Indexed OCR Text
Pages 21-40
السؤال رَبَِّ الْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطْنَ وَآلْإِتْمَ﴾ [الأعراف: ٣٣]. وعلى كل فإنه قد يكون في الشيء المحرم فيه منفعة، ولكن ليس كل ما فيه منفعة يجوز استعماله، وقد قال الله عز وجل في الخمر والميسر: ﴿﴿ يَسَْلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِّ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن ◌َّفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩] فأخبر أن فيهما منافع، ولكن الضر أكبر ، وهكذا المحرمات، قد ينتفع الزاني بالزنا وهو محرم، فليس كل شيء فيه نفع يجوز فعله، بل يجب على الإنسان أن يتبع شرع الله، في الإباحة والحرمة، والغالب أن ما نھی الله عز وجل عنه ونھی عنه رسوله أن نفعه مستغرق في مضراته، وضره أعظم وأشد وأكثر. ولهذا فإن القاعدة الأصولية تقول: إن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح؛ ولذلك حرم الله تعالى الخمر مع أن فيه منافع، لكن المفسدة فيه كانت أعظم من المصلحة، ﴿قُلّ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبُرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩]. فمفاسد الخمر: من زوال العقل وانتشار الفساد والصد عن سبيل الله وعن الصلاة، أكبر من جلب المصلحة الكامنة في الربح الزهيد المترتب على بيع الخمر ونحوه، فيقدم درء المفاسد على المصالح. ٥. السؤال عن المحيض. قال تعالى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِّ قُلْ هُوَ أَذَّى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ فِىِ الْمَحِيضِ وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنٌ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَّكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّبِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. كانت العرب في الجاهلية إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يساكنوها في بيت ولم يجالسوها على فراش كفعل المجوس واليهود ، فسأل أبو الدحداح رسول الله صلی الله عليه وسلم عن ذلك، وقال: ((يا رسول الله، كيف نصنع بالنساء إذا حضن؟ فأنزل الله: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾))(١). وفي الآية دلالة على أن المراد بالاعتزال عن الحيض جماعهنّ، وذلك أن المجوس واليهود كانوا يجتنبون الحيّض في كل شيء، و کان النصاری یجامعوهن ولا يبالون بالحيض، فأنزل الله تعالى بالاقتصاد بين هذين الأمرين، وخير الأمور أوسطها(٢). لكن مسألة استخدام الحائض ومباشرة بدنها إذا كانت مؤتزرة وبالاستمتاع بها فوق الإزار، فهذا مما أباحه الشرع. وقد دل الأمر باعتزال النساء في المحيض على أن السؤال عن المحيض إنما كان عن الاعتزال، وإن لم (١) الكشف والبيان، الثعلبي، ٢ / ١٥٦. (٢) المصدر السابق، ١٥٨/٢. www. modoee.com ٢٣٣ حرف السين يكن في السؤال بيان المراد (١). ومن الأحكام الخاصة بالرجال في هذه المسألة أنه كره العلماء الصلاة في ثياب النساء، مخافة أن یکون أصابها شيء من دم الحيض(٢). ٦. السؤال عن الحلال والحرام. قال تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَمّ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الَّيِّبَتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِجِ مُكَلِينَ تُعَلِمُونَهُنَّ مِمَا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُواْ مَِّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ أَسْمَ الَّهِ عَلَيْهِ وَأَنَّقُواْ اللّهُ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ [المائدة: ٤]. قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: يسألك، يا محمد ، أصحابك: ما الذي أحل لهم أكله من المطاعم والمآكل؟ فقل لهم: أحل لكم منها الطيبات، وهي الحلال الذي أذن لكم ربكم في أكله من الذبائح وأحل لكم أيضًا مع ذلك، صيد ما علّمتم من الجوارح، وهن الكواسب من سباع البهائم(٣). وفي الآية دلالة على أن السؤال الحاصل يتضمن معنى القول، ماذا أحل لنا؟ وكان التفاتًا من الحاضر إلى الغائب للتنبيه ولتوجيه الذهن (٤). والخطاب للنّبيّ صلى الله عليه وسلم (١) تأويلات أهل السنة، الماتريدي، ٣٧٤/٣. (٢) غريب الحديث، الهروي، ١/ ٣١١. (٣) جامع البيان، الطبري، ٩/ ٥٤٣. (٤) زهرة التفاسير، أبو زهرة، ٢٠٣٦/٤. والمراد به العرب، وكانت العرب تستقذر أشياء كثيرة فلا تأكلها، وتستطيب أشياء تأکلها فأحلّ الله عز وجل لهم ما استطابوه، ممّا لم ينزل بتحريمه تلاوةٌ مثل: لحوم الأنعام وألبانها، ومثل: الدّوابّ الّتي كانوا يأكلونها من الضّباب واليرابيع والأرانب والظباء وغيرها(٥). كما دل قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَتُ﴾ : على أن سؤالهم كان عن الطيبات، ومما يصطاد من الجوارح(٦). فالطيبات هي الحلال وكل شيءٍ لم يأت تحريمه في القرآن العظيم ولا في سنة نبينا الکریم محمد صلی الله عليه وسلم، وإنما سمي الحلال طيبًا، وإن لم يكن مستلذا تشبيهًا بما يستلذ (٧) وقال الراغب الأصفهاني: ((هو الحلال الذي لا یعقب إثما)»(٨). ولا ضرر منه بالبدن والعقل. لكن المسألة الخطيرة هي أنه لا يجوز لنا أن نحكم بأن هذا طيب وهذا خبيث ثم نبنى على ذلك التحريم والتحليل، فإننا لا نعرف مثلما يعرف خالقنا عن كيفية وجدوى ترتيب الأشياء بالنسبة لنا، حتى لا نقع في دائرة الذين يستطيبون المسائل الضارة، (٥) تهذيب اللغة، الأزهري، ١٤/ ٣٠. (٦) تأويلات أهل السنة، الماتريدي، ٤٥٦/٣. (٧) النكت والعيون، الماوردي، ١٤/٢. (٨) تفسير الراغب الأصفهاني، ٤ /٢٧٠. ٢٣٤ القرآن الكريم السؤال كهؤلاء الذين يتناولون المخدرات والسموم ما يحلّه الله وما حرّمه ممّا أحلّوه، وذلك قوله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَمْ﴾))(٤). والخمور (١). ورد في سبب نزولها أن زید بن الخيل الطّائي، وعدي بن حاتم الطّائي سألا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالا: إنّا نصطاد بالكلاب، فماذا يحل منه وما يحرم؟ فنزلت الآية(٢). قال ابن تيمية: لما نزل قوله تعالى: [ المائدة : ٣] ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ جاء بعدها، قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ هُمْ ﴾ [المائدة: ٤]. فأخبر أنّه أحلّها ذلك اليوم، وسورة المائدة مدنيّةٌ بالإجماع، وسورة الأنعام مكّةٌ بالإجماع، فعلم أنّ تحليل الطّات كان بالمدينة لا بمكّة(٣). يقول رشيد رضا مؤكدًا هذه القاعدة الأصولية: ((إنه من المعلوم أنّ الله سخّر هذه الأرض وما فيها للنّاس ينتفعون بها، وإنّما المحظور عليهم هو ما يضرّهم ، ولكنّ النّاس لا يقفون عند حدود الفطرة، بل دأبهم الجناية على فطرتهم، ومن ذلك أنّ العرب استباحت أكل الميتة والدّم المسفوح من الخبائث الضّارّة، وحرّمت على أنفسها بعض الطّيّيات كالبحيرة والسّائبة وغير ذلك، ولأجل هذا كانت الحاجة قاضيةً ببيان (١) تفسير الشعراوي، ٢٩٣٢/٥. (٢) تفسير القرآن، السمعاني، ٢/ ١٢. (٣) الفتاوى الكبرى، ابن تيمية، ١/ ١٦٢. إن صيغة المضارع المستعملة هنا للدلالة على تجدد السؤال، أي تكرره أو توقع تكرره ، وعليه فوجه فصل جملة ﴿يَسْئَلُونَكَ﴾ أنها استئناف بياني ناشئ عن جملة ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَهُ﴾ [المائدة: ٣]. وقوله: ﴿فَمَنِ أُضِّطُرَ فِى مَخْمَصَةٍ﴾ [المائدة: ٣]، أو هي استئناف ابتدائي: للانتقال من بيان المحرمات إلى بيان الحلال بالذات، وإن كان السؤال لم يقع، وإنما قصد به توقع السؤال، کأنه قيل: إن سألوك عن كذا فجوابه كذا لتوقع السؤال(٥). يقول أبو حيان الأندلسي: ((والظّاهر أنّ المعنى: ماذا أحلّ لهم من المطاعم، لأنّه لمّا ذكر ما حرّم من الميتة وما عطف عليه من الخبائث، سألوا عمّا یحلّ لهم؟ ولمّا كان يسألونك الفاعل فيه ضميرٌ غائبٌ قال لهم (٦) بضمير الغائب)» وقوله: ﴿مَاذَا أُحِلَّ﴾؟ استفهام معلّق للسؤال، وإن لم يكن السؤال من أفعال القلوب إلاّ أنّه كان سبب العلم، والعلم یعلق، فكذلك سبیه(٧). (٤) المنار، محمد رشيد رضا، ١٤٠/٦. (٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٣٦/٥. (٦) البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي، ٤ /١٧٨. (٧) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل الحنبلي، ٢٠٣/٧. www. modoee.com ٢٣٥ حرف السين قوله تعالى: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ اَلَّيِّبَتُ﴾: قال الماتريدي: ((اختلف في هذه الآية: هذا المسألة من المسائل التي وقعت ثم أجاب الله عنها، وكان الجواب ملتصقًا بالسؤال، قال تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَكُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الَِّبَتُ﴾ [المائدة: ٤]. والله لم يتكلم بهذا الجواب في القرآن قبل أن يسألوا، بل بعد أن سألوا))(١). وأما القول في قوله عز وجل: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ اَلْجَوَارِجِ مُكَلِِّينَ﴾: كأنهم سألوا رسول الله، صلی الله عليه وسلم عما يحل من الجوارح؛ فذكر ذلك لهم، مع ما ذكر في بعض القصة: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر بقتل الكلاب، فأتاه أناس، فقالوا: ماذا يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فنزل قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَمْ ﴾ الآية(٢). قال الشافعي رحمه الله: «أصل التحریم، نص كتاب، أو سنة، أو جملة كتاب، أو سنة، أو إجماع. قال اللّه عز وجل: ﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ ﴾ [المائدة: ٤] الآية. وإنّما تكون الطّات والخبائث عند الآكلين كانوا لها، وهم العرب الّذين سألوا عن هذا، ونزلت فيهم الأحكام، وكانوا يكرهون من خبيث (١) شرح العقيدة السفارينية، ابن عثيمين، ص٤١٨. (٢) تأويلات أهل السنة، الماتريدي، ٤٥٧/٣. صَوْنُو القرآن الكريم المآكل ما لا يكرهها غيرهم» (٣). وقال ابن كثير: ((إِنّ آية التّحريم، أعني قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ﴾ [المائدة:٣] إلى آخرها، محكمةٌ لم يدخلها نسخٌ ولا تخصيصٌ، وكذا ينبغي أن تكون آية التّحليل محكمةٌ، أعني قوله: ﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَمْ ﴾ [المائدة : ٤] فينبغي ألّا يكون بينهما تعارضٌ أصلًا وتكون السّنّة جاءت لبيان ذلك)» (٤). ٧. السؤال عن القتال في الشهر الحرام. قال تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيةٍ قُلْ قِتَالُ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدُّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرَّ بِهِ، وَاَلْمَسْجِدِ اَلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ، مِنْهُ أَكْبُرُ عِندَ اللَّهِّ وَاَلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَدِلُونَكُمْ حَّ يَرُدُوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ أَسْتَطَعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ، فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فِي الدُّنَّا وَالْآَخِرَةٌ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ ﴾ [البقرة: ٢١٧]. ٢١٧ فِيهَا خَلِدُونَ يسألونك یا محمد أصحابك عن قتال في الشهر الحرام وهو رجب (٥). فقل يا محمد إن القتال فيه واستحلال الدم وسفكه فيه عظيم عند الله(٦). (٣) الأم، الشافعى، ٢/ ٢٧١. (٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٢٠/٣. (٥) جامع البیان، الطبري، ٢٩٩/٤. (٦) المصدر السابق، ٤ /٣٠٠. ٢٣٦ السؤال لکن الصد عن سبيل الله مع الکفر به، وعن المسجد الحرام، وإخراجكم عنه إذ أنتم أهله وولاته، أکبر عند الله من قتل من قتلتم منهم (١). وفي الآية دلالة على أن ظاهرها يحرم القتال في أشهر الحج، لکن فيه دليل على حل القتال بقوله: ﴿وَاَلْفِتْنَةُ أَكْبِرُ مِنَ اَلْقَتْلِ﴾ [البقرة: ٢١٧]. وأعظم من القتل(٢). أنّ رجلا من بني تميم أرسله رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في سريّةٍ، فلقي ابن الحضرميّ يحمل خمرًا من الطّائف إلى مكّة فرماه بسهم فقتله، وذلك في آخر يومٍ من جمادى الآخرة وأوّل يومٍ من رجبٍ، وکان بین رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريشٍ عهدٌ، فقالت قريشٌ: أفي الشّهر الحرام قتلتم ولنا عهدٌ؟ فأنزل اللّه عز وجل: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الثَّهْرِ الْحَرَّامِ قِتَالِ فِيهِ ﴾ [البقرة: ٢١٧] إلى قوله: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ، مِنْهُ﴾ [البقرة: ٢١٧] يقول: كلّ هذا أكبر من قتل ابن الحضرميّ، ثمّ قال: ﴿وَأَلْفِتْنَةُ﴾ [البقرة: ٢١٧]. يعني: الكفر بالله، وعبادة الأوثان أكبر من هذا كلّه (٣). (١) المصدر السابق، ٣٠٥/٤. (٢) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي، ٦٥/٢. (٣) تفسير مجاهد، ص٢٣١. فهذه القضية أظهرت قضيتين: الأولى: القتال في الأشهر الحرم وحرمة القتال فيه. والقضية الثانية: متعلقة في الكفر بالله عز وجل والصد عن سبيله وإيذاء العباد والبلاد لدرجة الفتنة عن الدين وإخراج الناس من أوطانهم ودیارهم. فهذا السؤال أجاب عن هذه المعادلة والفتنة الشرك، أي : إن الشرك فيه أكبر بشكل جريء وبين أن الصد عن سبيل الله وفتنة الناس عن دينها أعظم حرمة من التستر وراء حرمة القتال في الأشهر الحرم. إنها واقعية الإسلام العظمى التي لا تخدم المثاليات الميتة، بل هي الحلول المناسبة لكل حالة ولكل موقف ولكل ظرف، فلكل حادثة سياقها الذي خرجت منه ولا يجوز الحکم عليها بحكم التاريخ. ٨. السؤال عن تقسيم الغنائم. قال تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ ﴾ [الأنفال: ١]. السؤال عن الغنائم يحتمل وجهين: الأول: يحتمل أنهم سألوا عن حلها وحرمتها؛ لأنها كانت لا تحل في الابتداء. والثاني: يحتمل السؤال عن قسمتها، وهو ما روي في بعض القصة أن الناس كانوا يوم بدر ثلاثة أثلاث: ثلث في نحر العدو، www. modoee.com ٢٣٧ حرف السین وثلث خلفهم ردءًا لهم، وثلث مع رسول عنه عن الأنفال، فقال: فينا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أنزلت ﴿يَسْئَلُونَكَ الله صلی الله عليه وسلم يحرسونه، فلما فتح اللّه عليهم اختلفوا في الغنائم، فقال الأوائل: نحن أحق بالغنائم، نحن ولینا القتال، وقال من كان ردءًا لهم: لستم بأولى عَنِ اَلْأَنْفَالِ﴾، انتزعه اللّه منا حين اختلفنا، وساءت أخلاقنا، فجعله الله عز وجل إلى رسوله صلی الله عليه وسلم يجعله حيث بها منا، وكنا لكم ردءًا، وقال حرس رسول شاء)»(٢). أي: كانت غنائم معركة بدر لرسول الله صلی الله علیه وسلم یضعها حیث شاء، الله: لستم بأحق بها منا، كنا نحن حرسًا لرسول اللّه فتنازعوا فيها إلى رسول اللّه، فنزل ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾ [الأنفال: ١](١). بعد أن سلمها المسلمون وردها صلى الله عليه وسلم بعد ذلك على فقرائهم. وفي الآية دلالة على أن سؤالهم يتضمن العطاء، فكأنهم يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: أعطنا، لكن الله جعل الخمس مخصوصًا لأهله صلی الله عليه وسلم، وذلك على ما نزل به الكتاب وجرت به السنة. أما قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] ، فقد بین أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قسم هذا الخمس على خمسة أنصباء، خمسٍ للنبي صلى الله عليه وسلم ، وخمس ليتامى المسلمين لا لیتامی آل النبي صلى الله عليه وسلم ، وخمس في المساكين - مساكين المسلمين لا مساكين النبي صلى الله عليه وسلم وخمس لابن السبيل. قال الشّافعي رحمه الله: « قال محمد بن إسحاق: سئل عبادة بن الصامت رضي الله (١) تأويلات أهل السنة، الماتريدي، ٣١٨/١. جوبيع القرآن الكريمِ هذه الحادثة حصلت للصحابة بعد معركة بدر الكبرى، والتي كانت بلا شك مفصلًا عظيمًا في تاريخ هذه الأمة بل كانت أعظم معركة في تاريخ الإسلام، ولهذا سميت بيوم الفرقان، الذي يفرق بين الحق والباطل، وأنتجت أعظم رجال بعد الأنبياء، وساهمت في تحرير الإنسانية من عبادة العباد إلى عبادة الله عز وجل، وهذا السؤال القرآني في بداية سورة الأنفال جاء ليبين لنا الحالة البشرية بكل رغباتها وشهواتها الفطرية التي لا تغيب عن الصحابة رغم معاشرتهم الطويلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد اختلفوا على سيف ورمح ودرع ؛ ولهذا جاء العتاب من رب الأرباب وأسند الأمر إلى الله ورسوله. (٢) الأم، الشافعي، ٣٥٣/٧. ٢٣٨ السؤال السؤال عن الجانب الإخباري يتناول هذا المبحث ثلاث قضايا إخبارية تاريخية لكنها في غاية الأهمية: القضية الأولى السؤال عن أصحاب الكهف وبيان سر هروبهم من بلدتهم التي کانوا یسکنون فیھا إلی کهف مظلم، تارکین المال والجاه والغنى والسلطان والطعام والشراب والنوم الهنيء إلى حيث لا مال ولا جاه ولا طعام بل ظلام ونوم على التراب. أما السؤال الثاني فكان عن قضية إخبارية عن ملك عادل متواضع، يجوب الأرض شرقًا وغربًا، لا هم له سوى مساعدة الناس وإنقاذهم من الجهل والعدوان والظلم. أما السؤال الثالث، فكان عن قصة نبي ورسول من أولي العزم، ظن في وهلة أنه أعلم الأرض، فأخبره الله تعالى أن هناك من هو أعلم منه، فأظهر حرصه العظيم على اتباع ذلك العالم الذي آتاه الله عز وجل من لدنه علمًا، رغم بعد