Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْ سُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
السَّمَعْ
و
عناصر الموضوع
مفهوم السمع
٣٧٢
السمع في الاستعمال القرآني
٣٧٣
الألفاظ ذات الصلة
٣٧٤
اقتران السمع والبصر
٣٧٩
السمع في حق الله عز وجل
٣٨٠
مسؤولية السمع
٣٨٣
أساليب ذكر السمع في القرآن الكريم
٣٨٧
مجالات السمع
المُجَلَّدَ الثَّامِنْ عَشِّر
٣٧٧

حرف السين
مفهوم السمع
أولًا: المعنى اللغوي:
السمع: مصدر سمع، والسمع: حِسّ الأذن(١)، يقول الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ ءَاذَاتٌ يَسْمَعُونَ
بِهَا﴾ [الأعراف: ١٩٥].
يقال: ((سمعته وسمعت به، واستمعوه وتسامعوا به، واستمع إلى حديثه، وألقى إليه
سمعه، وملأ مسمعيه ومسامعه وسامعته، وهو منّي بمرأى ومسمع. وسمّع به: نوّه به. وفعل
كذا رياء وسمعة، وإنما يفعل هذا تسمعة وترئية، وذهب سمعه في الناس: صيته))(٢).
والاستماع: الإصغاء بقصد الفهم، يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ
لَهُ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] (٣)، ومنه التسمّع: الإصغاء خفية؛ وهو مصدر تسمّع؛ أي: أصغى إليه
خفيةٌ (٤).
ويعتبر أحد الحواس الخمس المعروفة: السمع، البصر، الذوق، اللمس، الشم.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
وقد جاء تعريفه في كتب الاصطلاح أنه: ((قوة في الكائن الحي تدرك بها الأصوات
بواسطة الأذن)»(٥).
وهذا على عمومه في الكائنات الحية، أما باعتبار تخصيص الإنسان فيمكن تعريفه بأنه:
الحاسة التي وهبها الله للإنسان؛ ليتمكن بها من إدراك الكلام والأصوات.
(١) انظر: المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده ١/ ٥١١.
(٢) أساس البلاغة، الزمخشري ١ / ٤٧٤.
(٣) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص ٤٩.
(٤) ٤ انظر: معجم اللغة العربية المعاصرة أحمد مختار عبد الحميد عمر ١١٠٨/٢.
(٥) ٥ انظر: عمدة الحفاظ، السمين الحلبي ٢٢/٢، التعريفات، الجرجاني، ص ١٦١.
٣٧٢
جومبو
القرآن الكريم

السمع
السمع في الاستعمال القرآني
وردت مادة (سمع) في القرآن الكريم (١٨٥) مرة (١).
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
٣٤
٢ # [الملك: ٧]
إِذَا أَلَّقُواْ فِيَهَا سَمِعُواْلَهَا شَهِيقًا وَهِىَ تَفُورُ
الفعل المضارع
٦١
﴿أَمْ يَحْسَبُّونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَّتْوَدُهُمْ﴾ [الزخرف: ٨٠]
الفعل الأمر
١٣
٢٥ ٢ ﴾ [يس: ٢٥]
﴿إِنَّ ءَامَنْتُ بِرَبِكُمْ فَاسْمَعُونِ
المصدر
٢٢
﴿وَحَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَاْأَفِدَةَ قَلِيلًا مَا
تَشْكُرُونَ ﴾ [السجدة: ٩]
اسم الفاعل
٣
﴿وَمَآ أَنَتَ بِمُسْمِعِ مَّن فِ اَلْقُبُورِ ﴾ [فاطر: ٢٢]
اسم المفعول
١
﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأَسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ [النساء: ٤٦]
الصفة المشبهة
٤٧
[الشورى: ١١]
صيغة المبالغة
٤
﴿َسَنَعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّلُونَ لِلسُّحْتِ ﴾ [المائدة: ٤٢]
وجاء السمع في القرآن على ثلاثة أوجه (٢):
الأول: سمع الصوت: ومنه قوله تعالى: ﴿َسَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان: ١٢].
الثاني: سمع القلب وفهمه: ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَانُواْ لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾﴾ [الكهف: ١٠١]
يعني: لا يستطيعون سمعًا بقلوبهم وفهمًا للحق.
الثالث: الإجابة والقبول: ومنه قوله: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَلِّ﴾ [آل عمران: ٣٨] يعني: مجيب الدعاء.
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص٣٥٨-٣٦١، المعجم
المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب السين ص٦٣٤-٦٣٨.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ٢٦١-٢٦٢، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي، ٢٥٧/٣-٢٦٠،
نزهة الأعين النواظر، ص ٣٤٥- ٣٤٦، عمدة الحفاظ، السمين الحلبى، ٢٢١/٢-٢٢٣.
www. modoee.com
٣٧٣
١١
﴿لَيَّسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ

حرف السين
الألفاظ ذات الصلة
البصر:
١
البصر لغة:
قوة في الكائن الحي تدرك المرئيات بواسطة العين(١).
البصر اصطلاحًا:
هو تلك القوة الربانية التي أوجدها الله في عيني الإنسان ليدرك بها ما حوله، وأودعها في
قلبه وعقله ليميز بين الخبيث والطيب، ويختار لنفسه الطريق الصحيح.
الصلة بين السمع والبصر:
هناك فرقان بارزان بين السمع والبصر:
الأول: فرق في الآلة فهي في السمع: الأذن، وفي البصر: العين، وكلاهما يحتاج إلى
العقل المدرك؛ ليدلا على الاصطلاح القرآني لهما، وبدونه تكون الدلالة فيهما على المعنى
اللغوي فقط.
الثاني: في المدركات بهما؛ فالمدركات بالسمع الكلام والأصوات، والمدركات بالبصر
الصور الهيئات.
الاستماع :
٢
الاستماع لغة:
سماع الكلام بقصد، والإقبال عليه؛ للاستفادة منه (٢).
الاستماع اصطلاحًا:
الإقبال بالسمع؛ للتفهم والاعتبار(٣).
الصلة بين السمع والاستماع:
في اللغة السمع يكون بدون قصد، بينما الاستماع مصحوبًا بقصد.
وقيل: السمع هو صفة موهوبة، والاستماع فعل مكتسب (٤).
(١) انظر: التعريفات، الجرجاني ص ٤٦.
(٢) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص ٤٩.
(٣) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص ٤٩، معجم الصواب اللغوي أحمد مختار عمر ١١٧/١.
(٤) انظر: المصادر السابقة.
٣٧٤
جَوْسُوع
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

