Indexed OCR Text

Pages 21-40

السماء
٢. الكواكب زينة للسماء.
وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّا زَبَّنَا السَّمَآءَ
الدُّنْيَا بِيِنَّةٍ الْكَوَاكِبِ ﴾ [الصافات: ٦].
وقوله: ﴿إِذَا السَّمَآءُ أَنْفَطَرَتْ { وَإِذَا
اَلْكَوَاكِبُ أَنْنَثَرَتْ ﴾ [الانفطار: ١- ٢].
والكواكب: هي النجوم البادية، ولا
يقال: لها كواكب إلا إذا بدت، قال تعالى:
﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اَلَيْلُ رَءَا كَوَّكَبًا﴾ [الأنعام: ٧٦]
وقال: ﴿كَأَنَّهَا كَوَكَبُ دُرِئٌ﴾ [الصافات:٦].
﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ أَنَّتْ (0﴾
[الانفطار: ٢]
ويقال: ذهبوا تحت كل كوكب: إذا
تفرقوا، وكوكب العسكر: ما يلمع فيها من
الحديد(١).
يخبر تعالى أنه زين السماء الدنيا للناظرين
إليها من أهل الأرض ﴿يَزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾
قرئ بالإضافة وبالبدل(٢)، وكلاهما بمعنى
واحد، فالكواكب السيارة والثوابت يثقب
ضوءها جرم السماء الشفاف، فتضيء لأهل
الأرض، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَا السَّمَكَةُ
الدُّنْيَا بِمَصِيحَ﴾(٣) [الملك: ٥].
والمراد التزيين في رأي العين، فإن
الكواكب تبدو للناظرين كأنها جواهر
متلألئة (٤)، وأيًا مّا كان فإقحام لفظ زينة
(١) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٦٩٥.
(٢) انظر: إتحاف فضلاء البشر، الدمياطي
ص٣٦٧.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٥٧٣/٤.
(٤) محاسن التأويل، القاسمي ٨١/٨.
تأكيد، والباء للسببية، أي زيّنا السماء بسبب
زينة الكواكب فكأنه قيل: ﴿ إِنَّا زَبَّنَا السَّمَآءَ
الدُّنْيَا بِنَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ تزيينًا فكان ﴿إِنَةٍ
الْكَوَاكِبِ﴾ في قوّة: بالكواكب تزييناً، فقوله:
﴿بِزِينَةٍ﴾ مصدر مؤكد لفعل زيّنًا في المعنى
ولكن حوّل التعليق فجعل ((زينة)) هو المتعلق
ب «زيّنًا)) ليفيد معنى التعليل ومعنى الإضافة
في تركيب واحد على طريقة الإيجاز، لأنه
قد علم أن الكواكب زينة من تعليقه بفعل
((زيّنّا)) من غير حاجة إلى إعادة ((زينة)) لولا
ما قصد من معنی التعلیل والتوكيد(٥)، فكما
أن النجوم أمنة للسماء، فالکواکب زينة حین
تبدوا للناظرين.
٣. للسماء سكان.
فالسماء جعلها الله عز وجل ﴿ وَحِفْظَامِنْ
كُلِّ شَيْطَنِ مَّارِدٍ ﴾ [الصافات: ٧].
أي: وحفظنا السماء من كل شيطان
متمرد عات يرمون بالشهب، لا يسمّعون
إلى الملإ الأعلى يعني: إلى الملائكة
والكتبة؛ لأنهم سكان السماء وذلك أن
الشیاطین یصعدون إلى قرب السماء فربما
سمعوا كلام الملائكة؛ فيخبرون به أولياءهم
الإنس ویوهمون بذلك أنهم يعلمون الغيب
فمنعهم الله من ذلك بهذه الشهب (٦).
وذكر الطبري عن قتادة، قال: ((بلغنا أن
(٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٨٨/٩.
(٦) لباب التأويل، الخازن ١٥/٤.
www. modoee.com
٣٠٩

حرف السين
جبرئيل عليه السلام لما أصبح نشر جناحه، يسترقوا شيئاً من القرآن، فيلقوه على ألسنة
الكهنة، فیلتبس الآمر ويختلط ولا يدرى من
الصادق، وهذا من لطف الله بخلقه ورحمته
بعباده، وحفظه لکتابه العزیز.
فانتسف به أرضهم بما فيها من قصورها،
ودوابها، وحجارتها، وشجرها وجميع ما
فيها، فضمها في جناحه، فحواها وطواها
في جوف جناحه، ثم صعد بها إلى السماء
الدنيا، حتى سمع سكان السماء أصوات
الناس والكلاب، وكانوا أربعة آلاف ألف،
ثم قلبها فأرسلها إلى الأرض منکوسة، دمدم
بعضها على بعض، فجعل عاليها سافلها، ثم
أتبعها حجارة من سجيل))(١).
٤. للسماء حرس يحرسونها.
وذلك في قوله تعالى حاكياً عن الجن:
﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَلَةَ فَوَجَدْنَهَا مُلِئَتْ حَرَسًا
شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ [الجن:٨].
والحرس، واحدهم حارس، وهو
الرقيب، شديداً: أي قوياً (٢)، فلما أخبر الله
أن الملائكة تنزل بالوحي من السماء، بين
أنه حرس السماء عن استراق السمع بعد أن
زينها بالكواكب(٣)، ليخبر تعالى عن الجن
حين بعث الله رسوله محمداً صلى الله عليه
وسلم وأنزل عليه القرآن، وكان من حفظه
له أن السماء ملئت حرساً شديداً، وحفظت
من سائر أرجائها، وطردت الشياطين عن
مقاعدها التي كانت تقعد فيها قبل ذلك؛ لئلا
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٧ / ٩٦.
(٢) تفسير المراغي ١٠/ ٩٧.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤٤/٨.
القرآن الكريم
ولهذا قال الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَآءَ
فَوَجَدْنَهَا مُلِثَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهَا ﴾
[الجن: ٨] أي: من يروم أن يسترق السمع
الیوم یجد له شهاباً مرصداً له، لا یتخطاه ولا
يتعداه، بل یمحقه ویهلكه(٤).
ونقل الطبري عن ابن زيد، في قوله:
﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَآءَ فَوَجَدْنَهَا مُلِثَتْ حَرَسًا
شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ [الجن:٨] حتى بلغ ﴿وَأَنَّا
كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ
لَهُ شِهَابَا رَّصَدَا ﴾ [الجن: ٩].
فلما وجدوا ذلك رجعوا إلى إبليس،
فقالوا: منع منا السمع، فقال لهم: إن السماء
لم تحرس قط إلا على أحد أمرين: إما
لعذاب يريد الله أن ينزله على أهل الأرض
بغتة، وإما نبي مرشد مصلح (٥).
فحراس السماء هم الملائكة والنجوم
تحرسها وترسل الشهب على من يسترق
السمع.
ثالثًا: أمور أسندت للسماء:
هناك أمور وأفعال ذكرت مسندة إلى
السماء، وكأنها هي من قامت بها وهي
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٩٥٣/٤.
(٥) جامع البيان، الطبري ١٢/ ٢٦٦.
٣١٠

