Indexed OCR Text
Pages 21-40
السماحة جاء في سورة المزمل أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالصبر على إيذاء كفار مكة بالقول اللاذع منهم، مع تسلیته ببيان عاقبتهم في الآخرة إن لم يرجعوا عن طغيانهم، ومحاولات استفزازهم لرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَميلًا ، وَذَرْنِ وَالْكَذِّبِينَ أُوْلِ النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا ) إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَحِيمًا وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ [المزمل: ١٠ - ١٣]. فقد ذكرت هذه الآيات أنه لما اتخذ الرسول صلى الله عليه وسلم ربّه جل جلاله و کیلا وحسیبًا؛ فإنه يتوجب عليه أن يحبس نفسه عن الضجر مما يقولون، كما أمر من الله تعالى؛ فهذا تمام التفويض بإصلاح أمره علی نحوِ أعظم من إصلاحه أمور نفسه، ثمّ أمر الرسول صلى الله عليه وسلم من قبل الله تعالى أمرًا آخر، وهو أن يترك مخالطة أولئك الذين يتلسّنون عليه صلى الله عليه وسلم؛ فذلك هو الهجر الجميل، ومثله آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَن تَوَلَى عَن ذِكْرِنَا وَلَ يُرِدْ إِلَّ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا﴾ [النجم: ٢٩]. وقد اختلف المفسرون في نسخ هذه الآية من عدمها، ویمیل البحث إلى رأي من قال: إنها غير منسوخة، وإنها محمولة على مقتضيات مصلحة الدعوة بما يتلاءم مع روح السماحة. ثم بيّن الله تعالى أنه لا حاجة بذلك القول الذي بدر من المكذبين من أهل التنعّم، ومهّلهم مدة قليلة إلى يوم بدر، فتحتمل کلمة (ذرني)، معنی: ارض بي یا محمد لعقابهم، وهذا يبين عظيم سماحة الإسلام مع المؤذین له، ثم ذكر ربنا جل جلاله كيفية عذابهم عنده فقال: إن لدينا في الآخرة ما يقابل تنعّمهم في الدنيا، فأولها- القيد الثقيل عليهم، وثانيها- الجحيم، وثالثها: الطعام الذي يغصّ الإنسان، وهو طعام الزقّوم والضريع، ورابعها: سائر أنواع العذاب(١). وكلّ هذا الوعيد هو في الآخرة؛ لما يترتب على ذكره في الآية من بيان روعة السماحة، عبر الصبر على الأذى، ففي الآيات الكريمة توضيح لا تأويل فيه، بأنّ الله تعالی أمهلهم في الدنیا إلی غزوة بدر، وإلى الآخرة؛ لإعطائهم الفرصة الكافية للتوبة. حاول أولئك المشركون التشكيك في الدين الإسلامي، فما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أنه لجأ إلى الله تعالى أن يبين الحق، وأن تمضي الدعوة على خير وجه، ولم يكن في بال الرسول صلی الله عليه وسلم أن يدعو على قومه، أو (١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٦٨٨/٣٠، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٩/ ٤٥. www. modoee.com ٣٥١ حرف السين يدعو الله تعالى أن يهلكهم، وهذا كان عبر نحو الكعبة))(١). آیات عديدة. منها قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَىْ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَنهَاً فَوَّلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِّ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ، وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِفَعِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٤]. حيث جاء في سبب نزولها عن البراء بن عازب -رضي الله عنهما-، قال: ((کان رسول الله صلی الله عليه وسلم صلّی نحو بیت المقدس، ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا، و کان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يوجه إلى الكعبة، فأنزل الله: ﴿ قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَآءِ﴾ [البقرة: ١٤٤] جعلهم يحوّلون قبلتهم التي كانوا عليها؟! فتوجه نحو الكعبة)». وقال السفهاء من الناس، وهم اليهود: ﴿مَا وَلَّنُهُمْ عَنْ قِبْلَئِمُ الَّتِ كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُّ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ١٤٢]. فصلی مع النبي صلی الله عليه وسلم رجل، ثم خرج بعد ما صلى، فمر على قوم من الأنصار في صلاة العصر نحو بيت المقدس، فقال: هو يشهد: أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه توجه نحو الكعبة؛ فتحرف القوم، حتی توجهوا وإن سبب نزولها كافٍ لبيان عظيم السماحة التي حظيت بها شخصية الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، فإنهم يشككون في تبعيته صلی الله عليه وسلم لربه جل جلاله، وذلك من خلال توجهه صلى الله عليه وسلم جهة بيت المقدس في القبلة، على اعتبار أنها هي قبلتهم، وكأنه صلى الله علیه وسلم يتبع لهم، فما كان من رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم إلا أن دعا الله تعالى متوجهًا نحو السماء، بأن تكون القبلة نحو المسجد الحرام، وإذا باليهود يطعنون في ذلك، عبر سفهائهم من الناس، وهم مشركو العرب، من خلال قولهم ما الذي فتجيب الآية القرآنية في أروع معاني السماحة، دونما سبِّ، أو قذف، بأنه لله تعالى ما في المشرق وما في المغرب، وأنه عز وجل يهدي إلى الاستقامة الحقة من يشاء من عباده، سواءٌ أكانت هداية إرشاد أم هداية توفيق، وبعد تشكيكهم بأنه لا أجر للصلاة التي أقامها المسلمون حال كونهم متجهين نحو بيت المقدس في أكثر من سبعة عشر شهرًا، بيّن الله تعالى أنه لا يضيع الصلاة، (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، باب التوجه نحو القبلة حيث كان، ٨٨/١، رقم ٣٩٩. ٣٥٢ جوبيـ القرآن الكريم الساحة حيث سمّاها القرآن (إيمانكم)(١). ثانيًا: الصبر على الأذى الفعلي: بينت آيات عديدة جوانب من صبر الدعاة على الأذى الذي وقع فعلًا أو كاد أن يقع علیهم، وسنقف إن شاء الله على نموذج قرآنيٍّ منها؛ فقد جاء في سورة النحل، التخيير بين المماثلة في العقوبة لمن عاقب بعضًا من المسلمین، أو تسبب في إيذائهم، وبين حبس النفس عن تلك المماثلة في العقوبة، وذلك من خلال الصبر على ذلك، واحتساب الأجر من الله تعالى وحده، على أن یکون الصبر ناتجًا عن إرادة حقيقية ممن وقع عليه الأذى، أو أراد بذلك مصلحة دعوية مرجوة، فعندها یکون الصبر خيرًا وأعظم أجرًا. ثم أگّدت الآيات أن الصبر مأمور به خیر الدعاة سیدنا محمد صلی الله عليه وسلم؛ لأن صبره ملتصق بحكمٍ دعوية، لا حصر لها، ثم يبين الله تعالى جانبًا قلبيًّا رحيمًا للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهو الحزن العميق على أحوال أولئك المكذبين، ومآلهم في الدنيا والآخرة. وقيل: الحزن على قتلى أحد. ثم بيان الرحمة بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم بألّا يضيق ذرعًا في أقواله (١) انظر: أحكام القرآن، الجصاص ١٠٤/١، تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين ١٨٣/١. وأفعاله وأحواله من المكر الذي يمارسه الأعداء المكذبون، الذي إن كان مكرهم لتزول منه الجبال (٢) . والآيات هي: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهٌِ وَلَيِنِ صَبّْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلِصَّبِنَ ﴿ وَأَصْبِرْ وَمَا صَبُكَ إِلََّ بِاللَّهِّ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٢٦، ١٢٧]. وعلى هذا تكون الآيات مدنية، وقال الكثيرون: إنها منسوخة بالآية التي بعدها (٣). والراجح أنها غير منسوخة، وإنما هي محمولةٌ على التخيير مع أفضلية الصبر، وبقاء مصلحة الدعوة ضمن الضوابط الدينية الدعوية مقياسًا صالحًا في التخيير بين مماثلة العقوبة، أو الصبر على تلك العقوبة. ٣. الإحسان إلى المسيء. إن الإحسان إلى من يسيء إلى الداعية -سواء أكانت شخصية، أم قادحةً في دعوته ضمن الضوابط- سمة الأنبياء الصالحين، والأولياء المخلصين. وتناولت آیات قصة ابني آدم بعض صور الإحسان إلى المسيء في طياتها، حينما (٢) انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ١٩٠/١٢. (٣) انظر: تفسير القرآن، العز بن عبد السلام ٢٠٨/٢، زاد المسير، ابن الجوزي ٥٩٣/٢، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٠١/١٠، لباب التأويل، الخازن ١٠٧/٣. www. modoee.com ٣٥٣ حرف السين تقبّل الله تعالى قربان أحدهما، ولم يتقبّل يُنَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكٌ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ من الآخر. فبدل أن يبارك الآخر للذي تقبّل الله تعالی منه، ومن ثم يراجع حساباته مع ربه، إذ به يفكّر في القتل والاستئصال للآخر، الذي هو أخوه، فأقسم له أنه سيقتله بأسالیب توکید متنوعة، فإذ بهذا الطيب، يقول: إنما يتقبّل الله تعالى من المتقين الذين خافوه، وعملوا له حسابًا. ثم يقول هذا الطيب الذي تقبل الله تعالى قربانه لذلك المجرم مقسمًا له: إن بسط إليه يده - كناية عن القتل مع سبق الإصرار والترصد-؛ فلن يماثل هذا الإجرام، والسبب عظيمٌ جدًّا، وهو الخوف من الله تعالی رب العالمين، فإنه یرید أن ينال هذا المجرم إثمه مع إثم ذات المجرم؛ فعندها یکون من أصحاب النار. اُللَّهُ مِنَ الْمُنَّقِينَ ﴿ لَيْنَ بَسَطْتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِنَقْتُلِىِ مَآ أَنْ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكِّ إِّ أَخَافُ اَللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ ) إِنَّ أُرِيدُ أَنْ تَبُوَأَ بِئْسِى وَإِنْكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَبِ اَلنَّارِ وَذَلِكَ جَزَّاوُاْ اَلْفَّلِينَ ٢) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ، قَتْلَ أَخِيهِ فَقَنَلَهُ، فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ [المائدة: ٢٧ -٣٠]. ولقد مرّ -في معرض الآيات السابقة- الحديث بالتلميح أو التصريح عن ذلك الإحسان إلى المسيء، الذي يعدّ جزءًا لا يتجزّأ من سماحة الإسلام الشاملة لجميع مناحي الدین، ولا عجب؛ فهي تطبيق عمليّ لرسالة الإسلام، بما يعزز حب الدين في قلوب الناس جميعًا. ثم يبين ذلك الطيب أن ذلك العقاب جزاء كل ظالم، فما كان من ذلك المجرم إلا أن قتله، رغم هذه الدعوة التي تظهر أروع معاني الإحسان إلى من يفكر في أسوأ معاني الإساءة، وهي القتل العمد، وهناك كان الخسران المبين (١). والآيات هي: ﴿وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ أَبْنَىْ ءَادَمَ بِالْحَقِّ إِذْقَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ (١) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ١٧٨/٢، لباب التأويل، الخازن ٣٢/٢. مَوْشَوالَرُ الْبَقِيَّة القرآن الكريمِ ٣٥٤ الساحة السماحة مع المخالفين للدين أولًا: المفاصلة العقدية: إن الإسلام یحمل في ثنايا روحه سماحةً حتى مع المخالفين للدين، ومن ذلك أن المفاصلة العقدية، وعدم المداهنة أو المجاملة لهم، تحمل في طياتها سماحة. قال تعالى: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ الَآ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَآَ أَنْتُمْ عَبِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلَآَ أَنَا عَائِدٌ مَّا عَبَدُمْ ن وَلَآَ أَنْتُمْ عَيِدُونَ مَآ أَعْبُدُ ٥ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾ [الكافرون: ١- ٦]. جاء في سبب نزول السورة عدة أقوال، وكلها سليمة الدراية؛ لأن المعنی حمّالٌ لها، وهي تناسب السياق. وسنذكر إن شاء الله سببًا، وهو: ((أنّ قریشًا قالوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم: إن سرّك أن نتبع دینك عامًا، وترجع إلى ديننا عامًا؛ فنزلت هذه السورة))(١). واختلف المفسرون في هذه الآيات، سيما الآية السادسة في نسخها من عدمه، والذي يترجّح أن هذه الآيات غير منسوخة، وإنما هي محمولة على المفاصلة العقدية. ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿لَآ إِكراه فِي اُلْدِينِّ قَد ◌َّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيُّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ أَسْتَمْسَكَ (١) زاد المسير، ابن الجوزي ٤ / ٤٩٩. بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا أَنْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦]. وبالتالي فإن المعنى يكون: بأن السورة تبدأ بنداءٍ من الله تعالى إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأجل أن يخاطب الكافرين، وإن كان في هذا الخطاب استهزاء ضمني؛ بما آلوا إليه من كفر، وبالتالي عاقبة وخيمة من جهة، إلا أن هذا الخطاب يحمل السماحة في إعطاء فرصة الخطاب الدعوي الرباني من جهة أخرى. ثم إن فحوى رسالة الخطاب هو المفاصلة العقدية، وذلك من خلال أن سیدنا محمدًا صلی الله عليه وسلم لا يسلك عبادتهم ولا يقتدي بها، ثم يوجه الخطاب مباشرة لهم من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم، بما أمر به من قبل الله تعالى، وذلك أن هؤلاء الكفار لا يعبدون ما يعبد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فهم لا يقاتلون في الدنيا، طالما التزموا بالضوابط المتفق عليها، مع عدم رفع العقاب عنهم يوم القيامة. ثم يرجع التذكير لهم؛ لقصد التفاتهم إلى الحق، بأنّ سیدنا محمدًا صلی