السمع
الإنصات:
٣
الإنصات لغة:
يدل على السكوت والاستماع للحديث، يقال أنصت: إذا سكت سكوت مستمع (١).
الإنصات اصطلاحًا:
هو سماع للكلام المؤدي إلى النظر والاستدلال، والاهتداء بما جاء في القرآن (٢).
الصلة بين السمع والإنصات:
يزيد الإنصات عن السمع؛ بكونه مصحوبًا بالنظر والاستدلال، زيادة على الفهم الأوليّ،
فقد يفهم المرء الكلام فهمًا نافعًا بعد سماعه، لكنه إذا تأمله ونظر فيه؛ خرج منه بفوائد
وأحكام زائدة.
الإصغاء:
٤
الإصغاء لغة:
والإصغاء: الإمالة (٣)، وكل شيء مال إلى شيء أو معه (٤)، ويقال: أصغى إليه برأسه
ويأذنه: أمالها يسمع، والإناء: أماله؛ ليصب ما فيه(٥).
الإصغاء اصطلاحًا:
هو ميل القلب وهواه للكلام(٦).
الصلة بين السمع والإصغاء:
السمع هو القوة التي يسمع بها المرء الأصوات، من غير ميل سابق لمعناها، أما الإصغاء
فهو استماع لما يهواه المرء.
وقيل: السمع: هو الصفة التي يستطيع المرء بها فهم الكلام النافع، وتدبره والانتفاع به،
أما الإصغاء: فهو استماع کلام الباطل، والمیل له ومحبته.
(١) الفروق اللغوية، العسكري ص ٤٩.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٣٨/٩.
(٣) العين، الفراهيدي ٤ / ٤٣٢.
(٤) كتاب الأفعال، ابن القطاع ٢٥٦/٢.
(٥) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية بالقاهرة ٥١٥/١.
(٦) جامع البيان، الطبري ١٢/ ٥٩.
www. modoee.com
٣٧٥

حرف السين
الصمم:
٥
الصمم لغة:
الصمم آفة تمنع من السمع، وتضعفه، وأصله الصلابة، ومنه الحجر الأصم(١).
الصمم اصطلاحًا:
انعدام سماع الحق والخير والهدى على سبيل الاتباع والانتفاع (٢).
الصلة بين الصمم والسمع:
هي علاقة تناقض، فهو على النقيض من السمع لغة واصطلاحًا.
الوقر:
٦
الوقر لغة:
هو الثقل في الأذن، ويطلق على الثقل المحمول(٣)، ((ويقال للذي يسمع بعض السمع،
في أذنيه وقر)) (٤).
الوقر اصطلاحًا:
ثقل عن فهم ما يتلى عليهم من القرآن، وما يدعوهم إليه النبي من الإيمان (٥) فهمًا ينفعهم.
الصلة بينه الوقر وبين السمع:
علاقة تضاد، فقد يجتمع للإنسان سمع ضعيف، وصمم ضعيف؛ فیکون سببه الوقر، وهو
الثقل في الأذن، وفي الاصطلاح: يسمع الإنسان القرآن ويفهمه، لكن لا ينتفع به؛ فيكون
بسبب ما جعله الله من الوقر في أذنه بسبب إعراضه.
(١) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ٨٨/١٢، لسان العرب، ابن منظور ٣٤٢/١٢، إرشاد العقل السليم، أبو
السعود ١ / ٥١.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٣١/١.
(٣) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ٩/ ٢١٥، الصحاح، الجوهري ٨٤٨/٢، مقاييس اللغة، ابن فارس
١٣٢/٦.
(٤) المخصص، ابن سيده ١/ ٩٢.
(٥) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٠٦/١١، المحرر الوجيز، ابن عطية ٢٠/٥.
٣٧٦
جَوَسُولَةُ النَّفتنة
القرآن الكريم

السمح
اقتران السمع والبصر
قرن الله عز وجل في القرآن ذكر السمع
مع البصر المتعلقان بالإنسان في (٣٨) آية
کریمة.
وقد قدم القرآن ذكر السمع على البصر
في أكثر الآيات، مما يدل على الأهمية
الكبرى للعمل الذي يقوم به السمع في حياة
الإنسان تعلّمًا وتعليمًا.
ومن هذه الآيات قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ
أَخْرَحَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ
شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَاَلْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةَ
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [النحل: ٧٨].
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّسَوَّلِهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنٍ
زُوجِهِ* وَحَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةَ
قَلِلاَ مَّا تَشْكُرُونَ ﴾[ الـ
وقوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ،
عِلْهُ إِنَّ السَّمْعَ وَاَلْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ
﴾[الإسراء: ٣٦].
عنهَ مَسْئُولًا
وقوله تعالى: ﴿قُلٌ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَآءِ
وَاْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَمَن يُخْرِجُ
الْحَنَّ مِنَ الْمَيْتِ وَيُخْرِجُ الْمَيْتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن
يُدَبُِّ الْأَمْنَّ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا لَنَّقُونَ )
[يونس: ٣١].
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِىَّ أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ
وَاُلْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِلًا مَّا تَشْكُرُونَ ﴾
[المؤمنون: ٧٨].
وغيرها من مواضع.
وقد استنبط العلماء المعاصرون من
تقديم السمع على البصر حِكَمًا عديدة،
منها:
١. فضل السمع على البصر إذ تعتبر حاسة
السمع أهم للإنسان من حاسة البصر؛
لأن الفرد الأعمى يعتبر معزولًا عن
عالم الأشياء، أما الأصم فإنه يعتبر
معزولاً عن عالم البشر (١).
٢. تأكيد الدور الذي تقوم به الأذن؛ إذ
إن الاحساسات الصوتية التي يسمعها
الإنسان بأذنيه تصل مستوى الوعي
أحسن من تلك التي تصله عن غير
طريقهما كالبصر مثلًا، والذاكرة
السمعية أرسخ من الذاكرة البصرية (٢)،
وما أجمل الوصف القرآني للدور
الإيجابي الذي تقوم به الأذن في وعي
المؤمن إذا يقول تعالى: ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ
نَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنَّ وَعِيَةٌ (٣)﴾ [الحاقة: ١٢].
٣. وفي تقديم السمع على البصر لمحة
إعجازية طبية إذ ثبت علميا أن ((جهاز
السمع يتطور ويتكامل جنينًا قبل جهاز
(١) انظر: الإدراك الحسي البصري والسمعي،
السید علی سید أحمد وفائقة محمد بدر، ص:
٢٥٣.
(٢) انظر: الإعجاز العلمي للقرآن الكريم فى
السمع والبصر، صادق الهلالي، مجلة
الإعجاز، ص: ٩ - ١٠.
www. modoee.com
٣٧٧