السماء
كالآتي:
١. إنزال الماء.
ذكر الله عز وجل امتنانه بإنزال الماء من
السماء في مواضع كثيرة، فالله (جل وعلا)
ينزل الماء من السماء؛ لأن إنزال الماء من
السماء فيه غرائب وعجائب، يجب على
الإنسان تأملها (١).
وأعظم دليل على إنزال الماء من السماء،
قوله تعالى: ﴿وَنَسَمَاءُ أَقْلِ﴾ [هود :٤٤]
ومعلوم أن المعنى: أقلعي عن إنزال الماء(٢).
وذكر جل وعلا، في أول سورة الجاثية
ستة براهين من براهين التوحيد الدالة
على عظمته وجلاله، وكمال قدرته، وأنه
المستحق للعبادة وحده تعالى ، وجاءت
موضحة في آيات كثيرة جدًا كما هو
معلوم ، الخامس منها هو: إنزال الماء من
السماء وإحياء الأرض به وإنبات الرزق
فيها المذكور في قوله عز وجل: ﴿وَمَا أَنزَلَ
اللَّهُ مِنَ السَّمَلِ مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾
[الجاثية: ٥].
فقد جاء موضحًا أيضًا في آيات كثيرة
وإنَّ
من كتاب الله كقوله تعالى في البقرة: ـ
فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ أَلَّيْلِ
وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِى ◌َّجْرِى فِى الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ
(١) انظر: العذب النمير، الشنقيطي ١٨/٢،
والآيات في هذا تصل إلى قرابة ٢٠ آية.
(٢) زاد المسير، ابن الجوزي ٣/ ٦٠٥.
النَّاسَ وَمَآ أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن ◌َّآءٍ فَأَخْيَا بِهِ
الْأَرْضَ بَعْدَ مَّوْتِهَا﴾ إلى قوله: ﴿لَأَيْتٍ لِقَوْمٍ
يَمْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤].
﴿وَمَآ أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن ◌َّآٍ﴾ وهو
المطر النازل من السحاب، ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ
بَعْدَ مَّوْتِهَا﴾ فأظهرت من أنواع الأقوات،
وأصناف النبات، ما هو من ضرورات
الخلائق، التي لا يعيشون بدونها ... ﴿وَبَثَّ
فِيهَا﴾ أي: في الأرض ﴿مِن كُلِّ دَابَةٍ﴾
أي: نشر في أقطار الأرض من الدواب
المتنوعة، ما هو دليل على قدرته وعظمته،
ووحدانيته وسلطانه العظيم، وسخرها
للناس، ينتفعون بها بجميع وجوه الانتفاع،
فمنها: ما يأكلون من لحمه، ویشربون من
دره، ومنها: ما يركبون، ومنها: ما هو ساع
في مصالحهم وحراستهم، ومنها: ما يعتبر
.
به (٣).
وقوله تعالى: ﴿فَلَنْظُرِ الْإِنسَنُ إِلَى طَعَامِهِ»
٢٠ أَنَا صَبْنَا الْمَّةُ صَبَّا ( ٥ ثُمَّ شَفَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّاً
٢) فَبَا فِيهَا حَبَّا) إلى قوله: ﴿مَتَعًا لَّكُمْ
وَلِأَنْعَمِكُمْ ﴾ [عبس: ٢٤ -٣٢].
وإيضاح هذا البرهان باختصار : أن قوله
تعالى: ﴿فَظُرِ الْإِنْسَنُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ وهذا أمر من
الله تعالى لكل إنسان مكلف أن ينظر ويتأمل
في طعامه کالخبز الذي یأکله، ویعیش به من
(٣) تيسير الكريم الرحمن ص ٧٤.
www. modoee.com
٣١١

حرفالسین
خلق الماء الذي كان سببًا لنباته (١).
أن
وإنما تعلق النظر بالطعام مع
الاستدلال هو بأحوال تكوين الطعام، إجراءً
للكلام على الإيجاز ويبينه ما في الجمل
بعده من قوله: ﴿أَنََّ صَبَّنَا الْمَّةَ صَبًّا﴾ إلى
آخرها.
فالتقدير: فلينظر الإنسان إلى خلق
طعامه وتهيئة الماء لإنمائه وشق الأرض
وإنباته وإلى انتفاعه به وانتفاع مواشيه في
(٢)
بقاء حياتهم(٢).
٢. إنزال البركات من السماء.
والبركة: ثبوت الخير الإلهي في الشيء،
قال تعالى: ﴿لَغَنَحْنَا عَلَّهِم بَرَكَتٍ مِّنَ السَّمَآءِ
وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦].
وسمي بذلك لثبوت الخير فيه ثبوت
الماء في البركة(٣).
قرأ هذا الحرف عامة القراء غير ابن
عامر: (لفتحنا) بالتخفيف، وقرأه ابن عامر:
(لفتّحنا عليهم) بالتشديد(٤)، والبركات:
الخيرات، وبركات السماء: ما ينزل منها
من الأمطار (٥)؛ لأرسل عليهم السّماء
مدرارًا ولأنبت لهم من الأرض من رزقي
(١) أضواء البيان، الشنقيطي ٧/ ١٨٢.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٣٠/١٢.
(٣) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ١١٩.
(٤) انظر: إتحاف فضلاء البشر، الدمياطي ٢٢٧.
(٥) العذب النمير، الشنقيطي ٢٩٦/٣.
ما يغنيهم (٦)، كان ذلك دليلاً على حلول
البركة، وليست العبرة بالنعمة ؛ إنما العبرة
بالبركة فى النعمة، ولذا لم يقل أضعفنا لهم
النعمة ولكنه قال: باركنا لهم فيما خوّلنا (٧)،
ولا ينال ذلك إلا بالتقوى.
فلما ذكر تعالى أن المكذبين للرسل
يبتلون بالضراء موعظة وإنذاراً، وبالسراء
استدراجاً ومكراً، ذكر أن أهل القرى، لو
آمنوا بقلوبهم إيماناً صادقاً صدقته الأعمال،
واستعملوا تقوى الله تعالى ظاهراً وباطناً
بترك جميع ما حرم الله، لفتح عليهم بركات
السماء والأرض، فأرسل السماء عليهم
مدراراً، وأنبت لهم من الأرض ما به يعيشون
وتعيش بهائمهم، في أخصب عيش وأغزر
رزق، من غیر عناء ولا تعب، ولا كد ولا
نصب(٨).
٣. إنزال الرجز.
وأصل الرجز: الاضطراب ... وقوله:
﴿عَذَابٌ مِّن رِّجْزِ أَلِيمٌ﴾ [سبأ: ٥].
فالرجز هاهنا كالزلزلة، وقال تعالى:
﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا
مِنَ السَّمَآءِ﴾ [العنكبوت: ٣٤](٩)، والرجز
العذاب(١٠).
(٦) زاد المسير، ابن الجوزي ٢/ ٥٢٧.
(٧) لطائف الإشارات، القشيري ٥٥٣/١.
(٨) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٣٣٦.
(٩) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٣٤١.
(١٠) جامع البيان، الطبري ١٣٨/١٠.
٣١٢
جوبي
القرآن الكريم

السماء
وهو عذاب وغضب وموت فجأة
وأوجاع وأسقام عذب الله بها بني إسرائيل
لما بدلوا غير ما قيل لهم.
والرجز: العذاب، ويحتمل أن المراد
به: الطاعون، کما قاله کثیر من المفسرین،
ويحتمل أن يراد به ما تقدم من الآيات:
الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع،
والدم، فإنها رجز وعذاب (١).
ويمكن أن يقال: إن إضافته للسماء؛
لبيان أنه مما لا یمکن لأحد دفعه أو الهروب
من وقوعه (٢)
٤. المائدة التي أنزلت من السماء.
والميد: اضطراب الشيء العظيم
كاضطراب الأرض ويقال: مادني يميدني،
أي: أطعمني، وقوله تعالى: ﴿اَللَّهُمَّ رَبَّنَّا أَنْزِلْ
عَلَيْنَا مَآيِدَةً مِنَ السَّمَدِ﴾ [المائدة: ١١٤].
قيل: استدعوا طعاماً، وقيل: استدعوا
علماً، وسماه مائدة من حيث إن العلم غذاء
القلوب كما أن الطعام غذاء الأبدان (٣).
وهذا الخبر يحكيه الله تعالى عن عيسى
عليه السلام في طلب قومه منه مائدة من
السماء.
واختلفت القراء(٤) في قراءة قوله:
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٣٤١.
(٢) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٣٤٥/١.
(٣) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٧٨٣.
(٤) انظر: إتحاف فضلاء البشر، الدمياطي ص
٣٠٤.
(يستطيع ربك)، فقرأ ذلك جماعة من
الصحابة والتابعين: (هل تستطيع) بالتاء،
(ربك) بالنصب، بمعنى: هل تستطيع أن
تسأل ربك، وهل تستطيع أن تدعو ربك،
أو هل تستطيع وترى أن تدعوه؟ وقالوا:
لم يكن الحواريون شاكين أن الله تعالى
ذكره قادر أن ينزل عليهم ذلك، وإنما قالوا
لعيسى: هل تستطيع أنت ذلك؟(٥).
والقصة كاملة:
قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَنْعِيسَى
أَبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا
مَآَيِدَةٌ مِنَ السَّمَآءِ﴾ [المائدة: ١١٢].
أي: مائدة فيها طعام، وهذا ليس منهم
عن شك في قدرة الله، واستطاعته على
ذلك. وإنما ذلك من باب العرض والأدب
منهم.
ولما كان سؤال آيات الاقتراح منافياً
للانقياد للحق، وكان هذا الكلام الصادر من
الحواريين ربما أوهم ذلك، وعظهم عيسى
عليه السلام فقال: ﴿أَتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم
مُؤْمِنِينَ﴾ فإن المؤمن يحمله ما معه من
الإيمان على ملازمة التقوى، وأن ينقاد لأمر
الله، ولا يطلب من آيات الاقتراح التي لا
يدري ما یکون بعدها شيئًا.
فأخبر الحواريون أنهم ليس مقصودهم
هذا المعنى، وإنما لهم مقاصد صالحة،
(٥) جامع البيان، الطبري ١٢٩/٥.
www. modoee.com
٣١٣