الله علیه وسلم لا يعبد ما يعبدون، مهما كانت المدة، فذلكم ولاء وبراء، لیس بیده أن يتنازل، وليس من حقه أن يتعاطى في تلك القضية المفصلية، ثم تعيد الآية لأجل الترسيخ www. modoee.com ٣٥٥ حرف السين في القلوب والأذهان، بأنهم لا يريدون أن لأهل الكفر، فقد قال تعالى: ﴿لَا يَنْهَدَكُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَتِلُوكُمْ فِيِ الذِينِ وَلَ بُخْرِجُوكُمِن دِيَِّكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُواْ إِلَتِهِمَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) إِنََّا يَتَّهَنَّكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَلُكُمْ فِى الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِّن دِيَِّكُمْ وَظَهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّهُمَّ وَمَن يَنَوَُّمْ فَأُوْقَبَكَ هُمُ الْقَلِمُونَ﴾ [الممتحنة: ٢٨ - ٩]. يعبدوا ما يعبد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ثم تحمل الآية الأخيرة من السورة تهديدًا ضمنيًّا لهم، مع سماحة عظيمة عبر الإمهال؛ لأجل أن يتوبوا، فيقول الحق تبارك وتعالى: لکم شر ککم الکفري، ولي توحيدي الإسلامي، وبالتالي فإن الكل سيقف بين يدي الله تعالى، فليحرص على حجته، وكيف سيرد على خالقه جل جلاله(١). ثانيًا: البر والقسط: عالج القرآن الكريم جوانب عظيمة، تدلل على عظيم الأخلاق التي دعا إليها الدين، ومن بين هذه الأخلاق التي عالجها البر والقسط. فقد قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَلِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِنَّ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَاً فَلَا تَتَّبِعُواْ الْمَوَى أَنْ تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيًا﴾ [النساء: ١٣٥]. وقد خصّ القرآن الكريم الأمر بالقسط مع المخالفين للدين، وذلك كما ورد في سورة الممتحنة الأمر الربانيّ بالبر والقسط (١) انظر: الصحيح المسبور، حكمت بن بشير بن ياسين ٤/ ٦٧٦، أوضح التفاسير، محمد الخطيب ص ٧٦٤. جَوَسُوعَرَ التفسير الوحيد القرآن الكريم فقد ذكرت الآيتان أن الله تعالى لا يحضنا على قتل المسالمين من الكفار من أهل مكة وغيرها، الذين لم يخرجونا من ديارنا، ونحن مطالبون تجاههم أن نبرّهم ونقسط إليهم، فعلينا أن نفرق بين المعتدي والمخرج من الديار، وبين المسالم، فذلك هو القسط الذي أمرنا الله تعالی به، فالمعتدي والظالم وجبت على المسلمين مماثلتهم بعداوتهم، والبار والمقسط وجبت مماثلتهم بالبر والقسط(٢). ونلاحظ في هاتين الآيتين أن الآية الأولى ذكرت المسالمين مقترنًا معها البر والقسط، وذكر في الآية الثانية المعتدين مقترنًا معها النهي عن توليهم، رغم أن التولي لهم منهيٌّ عنه مع المسالمين أيضًا؛ لأن البطش والظلم الذي قد يقع من المعتدي؛ يجعل إمكانية التولي لهم عند مرضى القلوب واردة. وإن كلتا الآيتين تبينان عظيم سماحة (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٢٢/٢٣، لطائف الإشارات، القشيري ٥٧٢/٣. ٣٥٦ الساحة الإسلام العظيم، سيما مع المخالفين لدين الإسلام؛ مما يعزز في قلوبنا جميعًا وجوب الافتخار بهذا الدين. الفرق بين السماحة والولاء مع المخالفین للدین: أهل الحق عمومًا قائمون على تبليغ رسالة الإسلام، وتعليمه للناس كافة، وتطبيقه في شتى مجالات الحياة، وليس معنى هذا أن يستكين المؤمن إلى أولئك المرجفین أو الأفاکین، أو أن يداهنهم، فإن السماحة تعني: الصبر على الأذى مع علم أهل الحق أن الله تعالى على نصرهم لقدير، وفي حال قوتهم؛ فإن العفو سلاحهم، مع وعيهم بضرورة هيبة الدعوة إلى الله تعالى، وسيركز البحث هنا على بيان الفرق بين السماحة والولاء مع المختلفين في الدين، وذلك فيما يأتي: سبقت الإشارة إلى أنه جاء في سورة آل عمران الحديث عن مساومة مکریّةٍ عرضها يهود خيبر على يهود المدينة، بأن يظهروا الإيمان بالقرآن أول النهار، ويكفروا آخره، مع طمأنة يهود خيبر ليهود المدينة؛ بأنه لم يؤت أحد من الخلق جميعًا مثل ما أوتي اليهود، وبالتالي فإن يهود خيبر أحاطوا ذلك المكر بشتى مقومات السلامة على حسب ترتيبهم من أن يتأثر أحد من اليهود المطلوب منهم أن يخادعوا المؤمنين بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، ودعوته الحقّ، فلم يكن الرد القرآني مداهنة، ولا تنازلًا، وفي المقابل لم يكن الرد قاصمًا لكل جوانب الدعوة لهم، وإنما عالج تلك المساومة من خلال أن هذا القرآن هو هدیّ من الله تعالى، مبيناً زيف ما يقولون، ثم بيّن الله تعالى عبر خطابه لنبيه محمد صلی الله عليه وسلم بأن فضل الله -الذي هو الإسلام- إنما هو بيد الله تعالى، يؤتيه من يشاء، والله واسع عليم(١)، وبالتالي فإن وضوح الرؤية - بين حال المخادعين، وحال المؤمنين- لم يمنع من دعوتهم إلى الله تعالی، رغم ما يمكرون من جهة، ولم يجعل السماحة تنجرّ إلى مسامحة الباطل ومداهنته من جهة أخرى، فالميزان الإيماني حسّاس، لا يقدّره إلا من أنار الله تعالى قلبه بالإيمان. جاء في مطلع سورة القلم البيان الواضح للخلق العظيم الذي تمتع به سیدنا محمد صلی الله عليه وسلم، وقد استغلّت الكفار ذلك بمحاولات جعله یلین لهم، فعندها یلینون، كونهم حققوا (١) انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين ١/ ٢٩٥، الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، الواحدي ١/ ٢١٧. www. modoee.com ٣٥٧ حرف السين ما يريدون، وذلك في الآيات التالية: ﴿تْ وَالْقَلِّ وَمَا يَسْطُرُونَ ) مَآ أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ، وَإِنَّ لَّكَ لَأَجْرًاً غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ الْ فَسَنْصِرُ وَيُبْصِرُونَ ﴾ بِأَبِّكُمُ الْمَفْتُونُ ) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ، فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ ، وَذُواْ لَوْتُدْ مِنٌ فَيُدْهِنُونَ (٢) وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ ◌َّهِينٍ ﴿ هَنَّازٍ مَّشَّكَمٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١- ١١]. حيث تبدأ السورة بذكر النون الذي قيل عنه: الحوت الأعظم الذي على ظهره الأرضون السبع، وقيل: إنه من الحروف المقطعة التي استأثر الله تعالى بعلمه. ويقسم تعالى بالقلم الذي تكتب به الملائكة كتب الأعمال وما يؤمرون به، أو بالقلم الذي يكتب به البشر ما نزل من الكتب السماوية، وما وصلوا إليه من علوم، ثم يأتي جواب القسم من الله تعالى بأن سيدنا محمدًا ليس بنعمة ربه، -وهي الهداية إلى الإسلام- بمجنون، وهو ردٌّ ضمنيٌّ على كفار قريش، حينما رموه بالجنون، وتستكمل الآيات التسلية للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك كونه له أجر غير منقطع، وأنه على خلق عظيم. ونلاحظ هنا أن أسالیب التوكيد كثيرة؛ لزيادة طمأنة قلب النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ثم يبين الله تعالى للنبي محمد صلى الله عليه وسلم بأنه شتان بينك وبين أولئك الكفار البعداء، فستبصر يا محمد صلى الله عليه وسلم أنت وأمتك بأیکم الذي فتن؟