حرف السين
البصر))(١)، فبعد تبصرنا في الحقائق
العلمية التي عرفت حديثا في علوم
الأجنة والتشريح والفيزولوجيا والطب
اتضح لنا الإعجاز العلمي في الآيات
الكريمة التي تقدم فيها السمع على
البصر، وخلاصة ما قاله العلماء في
هذا المجال: هو أن القرآن الكريم قدم
حاسة السمع على حاسة البصر ليشير
إلى حقيقة علمية تتعلق بزمن تكون
حاسة كل منهما وتشكلها، فحاسة
السمع تتكون وتتشكل قبل حاسة
البصر حسب الآتي:
جهاز السمع يتطور جنينيًّا قبل جهاز
البصر، ويتكامل وينضج حتى يصل
حجمه في الشهر الخامس من حياة
الجنين الحجم الطبيعي له عند
البالغين، بينما لا يتكامل نضوج العينين
إلا عند السنة العاشرة من العمر.
يبدأ الجنين بسماع الأصوات وهو في
رحم أمه وفي الشهر الخامس من حياته
الجنينية، ولكنه لا يبصر النور والصور
إلا بعد ولادته.
تتطور وتنضج كل المناطق والطرق
السمعية العصبية قبل تطور ونضوج
مثيلاتها البصرية بفترة طويلة نسبيًّا.
فكل الآيات التي تشير إلى خلق الإنسان
ونشأته وذکر فيها السمع والبصر، قدم
السمع على البصر؛ قد يكون -والله
أعلم- الغاية منه إظهار هذا الإعجاز
العلمي الذي لم نهتد لمعرفته إلا مؤخرًا
بعد سبر غور الحقائق العلمية الحديثة
التي أثبتت قوله تعالى: ﴿سَذُرِيهِمْ
ءَايَئِنَا فِى الَّفَاقِ وَفِىّ أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَّنَ
لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفٍ بِرَبِّكَ أَنَّهُ, عَلَى
كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ ﴾ [فصلت: ٥٣](٢).
ويلاحظ أيضًا أن القرآن الكريم يفصل
عند كلامه عن السمع والبصر بين أداة الحس
(العين والأذن)، وقوة الإدراك (السمع
والبصر)، فعند كلامه عن أداة الحس العين
والأذن يقدم العين على الأذن، وذلك لأن
العين تقع أمام الأذن في صنعة الله في
رأس الإنسان، وهما أداتان لنقل الإشارات
الحسية السمعية والبصرية إلى حيث يتم
إدراكها وفهمها داخل مراكز السمع والبصر
في المخ.
وَكَتْبِنَا عَلَيْهِمْ
فمثلا يقول الله تعالى:
فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِاَلْعَيْنِ
وَاْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ يِالْأُذُنِ ﴾
[المائدة: ٤٥].
وأما إذا تكلم القرآن عن السمع والبصر
(٢) انظر: الإعجاز العلمي في السمع والبصر
في القرآن الكريم، صادق الهلالي، وحسين
اللبيدي، هيئة الإعجاز العلمي، جدة
٢٠٠٦/١٤٢٧، ط٣، ص: ١٧-٢٨.
(١) انظر: المصدر السابق ص ٧.
جَوَسُولَةُ النَّفِيَّ
الْقُرآن الكَرِيمِ
٣٧٨

السمع
کقوی مدر کة فیقدم السمع، وذلك لأن مرکز
السمع يتقدم على مركز البصر داخل المخ
البشري، وهنا موطن الإعجاز في تطابق
الإخبار عن هذين الأمرين.
وخلاصة القول في الإعجاز المتعلق
بآيات السمع والبصر: أن هذه الآيات
((فصلت بين الأعضاء (العين والأذن)،
وبين القوى المدركة (السمع والبصر) وفي
صنعة الله ما يطابق ذلك، فهناك أعضاء حس
لاستقبال المؤثرات الحسية، وهناك مراكز
داخل المخ البشري تتم فيها عملية الإدراك
والفهم لهذه المؤثرات الحسية.
وأيضًا من ناحية الترتيب نجد أن الحق
سبحانه رتب الآيات : العين قبل الأذن،
والسمع قبل البصر، في غالب القرآن وها هو
العلم اليقيني قد أثبت أنه بينما تتقدم العين
الأذن في رأس الإنسان، فإننا نجد عکس
ذلك الترتيب بالنسبة للمراكز، فمركز السمع
يتقدم مركز الإبصار في قشرة المخ البشري.
إذن طابق كلام الله صنعة الله، إنه الإعجاز:
﴿الّرِ كِنَبُّ أُحْكِمَتْ ءَايَتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن ◌َّدُنْ حَكٍِ
خَبِيرٍ ﴾ [هود: ١]))(١).
(١) انظر: الإعجاز العلمي في السمع والبصر
في القرآن الكريم، صادق الهلالي، وحسين
اللبيدي، هيئة الإعجاز العلمي، ص ٥١.
السمع في حقّ الله عز وجل
من صفات الله تعالى وأسمائه السميع،
وهذا الأمر من الأمور المعلومة من الدين
بالضرورة، وقد دل على ذلك آيات كثيرة
في القرآن الكريم، وقد ذكر الله تعالى
هذا الاسم الكريم في القرآن الكريم ثمان
وثلاثين مرة بصيغة فعيل منكرًا ومعرفًا:
(سميع).
وذكر هذا الوصف بصيغة الماضي
(سمع) والمضارع (يسمع) و (نسمع)،
وصيغة التعجب (أسمع).
وقد جاء ذكر سمع الله تعالى مقترنًا
بأمور هي:
١. اقترنت صفة السمع في معظم آيات
القرآن بصفة العلم، بل تقدمت
عليها (٢)، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ
يَرْفَعُ إِبْرَهِهُمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَعِيلُ
رَبَّا نَقَبَّلْ مِنََّ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
(١٣٧)﴾ [البقرة: ١٢٧].
٢. اقترنت أحيانًا صفة السمع بالبصر
كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ کَمِثْلِهِ،
شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾
[الشورى: ١١].
٣. اقترنت صفة السمع بالقرب، كما
(٢) انظر: معجم كلمات القرآن العظيم، محمد
عدنان سالم و محمد وهبي سليمان، ص
٦٠٧-٦٠٨.
www. modoee.com
٣٧٩