المسافة بينهما. والمدقق يجد أن المقصد من هذه الأسئلة أن تكون دليلًا قويًّا على صدق نبوة النبي الکریم محمد صلی الله عليه وسلم. والمطالب المتعلقة بهذا المبحث: ١. السؤال عن أصحاب الكهف. قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَبَ اَلْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُواْ مِنْ ءَايَئِنَا عَبًا ﴿ إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُواْ رَبَّنَاً ءَائِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا فَضَرَبْنَا عَلَى ءَاذَانِهِمْ فِ اَلْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا ® ثُمَّ بَعَنْتَهُمْ لِنَعْلَمَ أَىّ اَلِّيَّنِ أَحْصَى لِمَا لَبِئُواْ أَمَدَّا ن ◌َحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم ◌ِآلْحَقِّ إِنَهُمْ فِتْيَةُ ءَامَنُواْ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَهُمْ هُدَّى ◌َ وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَا مِن دُونِهِ إِلَهَاً لَّقَدْ قُلْنَا إِذَا شَطَطًا ١٤﴾ [الكهف: ٩ -١٤]. ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَهُمْ لِيَتَسَآءَلُواْ بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْءٍ قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِئْتُمْ فَأَبْعَثُّواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِفِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزَكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَ بِكُمْ أَحَدًا ﴾ [الكهف: ١٩]. ذكر محمّد بن إسحاق سبب نزول هذه القصّة مشروحًا ، فقال كان النّضر بن الحارث من شياطين قريشيٍ وكان يؤذي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وينصب له العداوة ، و کان قد قدم الحيرة وتعلّم بها أحادیث رستم وإسفندیار، وكان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا جلس مجلسًا ذكر فيه اللّه وحدّث قومه ما أصاب من كان قبلهم من الأمم، وكان النّضر یخلفه في مجلسه إذا قام، فقال: أنا والله يا معشر قريشٍ أحسن www. modoee.com ٢٣٩ حرفالسین حديثًا منه، فهلمّوا فأنا أحدّثكم بأحسن وخبر الرّجل الطّوّاف))(١). من حديثه، ثمّ يحدّثهم عن ملوك فارس، ثمّ إنّ قریشًا بعثوه وبعثوا معه عتبة بن أبي معيطٍ إلى أحبار اليهود بالمدينة وقالوا لهما: سلوهم عن محمّدٍ وصفته وأخبروهم بقوله فإنّهم أهل الكتاب الأوّل، وعندهم من العلم ما ليس عندنا من علم الأنبياء ، فخرجا حتّى قدما إلى المدينة فسألوا أحبار اليهود عن أحوال محمّدٍ ، فقال أحبار اليهود: سلوه عن ثلاثٍ: عن فتيةٍ ذهبوا في الدّهر الأوّل ما كان من أمرهم فإنّ حديثهم عجبٌ، وعن رجلٍ طوّافٍ قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها، ما كان نبؤه، وسلوه عن الرّوح وما هو؟ فإن أخبركم فهو نبيٍّ وإلّا فهو متقوّلٌ، فلمّا قدم النّضر وصاحبه مگّة قالا: قد جئناكم بفصل ما بيننا وبين محمّدٍ، وأخبروا بما قاله اليهود فجاؤوا رسول اللّه صلی الله عليه وسلم وسألوه فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: (أخبركم بما سألتم عنه غدًا) ولم يستثن، فانصرفوا عنه ومكث رسول اللّه صلی الله علیه وسلم فیما یذکرون خمس عشرة ليلةً حتی أرجف أهل مگّة به، وقالوا: وعدنا محمّدٌ غدًا واليوم خمس عشرة ليلةً فشقّ عليه ذلك، ثمّ جاءه جبريل من عند الله بسورة أصحاب الكهف وفيها معاتبة اللّه إيّاه على حزنه عليهم، وفيها خبر أولئك الفتية، يقول فخر الدين الرازي: ((اعلم أنّ القوم تعجّبوا من قصّة أصحاب الكهف وسألوا عنها الرّسول على سبيل الامتحان فقال تعالى: أم حسبت أنّهم كانوا عجبًا من آياتنا فقط، فلا تحسبنّ ذلك فإنّ آياتنا كلّها عجبٌ، فإنّ من کان قادرًا على تخليق السموات والأرض ثمّ يزيّنها ثمّ يجعلها بعد ذلك صعیدًا جرزًا خالیةً عن الكلّ کیف يستبعدون من قدرته وحفظه ورحمته حفظ طائفةٍ مدّة ثلاثمائة سنةٍ وأكثر في النّوم، هذا هو الوجه في تقرير النّظم، واللّه أعلم))(٢). وقد اختلف أهل العلم في سبب مصير هؤلاء الفتية إلى الكهف، فقال بعضهم: أنهم كانوا مسلمين على دين عيسى، وكان لهم ملك عابد وثن، دعاهم إلى عبادة الأصنام، فهربوا بدینهم منه خشية أن يفتنهم عن دينهم، أو يقتلهم، فاستخفوا منه في الكهف (٣). والفتية: جمع فتى، والفتى: بمعنى الكامل من الرجال (٤). قال سهل: إنما سماهم فتية لأنهم آمنوا به بلا واسطة، وقاموا إليه بإسقاط العلائق عن أنفسهم(٥). (١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٢١/ ٧٥. (٢) المصدر السابق. (٣) جامع البيان، الطبري، ٦٠٥/١٧. (٤) زاد المسير، ابن الجوزي، ٣/ ٦٦. (٥) تفسير التستري، ١ / ٩٧. ٢٤٠ صَوْسُو القرآن الكريم السؤال وقوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ بَعَثْنَهُمْ ◌ِيَتَسَآءَ لُواْ بَيْنَهُمْ﴾ [الكهف: ١٩] بعثهم الله عز وجل من رقدتهم ونومهم الذي يشبه الموت؛ وحفظ أجسادهم وأشعارهم وأبشارهم وثيابهم، حيث لم يفقدوا رغم طول الزمان جزءاً من أحوالهم وهيئاتهم بعد ثلاثمائة سنة وتسع سنين (١)، فحفظهم من البلى على طول الزمان (٢)، لما علم ما يكون منهم، وهو التساؤل(٣). ويسأل بعضهم بعضًا عن مقدار نومهم، واللام في: ﴿لِيَتَسَآءَلُواْ﴾ لام العاقبة، كاللام في: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]؛ لأنهم لم يبعثوا لمجرد السؤال(٤)، لكنهم سألوا ليعرفوا عظيم قدرة الله فيزدادوا يقينًا في إيمانهم ؛ إذ لبثوا مدة عظيمة من الزمان وهيئهم وثيابهم لم يتغيرا (٥). فالمقصود من التساؤل إظهار القدرة الإلهية على الإنامة والبعث جميعًا(٦). والتساؤل الذي حصل مداره أن واحدًا منهم قال: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِئْتُمٌّ قَالُواْ (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ١٤٥/٥. (٢) معالم التنزيل، البغوي، ١٥٩/٥. (٣) تأويلات أهل السنة، الماتريدي، ١٥١/٧. (٤) معالم ١٥٩/٥. البغوي، التنزيل، (٥) الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب، ٤٣٤٦/٦. (٦) مدارك التنزيل، النسفي، ٢٩١/٢. لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمِ﴾ [الكهف: ١٩] فأجابه واحد منهم على سؤاله قائلًا: لبثنا يومًا؛ لأنه أطول مدة النوم المعهود، فلما رأى الشمس لم تغرب قال ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ لأنهم أنيموا أول النهار ونبهوا آخره(٧). فكأنه حصل بينهم تنازع واختلاف في حقيقة مدة اللبث في الکھف. وهذه الحالة مشابهة لقصة العزير، حين قال الله تعالى عنه: ﴿فَأَمَاتَهُ اللهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَةٌ، قَالَ كَمْ لَبِئْتَّ قَالَ لَبِئْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩]. ٢. السؤال عن ذي القرنين. قال الله عز وجل في كتابه العزيز يصف ذي القرنين: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَن ذِى الْقَرْنَيْنِّ قُلْ • إِنَّا مَكَّنَا لَهُ. سَأَتْلُواْ عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا فِيِ اٌلْأَرْضِ وَءَانَيْنَهُ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ سَبًّا، فَأَنْبَعَ سَبَبًا ﴾ [الكهف: ٨٣-٨٥]. ٨٥ وفي الآية دلالة على أن القرآن العظيم لم يؤرخ لهذا الزعيم التقي الراشد، ولم يقم له تمثالًا، إنما ركز على الأوصاف التي تعني الحق وتعني الخلق. فيكفي أن نعلم أنه إنسان مكّنه الله في الأرض ، يعني: أعطاه من أسباب القوة وأسباب المهابة والسيطرة، وأعطاه من كلّ مقوّمات القوة: أعطاه المال والعلم والجيوش، فلم یکتف بذلك کله، بل (٧) النكت والعيون، الماوردي، ٢٩٣/٣. www. modoee.com ٢٤١ حرف السين ﴿فَأَنْبَعَ سَبِيبًا﴾ [الكهف: ٨٥]. يعني: أخذ بالأسباب التي تؤدّي إلى الخير. من جهة أخرى فإن القرآن وهو يحدثنا عن شخصيات الأبطال في قصص؛ لم يهتم بمسألة تاريخ عريق لهذه الشخصيات، ولم يعطها أي نوع من الخصوصية؛ بل أرادها أن تکون شخصيات عامة لتكون مثلًا یحتذى، ويتم بها الاعتبار، وتحدث الأثر المراد من القصة ، ولو تم تشخيصهم وتعيينهم لقال الناس: إنها حادثة خاصة بهؤلاء، أو أنهم نماذج لا تتكرر؛ لذلك أبهمهم القرآن ليكونوا عبرة وأسوة تسير في الزمان کله. إن التمكين لذي القرنين كان بمنحه الأسباب التالية: ١. التمكين بالعلم والتدبير وحسن التصرف: أعطاه من العلوم ما يجعله قادرًا على استقراء سنن الأمم صعودًا وهبوطًا ، وزوده الله بعلم منازل الأرض وعرفه ألسنة الأقوام، فكان لا يغزو قومًا إلا خاطبهم بلسانهم ، ويقول خير يوسف: ((أي جعلنا له مكنة وقدرة على التصرف في الأرض من حيث التدبير والرأي وكثرة الجنود والهيبة والوقار))(١). ٢. التمكين بكثرة الأعوان والجنود (١) ذو القرنين، القائد الفاتح والحاكم الصالح، محمد خیر، ص٢٥٨ -٢٥٩. وأسباب القوة: إن التمكين بكثرة الجنود أسهم في إلقاء الرعب في نفوس الأعداء، الأمر الذي سهل لذي القرنين فتح المشرق والمغرب حتى خضعت له الملوك والشعوب ، وكانت العلاقة الطيبة بينه وبين الرعية أثر بالغ في تنفيذ المشاريع التي خطط لها من فتح البلاد وإقامة السدود وضرب الأعداء ،كما أن الله أكرم ذي القرنين حیث «مکن له في سیاسة النفوس أفرادا وجماعاتٍ تهذيبًا وتربية وانتظامًا))(٢). ٣. التمكين في أسباب العمران والحضارة: مكن الله لذي القرنين من خلال ما زوده به من قوة وعلم في بناء الحضارات، ((فخطط للمدن وشق القنوات وبنى السدود ونمى الزراعة»(٣). ٣. السؤال عن موسى وصاحبه. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَهُ لَآَ أَبْرَحُ حَقَّ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِىَ حُقُبًا ﴿ فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَأَخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَنَهُ عَائِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (٣) قَالَ أَرَدَيْتَ إِذْ أَوْتِنَآ إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي (٢) مباحث في التفسير الموضوعي، مصطفى مسلم، ص٣٠٤. (٣) المصدر السابق. ٢٤٢ القرآن الكريمِ السؤال نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَآ أَنْسَنِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذَّكُرُهُ. وَأَّخَذَ سَبِيلَهُ فِ الْبَحْرِ عَمَاً ) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّاً نَبْغَّ فَارْتَدَّا عَلَىَّءَاثَارِ هِمَا قَصَصًا ، فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَآ ءَانَيْنَهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَهُ مِن لَّدُنَا عِلْمًا [الكهف: ٦٠ - ٦٥]. من الواضح أن موسى عليه السلام استخدم السؤال ليعرف مكان الخضر عليه السلام ویتعلم منه، روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه تماری هو والحر بن قيس بن حصن الفزاري في صاحب موسی فمرّ بهما أبي بن كعب فدعاه ابن عباس فقال: إني تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل السبيل إلى لقیه، هل سمعت رسول الله صلی الله علیه وسلم يذكر شأنه؟ فقال أبي: نعم سمعت النبي صلی الله عليه وسلم یذکر شأنه يقول: (بينما موسی في ملأ من بني إسرائيل إذ جاءه رجل فقال: أتعلم أحدًا أعلم منك؟ فقال موسى: لا فأوحى الله عز وجل إلی موسى: بلى عبدنا خضر. فسأل السبيل إلى لقیه، فجعل الله له الحوت آیة، وقيل له: إذا فقدت الحوت فارجع فإنك ستلقاه ... الحديث)(١). كما استخدم عليه السلام السؤال في اتباعه الخضر، قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَعَآئأَنْ (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب الخروج في طلب العلم، رقم ٧٨. تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشِدًا ﴾ [الكهف: ٦٦]. قال القرطبي في تفسير الآية: «هذا سؤال الملاطف المستنزل المبالغ في حسن الأدب، والمعنى هل يتفق لك ويخف عليك))(٢). وقد استخدم نبي الله موسى عليه السلام السؤال هنا لتحقيق أغراض ، منها: الاتباع، والتعلم الراشد. إن طلب الخضر من نبي الله موسى عليه السلام أن لا يسأله عن شيء حتی یبینه له، يدل على أن السؤال من الوسائل المهمة لمعرفة أسباب القيام ببعض الأمور التي لا يرى لها حكمًا ظاهرة، فيجلي أسرارها وخفاياها. كان السؤال وسيلة موسى عليه السلام الوحيدة التي استخدمها للتعبير عن إنكاره لما يجرى أمام عينيه، لأنه في تصوره تعدٍّ وظلم في الظاهر، ولهذا كثرت أسئلته الإنكارية التي أوردها القرآن كما جاءت في قوله تعالى: ﴿قَالَ أَخْرَقْنَهَا لِنُّغْرِقَ أَهْلَهَا ﴾ [الكهف: ٧١]. وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَقَثَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةٌ بِغَيْرِ نَفْسِ﴾ [الكهف: ٧٤]. وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَوْشِئْتَ لَنَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧]. فموسى عليه السلام بشخصيته التي (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٧/١١. www. modoee.com ٢٤٣ حرف السين لا تتحمل القهر لم يصبر ، على تصرفات يتواضع التلاميذ لأساتذتهم، واتبعه في الخضر، أكثر من الأسئلة بطريقة منكرة، صورة مستفيد منه، وهذا مما يدلّ على أنه وهذا يدل على فاعلية السؤال وقوة تأثيره في القصة، إذ أثمر معرفةً وفهمًا وتفسیرًا لأمور كانت أسبابها غامضة وغير معروفة وغير ظاهرة للعيان. وفعل موسى عليه السلام يدل على الآتي: على أنه لا ينبغي لأحد ترك طلب العلم والازدياد منه والرحلة فيه وإن كان قد بلغ فيه مبلغه ، ويدل على وجوب التواضع لمن هو أعلم منه (١). وفي الآيات دلالات على أن الاشتغال بالنوافل وترك التعلم، یورث الجهل ، وهذا يتنافى مع مقصد الشريعة التي تأمر أصحابها بزيادة العلم، وقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يجعل من دعائه: ﴿وَقُل رَّبِّزِدْنِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]. وقال تعالى مخبرًا عن موسى عليه السلام، ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشِدًا ﴾ [الكهف: ٦٦]. وقال تعالى حاثا الأمة: ﴿فَلَوَّلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَآَيِفَةٌ لِيَنَفَقَّهُواْ فِ الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢]. ومن دلالات الآيات أن موسى عليه السلام لما اجتمع بصاحبه، تواضع له كما (١) الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب، ٦/ ٤٤٢٧. نبُّ مثله، یوحی إلیه کما یوحی إلیه، لكن الله عز وجل قد خصّ صاحب موسى عليه السلام من العلوم اللدنيّة والأسرار النبويّة بما لم يطلع الله عليه نبيه موسى الكليم عليه السلام. وفي قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَِّعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشِدًا (١)﴾ [الكهف: ٦٦] دلالة على أن موسى عليه السلام أفضل من صاحبه، وأن الخضر لن يفضل موسى أبدًا، ومع ذلك لما آتاه الله شيئًا من العلم سأله سؤال المتأدب المتلطف معه. وقد وجه القرآن الكريم المتعلمين إلى الحرص على السؤال والتعلم حتى لو كان من يتعلم منه أقل فضلًا ممن يتعلم، فنبي الله موسى عليه السلام كان حريصًا على التعلم من الخضر مع كونه أفضل منه. قال تعالى: ﴿قَالَ لَهُ, مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا [الكهف: ٦٦]. قال الرازي: ((إن موسى عليه السلام مع كثرة علمه وعمله وعلو منصبه واستجماع موجبات الشرف التام في حقه، ذهب إلى الخضر لطلب العلم وتواضع له))(٢). قال الرازي: «اعلم أن هذه تدل على أن (٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ١٣٥/٢١. ٢٤٤ جوية الْقُرآن الكَرِيمِ السؤال موسی علیه السلام راعی أنواعًا كثيرة من الأدب عندما أراد أن يتعلم من الخضر، حیث جعل نفسه تابعًا ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾ [الكهف: ٦٦]. وثانيها :أنه استأذن في هذه التبعية، هل تأذن لي أن أجعل نفسي تبعًا لك ، وهذا مبالغة عظيمة في التواضع)»(١). وأن الأمور لا تجري أو تقاس على حسب الظاهر منها، بل ربما يكون الأمر على خلاف الأمر الظاهر ، فلا نستعجل بالأحكام على الخلق ، وأن على المسلم أن يعتقد دائمًا أن هناك من هو أعلم منه، وهذا نتعلمه من موقف موسى عليه السلام حين سئل عن هذا الموضوع، فأجاب: ليس على الأرض من هو أعلم مني - ولم يستثن - ولم يقل: إن شاء الله ، فأوحى الله إليه أنه يوجد من هو أعلم منك في الأرض في مجمع البحرين. ولقد دلت هذه القصة على مشروعية الصحبة في طلب العلم، وهذا ما فعله موسى عليه السلام حين خرج ومعه فتاه. إن القرآن الكريم لم يخبرنا عن اسم صاحب موسى عليه السلام، لتبقى سلسلة المفاجآت المتوالية هي المسيطرة على هذا الجو الغامض الذي أحاط بسيدنا موسى عليه السلام، قال سيد قطب: ((إنما يراد به أن يمثل الحكمة الكونية العليا، التي لا ترتب (١) المصدر السابق ٢١/ ١٣٧. النتائج القريبة على المقدمات المنظورة، بل تهدف إلى أغراض بعيدة لا تراها العين المحدودة)»(٢). (٢) التصور الفني في القرآن، سيد قطب، ص١٨٤. www. modoee.com ٢٤٥ حرف السين السؤال عن المخلوقات الكونية في هذا المبحث سوف ينحصر الحديث عن سؤالين في القرآن الكريم، وهما سؤال عن الأهلة وسؤال عن الجبال، والمدقق يجد أنهما مخلوقات كونية لها تأثير