، والجواب في الآية التي بعدها بأن ربك هو الأعلم بالذي ضل عن سبيله، وأن الله تعالى أعلم حيث يجعل رسالته، وما دام الأمر قد وضح لك يا محمد صلى الله عليه وسلم ولأمتك؛ فلا تطع أولئك المكذبين من كفار قريش وغيرها، فهم قد ودّوا لو يلاينهم أو يداريهم؛ فعندها يميلون أيضًا إلى قوله ودينه، ولكن الدين لا يقبل التفاوض، ولا المداراة، فلا مجال للتغيير، أو التنازل عن الحق، فلا تطع یا محمد صلى الله عليه وسلم - والخطاب منسحب إلى أمته- كثير الحلف، كثير الإهانة من غيره، بأن يسودّ وجهه؛ فتكون عاقبته الذل والإهانة، فهو كثير الهمز، يعيب في شخص النبي محمد صلى الله عليه وسلم في غيبته، وهو يمشي بين الناس بالنميمة (١). وهذه الآيات - كما كثير من النماذج القرآنية المماثلة- توضح لنا الدقة القرآنية في التعبير بما لا ينقص من قدر السماحة، (١) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٤٥/٥. ٣٥٨ جوبه القرآن الكريمِ الساحة فهي منهج قرآني، لا انفكاك عنه، ومع ذلك فإن الولاء لله تعالى منضبط جدًّا، لا يستطيع أحدٌ أن يتقدم علیه إلا بما يرضي الله تعالى. سماحة الإسلام في العلاقات الاجتماعية سبقت الإشارة إلى أن سماحة الإسلام استوفت شتی المناحي، من بينها الاجتماعية، من خلال الحديث عن طبيعة العلاقة مع الوالدين، أو الآداب المرجوة من الأسرة، أو المجتمع، بما يظهر جانب السماحة في الإسلام، وسيدور الكلام هنا حول سماحة الإسلام في هذين الجانبين. أولًا: سماحة الإسلام مع الأسرة: وردت سماحة الإسلام في القرآن الكريم مع الأسرة عمومًا، إلا أنها أعطت مساحة بالدرجة الأولى للوالدين، وذلك في السياقات التالية: ١. في سياق الاقتضاء الرباني بوجوب عبادة الله تعالى وحده، وبالوالدين إحسانًا. فقد ورد ذلك في سورة الإسراء، في قوله تعالى: ﴿وَقَضَىْ رَبُّكَ أَلَّ تَعْبُدُواْ إِلَّ إِيَّاهُ وَيَأْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَاْ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ اُلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَُّمَآ أَنِّي وَلَا تَنْهُرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل زَّبِّ أَرْحَمْهُمَا كما رَبَّنِ صَغِيرًا ( زَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُنَّ إِن تَكُونُواْ صَلِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّبِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٣ -٢٥]. حيث تبين هذه الآيات الكريمة أروع www. modoee.com ٣٥٩ حرفالسین جوانب السماحة، فقد قضى ربّنا جل جلاله وأمر وألزم وأوجب ألّا يعبد أحدٌ إلا الله تعالى، وقرن الوالدين -قبل الأمر بالإحسان إليهما- ملتصقًا بذات الله تعالی؛ لأن الله تعالى هو الذي أوجد الإنسان، وهيّا له السبب في وجوده، وهو الوالدان، وقد خص البر بالكبر أحدهما أو كليهما؛ لأنهما في تلك المرحلة العمرية بأمس الحاجة إلى المساعدة؛ وبالتالي فإن التشديد في هذه الآية في التقدير والتكريم للوالدين دالٌ على عظيم السماحة، مع أولى الخلق بالرعاية والبر والإحسان. إذ إنه لا يحق لأحد أن يتلفظ بأصغر ألفاظ التضجر، وهي أفِّ، وما فوقها أولى بالنهي، وبالتالي فإنه ينبغي القول الكريم الطیب، وأن یتذلل وینکسر لهما، ويخفض الجناح، كناية عن الذل والخنوع، وأن یترحّم عليهما، کما ربیاه حال كونه صغیرًا. ثم ذكر أن الربّ جل جلاله هو الأعلم بما في النفوس، من اعتقاد الرحمة بهما، والحنان عليهما، أو من غير ذلك من العقوق، فإن یکن هؤلاء الأولاد صادقين في نية البر للوالدين، فإن الله تعالى كان غفورًا للزلات، التي قد تصدر من الأولاد شرط الصلاح والتوبة (١). (١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٠/ ١٣٧. ولفظة (قضى) بمعنى أمر، وبمعنى وصّى، كما ورد في القراءات التفسيرية لابن عباس، وابن مسعود، وأبي بن كعب رضي الله عنهم أجمعين، وكما ورد في آيات أخرى، مثل قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا اَلْإِنسَنَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ، وَهْنَا عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان: ١٤]. وقوله تعالى: ﴿وَوَضَّيْنَا الْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨]. وقوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَنَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَنَا﴾ [الأحقاف: ١٥](٢). وتظهر روعة السماحة، في أهمية حفظ الفضل لمن كانا سبب وجود الإنسان، وهما الوالدان، اللذان أوضح القرآن الكريم كل جوانب البر لهما في كتابه، كما بينت هذه الآية والآيات الأخرى، التي ذكرنا شطرها في اللطيفة السابقة. ٢. في سياق بنود الميثاق، الذي أخذ على بني إسرائيل. ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِثَقَ بَنِىّ قال تعالى: إِسْرَِّ يلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِى الْقُرْبَى وَاَلْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنْتُم مُّعْرِضُونَ﴾ [البقرة: ٨٣]. حيث تبين هذه الآية الكريمة أن البند (٢) انظر: المصدر السابق. ٣٦٠ مَوَسُولَةُ المفتي لِلْقُرآن الكَرِيْمِ الساحة الثاني من الميثاق هو الإحسان إلى الوالدين إحسانًا، وذلك بعد توحيد الله تعالى في ألوهيته، ومن الجميل في هذه الآية أن إعراب (إحسانًا) في هذه الآية أنها منصوبة على المصدرية، فهي مفعول مطلق للفعل المحذوف المقدّر بـ (تحسنوا)، المعطوف على الجملة (لا تعبدون إلا الله)، المضمر (أن) فيها، فيكون التقدير في الآية: (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل بألّا تعبدوا إلا الله، وبأن تحسنوا إلى الوالدين إحسانًا). وفي سياق الآية حذف؛ لحكم يعلمها الله تعالی، وقد جاء في بیان سبب ذکر الله تعالى، بعدها مباشرة، بأن الله تعالى هو الذي هيّأ الأسباب، وهي الوالدان (١). ٣. في سياق بيان المحرّمات. جاء الأمر بالإحسان إلى