حرف السین
في قوله تعالى: ﴿وَإِنِ أَهْتَدَيْتُ فَمَا
يُوجِىّ إِلَّ رَبِّتَّ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ﴾
[سبأ: ٥٠].
ولعل اقتران صفة السمع بصفات البصر
والعلم والقرب للدلالة على حضور هذه
الصفة في كل آن وفي كل مكان، فكما أن
الله تعالی یری ویعلم كل شيء، وهو قريب
من كل شيء، فهو كذلك يسمع كل شيء،
سبحانه ما أعظم شأنه وما أجل سلطانه.
وقد ذكر الإمام البيهقي في كتابه الأسماء
والصفات في: باب ما جاء في إثبات صفة
السمع، أحاديثَ عديدة دالة على ثبوت
صفة السمع لله تعالى(١).
ومنها: عن عائشة رضي الله عنها قالت:
(الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد
جاءت المجادلة تشکو إلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم وأنا في ناحية البيت ما أسمع
ما تقول، فأنزل الله عز وجل: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ
قَوْلَ الَّتِى تُجَدِلُكَ فِ زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١])(٢).
مسؤولية السمع
إن الله تعالی وهبنا نعمًا كثيرة لا تحصى،
ومنها نعمة السمع التي تستحق منا شكره
عليها، ولكن قليلًا من الناس من يشكر الله
على هذه النعم.
﴿وَهُوَ اَلَِّىَّ أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ
قال تعالى:
وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِلًا مَّا تَشْكُرُونَ ﴾
[المؤمنون: ٧٨].
وقد حملنا الله مسؤولية تجاه هذه النعمة
التي سيسألنا عنها، كما قال سبحانه:
نَ
السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَكَ كَانَ عَنْهُ
مَسْئُولًا (٦)﴾ [الإسراء: ٣٦].
لذا فمسؤولیتنا تجاه السمع تکون بأن
نستخدمه في الأمور النافعة لنا في دنيانا
وأخرانا، وأن نصونه عما یضرنا في دنيانا
وأخرانا.
أولًا: استخدام السمع في الأمور
النافعة:
ومن ذلك:
استخدام السمع في التعلم والتدبر
وأخذ العبرة.
جعل الله السمع وسيلة أساسية في التعلم
وتلقي العلوم، ولولاه لما استطاع الإنسان
أن يتعلم العلم النافع. وجعل الله السمع
أيضا وسيلة لإدراك عظمة الله وأخذ العبرة
عبر إدراك آياته في الأنفس وفي الآفاق أو
(١) انظر: الأسماء والصفات، البيهقي، ص
٢٨٨- ٢٩٢.
(٢) علقه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد،
باب قول الله تعالى: (وكانه الله سميعًا
بصيرًا)، ٩/ ١١٧، وأخرجه ابن ماجه في
سننه، المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية،
٦٧/١، رقم ١٨٨.
وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٧/ ١٧٥.
٣٨٠
القرآن الكريمِ

السمح
في التاريخ، فقال الله تعالى: ﴿ وَمِنْءَايَئِهِ،
مَنَامُكُ بِأَيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَا ؤُكُم مِّن فَضْلِةٍ
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ
(٣)﴾ [الروم: ٢٣].
فالنوم ليلا أو نهارًا هو من الآيات الدالة
على قدرة الخالق سبحانه، وطريقة معرفة
كونه آية من آيات الله هو الاستماع لأهل
العلم والاختصاص، ولا يتم ذلك إلا بحاسة
السمع، و کذلك فمن لم يتأمل آيات الله في
النوم فهو كالنائم الذي لا يسمع.
وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَمْ كَمْ
أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِى
مَسَكِنِهِمْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتَّ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ
(٢) [ السجدة: ٢٦].
فقال: ﴿أَفَلاَ يَسْمَعُونَ﴾ لأن طريقة
معرفة إهلاك القرون الأولى إنما وصل
إلیهم عن طريق السمع، وليس عن مجرد
التفكير والاستنباط، فمن كانت له أذن واعية
يتعظ ويهتدي.
٤ حث المؤمنين على الاستماع للقرآن
الکریم وطاعة أوامر الله ورسوله صلى
الله عليه وسلم.
ومن سمات المؤمنين أنهم بمجرد سماع
أي كتاب أجدر من كتاب الله تعالى أوامر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه
وسلم فإنهم يطيعون.
بالاستماع إليه والتأمل فيه وتدبره والعمل
به؟
ولا یکون ذلك إلا بالاستماع إلى آیاته،
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىَ الْقُرْءَانُ
فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ، وَأَنْصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْهُونَ {
[الأعراف: ٢٠٤].
ومدح الله المؤمنين فقال: ﴿الَّذِينَ
يَسْتَمِعُونَ أَلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾
[الزمر: ١٨].
ومدح الله تعالى وفد النجاشي الذين
استمعوا للقرآن وآمنوا به، فقال تعالى:
﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىَ أَعْيُنَهُمْ
تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ أَلْحَقِّ﴾
[المائدة : ٨٣].
وبالمقابل ذم الله تعالى الذين لا
يستمعون للقرآن فقال: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَنَّكٍ أَشٍِ
يَسْمَعُ ءَايَاتِ اللَّهِ تُثْلَى عَلَيْهِ ثُمَ يُصِرُّ مُسْتَكْبًا كَأَنْ
أَوْ يَسْمَمْهَا فَبَشِّرُهُ بِعَذَابٍ أَكِيمٍ ﴾ [الجاثية: ٧-٨].
وقال أيضًا: ﴿مَا يَأْنِهِم مِّن ذِكْرِمِّن
زَّيِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا أَسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ﴾
[الأنبياء: ٢].
وإن قسمًا من هؤلاء الکافرین ینھی عن
الاستماع للقرآن، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ
الَّذِينَ كَفَرُوْ لَا تَسْمَعُواْ لِهَذَا الْقُرْءَانِ وَالْغَوْاْفِيهِ لَعَلَّكُمْ
تَغْلِبُونَ ﴾ [فصلت: ٢٦].
قال الله تعالى: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ
إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَ كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَئِكَتِهِ.
وَكُهِ، وَرُسُلِهِ، لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ؟
www. modoee.com
٣٨١

حرف السين
وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الذين سمعوا حادثة الإفك وأشاعوها، فقال
الْمَصِيرُ (٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥].
الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْسَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَّاً
أَنْ تَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَنَكَ هَذَا بُهْتَنُّ عَظِيمٌ!
[النور:١٦].
وقال تعالى: ﴿فَنَّقُواْ اللَّهَ مَا أَسْتَطَعْتُمْ
وَأَسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ وَأَنْفِقُواْ خَيْرًّا
[التغابن: ١٦].
لِأَنْفُسِكُمْ﴾
وقال تعالى أيضا: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ
إِذَا دُعُوّاْ إِلَى اَللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُواْ
سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾
[النور: ٥١].
خلافًا للكافرين الذين ﴿قَالُواْ سَمِعْنَا
وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة: ٩٣].
ثانيًا: صيانة استخدام السمع في الأمور
الضارة:
صيانة السمع عن الغيبة وإشاعة الأخبار
الكاذبة.
جعل الله عرض المسلم محرمًا على
غيره من المسلمین، فلا يجوز قدح المؤمنین
وذمهم وخصوصًا عند غيابهم.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبِ بَعْضُكُم بَعْضًا﴾.
[الحجرات: ١٢].
فمن سمع الغيبة يشترك مع المغتاب في
أکل لحم أخيه ميتًا.
ومن باب الحفاظ على عرض المسلم
أن لا يتكلم المرء بكل ما ينقل له عن
المسلمین، بل عليه أن يتأكد ویتحری قبل
أن ينقل أي كلام، ولهذا قال الله تعالى معاتبًا
وكذلك فإن المسلم عليه أن يتحری کل
ما ينقل إليه من الناس الفاسقين.
قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنٍَ فَتَبَيُّواْ أَنْ تُصِيبُواْ قَوْمًّاً
يَجَهَلَةٍ فَنُصْبِحُواْ عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَدِمِينَ ﴾
[الحجرات: ٦].
وقد مدح الله نبيه صلی الله عليه وسلم
لما ذمه المنافقون بأنه يصدق كل ما يقال له،
وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِىَّ
فقال تعالى:
وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنْ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ﴾
[التوبة: ٦١].
فالمؤمن أذن خير ينقل الخير ولا ينقل
الشر، ویتحری في نقله.
صيانة السمع عن الاستماع للخائضين
في ذم الدين الإسلامي.
نهى الله تعالى المؤمنين أن يجلسوا في
مجلس فیه کفر بالله وآياته، أو فيه استهزاء
بأي شيء متعلق بالإسلام، فقال تعالى:
﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِىِ الْكِنَبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ
ءَايَتِ اللَّهِ يُكْفَرُبِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا نَقْعُدُواْ مَعَهُمْ
حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾﴾ [النساء: ١٤٠].
فالمسلم يصون سمعه عن مجالسة
المفسدين في الأرض الذين يذمون الإسلام
والمسلمين بإعلامهم الكاذب، ويحبون
حَرُ النفسية
صَوَنُو
القرآن الكريم
٣٨٢