حرف السین
ولأجل الحاجة إلى ذلك ف﴿قَالُواْ وإحسانه عليهم. ﴿وَأَرْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الزَّزِقِينَ﴾
أي: اجعلها لنا رزقًا، فسأل عيسى عليه
السلام نزولها وأن تكون لهاتين المصلحتين،
مصلحة الدين بأن تكون آية باقية، ومصلحة
الدنیا، وهي أن تكون رزقًا.
نُزِيدُ أَن تَأْكُلَ مِنْهَا﴾ وهذا دليل على
أنهم محتاجون لها، ﴿وَتَطْمَيِنَّ قُلُوبُنَا﴾
[المائدة: ١١٣]، بالإيمان حين نرى الآيات
العيانية، فيكون الإيمان عين اليقين، كما
كان قبل ذلك علم اليقين، كما سأل الخليل
عليه الصلاة والسلام ربه أن يريه كيف
يحيي الموتى ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنَّ قَالَ بَى وَلَكِن
لِيَطْمَيِنَّ قَلْبِى﴾ [البقرة: ٢٦٠].
فالعبد محتاج إلى زيادة العلم واليقين
والإيمان كل وقت، ولهذا قال: ﴿وَنَعْلَمَ
أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ أي: نعلم صدق ما جئت
به، أنه حق وصدق، ﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ
الشَّهِدِينَ﴾ [المائدة: ١١٣].
فتكون مصلحة لمن بعدنا، نشهدها لك،
فتقوم الحجة، ويحصل زيادة البرهان بذلك.
فلما سمع عيسى عليه الصلاة والسلام
ذلك، وعلم مقصودهم، أجابهم إلى طلبهم
في ذلك، فقال: ﴿اَللَّهُوَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَآيِدَةً
مِّنَ السَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَءَاخِنَا
وَءَايَةٌ مِّنْكَ﴾ [المائدة: ١١٤].
أي: يكون وقت نزولها عيداً وموسماً،
يتذكر به هذه الآية العظيمة، فتحفظ ولا
تنسى على مرور الأوقات وتكرر السنين.
كما جعل الله تعالى أعياد المسلمين
ومناسكهم مذكرًا لآياته، ومنبهاً على
سنن المرسلين وطرقهم القويمة، وفضله
قال تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّ مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ
فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِّ أُعَذِّبُهُ عَذَابَ لَّ أُعَذِّبُهُ
أَحَدًا مِنَ الْعَلَمِينَ (١)﴾ [المائدة: ١١٥].
لأنه شاهد الآية الباهرة وكفر عنادًا
وظلمًا، فاستحق العذاب الأليم والعقاب
الشديد، واعلم أن الله تعالى وعد أنه
سينزلها، وتوعدهم -إن كفروا- بهذا
الوعيد، ولم يذكر أنه أنزلها، فيحتمل أنه لم
ینزلها بسبب أنهم لم يختاروا ذلك، ويدل
على ذلك، أنه لم يذكر في الإنجيل الذي
بأيدي النصارى، ولا له وجود، ويحتمل
أنها نزلت كما وعد الله (١)، والله لا يخلف
الميعاد، ويكون عدم ذكرها في الأناجيل
التي بأيديهم من الحظ الذي ذكروا به فنسوه.
أو أنه لم يذكر في الإنجيل أصلاً وإنما
ذلك كان متوارثاً بينهم، ينقله الخلف عن
السلف، فاكتفى الله بذلك عن ذكره في
الإنجيل، ويدل على هذا المعنى قوله:
(١) ظاهر القرآن يدل على أنه أنزلها استجابة
الدعاء عيسى عليه السلام ولأنه طلب أن تكون
آية ورزقاً والله ذو الفضل العظيم والله أعلم،
والأصل أن الله أنزلها لكل ما جاء من رغبتهم
في ذلك ودعاء نبيهم لذلك تلبية لرغبتهم.
٣١٤
جَوْسُو
القرآن الكريم

السماء
﴿وَنَكُونَ عَلَيَّهَا مِنَ الشَِّهِدِينَ﴾ والله أعلم يتجلى في الآيات التي تحكي مصائر الأمم
والشعوب(٤).
بحقيقة الحال (١).
فهذه قصة المائدة، وإليها تنسب السورة
فيقال: ((سورة المائدة))(٢)، وهي مما امتن
الله به على عبده ورسوله عيسى، عليه
السلام، لما أجاب دعاءه بنزولها، فأنزلها
الله آية ودلالة معجزة باهرة وحجة قاطعة،
وقد ذكر بعض الأئمة أن قصة المائدة ليست
مذكورة في الإنجيل، ولا يعرفها النصارى
إلا من المسلمين، فالله أعلم(٣).
وهذه المائدة نزلت من السماء جاهزة
بكل ما فيها معجزة من الله لرسوله وإجابة
لدعائه.
ولعلنا لا نستغرب عندما نجد القرآن
الكريم يصرف أنظار قريش المطالبين
بالآيات المادية وغيرها من المقترحات
ويلفت أنظارهم إلى ما هو الأجدى والأليق
والأرحم ، وكان في هذا الصرف رحمة
بهم، فقد جرت سنّة الله سبحانه وتعالى
في رسالاته إلى الناس أن القوم إن أجيبوا
إلى مطالبهم من المعجزات المادية الباهرة
القاهرة ثم نكصوا على أعقابهم فكفروا
بعد ذلك، جرت سنّة الله أن یکون العذاب
المستأصل حظّهم في الدنيا والعذاب
المهين مصيرهم في الأخرى، وهذا ما
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٢٧٥.
(٢) محاسن التأويل، القاسمي ٢٩٦/٤.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦٤٥/٢.
رابعًا: أحوال السماء عند قيام الساعة:
١. تشققها بالغمام.
وذلك في قوله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ
﴾ [الفرقان: ٢٥].
٢٥
بِالْغَمَمِ وَفِالمَلِكَةُّتَنزِيلًا
وقوله: ﴿فَإِذَا أُنشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً
كَالدِّهَانِ ﴾ [الرحمن: ٣٧].
وقوله: ﴿وَأَنْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِىَ يَوْمِذٍ وَاهِيَةٌ
﴾ [الحاقة: ١٦].
١٦
﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنشَقَّتْ ﴾
وقوله:
[الانشقاق: ١].
والتشقق: التفتح، قرأ عاصم والأعمش
ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي وأبو
عمرو، تشقق بتخفيف الشين، وأصله
تتشقق، وقرأ الباقون، بتشديد الشين على
الإدغام(٥).
واختار القراءة الأولى أبو عبيد، واختار
الثانية أبو حاتم، ومعنى تشققها بالغمام: أنها
تتشقق عن الغمام، قال أبو علي الفارسي:
تتشقق السماء وعليها غمام ... وقيل: إن
السماء تتشقق بالغمام الذي بينها وبين
الناس، والمعنى: أنه يتشقق السحاب بتشقق
(٤) مباحث في إعجاز القرآن، مصطفى مسلم
ص٣١-٣٥.
(٥) انظر: إتحاف فضلاء البشر، الدمياطي
ص٣٢٨.
www. modoee.com
٣١٥