الوالدين، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوَاْ أَثْلُ مَا حَزَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمَّ أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَ بِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَّاً وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْلَدَكُمْ مِّنْ إِمْلَقٍّ ◌َّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإَِاهُمٌ وَلَا تَقْرَبُواْ اَلْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنٌَّ وَلَا تَقْتُلُواْ النَّفْسَ أَلَّتِى حَرَّمَ اللّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّنَكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ نَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١]. حيث جاء ذكر المحرمات التي حرّمها الله تعالى بصيغة النهي، في كل الجوانب (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢/ ٢٩٠، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٣/٢. المحرّمة المذكورة، إلا الوالدين، فإنها جاءت بالأمر بالإحسان إليهما، إذ لا يكفي أن يخبر به کعقوق محرّمة، بل ينبغي أن یبین حقهما بالکامل، عبر الإحسان إلیھما، ولیس مجرّد الأداء(٢). وأما باقي أفراد الأسرة، فقد ذكر القرآن الكريم الأمر بإعطائهم حقوقهم، ومن ذلك: قوله تعالى في حق وأد البنات: ﴿وَ إِذَا اَلْمَوْهُردَةُ سُئِلَتْ لُ بِأَتِّ ذَنْبٍ قُئِلَتْ﴾ [التكوير: ٨-٩]. حیث تذکر هاتان الآيتان الكريمتان خطر الوأد للبنات؛ فالموقف خاص بيوم القيامة، وبالتالي فإن التحذير من الواد يأتي ببيان العاقبة الأخرويّة، ومن ثمّ يغلب على طابع السياق مخاطبة للضمير الإنساني. وقد ذكر هذا التحذير في أكثر من موضع من القرآن الكريم، في سياقات متعددة، منها، قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْلَدَكُم مِّنْ إِمْلَقٍّ أَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١]. ولا تقتلوا أولادكم، سيما البنات بسبب الفقر؛ فإن الله تعالى تكفّل للآباء بالرزق في الكبر حالة الشيخوخة، وبالتالي للأولاد حالة الشباب؛ إذ إنه تكون البنت -بعد فضل الله تعالى سببًا لرزق الآباء (٣)، كما جاء في (٢) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٢/ ٩١، مفاتيح الغيب، الرازي ١٣ / ١٧٧. (٣) انظر: الدر المصون، السمين الحلبي www. modoee.com ٣٦١ حرف السين سورة الإسراء بيان الكفالة الثانية للأولاد حالة الطفولة، إذ يكون الآباء شبابًا، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَوْلَدَّكُمْ خَشْيَةً إِمْلَقِّ نَّحْنُ نَرْزُقُّهُمْ وَإِيَّاكُْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٣١]. فالنهي عن قتل الأولاد خشية الفاقة والفقر؛ فإن قتلهم كان إثمًا عظيمًا(١). وجاء في حق الأقارب عمومًا، برفع الحرج عن إبداء زينة المرأة عند بعضهم: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِمِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَاً وَلْيَضْرِيْنَ بِخُمُرِمِنَّ عَلَى جُنُوبِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَيْهِنَ أَوْ ءَبََّبِهِنَّ أَوْ ءَابَآِ بُعُولَتِهِنَ أَوْ أَبْنَآَبِهِنَ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَفِهِنَّ أَوْ بَنِيّ إِخْوِيِهِنَّ أَوْ بَنِيّ أَخَوَتِهِنَّ أَوْ نِسَابِهِنَّ أَوْمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُنَّ أَوِ التَِّعِينَ غَيْرِ أُوْلِ الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ اَلِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَى عَوْرَتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِفَ بِأَرْجُلِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ اَلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]. فإن هذه الآية تبين جوانب من السماحة في العلاقة بين الأرحام؛ لأجل ألّا تشيع الرذيلة، وبالتالي إذا أمنت - عبر المحارم، وضمن الضوابط التي ذكرتها الآية وشرحتها السنة-؛ فعندها ما جعل الله علينا في الدين من حرج، فإن هذه الآية الكريمة عالجت الأمراض القلبية، والفعلية، وكافة أشكال المتاعب التي تنجم عن تلك المحظورات، بما يعزز السماحة في شتى مناحيها(٢). ويمكن الوصول في خاتمة هذه الجزئية إلى نتيجة، وهي: أن القرآن الكريم عالج جانب السماحة مع الأسرة في شتى الجوانب، وترك للسنة النبوية شرح ما أجمل ذكره، ولأن دراستنا هذه تفسيرية قرآنية؛ فإننا اكتفينا بذكر ما أوضح القرآن ذكره، ومقاصده العامة، مع اليقين التام بأنه لم يخل جو السماحة في الأسرة، حتى في القسوة الظاهرة، فهي لأجل الرحمة. ثانيًا: سماحة الإسلام مع المجتمع: بیّن الله تعالى في کتابه أن المؤمنین الذین يحبّهم ويحبونه، من أخص خصوصياتهم أنهم أذلة على المؤمنين؛ لكنهم في نفس الوقت أعزة على الكافرين. وذلك في قوله تعالى: ﴿يََّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَنْ يَرْقَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ، فَوْفَ يَأْتِ اللَّهُ بِقَوْمٍ مُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ ◌ُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآيِمَّ ذَلِكَ فَضْلُ اَللَّهِ يُؤْتِهِ مَن يَشَدَءُ وَاللّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤]. ٢١٨/٥. (١) انظر: الدر المنثور، السيوطي ٢٧٨/٥. فَضْو جَوَسُولَةُ التَّقية الْقُرآن الكَرِيمِ (٢) انظر: لطائف الإشارات، القشيري ٢/ ٦٠٧. ٣٦٢ السماحة إن الله تعالى أنبأ في هذه الآية الكريمة عن قصة أبي بكر الصديق البطولية في حرب أهل الردة، فإن هذه الآية تفترض أنه إن ارتدّ أحدٌ عن الإسلام، - كالذين فرّقوا من المرتدين بين الصلاة والزكاة-؛ فإن الله تعالى سوف يأتي بقوم، أمثال أبي بكر الصديق، ومن تبعه بعد عزمه الأکید، هؤلاء القوم يتمتعون بصفات، منها: أنهم أصفياء الصدور، ملتصقون بالله تعالى في شتى مناحي حیاتھم. وبالتالي فإن الله تعالی یحبهم، وتحصیل حاصل فإنهم يحبون الله عز وجل، وهم مع ذلك ليّنوا الجانب، في أقوالهم وهيئاتهم مع المؤمنين، وبالتالي يحافظون على سلامة المجتمع من التفكك، وتحصين الجبهة الداخلية للمؤمنين، وهم يتعالون عن الهفوات، التي قد تصدر من البعض. وفي مقابل ذلك، فهم أشداء في أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم على الكفار، فلا مداهنة ولا مجاملة لأولئك البعداء، ودليل ذلك أنهم يجاهدون في