السمع
أن تشيع الفاحشة بين المؤمنين، ويذيعون
الأخبار الكاذبة عنهم، ويخوفون المؤمنين
من تطبيق أحكام الشريعة وغيرها، قال الله
تعالى يذم المنافقين الذين يفشون أسرار
المؤمنين لأعدائهم: ﴿وَإِذَا جَآءَ هُمْ أَمْرٌ مِّنَ
اُلْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ﴾ [النساء: ٨٣].
ومن هؤلاء الأشرار ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن
يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ
عِلَّمٍ وَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾ [لقمان: ٦] فيصد الناس
عن دين الله وطاعته، وما يقرّب إليه من قراءة
قرآن وذكر الله، وذلك بالغناء والاستماع له،
وبكل ما كان من الحديث ملهيا عن سبيل
الله مما نهى الله عن استماعه أو رسوله،
فعن مجاهد: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ
اَلْحَدِيثِ﴾ قال: الغناء والاستماع له وكل
لھو.
وقال ابن زيد في قوله تعالى: ﴿ وَمِنَ
اَلنَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَ عَن
سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَتَّخِذَهَا هُزُوًّا﴾ قال:
هؤلاء أهل الكفر، ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَإِذَا
تُتْلَى عَلَيْهِ ءَلِنُنَا وَلَيْ مُسْتَكْبِرًا كَنْ لَّمْ يَسْمَعْهَا
كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرُهُ بِعَذَابٍ أَلِيٍ
٧
[لقمان: ٧].
فليس هكذا أهل الإسلام، فسمع المؤمن
يشبه النحلة التي تقع على الزهور فتخرج
منها عسلا صافيا فيه شفاء للناس، وأما
المنافق والكافر فسمعہ کالذباب لا يقع إلا
على الأوساخ.
أساليب ذكر السمع في القرآن الكريم
تنّوعت أساليب القرآن الكريم في
الحديث عن السمع، وسوف نتناول ذلك
بالبيان فيما يأتي:
أولًا: أسلوب المدح:
قال الله تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ
يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُمَّ أُوْلَكَ الَّذِينَ
هَدَنُهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَيْكَ هُمْ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ [الزمر:
١٧-١٨].
فقد مدح الله تعالى أصحاب العقول
والحجا، الذين يستمعون القول، ويفهمون
ما سمعوه، ويستثمرون فهمهم في العمل
الصالح، ويتبعون أرشده وأهداه، وأدله
على توحيد الله والعمل بطاعته، ويتركون
ما سوى ذلك من القول الذي لا يدل على
رشاد، ولا يهدي إلى سداد، فأولئك وفقهم
الله للرشاد وإصابة الصواب، لا الذين
يعرضون عن إصابة الحق ويعبدون ما لا
يضر ولا ينفع(١).
وجعل القرآن من صفة المؤمن الإجابة
لحكم الله تعالى، ورسوله صلى الله عليه
وسلم، ويتعرض للتعبير عن ذلك بقولهم:
سمعنا وأطعنا في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ
قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُهُوّاْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُمُ بَّنَهُمُ
أَنْ يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
(١) جامع البيان ٢٢/ ٢٤٥.
www. modoee.com
٣٨٣

حرف السين
[النور: ٥١].
ومن صفات المؤمنين: التأثر والخشوع
عند سماع القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿وَإِذَا
سَمِعُواْ مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٌّ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ
مِنَ الدَّمْعِ مِنَّا عَرَفُواْ مِنَ اَلْحَقِّ﴾ [المائدة:
٨٣].
ثانيًا: أسلوب الذم:
ذم القرآن أولئك الذين لا يعملون بما
سمعوه من حق، وجعلهم كالصمK بل في
دركة أدنى من الحيوان ﴿وَلَهُمْءَاذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ
يَاْ أُوْلَيْكَ كَالْأَنْعَمِ بَلَ هُمْ أَضَلُ﴾ [الأعراف:
١٧٩].
بل جعل القرآن من لا يؤمن بما سمع من
الحق كالميتK قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ
اُلْمَوْقَ وَلَا تُّمِعُ القُّمّ الدُّعَلّءَ إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِينَ
٨٠
وَمَآ أَنْتَ بِهَدِى الْعُمْيِ عَن ضَلَلَتِهِمْ إِن تُسَمِعُ
إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِحَايَتِنَا فَهُم ◌ُسْلِمُونَ﴾ [النمل:
٨٠-٨١]، فالله تعالی یعلم نبيه محمدًا صلى
الله عليه وسلم بأنه ليس بهادٍ عن الضلالة
من أعماه الله عن الهدى والرشاد، وأمات
قلبه، ولا یمکنه أن يسمع إلا من يصدق
بآیاته؛ فهم مسلمون مطیعون مستجیبون لما
دعوتهم إليه(١).
(١) قال ابن جزيّ الغرناطي: ((أكد عدم سماعهم
بقوله: ﴿إِذَا وَلَّوْ مُدْبِرِينَ﴾؛ لأن الأصم إذا أدبر
وبعد عن الداعي، زاد صممه وعدم سماعه
بالكلية)).
انظر: التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزيّ ٢/
القرآن الكريمِ
وقال الواحدي: ((إنهم لفرط إعراضهم
عما يدعون إليه من التوحيد؛ كالميت الذي
لا سبيل إلى إسماعه، وكالصم الذين لا
يسمعون، وما أنت بمرشد من أعماه الله عن
الهدى وأعمى قلبه عن الإيمان))(٢).
ثالثًا: أسلوب الأمر:
أتی ذلك في آیات عديدة مثل قوله تعالی
لبني إسرائيل: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِثَقَكُمْ وَرَفَعْنَا
قَوْقَّكُمُ اُلُوَرَ خُذُواْمَآ ءَاتَيْنَكُمْ بِقُوَّةٍ
وَأَسْمَعُواْ﴾ [البقرة: ٩٣].
ففي هذه الآية أمر الله تعالى بني إسرائيل
بالأخذ بما نزل في كتابهم بثبات وعزم
وفاعلية، ثم أمرهم بالسمع الذي يفيد الطاعة
المباشرة، واختلف السياق حينما تحدث
القرآن عن المؤمنين من أمة محمد صلى
الله عليه وسلم بالأسلوب نفسه فقال تعالى:
﴿فَأَنَّقُواْ اللّهَ مَا أَسْتَطَعْتُمْ وَأَسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ﴾
[التغابن: ١٦] فالفرق هنا أن الأمر بالسمع
جاء بعد الأمر بالتقوى بقدر الاستطاعة.
وأما خطاب بني إسرائيل فكان الأمر فيه
مشددًا ومؤكدًا بتذكيرهم بعهد الله عليهم
بالأخذ بأوامر التوراة بقوة ونشاط وجد
والاستماع والطاعة لما فيها من أوامر إلا
أن بنى إسرائيل تعنتوا في طاعة نبيهم موسى
عليه السلام فقالوا: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾
١٠٧.
(٢) الوسيط، الواحدي ٣/ ٣٨٤.
٣٨٤