حرف السين
السماء، وقيل: إنها تتشقق لنزول الملائكة
كما قال سبحانه بعد هذا: ونزّل الملائكة
تنزيلاً ، وقيل: إن الباء في بالغمام سببية،
أي: بسبب الغمام، يعني بسبب طلوعه منها
كأنه الذي تتشقق به السماء، وقيل: إن الباء
متعلقة بمحذوف، أي: ملتبسة بالغمام(١).
وإذا جاء يوم القيامة تصدعت السموات
واختلت نظمها، وتبعثرت أجرامها و کواکبها
عن مداراتها، واحمر لونها وأذيبت حتى
صارت كأنها الزيت ونحوه مما يدّهن به(٢).
وأما ما يصنع بالسماء، فإنها تضطرب
وتمور وتتشقق ويتغير لونها، وتهي بعد تلك
الصلابة والقوة العظيمة، وما ذاك إلا لأمر
عظيم أزعجها، وکرب جسيم هائل أوهاها
وأضعفها(٣).
فيخبر تعالى عن هول يوم القيامة،
وما يكون فيه من الأمور العظيمة، فمنها :
انشقاق السماء وتفطرها وانفراجها بالغمام،
وهو ظلل النور العظيم الذي يبهر الأبصار،
ونزول ملائكة السموات يومئذ، فيحيطون
بالخلائق في مقام المحشر، ثم يجيء الرب
تبارك وتعالى لفصل القضاء (٤).
(١) الكشاف، الزمخشري ٢٧٥/٣، الجامع
لأحكام القرآن، القرطبي ٧/ ١٨، فتح القدير،
الشوكاني ٤ / ٩٦.
(٢) تفسير المراغي ٩/ ١٢٠.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٠٤٢.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٣٣٤/٣،
تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٦٨٠.
ولما علم الله أن قلوب أوليائه الذين
يعقلون هذه الأوصاف عنه، وتتراءى لهم
تلك الأهوال لا تتمالك؛ لطف بهم فنسب
(الملك) إلى أعم اسم في الرحمة فقال
(الرحمن) ليلاقي هذا الاسم تلك القلوب
التي يحل بها الهول فيمازج تلك الأهوال،
ولو کان بدله اسماً آخر من عزيز وجبار
لتفطرت القلوب(٥).
٢. طيّها وانفطارها وانشقاقها.
أولًا: الطّيّ: ضد النشر: ومن ذلك قوله
تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِى السَّمَآءَ كَطَّيّ السّجِلِّ
لِلْكُتُبِّ كَمَابَدَأَنَا أَوَّلَ خَلْقِ تُّعِيدُهُ، وَهْدًا
عَلَيَّنَا إِنَّا كُنَا فَعِلِينَ ﴾ [الأنبياء: ١٠٤].
وقوله: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ
جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَالسَّمَوَاتُ
مَطْوِيَّتْ بِيَمِينِهِ، سُبْحَتَهُ، وَتَعَلَى عَمَّا
يُشْرِكُونَ ﴾ [الزمر: ٦٧]
طويت الشيء طيًّا، وذلك كطي الدرج
وعلى ذلك قوله: ﴿يَوْمَ نَطْوِى السَّمَآءَ كَطَيّ
السِّجِلِ﴾(٦).
ونقل الطبري أقوالًا ثم قال: وأولى
الأقوال في ذلك عندنا بالصواب قول من
قال: السجل في هذا الموضع الصحيفة،
لأن ذلك هو المعروف في کلام العرب، ولا
(٥) انظر: البرهان، الزركشي ١/ ٢٩٠.
(٦) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٥٢٣.
٣١٦
جَوُور
القرآن الكريمِ

السماء
یعرف لنبينا صلى الله عليه وسلم کاتب كان
اسمه السجل، ولا في الملائكة ملك ذلك
اسمه. فإن قال قائل: وكيف تطوى الصحيفة
بالكتاب إن كان السجل صحيفة؟ قيل:
ليس المعنى كذلك، وإنما معناه: يوم نطوي
السماء كطي السجل على ما فيه من الكتاب،
ثم جعل نطوي مصدراً، فقيل: (كطي
السجل للكتاب) واللام في قوله (للكتاب)
بمعنى: على، واختلف القراء في قراءة
ذلك، فقرأته عامة قراء الأمصار، سوى أبي
جعفر القارئ: (يوم نطوي السماء) بالنون.
وقرأ ذلك أبو جعفر: (يوم تطوى السماء)
بالتاء وضمها، على وجه ما لم يسم فاعله
، والصواب من القراءة في ذلك ما عليه
قراء الأمصار، بالنون، لإجماع الحجة من
القراء عليه، وشذوذ ما خالفه، وأما السجل،
فإنه في قراءة جمیعهم بتشديد اللام، وأما
الكتاب، فإن قراء أهل المدينة، وبعض
أهل الكوفة والبصرة قرءوه بالتوحيد:
(كطي السجل للكتاب)، وقرأ ذلك عامة
قراء الكوفة: (للكتب) على الجمع، وأولى
القراءتين عندنا في ذلك بالصواب: قراءة
من قرأه على التوحيد للكتاب لما ذكرنا من
معناه، فإن المراد منه: كطي السجل على ما
فيه مكتوب(١).
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٩/ ٩٥، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ١٢٣٣/٣.
فيخبر تعالى أنه يوم القيامة يطوي
السماوات على عظمها واتساعها كما يطوي
الكاتب للسجل أي: الورقة المكتوب فيها،
فتنثر نجومها، ويكور شمسها وقمرها،
وتزول عن أماكنها (٢).
فالسماوات على سعتها وعظمها
مطويات بيمينه فكأنها بعد أن كانت عظيمة
تصبح لا شيء ؛ لأنها سوف تتبدل غیر ما
كانت.
٣. الانفطار.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَآءُ أَنْفَطَرَتْ
[الانفطار: ١].
وأصل الفطر: الشق طولاً، يقال: فطر
فلان كذا فطرًا، وأفطر هو فطورًا، وانفطر
انفطارًا.
قال تعالى: ﴿هَلْ تَرَى مِن قُطُورِ﴾
[الملك: ٣].
أي: اختلال ووهي فيه، وذلك قد يكون
على سبيل الفساد، وقد يكون على سبيل
الصلاح قال: ﴿السَّمَآءُ مُنْفَظِرٌ بٍِ، كَانَ وَعْدُهُ.
مَفْعُولًا ﴾ [المزمل: ١٨](٣).
يقول تعالى ذكره ﴿السَّمَاءُ مُنْفَظِرٌ بِهِ﴾:
أي: السماء مثقلة بذلك اليوم متصدعة
متشققة، وأنفطرت: انشقت (٤).
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٥٣١.
(٣) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٦٤٠.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ١٢ /٢٩١، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٤/ ٢٠٠٠.
www. modoee.com
٣١٧

حرفالسین
أي: إذا انشقت السماء وانفطرت،
وانتثرت نجومها، وزال جمالها، أي:
انفطرت وتمایز بعضها من بعض، وانتثرت
نجومها، وخسف بشمسها وقمرها (١).
فهذا من الأحداث والأهوال التي ستكون
عند قيام الساعة فيما يختص بالسماء.
والظاهر أن هذا الانفطار هو المعبر عنه
بالانشقاق أيضًا في سورة الانشقاق (٢).
٣. الانشقاق.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ
[الانشقاق: ١].
والشق: الخرم الواقع في الشيء يقال:
شَقَقْنَا الْأَرْضَ
شققته بنصفين قال تعالى:
شَتَّا (١)﴾ [عبس: ٢٦].
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشَفَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ
سِرَاعًا ﴾ [ق: ٤٤].
﴿وَأَنْشَقَّتِ السَّمَآءُ﴾
وقال تعالى:
[الحاقة: ١٦].
وقال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ﴾(٣).
فهو شق غائر ليفصل بين الشيء بعضه
عن بعض، ويحمل معنى الانفطار كذلك.
يقول تعالى ذكره: إذا السماء تصدعت
وتقطعت في يوم القيامة فكانت أبوابًا (٤).
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٠٨١.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٢/ ١٧١.
(٣) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٤٥٩.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٠٤/١٢،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٠/ ١٧٧،
وقد ذكر هذا الانشقاق في مواضع
﴿فَإِذَا
أخرى، حيث قال عز وجل:
أَنْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ
٣١
[الرحمن: ٣٧].
وقال عز وجل: ﴿وَأَنْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِىَ يَوْمِدٍ
وَاهِيَةٌ ﴾ [الحاقة: ١٦].
وقال عز وجل:
[الانشقاق: ١].
﴿إِذَا السَّمَآءُ أَنشَقَّتْـ
فانشقاق السماء حقيقة من حقائق ذلك
اليوم العصيب، أما المقصود بانشقاق
السماء على وجه التحديد فيصعب القول به،
كما يصعب القول عن هيئة الانشقاق التي
تكون، وكل ما يستقر في الحس هو مشهد
التغير العنيف في هيئة الكون المنظور،
وانتهاء نظامه هذا المعهود، وانفراط عقده،
الذي يمسك به في هذا النظام الدقيق (٥).
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٠٠٧/٤.
(٥) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٨٤٦/٦.
٣١٨
القرآن الكريم

السماء
السماء وضرب الأمثال
وفائدة الأمثال: أنها تصور المعاني
كتصور الأشخاص؛ فإن الأشخاص
والأعيان أثبت في الأذهان لاستعانة الذهن
فيها بالحواس، بخلاف المعاني المعقولة
فإنها مجردة عن الحس؛ ولذلك دقت ولا
ينتظم مقصود التشبيه والتمثيل إلا بأن يكون
المثل المضروب مجربًا مسلمًا عند السامع،
وفي ضرب الأمثال من تقرير المقصود ما
لا يخفى إذ الغرض من المثل تشبيه الخفي
بالجلي والشاهد بالغائب(١).
أولًا: المستحيل أو الشعور بالضيق:
وذلك في قوله تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ
أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِّ وَمَن يُرِدْأَن
يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ، ضَيِّقًا حَرَجًاً كَأَنَّمَا
يَصَّغَّدُفِي السَّمَآءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]
والصعود: الذهاب في المكان العالي،
والصعود والحدور لمكان الصعود
والانحدار، وهما بالذات واحد، وإنما
يختلفان بحسب الاعتبار بمن يمر فيهما،
فمتی کان المار صاعدًا يقال لمكانه: صعود،
وإذا كان منحدراً يقال لمكانه: حدور،
والصعد والصعيد والصعود في الأصل
واحد، لكن الصعود والصعد يقال للعقبة،
(١) انظر: البرهان، الزركشي ٣٠١/١، الاتقان،
السيوطي ٣٤٨/٢.
ويستعار لكل شاق ، وقوله: ﴿كَأَنَّمَا
يَصَّغَدُ فِي السَّمَآءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]، أي:
يتصعد. وأما الإصعاد فقد قيل: هو الإبعاد
في الأرض، سواء كان ذلك في صعود أو
حدور، وأصله من الصعود، وهو الذهاب
إلى الأمكنة المرتفعة(٢).
وكلما ارتفع عن المكان المنخفض شعر
بالضيق واشتدت عليه عملية التنفس.
وهذا مثل من الله تعالى ذكره، ضربه
لقلب هذا الكافر في شدة تضييقه إياه عن
وصوله إليه، مثل امتناعه من الصعود إلى
السماء وعجزه عنه؛ لأن ذلك ليس في
وسعه (٣).
وقد سأل عمر بن الخطاب رضي الله
عنه، رجلًا من الأعراب من أهل البادية
من مدلج: ما الحرجة؟ قال هي الشجرة
تكون بين الأشجار لا تصل إليها راعية، ولا
وحشية، ولا شيء. فقال عمر ، رضي الله
عنه: كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء
من الخير (٤).
فقوله تعالى: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّغَّدُ فِي
السَّمَآءِ﴾ أي: يتكلف الصعود في جهة
السماء، وطبعه يهبط إلى الأرض، فشبه
للمبالغة في ضيق صدره، بمن يزاول أمراً
(٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني
ص٣٨٣، لسان العرب، ابن منظور ٢٥١/٣.
(٣) جامع البيان، الطبري ٣٣٩/٥.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦٩٦/٢.
www. modoee.com
٣١٩

حرف السين
٢٤
غير ممكن، لأن صعود السماء مثل فيما كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الَيَتِ لِقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ
[يونس: ٢٤].
يمتنع ويبعد من الاستطاعة، وتضيق عنه
المقدرة، وقيل: معناه كأنما يتصاعد إلى
السماء نبوًّا عن الحق، وتباعداً في الهرب
منه(١).
فمن يقدر الله له الضلال -وفق سنته
الجارية من إضلال من يرغب عن الهدى
ويغلق فطرته عنه- ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا
حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَغَدُ فِ السَّمَآَ﴾، فهو
مغلق مطموس يجد العسر والمشقة في
قبوله، ﴿كَأَنَّمَا يَصَغَدُفي السَّمَآء﴾، وهي
حالة نفسية تجسم في حالة حسية، من ضيق
النفس، وكربة الصدر، والرهق المضني في
التصعد إلى السماء (٢).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَوْقِ الدُّنْيَا
وأثبت العلم الحديث أنه كلما كان كَمَآءٍ أَنزَلْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ معنى الآية التشبيه
الصعود قلت نسبة الهواء فيؤدي للاختناق والتمثيل، أي صفة الحياة الدنيا في فنائها
وزوالها وقلة خطرها والملاذ بها كماء ...
والضيق.
ثانيًا: مثل الحياة الدنيا كماء أنزل من
السماء:
وقالت الحكماء: إنما شبه تعالى الدنيا بالماء
؛ لأن الماء لا يستقر في موضع، كذلك الدنيا
لا تبقى على واحد، ولأن الماء لا يستقيم
على حالة واحدة كذلك الدنيا، ولأن الماء
لا يبقى ويذهب كذلك الدنيا تفنى، ولأن
الماء لا يقدر أحد أن يدخله ولا يبتل كذلك
الدنيا لا يسلم أحد دخلها من فتنتها وآفتها،
ولأن الماء إذا كان بقدر كان نافعاً منبتاً، وإذا
جاوز المقدار كان ضاراً مهلكاً، وكذلك
(١) محاسن التأويل، القاسمى ٤ / ٤٩٧.
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطّب ٣/ ١٢٠٣.
وقوله عز وجل: ﴿وَأَضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلَ الْحَيَوَةِ
الدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْتَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَأَخَلَطَ بِهِه
نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا نَذْرُؤُهُ الْرِّيَخُ وَكَانَ
اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُقْنَدِرًا ﴾ [الكهف: ٤٥].
وهذا المثل من أحسن الأمثلة، وهو
مطابق لحالة الدنيا، فإن لذاتها وشهواتها
وجاهها ونحو ذلك يزهو لصاحبه إن زها
وقتًا قصيرًا، فإذا استكمل وتم اضمحل،
وزال عن صاحبه، أو زال صاحبه عنه،
فأصبح صفر اليدين منها، ممتلئ القلب من
همها وحزنها وحسرتها (٣).
وورد ذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ
اُلْحَيَوِةِ الدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنَزَلْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَأَخْتَلَطَ
بِهِ، نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَمُ حَفََّ
إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَأَزَّيَّنَتْ وَظَرَّ أَهْلُهَا
أَنَّهُمْ قَدِرُونَ عَلَيَّهَا أَتَنْهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ
نَهَارًا فَجَعَلْنَهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسَِّ
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤١٥.
٣٢٠
جوببيو
القرآن الكريمِ

