Indexed OCR Text

Pages 41-42

السماء
الرتق متمکن منهما أشدّ تمکن کما قلنا
ليستدل به على عظيم القدرة في فتقهما،
ولدلالة الفعل على حدثان الفتق إيماء إلى
حدوث الموجودات كلها وأن ليس منها
أزلي، والرتق یحتمل أن يراد به معان تنشأ
على محتملاتها معان في الفتق.
فإن اعتبرنا الرؤية بصرية ، فالرتق
المشاهد هو ما يشاهده الرائي من عدم
تخلل شيء بين أجزاء السماوات وبين
أجزاء الأرض، والفتق : هو ما يشاهده الرائي
من ضد ذلك حين يرى المطر نازلاً من
السماء ويرى البرق يلعج منها والصواعق
تسقط منها فذلك فتقها، وحین یری انشقاق
الأرض بماء المطر وانبثاق النبات والشجر
منها بعد جفافها، وكل ذلك مشاهد مرئي
دال على تصرف الخالق، وفي هذا المعنى
جمع بين العبرة والمنة (١).
فكان هذا الرتق أمر دال على عظيم قدرة
الله وإتقان خلقه السماوات والأرض.
وقد يشير القرآن أحياناً إلى حقائق
كونية كهذه الحقيقة التى يقررها هنا:
أَنَّ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ كَانْنَا رَتْقَا فَفَتَقْنَهُمَا﴾
[الأنبياء: ٣٠].
ونحن نستيقن هذه الحقيقة لمجرد
ورودها في القرآن، وإن كنا لا نعرف منه
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٥٤/١٧.
وإنما لم يقل نحو: فصارتا فتقًا؛ لأن كيف كان فتق السماوات والأرض، أو فتق
السماوات عن الأرض، ونتقبل النظريات
الفلكية التي لا تخالف هذه الحقيقة
المجملة التي قررها القرآن، ولكننا لا نجري
بالنص القرآني وراء أية نظرية فلكية، ولا
نطلب تصديقاً للقرآن في نظريات البشر،
وهو حقيقة مستيقنة! وقصارى ما يقال:
إن النظرية الفلكية القائمة اليوم لا تعارض
المفهوم الإجمالي لهذا النص القرآني
السابق عليها بأجيال (٢).
ولذا كان خلق الناس بما أودع الله فيهم
من العظمة أمر مهول، وقد ذكّر الله به بقوله
تعالى: ﴿وَفِّ أَنْفُسِكُمْ أَفَلاَ نُبْصِرُونَ
[الذاريات: ٢١].
وأعظم من خلق الإنسان خلق السماوات
والأرض وما أودع الله في السماوات
من أسرار وفي الأرض من أغوار، ما يبهر
العقول وتحار فيه الأبصار ، كما قال ربي
القادر القهار: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ
أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ
النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [غافر: ٥٧].
والقرآن الكريم يحث المسلم على
التفكير في خلق السماء والأرض: ﴿إِنَّ
فِي خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَافِ أَلَيْلِ
وَاَلنَّهَارِ لَيَتِ لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ * الَّذِينَ
يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٣٧٦/٤.
www. modoee.com
٣٢٩

حرف السين
وَيَتَفَكَّرُونَ فِىِ خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا
مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا سُبْحَنَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ
١٩١
[آل عمران: ١٩٠-١٩١] (١).
والله أعلم وعليه اعتمادنا وهو المستعان
فهو حسبنا ونعم الوكيل.
موضوعات ذات صلة:
الآيات الكونية، الأرض، الجبال، الرياح،
السحاب، الماء
(١) مباحث في علوم القرآن للقطان ص٢٧٩.
٣٣٠
القرآن الكريمِ