السمع
[البقرة: ٩٣].
ويأمر الله تعالى المؤمنين بالاستماع
والإنصات إلى آیات الله عندما تتلى عليهم؛
ليتدبروها، ويتفكروا بها؛ طمعًا في أن تتنزل
عليهم رحمة الله تعالى فقال: ﴿وَإِذَا قُرِىَّ
اَلْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ, وَأَنْصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
[الأعراف: ٢٠٤].
وكذلك يأمر الله تعالى الناس مؤمنهم
وكافرهم أن يستمعوالمثل من أمثاله العجيبة،
التي يضربها الله تعالى في القرآن؛ لإثبات
وحدانيته وقدرته على الخلق والإبداع؛
فيؤمن به المؤمنون، وتقوم به الحجة على
الكافرين، وليثبت لهم انتفاء ألوهية من سواه
سبحانه، فقال تعالى: ﴿بَأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ
مَثَلُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُدَّ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ
مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُواْ ذُبَابًا وَلَوِ أَجْتَمَعُواْ لَّ.
وَإِنِ يَسْبُّهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنِهِذُوهُ مِنْهُ
ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣].
فالخلق كلهم ليسوا فقط عاجزين عن
خلق ذباب، بل هم أضعف من ذلك، إن
سلبهم الذباب شيئًا لا يستطيعون إرجاعه؟
لأنه تحلل بمجرد امتصاص الذباب له، فمن
عجز عن فعل ذلك؛ فهو عاجز -من باب
أولی- أن يخلق، فإن ثبت عجزه؛ ثبت أنه
ليس بإله، فكيف له أن يدعي الألوهية من
دون الله تعالى ؟! ومن هنا كان جديرًا بكل
الناس أن يستمعوا لهذا المثل؛ ليعتبروا.
رابعًا: أسلوب النهي:
ورد ذلك في مثل قوله تعالى: ﴿ وَلَا
تَكُونُواْ كَلَّذِينَ قَالُواْ سَمِعْنَا وَهُمْ لَا
يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢١].
فجاء النهي عن أن يكون المؤمن مثل
أولئك الذين أنعم الله عليهم بنعمة السمع،
بيد أنهم عطلوها؛ بعدم اتباعهم للحق؛
فكأنهم لا سمح لهم أصلًا؛ ولهذا قال تعالى:
﴿وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢١].
وقال تعالى في آية أخرى: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ
وَأَكْثَرُهُمْ كَذِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٣].
أما المؤمنون فمن صفاتهم سماع أوامر
الله تعالى وطاعة تلك الأوامر؛ ولهذا مدح
الله المؤمنين فقال: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ
إِذَا دُعُوّا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمْ بَيْنَهُ أَنْ يَقُولُواْسَمِعْنَا
وَأَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٥١].
خامسًا: أسلوب التوكيد:
وردذلك في مثل قوله تعالى: ﴿ وَلَانَقْفُ
مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْمُؤَادَ كُلُّ
أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء: ٣٦].
أكد كلامه عن وسائل المعرفة الإنسانية
السمع والبصر والفؤاد بـ(إن)، و(كل)،
والجملة الاسمية؛ وذلك لتمكين المعنى في
نفوس المخاطبين، وهو أن وسائل المعرفة
والإدراك العظيمة هذه سيسأل عنها الإنسان
يوم القيامة.
www. modoee.com
٣٨٥

حرف السين
تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِىّ أَنشَأَ لَكُ السَّمْعَ وَالْأَبَْ
وَاْأَفْئِدَةُ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٨].
فقد أكد الجملة بضمير الشأن (هو)؛
لیفید القصر والاختصاص بأنه تعالى وحده
وهب الإنسان وسائل المعرفة ((وإنما خص
السمع والأبصار والأفئدة؛ لأنه يتعلق
بها المنافع الدينية والدنيوية ما لا يتعلق
بغيرها، ومقدمة منافعها أن يعملوا أسماعهم
وأبصارهم في آيات الله وأفعاله، ثم ينظروا
ويستدلوا بقلوبهم، ومن لم يعملها فيما
خلقت له؛ فهو بمنزلة عادمها، كما قال الله
تعالى: ﴿فَمَآ أَغْنَى عَنْهُمْ مَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَدُهُمْ
وَلَّ أَفْئِدَتُهُم مِّن شَىْءٍ إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ
◌ِشَايَتِ اللَّهِ ﴾ [الأحقاف: ٢٦].
ومقدمة شكر النعمة فيها الإقرار بالمنعم
بها، وأن لا يجعل له ندّ ولا شريك)»(١).
سادسًا: أسلوب الاستفهام الإنكاري:
ورد ذلك في مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَهَيْتُمْ
إِن جَعَلَ اللّهُ عَلَيْكُمُ الَّلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ مَنْ
إِلَهُ غَيْرُ اللهِ يَأْتِكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾
[القصص: ٧١].
فهنا أنكر على المشركين عدم استثمارهم
لنعمة السمع في إدراك الحقائق الكونية
والتفكر فيها، ومعرفة السنن الإلهية؛ كي
(١) الكشاف، الزمخشري ٣/ ١٩٨ - ١٩٩.
فَضْو
الْقُرآن الكَرِيْمِ
ونجد أسلوبًا آخر للتوكيد في قوله يتعظوا بها، ولا سيما أن حاسة السمع جاءت
في سياق الحديث عن الليل الذي تستخدم
فيه هذه الحاسة أكثر من غيرها من الحواس.
ومثل هذه الآية قوله تعالى:
يَهْدِ لَهُمْ كُمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ
يَمْشُونَ فِى مَسَكِنِهِمْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍّ أَفَلَا
يَسْمَعُونَ﴾ [السجدة: ٢٦].
فقد أنكر على الكافرين عدم أخذهم
العبرة والعظة (٢) بما سمعوه من قصص
الأمم السابقة، التي أهلكها الله تعالى؛
لعصيانها وإنكارها رسالة الأنبياء عليهم
السلام.
سابعًا: أسلوب القصر بـ (إنما):
ورد ذلك في مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا
يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْنَى يَبْعَنَّهُمُ اللهُ
[الأنعام: ٣٦].
فهنا استخدم أسلوب القصر بإنما؛
لحصر الاستجابة لأوامر الله تعالى في الذین
يستفيدون من نعمة السمع حق الاستفادة،
ويوظفونها في معرفة المعبود جل جلاله
وعبادته كما شرع، أما الكفار الذين حرص
النبي على هداهم؛ فلا وسيلة كي يستجيبوا
ويؤمنوا به؛ لأنهم بمنزلة الموتى الذين لا
يسمعون؛ فهم موتى القلوب كقوله تعالى:
﴿إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ الْمَوْقَ﴾ [النمل: ٨٠].
(٢) أنوار التنزيل، البيضاوي ٢٢٣/٤.
٣٨٦