السماء
الدنيا الكفاف منها ينفع وفضولها يضر ...
ولذا ورد في صحيح مسلم عن النبي صلى
الله علیه وسلم أنه قال : (قد أفلح من أسلم
ورزق كفافاً وقتعه الله بما أتاه)(١)، فأصبح،
أي النبات، هشيماً أي: متكسراً من اليس
متفتناً، يعني بانقطاع الماء عنه، فحذف ذلك
إيجازاً لدلالة الكلام عليه (٢).
فالحياة وما فيها مشبهة للناس بما ينزل
من ماء السماء على تراب الأرض، فیحدث
فيها اهتزاز للتتغير إلى الأفضل فیزهوا ويغتر
په محبوه ثم يصبح عند انقطاع الماء عنه قبل
استوائه غير ما كان عليه من النضرة والبهاء،
وقد يتغير قبل حصاده بسبب من الأسباب
فلا ينتفع به.
السماء ينبت به النبات وتخضرّ الأرض
وتظهر الثمار، ویوطّن أربابها عليها نفوسهم،
فتصيبهم جائحة سماوية بغتة، وتصير كأن
لم تكن(٣)، فمن وطّن النّفس على الدنيا
وبهجتها غرته بأمانيها، وخدعته بالأطماع
فيها، ثم إنها تخفي الصّاب-أي: المرّ- في
شرابها، والحنظل في عسلها، والسراب في
مآربها تعد ولا تفي بعداتها، وتوفى آفاتها
على خيراتها، نعمها مشوبة بنقمها، وبؤسها
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب
في الكفاف والقناعة، ٢/ ٧٣٠، رقم ١٠٤٥.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٦٨/٥.
(٣) انظر: لطائف الإشارات، القشيري ٨٨/٢.
مصحوب بمأنوسها، وبلاؤها فى ضمن
عطائها ؛ فالمغرور من اغترّ بها، والمغبون
من انخدع فيها (٤).
والتشبيه في الآيات المذكورة عند
البلاغيين من التشبيه المركب، لأن وجه
الشبه صورة منتزعة من أشياء، وهو کون کل
من المشبه والمشبه به یمكث ما شاء الله،
وهو في إقبال وکمال، ثم عما قليل يضمحل
ويزول، والعلم عند الله تعالى(٥).
فإذا كان النبات بعد نزول الماء قد اخضر
وألبس الأرض حللاً وزادها جمالاً ثم ينتهي
ذلك کان لم یکن، فإن السماء مع ما فيها من
زينة وبهاء ستنتهي يوماً كالنبات وتبدل شيئاً
آخر.
فشبّه الحياة الدنيا بالماء المنزّل من ثالثًا: تمثيل الوحي بالماء المنزل من
السماء:
ورد في القرآن الكريم أن الله عز وجل
أنزل من السماء الماء، وذلك في مواطن
كثيرة، ومن الآيات التي أشير بها إلى الوحي
كقوله تعالى: ﴿أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَسَالَتْ
أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّبِيَاً وَمِمَا
يُؤِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ أَبْتِغَاءَ حِيَّةٍ أَوْ مَتَحِ زَبْدٌ مِثْلُ
كَذَلِكَ يَضْرِبُ اَللَّهُ الْحَقِّ وَاَلْبَطِلُّ فَأَمَّا الزََّدُ فَيَذْهَبُ
جُفََّهُ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِ الْأَرْضِّ كَذَلِكَ
(٤) المصدر السابق ٣٩٨/٢.
(٥) انظر: الكشاف، الزمخشري ٢/ ٣٤٠، أضواء
البيان، الشنقيطي ١٥٣/٢.
www. modoee.com
٣٢١

حرف السين
يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ ﴾ [الرعد: ١٧].
وهذا مثل ضربه الله للحق والباطل،
والإيمان به والكفر، يقول تعالى ذكره:
مثل الحق في ثباته والباطل في اضمحلاله
مثل ماء أنزله الله من السماء إلى الأرض،
يقول: فاحتملته الأودية بملئها، الكبير
بكبره، والصغير بصغره، فاحتمل السيل
الذي حدث عن ذلك الماء الذي أنزله الله
من السماء زبداً عالياً فوق السيل، فهذا أحد
مثلي الحق والباطل، فالحق هو الماء الباقي
الذي أنزله الله من السماء، والزبد الذي لا
ينتفع به هو الباطل (١).
ولما ذكر الله عز وجل في سورة البقرة
أنه أنزل من السماء ماء ليدلهم على عبوديته؛
أعقب ذلك بأنه نزّل على عبده الوحي
المبارك؛ ليدل إنزال الماء من السماء لحياة
الأرض، على إنزال الوحي من السماء
لحياة العبودية الحقة، التى يضمن بها العباد
سعادتهم في الدارين والله أعلم.
ويمكن أن يستدل لذلك بقوله تعالى:
﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِهِ، وَالَّذِى
خَبُثَ لَا يَخْجُ إِلَّا تَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨].
فلما أمر الله جل وعلا ونھی في هذه
الآية الكريمة، وبين عظائم آياته وبرهان
عبادته وربوبيته أنه الرب وحده، والمعبود
وحده، وبين أنه أنزل إلى هذه الخلائق كتاباً
فصله على علم هدى ورحمة، بين هنا أن
الناس الذين أنزل عليهم هذا الكتاب لهم
شبه بعنصرهم الأول وهو الأرض، وشبه
الوحي الذي أنزله على نبينا صلى الله عليه
وسلم بالمطر.
فالوحي كثيراً ما يشبه بالمطر (٢)، فكما
أن المطر يحيي الله به الأرض بعد موتها
وینبت به النباتات والزروع والثمار، وينعش
به الحيوانات، ويهيئ به لبني آدم مصالحهم
الدنيوية، فكذلك القرآن هو مطر أرض
القلوب، إذا نزل مطر القرآن على أرض
القلوب أثمرت القلوب ثمراتها الرائعة
اليانعة ...
وكل خصلة حسنة يثمرها مطر القران في
قلب المؤمن؛ كالخشية من الله، والتوبة عند
الزلات، والإنابة إليه، والسخاء والشجاعة
والرضا بقضاء الله، والإيثار وعدم الشح،
إلى غير ذلك من خصال الإسلام الكريمة
(٢) ورد ذلك حديث أبي موسى، عن النبي صلى
الله عليه وسلم قال: ((إن مثل ما بعثني الله
به عز وجلٍ من الهدى، والعلم كمثل غيث
أصاب أرضاً، فكانت منها طائفة طيبة، قبلت
الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها
أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس،
فشربوا منها وسقوا ورعوا، وأصاب طائفة
منها أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء،
ولا تنبت کلا، فذلك مثل من فقه في دین الله،
ونفعه بما بعثني الله به، فعلم وعلم، ومثل من
لم يرفع بذلك رأساً، ولم يقبل هدى الله الذي
أرسلت به)).
(١) جامع البيان، الطبري ٣٩٦/٧.
مَوْسُور
القرآن الكريمِ
٣٢٢

السماء
الجميلة (١).
فقد شبه الإيمان في علوه بالسماء،
فالوحي يحيي القلوب ويوقظها ويجعلها والذي ترك الإيمان وأشرك بالله بالساقط
قريبة من ربها، فمن ابتعد عن الوحي كان من السماء، والأهواء التي تتوزع أفكاره
بالطير المختطفة، والشيطان الذي يطوّح
به في وادي الضلالة بالریح التي تھوی بما
عصفت به في بعض المهاوي المتلفة (٢).
فيه من آثار الموت بقدر ابتعاده وربما كان
کالمیت تماماً، وكلما كان الإنسان قریباً من
الوحي كانت حياته على قدر قربه ﴿فَمِنْهُمْ
ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُم مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ
◌ِالْخَيْرَتِ بِإِذْنِ اللَّهِّ ذَلِكَ هُوَ اُلْفَضْلُ
الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢].
رابعًا: تمثيل المشرك بمن يخر من
السماء فتخطفه الطير:
وذلك في قوله تعالى: ﴿حُنَفَاءٌ لِلَّهِ غَيْرَ
مُشْرِكِينَ بِهِ، وَمَن يُشْرِّكَ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ
السَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ اَلَيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ الْرِيحُ فِ
مَكَانٍ سَحِيقٍ ﴾ [الحج: ٣١].
ويجوز في هذا التشبيه أن يكون من
المركب والمفرق، فإن كان تشبيها مركبًا
فكأنه قال: من أشرك بالله فقد أهلك نفسه
إهلاكاً ليس بعده نهاية، بأن صور حاله
بصورة حال من خرّ من السماء فاختطفته
الطير، فتفرق مزعاً في حواصلها، أو عصفت
به الربح حتى هوت به في بعض المطاوح
البعيدة، وإن کان مفرقًا.
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١٤٧/٤، تيسير الكريم الرحمن، السعدي
٤٨١، في ظلال القرآن، سيد قطب ٣/ ١٣٠٠،
العذب الْنمير، الشنقيطي ٣/ ٤٣٠،
وهذا المثل لمن أشرك بالله تعالى، فهو
يسقط من العلو الذي بوأه الله وهو عبوديته؛
فلما رفض العلو والكرامة سقط من مكانته
فاختطفه الشركاء المضلون لدنياه وأخراه
فتشتت وتتلاشى، ولو نجا منهم لسقط إلى
قاع مظلم لا راحة ولا طمأنينة فيه.
فضرب الله للمشرك مثلاً في ضلاله
﴿ومن
وهلاكه وبعده عن الهدى فقال:
يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَآءِ﴾ أي:
سقط منها، ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾، أي: تقطعه
الطيور في الهواء، ﴿أَوْ تَهْوِى بِهِ الْرِجُ فِ
مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ أي: بعيد مهلك لمن هوى
فيه (٣)
ولهذا جاء في حديث البراء: (وأما
الفاجر فإذا كان في قبل من الآخرة وانقطاع
من الدنيا أتاه ملك الموت فيقعد عند رأسه
وينزل الملائكة سود الوجوه معهم المسوح
فیقعدون منه مد البصر، فيقول ملك الموت:
اخرجي أيتها النفس الخبيثة إلى سخط
(٢) الكشاف، الزمخشري ٣/ ١٥٥.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣/ ١٢٥٠.
www. modoee.com
٣٢٣