سبيل الله تعالی وحده، ولا يخافون لومة لائم من الناس عمومًا، وكل هذه الشمائل والصفات الخيّرة إنما هي بفضل من الله تعالى وحده، والله واسع علیم(١). (١) انظر: تفسير القرآن، السمعاني ٤٧/٢، تفسير الراغب ٣٧٩/٤، الكشاف، الزمخشري ٦٤٣/١. وهذهالآية لا تتكلم عن جانب حدث، أو سیحدث في حیاته، وإنما تتكلم عن جانبٍ سیحدث بعد وفاته صلی الله عليه وسلم، وبالتالي فإن هذه الآية مدحٌ ضمنيُّ لسيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ومن ثم الصحابة الكرام رضي الله عنهم. وجاء في لفظة (يرتدّ) قراءتان، هما (یرتدد) حیث قرأ بها ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي، و(يرتدّ) التي ذکرناها، حیث قرأ بها نافع وابن عامر وأبو جعفر (٢). وكلتاهما لغتان؛ حيث إنه من شدّد الدال وأدغمها؛ قرأ بها على لغة من لغات العرب، وكذلك من خفف الدال، ولم یدغمها، وحرّك الدّالين(٣). ويلاحظ أن هذه الآية فسّرت الرحمة المذكورة في آية الفتح بأنها الذلة، ففي قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ: أَشِدَّاءُ عَلَى اُلْكُفَّارِ رُحَآءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]. دليلٌ عمليٍّ على ضرورة أن يغلب على المجتمع المؤمن الرحمة فيما بينهم، والتي تعني الذلة، بأن يعفو بعضهم عن زلات (٢) انظر: السبعة في القراءات، ابن مجاهد ص٢٤٥، المبسوط في القراءات العشر، ابن مهران الأصبهاني ص١٨٦ . (٣) انظر: معاني القراءات، الأزهري ٣٣٤/١، الحجة في القراءات السبع، ابن خالويه ص١٣٢، الحجة للقراء السبعة، أبو علي الفارسي ٢٣٢/٣. www. modoee.com ٣٦٣ حرف السين بعض، فهم فيما بينهم أولياء لبعضهم بعضًا. اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١١ -١٣]. وفي ذلك يقول تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِّ يَأْمُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَّرِّ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: ٧١]. وإن الرجولة الحقيقية كما تذكر الآية ليست في العزة على المؤمنين، بل في الذلة لهم، ومن ثمّ الشدة على الكفار، وعدم الخوف من لوم الناس لهم في جهادهم ضد الباطل، وبهذا تتجسّد السماحة بحقيقتها في المجتمع المسلم؛ إذ إن المؤمن يجتهد في أن تكون دعوته إلى ربه تعالى مشتملة على شتى معاني الحب والحنان والاحترام لكل أبناء المجتمع الإسلامي. ويقول تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَوَ أَن يَكُونُواْ خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا فِسَآءٌ مِّن ◌ِسَآءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرٌ مِّنْهُنٌّ وَلَا نَّلْمِنُواْ أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَتَبَرُواْ بِالْأَلْقَبِّ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَنَّ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الَّلِمُونَ ) ◌َيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَجْتَنِبُواْ كَثِيرًا مِنَ الَِّنِّ إِنَّ بَعْضَِ الَّنِّ إِنْ وَلَا تَهْتَسُواْ وَلَا يَغْتَبِ بَعْضُكُم بَعْضَاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْنًا فَكَرِهْتُمُوَةٌ وَأَنَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ ) يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأَنتَى وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَ مَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَّكُمْ إِنَّ فالقرآن الكريم منع الاستهزاء من المؤمنين لبعضهم بعضًا، ولا التنابز بالألقاب؛ فقد يكون ذلك موصلًا إلى الفسوق، ومنع كذلك الظن السوء بالمجتمع المسلم، مع ما يجره من تجسس، وغيبة. وبالتالي فإن هذا كله يودي بحياة مجتمع الفضيلة، ولذلك فإن القرآن يستدرك ببيان أن معيار الأكرم هو الأتقى، وبالتالي لابدّ من التوحد بين أوساط المجتمع، فإن تقسيم المجتمع إلی شعوب وقبائل، لا يجمعه إلا الإيمان. وعلى ذلك فإن جانب السماحة لا بد أن يسود هذا المجتمع؛ حتى يسود النظام الإسلامي الذي يستوفي شتى متطلباته عن طیب نفس من الجميع(١)، وهذا هو تحكيم الشريعة على حقيقتها. لقد سطّر الإسلام أروع معاني إحسان الظن، والعفو عمن أساء الظن، وليس أدلّ على ذلك من حادثة الإفك، وبالتالي فإن الله تعالى خلّد ذكر هذه القصة بتفصيلاتها في سورة النور، ومنها قوله تعالى: ﴿أَوْلاً إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُواْهَذَآ إِنْكٌ مُّبِينٌ﴾ [النور: ١٢]. (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٩٧/٢٢، تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين ٢٦٣/٤. ٣٦٤ فَضْو الْقُرآن الكَرِيمِ الساحة السماحة في الخصومات أولًا: مقابلة الإساءة بالإحسان: المجتمع المسلم متسامح فيما بينه بطبعه، ومن علامات السماحة، أنه يقابل الإساءة بالإحسان، وسيمثل هذا المطلب إن شاء الله نموذجًا قرآنيًّا يوضح معالم الإحسان في مقابل الإساءة، وذلك في قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُرْ بِلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. حيث تبين هذه الآية أنه في سياق بناء المجتمع الإسلامي على أروع معاني إرساء الفضيلة، تبين هذه الآية الكريمة خلقًا عظيمًا، وهو العفو، فكما بينت الآية السابقة أن الكفار إن يدعوا من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم، لا يسمعوا، وهم ينظرون إليه صلى الله عليه وسلم، ولكنهم لا يبصرون الحق، وبالتالي عدم الالتزام في القلب، ولا في القول، ولا في العمل للنبي محمد صلی الله عليه وسلم ودعوته. وتأتي هذه الآية الكريمة لتأمر النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم، على وجه الإلزام والإيجاب بالعفو، الذي هو من ألفاظ الأضداد، فهو محو سيئاتهم من ذاكرته صلى الله عليه وسلم، وفتح صفحة جديدة، وهو أيضًا العفو الذي هو بمعنى الفضل والزيادة، فالمقصود إذًا في هذه الآية الكريمة أن يأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم الخير من حياة الناس في أخلاقهم وأعمالهم، في كافة أوساط المجتمع المسلم، وذلك بعد التصفية والتنقية، عليك أن تأمر بالمعروف كله، وحتى لا تتأثر نفسية الداعية سلبًا تجاه أهل السوء يجب الإعراض عن الجهلة، الذين يفسدون المجالس بسوء نية أو بسوء عملٍ، أو بكليهما(١). ثانيًا: السماحة في الحقوق: إن السماحة ما تركت مجالًا من المجالات إلا كانت الركن الأساس في روحه وجوهره، ومن ذلك الحقوق، وفيما يأتي