السمع
فكما أن الله تعالى هو وحده قادر على
أن یبعث الموتی من قبورهم، فهو وحده
تعالی قادر على إحياء قلوب هؤلاء الكفار
بحياة الإيمان، أما أنت يا محمد؛ فلا تقدر
على ذلك.
وأما وجه تشبيه الكفرة بالموتى؛ فلأن
حياة الروح بالعلم ومعرفة الخالق سبحانه
وتعالی کما أن حیاة الجسد بالروح(١).
ثامنًا: أسلوب النفي:
ورد ذلك في مثل قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ
مَاذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٧٩].
نفى الحق سبحانه وتعالى عن أن يكون
للكافرين سمع يرشدهم لمعرفة الحق،
واتباعه، وجاءت صيغة الفعل بالمضارع
للدلالة على تجدد هذا الأمر، وحدوثه عند
هذا الصنف من الناس الذين ستروا نعمة الله
بالكفر.
(١) انظر: الكشاف، الزمخشري ٢/ ٢٠.
مجالات السمع
تعددت مجالات السمع في القرآن،
وهذا ما سوف نبينه فيما يأتي:
١. ذكر السمع في مجال ذكر نعم
الله على الإنسان.
فجعل الله له السمع والبصر والفؤاد؛
وذلك حتى يشكره هذا الإنسان، لا أن
یکفره.
وتأتي أهمية سمع الإنسان في فهمه
لأوامر الله تعالى، ورسوله صلى الله عليه
وسلم؛ ولهذا بين القرآن الكريم لنا نوعين
من الناس:
النوع الأول: المؤمنون الذين يستمعون
للقرآن وللنبي صلى الله عليه وسلم،
ويتبعونهما فيما أمرا ﴿إِن تُسَمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ
◌ِثَايَئِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ﴾ [النمل: ٨١].
وإذا ما استمع هؤلاء المؤمنون للقرآن
يتلى؛ خشعوا، أو بكوا؛ ولهذا يكون جزاؤهم
الجنة، حيث لا يسمعون فيها لغوًا ولا تأثيمًا
ولا كذابًا، ولا يسمعون حسیس جهنم، وهم
عنها مبعدون.
ومن صفات هؤلاء المؤمنين أنهم إذا
استمعوا لشيء نافع؛ يتبعونه ويطبقونه فورًا
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ
أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨].
وهم أيضًا أبعد ما يكونون عن سماع
www. modoee.com
٣٨٧

حرف السین
الغيبة أو النميمة أو غيرها، مما حرمه الله
تعالى، فآذانهم آذان واعية، تصغي للحق
وتعمل به، قال الله تعالى: ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُـ
نَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنَّ وَعِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٢].
وَأَنَّا
وقال تعالى يمدح مؤمني الجن:
لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَىَ ءَامَنَّا بِهِ﴾ [الجن: ١٣].
والنوع الثاني: الكفار والمنافقون
والفاسقون، الذين يسمعون للقرآن وللنبي
صلى الله عليه وسلم، ولا يعملون بما
سمعوه، ويستهزئون بما سمعوه وبالنبي
صلی الله عليه وسلم، وينهون غيرهم عن
سماع هذا القرآن، ويأمرونهم بأن يلغوا فيه،
ولهذا كان سمعهم نقمة عليهم؛ فشبههم الله
تعالی بالدواب والموتى وأصحاب القبور.
قال تعالى: ﴿إِنَّاللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَآ أَنْتَ
بِسُسْمِعِ مَّن فِ اَلْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢].
وعاقبهم في الآخرة بسماعهم الزفير
جهنم، وعندها يندمون؛ لأنهم لم يستفيدوا
من أسماعهم، ولا تحین مندم.
٢. الأمر بالاستماع إلى آيات الله
المتلوة وتدبرها.
قد أمر الله تعالى المؤمنين في كتابه
العزيز بأن يتلو القرآن حق تلاوته، وأن
يستمعوا له وينصتوا، وهذا الاستماع هو
استماع تدبر وفهم، يتبعه عمل وخشية من
الله تعالى ومحبة له سبحانه وتعالى، ومن ثمّ
ينتج عن ذلك أمة؛ تكون خير أمة أخرجت
وَلْنَكُونُوا شَهِدَآءَ
للناس، إنها أمة الشهادة
عَلَى النَّاسِ ﴾ [البقرة: ١٤٣].
وأمة الحضارة؛ لأن الحضارة الحقيقية
هي بالإنسان الصالح وبالعمل الصالح.
وقد حث الله المؤمنين في آيات
كثيرة على تدبر القرآن، والتدبر يأتي بعد
الاستماع، والتدبر هو: التفكر الشامل
الواصل إلى أواخر دلالات الكلم ومراميه
البعيدة(١)، وأول الآيات الآمرة بالتدبر نزولاً
قوله تعالى: ﴿كِتَبُ أَنْزَلْنَهُ إِلَيْكَ مُبَرَكٌ لِيَنَّبَّرُواْ
ءَايَتِهِ وَ لِسَتَذَّكْرَ أُوْلُوا الْأَلْبَبٍ﴾ [ص: ٢٩].
ورقمها حسب النزول هو ثمان وثلاثون،
ونشير إلى آيات أخرى حول موضوع
التدبر دون ذكر نصها، وهي: المؤمنون:
رقم نزولها: أربع وسبعون، رقم الآية:
ثمان وستون، والنساء: رقم نزولها: اثنان
وتسعون، ورقم الآية: اثنان وثمانون.
ومدح القرآن الكريم المؤمنين الذين
إذا تلیت علیھم آیاته زادتهم إيمانًا وهدى،
ومدحهم أيضًا في أماكن عديدة أنهم تلين
قلوبهم وجلودهم إلى ذكر الله، وتقشعر
جلودهم من خشية الله، ويخرون للأذقان
سجدًا ییکون، ویزیدهم خشوعًا.
هذه هي الصورة الرائعة التي يعرضها
علينا القرآن الكريم عن طائفة السعداء الذين
أنعم الله عليهم من ذرية آدم.
وفي المقابل يعرض علينا القرآن صورة
(١) قواعد التدبر الأمثل لكتاب الله عز وجل،
عبدالرحمن حبنكة ص ١٠.
٣٨٨
صَوَهُو
القرآن الكريم