حرف السين
من الله وغضب، قال: فتفرق في جسده
فينقطع معها العروق والعصب كما يستخرج
الصوف المبلول بالسفود ذي الشعب، قال:
فیقومون إليه فلا يدعونه في يده طرفة عين
فيصعدون بها إلى السماء فلا يمرون على
جند من الملائكة إلا ، قالوا: ما هذه الروح
الخبيثة؟ قال: فيقولون: فلان بأقبح أسمائه،
قال: فإذا انتهي به إلى السماء غلقت دونه
أبواب السماوات، قال: ويقال اكتبوا كتابه
في سجین، قال: ثم يقال: أعيدوا عبدي إلى
الأرض فإني وعدتهم أني منها خلقتهم وفيها
أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، قال:
فیرمی بروحه حتی تقع في جسده، قال: ثم
قرأ ﴿وَمَن يُشْرِكِ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَآءِ
فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ الرِّمُ فِ مَكَانٍ
سَحِقٍ﴾ قال: فتأتيه الملائكة فيقولون: من
ربك؟ قال: فيقول: لا أدري، فينادي مناد
من السماء أن قد كذب فأفرشوه من النار
وألبسوه من النار وأروه منزله من النار ... )
الحديث (١).
لمسات إعجازية في السماء
من الدلالات التي ذكرت في الآيات
التي تحدثت عن السماء، آيات فيها لمسات
إعجازية من حيث خلق السماء وما فيها
ومدلولاتها وهي كالآتي:
أولًا: السماء وهي دخان:
قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَسْتَوَىّ إِلَى السَّمَآءِ وَهِىَ
دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١].
أي: هي مثل الدخان، إشارة إلى أنه لا
تماسك لها (٢).
أصل السماء هو ذلك الكائن المشبه
بالدخان، أي أن السماء كونت من ذلك
الدخان ... فتكون مادة السماء موجودة
قبل وجود الأرض(٣)، وهو: بخار الماء
المتصاعد منه حين خلقت الأرض (٤)، وقد
ثار على وجه الماء(٥).
لما خلق تعالى الأجزاء التي لا تتجزأ،
فقبل أن خلق فيها كيفية الضوء، كانت
مظلمة عدیمة النور، ثم لما رکبها وجعلها
سموات وكواكب وشمساً وقمراً، وأحدث
صفة الضوء فيها، فحينئذ صارت مستنيرة،
فثبت أن تلك الأجزاء، حين قصد الله تعالى
(١) أخرجه مطولًا أحمد في مسنده، ٥٠٣/٣٠،
والبيهقي في شعب الإيمان ١/ ٦١٠.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٣٤٤/١، رقم ١٦٧٦.
(٢) لسان العرب، ابن منظور ١٤٩/٣.
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤٦/٩.
(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير
٤/ ١٦٥٢، روح المعاني، الألوسي ٥٨/٥.
(٥) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٨٧٧.
٣٢٤
جوسين
القرآن الكريمِ

السماء
أن يخلق منها السماوات والشمس والقمر،
كانت مظلمة؛ فصح تسميتها بالدخان، لأنه
لا معنى للدخان إلا أجزاء متفرقة، غير
متواصلة، عدیمة النور ثم قال: فهذا ما خطر
بالبال في تفسير الدخان. والله أعلم بحقيقة
الحال(١).
وفي الآيات الكريمة إشارة إلى حقائق
كونية: منها : أن : أصل الكون المادي من
الدخان، لم يصل العلم الحديث للآن إلى
معرفة أصل الوجود المادي للكون على
الرغم من توصل العلم إلى نجاحات كبيرة
في المسائل التطبيقية والاستفادة من دراسة
خصائص المادة واستخدام الطاقات الكونية
المختلفة، وهذه الحقيقة لا يستطيع العلم
البشري أن يصل إليها إلا من طريق الوحي
من خالق السماوات والأرض، لأن وسائل
البشر محدودة فلا يستطيع أن يخترق
بوسائله المادية حجب غيب الماضي
ليعرف تكوين الأجرام الكونية والسابق منها
عن اللاحق(٢).
فسبحان من يخلق من أصغر الأشياء؛
أكبر الأشياء وأعظمها.
ثانيًا: السماء ذات الحبك:
تقدم معنا الحديث حول تفسيرها، وأنها
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ١٤/ ٩٠- ٩١.
(٢) انظر: مباحث في إعجاز القرآن، مصطفى
مسلم ص١٦٥ - ١٦٧.
ذات الجمال والبهاء والحسن والاستواء.
فمعنى ﴿ذَاتِ لَلْمُّكِ﴾ [الذاريات: ٧].
ذات المجاميع من الكواكب المربوط
بعضها ببعض ... ﴿إِنَّكُمْ لَفِى قَوْلٍ تُخْتَلِفٍ
[الذاريات: ٨] أي متخالف متناقض، قال
ابن زيد: يتخرصون يقولون: هذا سحر
ويقولون: إن هذا إلّا أساطير الأوّلين ، يؤفك
أي یصرف عنه من أفك ، أي صرف عن
الحق الصريح الصرف التام، إذ لا صرف
أشد منه.
وقد ذكر في مناسبة المقسم به للمقسم
عليه، هو تشبيه أقوالهم في اختلافها، وتنافي
أغراضها، بالطرائق للسموات في تباعدها،
واختلاف غاياتها (٣).
والحبك: بضمتين جمع حباك ككتاب
وكتب ومثال ومثل، أو جمع حبيكة مثل
طريقة وطرق، وهي مشتقة من الحبك بفتح
فسكون وهو إجادة النسج وإتقان الصنع،
فيجوز أن يكون المراد بحبك السماء
نجومها ، لأنها تشبه الطرائق الموشاة في
الثوب المحبوك المتقن، وروي عن الحسن
وسعيد بن جبير ، وقيل الحبك: طرائق
المجرّة التي تبدو ليلًا في قبة الجو.
وقيل: طرائق السحاب، وفسر الحبك
بإتقان الخلق، روي عن ابن عباس وعكرمة
وقتادة، وهذا يقتضي أنهم جعلوا الحبك
(٣) محاسن التأويل، القاسمي ٤٨٨/٨.
www. modoee.com
٣٢٥

حرف السين
مصدرًا أو اسم مصدر، ولعله من النادر،
وإجراء هذا الوصف على السماء إدماج
أدمج به الاستدلال على قدرة الله تعالى مع
الامتنان بحسن المرأى (١).
وقرأ الجمهور: الحبك بضم الحاء
والباء، وقرئ بضم الحاء وسكون الباء
وبكسر الحاء وفتح الباء، وبكسر الحاء
وضم الباء، قال ابن عطية: هي لغات،
والمراد بالسماء هنا هي المعروفة، وقيل:
المراد بها السحاب، والأول أولى (٢)
وفيه للعلماء أقوال متقاربة لا يكذب
بعضها بعضًا: ذات الطرائق، ذات الخلق
الحسن المحكم ، وعلى هذا القول فالحبك
مصدر، لأن كل عمل أتقنه عامله وأحسن
صنعه، وذات الشدة والزينة، والآية تشمل
الجميع، فكل الأقوال حق(٣).
وكأنه -والله أعلم-أراد بذلك السماء
التي فيها الكواكب الثابتة، وكل هذه الأقوال
ترجع إلى شيء واحد، وهو الحسن والبهاء،
كما قال ابن عباس رضي الله عنهما، فإنها
من حسنها مرتفعة شفافة صفيقة، شديدة
البناء، متسعة الأرجاء، أنيقة البهاء، مكللة
بالنجوم الثوابت والسيارات، موشحة
بالشمس والقمر والكواكب الزاهرات (٤).
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٤١/١٠.
(٢) فتح القدير، الشوكاني ١١٠/٥.
(٣) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٤٣٨/٧.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤ / ١٧٧٤.
فالقسم العظيم بالأمر العظيم على أمر
عظيم، ذكره الله لنا وهو العلي العظيم.
وما يكاد القسم الأول ينتهي حتى
يعقبه قسم آخر بالسماء: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ
اَلْبُكِ﴾، فيقسم بالسماء المنسقة المحكمة
التركيب، كتنسيق الزرد المتشابك المتداخل
الحلقات، وقد تكون هذه إحدى هيئات
السحب في السماء حين تكون موشاة
كالزرد مجعدة تجعد الماء والرمل إذا ضربته
الريح، وقد يكون هذا وضعاً دائماً لتركيب
الأفلاك ومداراتها المتشابكة المتناسقة،
يقسم بالسماء المنسقة المحبوكة على أنهم
في قول مختلف (٥).
ثالثًا: سعة السماء:
وتقدم معنا في أوصاف السماء أنها
واسعة، ومنه قوله عز وجل: ﴿وَالسَّمَآءَ بَيْنَهَا
بِأَيْدٍ وَإِنَّ لَمُوسِعُونَ (
[الذاريات: ٤٧]
٤٧
الموسع: ذو الوسع والسعة، والمعنى:
إنا لذو سعة بخلقها وخلق غيرها لا نعجز
عن ذلك، وقيل: لقادرون، من الوسع بمعنى
الطاقة والقدرة، وقيل: إنا لموسعون الرزق
بالمطر. قال الجوهري: وأوسع الرجل:
صار ذا سعة وغنى(٦).
فيكون قوله ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ حالًا
مؤكدة أو تذييلًا إثباتًا لسعة قدرته كل شيء
(٥) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٣٦٧/٦.
(1)
جَوَسُولَة النفسية
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ
٣٢٦