ذكرٌ للسماحة في بعض الفروع الحقوقية: ١. القصاص. من سماحة الإسلام أنه جعل القصاص حقًّا لمن وقع عليه الظلم بما يوجب حدًّا؛ لكنه ذكر ضابط القصاص، وهو ما يعني المماثلة في العقاب دون إسراف، كما في ﴿ وَلَا نَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِ حَرَّمَ قوله تعالى: اَللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُئِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيْهِ، سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفِ فِى الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾ [الإسراء: ٣٣]. فقد بينت الآية أنه لا يجوز قتل النفس (١) انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين ٢/ ١٦٢، تفسير السمر قندي ١ / ٥٧٦. www. modoee.com ٣٦٥ حرف السين عمومًا، فكلها حرّم الله قتلها إلا بحقها، وحق النفس في قتلها لا يكون إلا بإحدى ثلاث. وهو ما ذكر في الحديث المتفق عليه، عن عبد اللّه، قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: (لا يحلّ دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلّاً بإحدی ثلاثٍ: النّفس بالنّفس، والّب الزّاني، والمارق من الدّين التّارك للجماعة)(١). وتبين الآية أيضًا أن الذي يقتل عمدًا من غير هذه المسوغات الثلاثة، فقد جعل الله تعالی له وليًّا، وهو ورثته مهما تعددت، وبالتالي يكون القاضي هو السلطان، يخير الأولياء بين القصاص من القاتل نفسه دون إسراف إلى غيره، أو الدية، وتسمى الدية في هذه الحالة عفوًا؛ لأنها محوٌ لحكم القتل (٢) ٠ الذي هو قصاص يَأْتُهَا الَّذِينَ ويدل على ذلك قوله تعالى: ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِىِ الْقَتْلَىَّ الْخُرُّ بِالْخُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْقَى بِالْأُنَّ فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَانْبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَنِّ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ أَعْتَدَى بَعْدَ (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الديات، باب قول الله تعالى: (أن النفس بالنفس)، ٥/٩، رقم ٦٨٧٨، ومسلم في صحيحه، کتاب الأيمان، باب ما يباح به دم المسلم، ١٣٠٢/٣، رقم ١٦٧٦. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٧ / ٤٤٠، أحكام القرآن، الكيا الهراسي ٢٥٩/٤. ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]. فالعفو هنا ترك الدم، وبقاء الدية (٣)، فالأمر حينها لأهل القاتل العمد بالأداء الحسن لهذه الدية، وأتباع المعروف، أي: المطالبة بالدية من أهل المقتول (٤). ٢. الدعاوي والقضاء. قصة بني أبيرق، التي تدلل على عظيم سماحة الإسلام، وبقيت الآيات الاثنتا عشرة شاهدًا حيًّا على تلك السماحة، في أروع قسطٍ عرفه التاريخ. وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَآ أَرَكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَيِنِينَ خَصِيمًا (٥) وَأَسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (٢٦) وَلَا تُحَدِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانَا أَثِيمًا (٦) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَّ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِّ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴿ هَأَنتُمْ هَؤُلَاءِ جَدَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي ١٠٨ مُحِيطًا الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَدِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمٌ ١٠٩ اَلْقِيَمَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَّهِمْ وَكِيلًا وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اَللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا ) وَمَن يَكْسِبْ إِثْمَا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ, عَلَى نَفْسِهِ، وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ) وَمَن يَكْسِبْ خَطِيَّةً أَوْ إِنْمَا ثُمَّ يَّرْمٍ (٣) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٢٤٨/١. (٤) انظر: المصدر السابق. ٣٦٦ جَوَبُوبَرُ النَّتِيَّة القرآن الكريم الساحة بِهِ، بَرِيِّئًا فَقَدٍ أَحْتَمَلَ بُهْتَنَا وَإِثْمًا مُّبِينًا (١٢) وَلَوْلًا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ، لَمَّتِ طَآئِفَةٌ مِنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمّ وَمَا يَضُّونَكَ مِن شَىْءٍّ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمْ وَكَانَ فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ) ﴿ لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِن نَّجْوَدُهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَح بَيْنَ النَّاسِِّ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْثِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠) وَمَن يُشَائِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ، مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ، جَهَنَّمٌ وَسَآءَتْ مَصِيرًا ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَادُونَ ١١٥ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءٌ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٠٥- ١١٦]. عن قتادة بن النعمان رضي الله عنه، أن بني أبيرقٍ بشرًا وبشيرًا ومبشّرًا، وكان أحدهم منافقًا یهجو بشعره أصحاب رسول اللّه صلی الله عليه وسلم ثمّ ینحله بعض العرب، ثمّ يقول: قال فلانٌ كذا وكذا، فإذا سمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الشّعر قالوا: والله ما يقول هذا الشّعر إلّا هذا الخبيث، أو كما قال الرّجل، وقالوا: ابن الأبيرق قالها، قال: وكانوا أهل بيت حاجةٍ وفاقةٍ، في الجاهليّة والإسلام، وقد ابتاع رفاعة بن زيدٍ بضاعةً، فلمّا أصبح ابن أخي إنّه قد اعتدي علینا في ليلتنا هذه، فنقبت مشربتنا فذهب بطعامنا وسلاحنا. قال: فتحسّسنا في الدّار وسألنا فقيل لنا: قد رأينا بني أبيرقٍ استوقدوا في هذه اللّيلة، ولا نرى فيما نرى إلّا على بعض طعامكم. قال: وكان بنو أبيرقٍ قالوا ونحن نسأل في الدّار: والله ما نرى صاحبكم إلّا لبيد بن سهلِ، رجلٌ منّا له صلاحٌ وإسلامٌ، فلمّا سمع لبيّدٌ اخترط سيفه وقال: أنا أسرق؟ فواللّه ليخالطنّكم هذا السّيف أو لتبيّننّ هذه السّرقة، قالوا: إليك عنها أيّها الرّجل فما أنت بصاحبها، فسألنا في الدّار حتّى لم نشكّ أنّهم أصحابها، فقال لي عمّي: يا ابن أخي لو أتيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له. قال قتادة: فأتيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقلت: إنّ أهل بيتٍ منّا أهل جفاءٍ، عمدوا إلى عمّي رفاعة بن زيدٍ فنقبوا مشربةً له، وأخذوا سلاحه وطعامه، فليردّوا علينا سلاحنا، فأمّا الطّعام فلا حاجة لنا فيه، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: (سآمر في ذلك). فلما سمع بنو أبيرقٍ أتوا رجلاً منهم يقال له: أسير بن عروة فكلّموه في ذلك، فاجتمع في ذلك ناس من أهل الدّار، فقالوا: يا رسول اللّه إنّ قتادة بن النّعمان وعمّه أتى رفاعة إلى قتادة بن النعمان، فقال: يا عمدا إلى أهل بيتٍ منّا أهل إسلامٍ وصلاحٍ، www. modoee.com ٣٦٧ حرف السين يرمونهم بالسّرقة من غير بيّةٍ ولا ثبتٍ، قال قتادة: فأتيت الرسول صلى الله عليه وسلم فكلّمته، فقال: (عمدت إلى أهل بيتٍ ذکر منهم إسلامٌ وصلاحٌ ترميهم بالسّرقة على غير ثبتٍ وبيِّئٍ). قال: فرجعت، ولوددت أني خرجت من بعض مالي ولم أکلّم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في ذلك، فأتاني عمّي رفاعة فقال: يا ابن أخي ما صنعت؟ فأخبرته بما قال لي رسول الله صلی الله عليه وسلم، فقال: اللّه المستعان، فلم يلبث أن نزل القرآن بهذه الآيات(١). وقد حفل القرآن الكريم بذكر جوانب عديدة من السماحة في الخصومات، بما يعزز جانب الأخلاق الرفيعة التي حظيت بها دعوة الإسلام. (١) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة النساء، ٢٤٤/٥، رقم ٣٠٣٦. وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢٢٦/٣. جزاء أهل السماحة في الدنيا والآخرة باستعراض ما سبق يظهر أن روح السماحة كان في الجو العام للآيات القرآنية، وكان من الطبيعي أن يورث هذا الموضوع ثمرات لمن يلتزمون خط السماحة في دراستهم القرآنية، وفيما يأتي الحديث عن جزاء أهل السماحة في الدنيا والآخرة. أولًا: الجزاء في الدنيا: ١. السمعة الطيبة، والمناقب الحسنة. وهو ما يوضحه قوله تعالى: ﴿فَيِّمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اَللَّهِ لِنْتَ لَهُمَّ وَلَوْ كُنْتَ فَقَّا غَلِظَ الْقَلْبٍ لَأَنَفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكٌ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمِّ فَإِذَا عَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَّكِينَ ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. فإن مفهوم المخالفة أن السمعة الطيبة والمناقب الحسنة، كانت بسبب سماحة الرسول صلی الله عليه وسلم، في تعامله مع المسلمين، رغم مخالفتهم لاجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم في قضية القتال داخل المدينة، أو خارجها يوم أحد، فأراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعلمهم درسًا عمليًّا مؤلمًا بوجوب الالتزام بأمره صلى الله عليه وسلم، وعدم النزول عند آرائهم؛ لأنها النبوة، وما أن تكشّفت نتائج المعركة؛ حتى ٣٦٨ جُوَسُولَةُ النَّفِيـ الْقُرآن الكَرِيْمِ الساحة لان في القول، وأصبح يخفف عنهم، ويؤمر جمعوا لكم، وهم كفار قريش، لم يضعف أملهم في الانتقام مما حدث في غزوة أحد، بالعفو عنهم والاستغفار، ومن ثمّ معاودة مشاورتهم؛ لكن إذا عقد العزم على القيام بالمهمة، فلیقم بها، ولیتوكل على الله تعالی وحده(١). أو يداخلهم الرعب، وإنما لجأوا إلى الله تعالى، واكتفوا بالله تعالى حسيبًا ونصيرًا، فكانت النتيجة أنهم أصيبوا بالنعم الجمة، الله تعالى (٣). ٢. دفع الأذى بجميع مناحيه عن ولا يمسهم السوء، وأنهم هدوا إلى رضوان أهل السماحة. ويوضح ذلك قوله تعالى: ﴿فَأَصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴿ إِنَّا كَفَيْنَكَ الْمُسْتَهْزِءِينَ﴾ [الحجر: ٩٤-٩٥]. فإن الصدع بالحق، والالتزام بما أُمر به النبي صلى الله عليه وسلم أكبر دليل على السماحة، فهم قد تجرؤوا في ارتكاب الباطل كثيرًا، والتبجح، ومع ذلك فالأمر للنبي محمد صلى الله عليه وسلم بالانضباط العالي بتعاليم الحق، والبشرى له صلى الله علیه وسلم بأن الله تعالی کفاه المستهزئين، فذلك ثمرة من ثمرات السماحة التي تحلى بها خير الخلق، وحبيب الحق محمد صلى الله عليه وسلم (٢). ٣. زيادة الإيمان في القلب. فإن الصحابة رضي الله عنهم في حمراء الأسد حينما قال لهم الناس إن الناس قد (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٧/ ٣٤٠، الكشف والبيان، الثعلبي ٣/ ١٩٠. (٢) انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين ٣٩٢/٢. كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَنَّا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَيَعْمَ الْوَكِيلُ (٣) فَانْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ الَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوْءٌ وَأَتَّبَعُواْ رِضْوَنَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٣-١٧٤]. الهداية إلى القول الحسن، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جَثَّاتٍ تَّجْرِى مِن تَحْتِهَا اَلْأَنْهَرُ يُحِلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤَّا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِرٌ ٢٣ وَهُدُوَأَ إِلَى الَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ اَلْحَمِيدِ﴾ [الحج: ٢٣ -٢٤]. ٤. الوقاية من المكر الذي يحيكه الكفار. كما في قصة مؤمن آل فرعون. (٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم ٨١٧/٣. www. modoee.com ٣٦٩ حرف السين ثانيًا: الجزاء في الآخرة: ٤. الهداية إلى صراط الحميد، كما ذكرت الآية السابقة. ٥. الدخول في الجنة، كما سبقت الإشارة في قصة حبيب النجار. ٦. الرضا من الله تعالى، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعِلُواْ الصَّالِحَتِ أُوْلَكَ هُمْ خَّرُ أَلْبِيَّةِ جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِهِمْ جَنَّتُ عَدْنٍ تَجْرِىٍ مِنْ خَمْهَا اْأَنْهُ خَلِينَ فِيهَا أَبْدًا رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُّواْ عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُ﴾﴾ [البينة: ٧-٨]. وغير ذلك من الفضائل التي تدلل على أن القرآن الكريم بيّن ثمرات أهل السماحة في الآخرة، كما بيّنها في الحياة الدنيا. موضوعات ذات صلة: الرحمة، العفو، اليسر ٣٧٠ قَضوري جوبي القرآن الكريم