السمع
المغضوب عليهم، وموقفهم المعادي
للقرآن الكريم؛ فهم لا يستمعون لهذا
القرآن، ويلغون فيه، ويستهزئون بآيات الله
تعالى، ويجعلون القرآن عضين، ويقولون
إنه أساطير الأولين؛ فهم لم يروا فيه الحقائق
الناصعة، بل زادهم ضلالة وإثمًا وعمى؛
لأن قلوبهم مقفلة، لا يدخلها نور القرآن ولا
هداه؛ بما كانوا يكسبون من أعمال فاحشة
منكرة، وببغيهم وطغيانهم في الأرض؛
فأضلهم الله عن صراطه المستقيم، وأعمى
أبصارهم عن نوره المبين، وأصم آذانهم عن
سماع الحق والقرآن الكريم.
٣. الأمر بالاستماع إلى آيات الله
الكونية (بمعنى تدبرها والاعتبار بها).
أما المجال الرئيس الآخر لاستخدام
السمع بعد الاستماع لكتاب الله المسطور،
والأمر بالعمل به واتباعه، والخشوع له عند
سماعه، فهو توجيهه نحو الاستماع إلى
آیات کتاب الله المنظور في الكون؛ لتدبرها،
وأخذ العبرة منها(١).
قال تعالى: ﴿هُوَ اَلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ
لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِى
ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [يونس: ٦٧].
فالله الذي يستحق العبودية وحده، هو
الذي له ما في السماوات والأرض، وهو
الذي فصل بين الليل والنهار؛ لتسكنوا في
الليل من عناء النهار، وإنما قال في الآية:
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٨٠/١٧.
﴿لَقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ («لأن المراد منه:
الذين يسمعون هذه الحجج، ويتفكرون
فيها؛ فيعتبرون بها ويتعظون، ولم يرد به
الذین یسمعون بآذانهم، ثم یعرضون عن
عبره وعظاته))(٢).
والقرآن الكريم قد حث المؤمنين في
آيات كثيرة على التفكر في ملكوت الله
تعالى، وفي الكون؛ وذلك لإدراك عظمة
الخالق سبحانه، والإذعان لقدرته وسلطانه،
وقد قدر العلماء عدد الآيات التي تتناول
أمورًا علمية بألف وأربعمائة آية، من مجموع
آي القرآن، البالغ عددها ستة آلاف ومائتي
آية، أي ما يعادل عشرين بالمائة من مجموع
الآيات القرآنية.
والقرآن الكريم مليء بآيات تحث
المؤمنين على التفكر والتعلم، مثل قوله
تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ﴾ [محمد:
٢٤].
وقوله عز وجل: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ
لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤].
وغيرها من آيات كثيرة تأمر باستخدام
العقل؛ لاكتشاف قوانین الكون، وتسخيرها
لمصلحة الإنسان.
٤. الأمر بالاستماع إلى قصص
الماضين للاعتبار.
إن الله عز وجل قص علينا في كتابه
العزيز أحسن القصص، وذكر كثيرًا من
(٢) جامع البيان، الطبري ٢٨٠/١٧.
www. modoee.com
٣٨٩

حرف السين
القصص؛ لأخذ العبرة منها ﴿لَقَدْكَانَ نِّيَّا ﴿ إِذْ قَالَ لِأَبِهِ يَأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا
يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِى عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤١-٤٢].
فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِ الأَلْبَبِ﴾ [يوسف:
١١١].
فذكر الله لنا سنته في نصرة أنبيائه وعباده
الصالحين، وتوفيقه لهم؛ فقص علينا أحسن
القصص، كقصة يوسف وإخوته، وقصة
موسى وقومه، وقصة داود وسليمان،
وغيرهم من الأنبياء عليهم السلام، و کذلك
قص القرآن علينا قصص الأقوام التي عاقبها
الله تعالى، بعد أن عصوا وعتوا عن كل ذكر؛
لنعتبر ونستقيم على شرعه.
﴿أَلَمْ تَرَكَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ
فقال تعالى:
إِرَمَ ذَاتِ اَلْعِمَادِ ى أَلَّتِ لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِى
اَلْبِلَدِ ، وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُواْ الصَّخْرَ بِأَلْوَارِ(١)
وَفِرْعَوْنَ ذِى الْأَوْنَادِ نَ الَّذِينَ طَغَوْاْ فِ اَلْبِلَدِ )
فَأَكْثَرُواْ فِيهَا الْفَسَادَ (٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ
عَذَابٍ﴾ [الفجر: ٦ - ١٣].
والاتعاظ بكل ما سبق إنما يكون بعد
سماع ما حل بهذه الأقوام من عقوبة إلهية؛
ولهذا استخدم السمع؛ للاعتبار بالأحداث
في معرض الكلام عن الأمم السابقة فقال
الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِلَهُمْ كُمْ أَهْلَكْنَا مِن
قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِى مَسَكِنِهِمْ إِنَّ فِ
ذَلِكَ لَيَتٍّ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ﴾ [السجدة: ٢٦].
" ١٠٠٠
وذكر القرآن الكريم فقدان السمع لدى
الأصنام، كدليل على أنهم ليسوا بآلهة فقال
تعالى: ﴿وَأَذَّكُرْ فِ الْكِتَبِ إِبْرَهِيمَّ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا
فقد نقض ألوهية الأوثان، وأنها لا
تستحق العبادة؛ بكونها لا تسمع، ولا
تبصر من يدعوها، وصفة السمع من أهم
صفات الألوهية؛ فقد قال الله تعالى لموسى
وهارون عليهما السلام: ﴿إِنَّنِى مَعَكُمَاً
أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦].
والدعاء مخ العبادة؛ فالوثن إذا لم يسمع
دعاء الداعي؛ فأي منفعة في عبادته؟!، وإذا
كانت لا تبصر بتقرب من تقرب إليها؛ فأي
منفعة في ذلك التقرب؟!(١)، والإله يجيب
دعاء عباده ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاءُ
وَيَكْشِفُ السُّوْءَ ﴾ [النمل: ٦٢].
والأوثان لا تجيب أحدًا، ثم كيف يليق
بالإنسان أن يعبد من هو دونه في الصفات؛
إذ إنه يسمع ويرى، وهذه الأوثان لا تسمع
ولا ترى؟
وهكذا نرى كيف اهتم الإسلام بحاسة
السمع التي هي آلة مهمة في معرفة الحقائق
في كل من الكتابين كتاب الله المسطور
(القرآن)، وكتاب الله المنظور (الكون).
موضوعات ذات صلة:
البصر، الرؤية، القرآن
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٥٤٣/٢١.
٣٩٠
مُؤَسُولَةُ الْنَسِير
جوية
القرآن الكريمِ