرت حاله وانتقل إلى حكم آخر سمي
باسمٍ آخر من بلحِ وبسرٍ ورطَب، فطلعها
المراد به ثمرها الطالع، وأما الشياطين
التي مثلها برؤوسها فإنها حياتٌ خفيفاتٌ
الأجسام قبیحات المناظر والرؤوس (٢).
قال الرازي: فإن قيل: كيف قال:
﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْمُونَةً فِ الْقُرْءَانِ﴾، وليس في
القرآن لعن شجرة ما؟
قلنا: فيه إضمار تقديره: والشجرة
الملعونة المذكورة في القرآن.
الثاني: أن معناه : الملعون آکلوها ، وهم
الكفرة.
الثالث: أن الملعونة بمعنى المذمومة
(١) انظر: الانتصار للقرآن، القاضي أبو بكر
الباقلاني، ٥٩٩/٢.
(٢) انظر: المصدر السابق ٢/ ٥٩٩ - ٦٠٠.
وهي مذمومة في القرآن بقوله تعالى:
﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الْأَثِيِيدِ
، وبقوله تعالى: ﴿طَلْعُهَا كَنَّهُ رُهُوسُ
الشَّيَطِينِ﴾.
الرابع: أن العرب تقول لكل طعام مكروه
أو ضار : ملعون، وفي القرآن الإخبار عن
ضررها و کراهتها.
الخامس: أن اللعن في اللغة هو الطرد
والإبعاد، فالملعون هو المطرود عن رحمة
الله تعالى، المبعد عنها، وهذه الشجرة
مطرودة مبعدة عن مكان رحمة الله تعالى
وهو الجنة؛ لأنها في قعر جهنم، وهذا الإبعاد
والطرد مذكور في القرآن بقوله تعالى:
﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَّخْرُجُ فِّ أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾،
وقال ابن الأنباري: سميت ملعونة لأنها
مبعدة عن منازل أهل الفضل (٣).
وصح عن ابن عباس رضي الله عنه أنه
قال: (والشجرة الملعونة في القرآن هي
شجرة الزقوم) (٤)
.
وجاء في الحديث عنه رضي الله عنه،
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه
الآية: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ.
(٣) انظر: أنموذج جليل في أسئلة وأجوبة عن
غرائب آي التنزيل، ١ /٢٨٧.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب القدر،
باب ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْرُؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَ فِتْنَةً
لِلنَّاسِ﴾، ١٢٥/٨، رقم ٦٦١٣.
١٥٨
جَوَُّور
القرآن الكريمِ