السماء
فضلاً عن السماء أو لموسعون السماء أي: آلاف نجم تقريباً(٢).
جاعلوها واسعة أو ما بينها وبين الأرض أو
الرزق على خلقنا؛ لقوله تعالى ﴿ وَفِ السَّمَاءِ
ڕزقگۆ﴾، وفيه إشارة إلى أن وسعة البيت
والرزق من تجليات الاسم الواسع(١).
وبالنظر في قول الله تعالى: ﴿وَالسَّمَآءَ
بَنَيْنَهَا بِأَبْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ﴾ [الذاريات: ٤٧].
نجد أن بناء الكون المادي المترامي
الأطراف المشتمل على بلايين المجرات
التي تحتوي کلّ مجرة منها بلایین الشموس
والنجوم وما يتبع كل شمس أو نجم من
کواکب وأقمار، وكل ذلك إلى جانب ما
يعجّ به الفضاء من طاقات وإشعاعات
مختلفة القدر والصفات، وقد اتسعت له
مقدرة الخالق عزّ وجلّ، ولديه أكثر وأكثر
يضاف إلى ذلك.
قوله: ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ السماء حين خلقنا
الکون ابتداء على اتساع لا نهاية له، ولذلك
فهو يتسع لكل المجرات مهما تباعدت عن
بعضها بعضاً، ومن الوجهة العلمية لم يثبت
حجم الكون على حال منذ راح العلماء
يقيسون أبعاده. ولقد جعل العلماء للنجوم
أقداراً بحسب درجات بريقها أو لمعانه،
وعدد النجوم التي يمكن أن ترى في القبة
السماوية وتلمع بدرجات متفاوتة القدر
بالنسبة للعين المجردة لا تزيد عن نحو ستة
(١) روح المعاني، الألوسي ٢٠٣/٩.
وهي في أصلها واسعة الأرجاء فلا
يعلمها إلا الله، كما ذكر ذلك جمع من
المفسرين.
قال ابن القيم رحمه الله مبينًا شأن هذه
الآية الكونية: «ولهذا قل أن تجيء سورة في
القرآن إلا وفيها ذكرها إما إخباراً عن عظمها
وسعتها، وإما إقساماً بها، وإما دعاءً إلى
النظر فيها، وإما إرشاداً للعباد أن يستدلوا بها
على عظمة بانيها ورافعها، وإما استدلالًا منه
سبحانه بخلقها على ما أخبر به من المعاد
والقيامة، وإما استدلالاً منه بربوبيته لها
على وحدانيته وأنه الله الذي لا إله إلا هو،
وإما استدلالاً منه بحسنها واستوائها والتئام
أجزائها وعدم الفطور فيها على تمام حكمته
وقدرته))(٣).
وقال: فتأمل خلق السماء وارجع البصر
فيها كرة بعد كرة كيف تراها من أعظم
الآيات في علوها وارتفاعها وسعتها وقرارها
بحيث لا تصعد علواً كالنار ولا تهبط نازلة
كالأجسام الثقيلة ، ولا عمد تحتها وعلاقة
فوقها ؛ بل هي ممسوكة بقدرة الله الذي
يمسك السموات والأرض أن تزولا، ثم
تأمل استواءها واعتدالها فلا صدع فيها ولا
فطر ولا شق ولا أمت ولا عوج، ثم تأمل ما
(٢) مباحث في إعجاز القرآن، مصطفى مسلم
ص١٧١.
(٣) مفتاح دار السعادة، ابن القيم ١/ ٢٠٢.
www. modoee.com
٣٢٧

حرف السين
وضعت عليه من هذا اللون الذي هو أحسن
الألوان وأشدها موافقة للبصر وتقوية له
حتى أن من أصابه شيء أضر ببصره يؤمر
بإدمان النظر إلى الخضرة وما قرب منها إلى
السواد، وقال الأطباء : أن من كلّ بصره فإنه
من دوائه أن يديم الاطلاع إلى إجانة خضراء
مملوءة ماء، فتأمل كيف جعل أديم السماء
بهذا اللون ليمسك الأبصار المتقلبة فيه ولا
ینکا فیها بطول مباشرتها له هذا بعض فوائد
هذا اللون والحكمة فيه أضعاف ذلك (١).
فهي في وسعها وعظيم سعتها تضع
المسلم في إيمان متين وثبات على صراط
الله المستقيم؛ ليتصل المرء بها ويتخذ فيها
موطنا حسنا قبل الانتقال إليها.
رابعًا: السماوات والأرض كانتا رتقًّا
ففتقناهما:
وذلك في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ أَنَّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ كَانَنَا رَتْقَاً
فَفَتَقْنَهُمَاْ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَيَّ أَفَلَا
يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأنبياء: ٣٠].
وهي: حقائق كونية في غاية الوضوح.
والرتق: الضم والالتحام، خلقة كان أم
صنعة أي: منضمتين، والفتق: الفصل بين
المتصلين، وهو ضد الرتق (٢).
وهذا شروع في آياته الكونية، الدالة
(١) المصدر السابق ٢١٣/١.
(٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٣٤١.
جَوَسُوع
القرآن الكريمِ
على وحدته في الوهيته، التي عمي عنها
المشركون، فلم يروها رؤية اعتبار وتدبر،
ومعنى قوله: كانتا رتقا أي لا تمطر ولا
تنبت ﴿فَفَتَقْنَهُمَا﴾ أي بالمطر والنبات،
فالفتق والرتق استعارة، ونظيره قوله تعالى:
﴿وَمَآءِ ذَاتِ الرَّجْعِ ) وَاْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْع ◌ُ
١٢
[الطارق: ١١- ١٢].
و(الرجع) لغة هو الماء و (الصدع) هو
النبات؛ لأنه يصدع الأرض أي یشقها.
وقوله تعالى: ﴿فَلْتُظُرِ الْإِنْسَنُ إِلَ طَعَامِهِ
[عبس: ٢٤]. أي: كيف انفردنا في
٢٤)
إحداثه و تهيئته لیقیم بنیته.
﴿أَنَّ صَبَّنَا الْمَاءَ صَبَّارِ﴾ [عبس: ٢٥]. أي:
من المزن بعد أن لم يكن.
[عبس: ٢٦].
ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا)
أي: ثم بعد أن كانت الأرض رتقاً متماسكة
الأجزاء، شققناها شقًّا مرئيًّا مشهودا، كما
تراه في الأرض بعد الريّ. أو شقًّا بالنبات (٣).
ثم إن قوله تعالى: ﴿كَانَنَا﴾ يحتمل أن
تكونا معًا رتقًا واحدًا بأن تكون السماوات
والأرض جسمًا ملتئمًا متصلًا، ويحتمل أن
تكون كل سماء رتقًا على حدتها، والأرض
رتقًا على حدتها وكذلك الاحتمال في قوله
تعالى: ﴿فَفْتَقْنَهُمَا ﴾
(٣) انظر: محاسن التأويل ١٩٦/٧.
وذكره ابن كثير في تفسيره عن ابن عباس
١٢١٣/٣، وقال: رجحه الطبري، ومال إليه
الشنقيطي في أضواء البيان ٤ / ١٤١.
٣٢٨