بالغ في حياة الناس، وخصوصًا الهلال الذي عبر عنه بالجمع رغم أنه واحد، وذلك لعظم فوائده، وملخص الأمر يدور على أن المرء لا بد أن يسأل عما ينفعه ويترك السؤال عما لا يعنيه. وهذا المبحث له مطلبان: ١. السؤال عن الأهلة. قال تعالى: ﴿﴿ يَسْشَلُونَكَ عَنِ الْأَمِلَّةِ قُلّ هِىَ مَوَقِيتُ لِلنَّاسِ وَاَلْحَجُّ وَلَيْسَ أَلْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِن ◌ُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِّ مَنِ أَنَّقَىُّ وَأَتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَبِهَأْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) [البقرة: ١٨٩]. روي عن معاذ بن جبل، و ثعلبة بن غنم الأنصاريين قالا: يا رسول الله، ما بال الهلال يبدو دقيقًا مثل الخيط، ثمّ يزيد؛ حتّى يمتلىء ويستوي، ویستدیر، ثمّ لا یزال ينقص حتّى يعود كما بدأ، لا يكون على حالةٍ واحدةٍ؛ كالشّمس، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَمِلَّةِ﴾(١). (١) انظر: أسباب النّزول، الواحدي، رقم ١٠٩، الدر المنثور، السيوطي ٤٩٠/١. ثم معنى السؤال عن الأهلة : هو أنهم لما رأوا الشمس تطلع دائمًا على حالة واحدة، ورأوا القمر مختلف الأحوال فحملهم ذلك على السؤال عن حال القمر، فأخبر عز وجل أنه جعل الهلال معرفًا للخلق الأوقات ومعرفة وقت الحج ، وعدة النساء وتعرف الشهور، ورمضان ونعرف شهر الحج، وآجال العقود في البيع والإيجار، وسداد الدیون وأوقات الزرع، إلخ، لأنه لو جعل معرفة ذلك بالأیام لاشتد حساب ذلك عليهم، ولتعذر معرفة السنين والأوقات بالأيام ، فجعل عز وجل بلطفه وبرحمته، الأهلة ليعرفوا بذلك الآجال، ويعرفوا وقت الزكاة؛ طلبًا للتخفيف والتيسير عليهم(٢). وقيل: إنهم لمّا سألوا عن شيء قليل الجدوى أجيبوا بما فيه فائدةٌ، وعدل عن سؤالهم إذ لا فائدة فيه(٣). وفي الآية دلالة على أن المرء لا بد أن يسأل عما ينفعه ويترك السؤال عما لا يعنيه. فالجواب عن الأهلة بهذا الشكل أفاد بأن السؤال عن سر الاختلاف، ليس فيه منفعة شرعية، وإنما ينبغي الاهتمام بما فيه منفعة دينية (٤). وشاهده في السنة قوله صلى الله عليه وسلم: (من حسن إسلام المرء تركه (٢) تأويلات أهل السنة، الماتريدي ٢/ ٦٠. (٣) غرائب التفسير، الكرماني ٢٠٢/١. (٤) البحر المديد، ابن عجيبة، ٢٣٩/١. ٢٤٦ جَوَسُولَةُ النَّفِيَّة القرآن الكريمِ السؤال القمرية لها فوائد عظيمة، إذ بها تعرف کثیر من العبادات، وما سمّي الهلال هلالًا إلا لأنه حين يرى يهل الناس بذكر الله (٢)، وقيل: هو من البيان، أي: لظهوره وقت رؤيته بعد خفائه، ولذلك يقال: تهلّل وجهه. ظھر فیه بشرٌ وسرورٌ(٣). فالهلال ليلتان من أول الشهر أو ثلاث، وما بينهما («قمرٌ)»(٤). ويقال له: ((بدرٌ)) من ١٢ إلى ١٤ (٥)، ولقد جمع الهلال، رغم إفراده؛ اعتبارًا باختلاف أزمانه ، وعلى اعتبار أنه هلالًا في شهر غير كونه هلالًا في آخر (٦). إن مذهب العرب من الزمان الأول أن تكون السنة قمرية لا شمسية، وهذا الحكم توارثوه عن إبراهيم وإسماعيل، عليها السلام ، فأما عند اليهود والنصارى، فليس الأمر كذلك، فالسنة عندهم شمسية. ويؤيد هذا تجريد الجواب من كلمة قل (١) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الفتن، باب كف اللسان في الفتنة، ١٣١٥/٢. رقم ٣٩٧٦. وصححه الألباني في صحيح الجامع، ١٠٢٧/٢، رقم ٥٩١١. (٢) الكشف والبيان، الثعلبي، ٢/ ٨٥. (٣) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل الحنبلي، ٣٣٢/٣. (٤) التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي، ١/ ١١٢. (٥) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل الحنبلي، ٣٣٢/٣. (٦) المصدر السابق. ما لا يعنيه) (١). كما أفادتنا الآية الشهور التي ذكرت في مواقع السؤال من القرآن نحو: مع ما في هذا النظم العجيب من زيادة إخراج الكلام في صورة الحكم الكلي ؛ إذ جاء بحكم عام في سياق الشرط فقال: ﴿سَأَلَكَ عِبَادِى﴾ وقال: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةً الدَّاع ﴾ ولو قيل: وليدعوني فأستجيب لهم لكان حكمًا جزئيًا خاصًّا بهم، فقد ظهر وجه اتصال الآية بالآيات قبلها ومناسبتها لهن وارتباطها بهن من غير أن يكون هنالك اعتراض جملة))(٧). ٢. السؤال عن الجبال. قال تعالى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ لْجِبَالِ فَقُلْ فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٥ ينْسِفَهَا رَبِى نَسْفَا لَّا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا [طه: ١٠٥ - ١٠٧]. قال مقاتل: ((نزلت في رجال من ثقيف (٨) أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا يا محمد: كيف تكون الجبال يوم القيامة؟ فنزلت هذه الآية)»(٩). وزاد ابن عاشور فقال: ((وثقيف أهل جبالٍ لأنّ موطنهم الطّائف وفيه جبل کری، وسواء كان سؤالهم استهزاءً أم استرشادًا، فقد أنبأهم اللّه بمصير الجبال إبطالًا لشبهتهم وتعليمًا للمؤمنين)) (١٠). (٧) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٢/ ١٧٦. (٨) تفسير مقاتل بن سليمان، ٤١/٣. (٩) زاد المسير، ابن الجوزي، ١٧٦/٣. التحريروالتنوير بن عاشور٣٠٧/١٦. (١٠) www. modoee.com ٢٤٧ حرف السين مقاصد السؤال وآدابه أولًا: مقاصد السؤال: یمکن تحدید مقاصد السؤال من خلال النقاط التالية: ١ . التعنت. وهو طلب العنت وهو المشقّة(١). وقال ابن منظور: (( أصل التعنت التشديد))(٢)، وإدخال المشقة والأذى على الغير (٣). ومنه سؤال اليهود النبي الكريم عن الروح، ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحُ قُلِ الزُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَتِى﴾ [الإسراء: ٨٥]. حيث كانوا يقصدون من مسائلهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم المزلة والإنقاص. ولذلك يقال لكل من يتعنت في السؤال فإنه يطلب مزلته(٤)، وإيذاء المسؤول وإدخال المشقة علیه، ووضح کذلك من سؤال بني إسرائيل لموسى عليه السلام: ﴿لَوْلًا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَتِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾ [الفرقان: ٢١]. فقدسألوهسؤال تعنت، لا سؤال مسترشد ، والأمثلة على التعنت كثيرة، ومنها ما فعلته قريش عندما طلبت من الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بمعجزات (١) انظر: طلبة الطلبة، النسفي، ص ٢٤. (٢) لسان العرب، ابن منظور، ٢/ ٦١. (٣) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي، ص١٠٢. (٤) شمس العلوم، الحميري، ٧/ ٤٨٠٠. وآیات اقترحوها، ولو تدبرت قریش کلام الله لوجدوا في القرآن المسطور وفي الكون المنظور أضعافًا مضاعفة من هاته الآيات التي طلبوها. قال تعالى عنهم: ﴿وَقَالُواْ لَنْ تُؤْمِنَ لَكَ حَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا ( أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن ◌َّخِيلٍ وَعِنَبِ فَنُفَجِّرَ الْأَنْهَرَ خِلَلَهَا تَفْجِيْرًا ) أَوْ تُشْفِطَ السَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًّا أَوْ تَأْتِىَ بِاللَّهِ وَالْمَلَتِكَةِ قَبِيلًا (٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتُ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِ السَّمَآءِ وَلَن تُؤْمِنَ لِرُفِيِّكَ حَتَّى تُغَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَبًا تَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَتِ هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا ﴾ [الإسراء: ٩٠ - ٩٣]. ٢. الاحتجاج. وهو الاستقامة في النّظر سواء كان من جهة ما يطلب معرفته أو من جهة غيره(٥). وغالبًا يصدر عن المشركين، على خصمهم رسول الله صلی الله عليه وسلم بحجّة. ومثاله: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ﴾ [البقرة: ٢١٧]. والحجة من الاحتجاج، قال اللّه تعالى: ﴿لِثَلَا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُبَّةٌ﴾ [البقرة: ١٥٠]. وفي الآية: ﴿وَعَزَّنِ فِ الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٣]. أي: غلبني في الاحتجاج (٦). (٥) الفروق اللغوية، العسكري، ص٧٠. (٦) لسان العرب، ابن منظور، ٣٧٨/٥. ٢٤٨ القرآن الكريم السؤال ومن أضداده الاعتلال، وهو الاحتجاج بِالشَّكِرِينَ ﴾ [الأنعام: ٥٣]. بما ليس حجة (١)، وفي حديث الدّجّال: (إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه)(٢)، أي: مغالبه بإظهار الحجّة عليه(٣). يوم ومن الأمثلة عليه قوله تعالى: يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٩]. قال ابن عطية: (( سؤال موجه للرسل والهدف منه: (( لتقوم الحجة على الأمم ویبتدأ حسابهم على الواضح المستبین لکل مفطور))(٤). يقول الماتريدي: (( إنه سبحانه ( يسأل الرسل عن تبليغ الرسالة إلى قومهم، ويسأل قومهم عن إجابتهم لهم؛ ليقطع احتجاجھم، وإن لم يكن لهم الحجاج)»(٥). ٣. الاستهزاء. يقول الله تعالى مخبرًا عن استهزاء وسخرية كفار قريش من المؤمنين: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِيَقُولُواْ أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَاْ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ (١) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي، ص١٠٢. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال وصفته وما معه، رقم ٢٩٣٧. (٣) تاج العروس، الزبيدي، ٤٦٨/٥. (٤) المحرر الوجيز، ابن عطية، ٢٥٦/٢. (٥) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي، ٦٤٦/٣. وكسؤال المنافقين تهكمًا وتكبرًا وتبخترًا، ومثاله ما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: ( سئل النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن أشياء كرهها، فلمّا أكثر عليه غضب، ثمّ قال للنّاس: (سلوني عمّا شئتم) قال رجلٌ: من أبي؟ قال: (أبوك حذافة) فقام آخر فقال: من أبي يا رسول اللّه؟ فقال: (أبوك سالمٌ مولى شيبة) فلمّا رأى عمر ما في وجهه قال: يا رسول اللّه، إنّا نتوب إلى اللّه عزّ وجلّ)(٦). وتعليق الاستهزاء بالله عز وجل مجازٌ جلّ ربّنا عن الاستهزاء ، قال تعالى: الله يَسْتَهْزِئُ بِمْ وَيَمُذُّهُمْ فِي ◌ُغْيَيْهِمْ يَعْمَهُونَ [البقرة: ١٥] أي: يجازيهم على استهزائهم .. وَلَيْنِ سَأَلْتَّهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا فَخُوضُ وَنَلْعَبُّ قُلْ أَبِاللَّهِ وَءَايَتِهِ، وَرَسُولِهِ، كُنتُمْ تَسْتَهْزِ ءُونَ ﴿ لَا تَعْنَذِرُواْ قَدْ كَفَرَّتُم بَعْدَ ﴾ [التوبة: ٦٥- ٦٦]. يَمَنِكَز أورد الطبري بسنده عن قتادة: ﴿ وَلَین سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾، قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، وركب من المنافقين يسيرون بين يديه، فقالوا: يظن هذا أن يفتح قصور الروم وحصونها! فأطلع الله نبيه (٦) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب العلم، باب الغضب في الموعظة والتّعليم إذا رأى ما يكره، رقم ٩٢. www. modoee.com ٢٤٩ حرف السين صلى الله عليه وسلم على ما قالوا، فقال: عليّ بهؤلاء النفر! فدعاهم فقال : (قلتم كذا وكذا) ! فحلفوا: ما كنا إلا نخوض ونلعب!(١). ٤. الاسترشاد. أصله أن يسأل الرجل من يرشده، وهذا مقصد المؤمن من أسئلته، فمقصده من سؤاله الاسترشاد، ومعرفة أحكام الله سبحانه وتعالى، وأحكام رسوله صلى الله عليه وسلم في المسائل ليعمل بها ، ومثّلوا لسؤال الاسترشاد الذي من هذا القبيل بسؤال الملائكة إذا قالوا لربّهم كما جاء في سورة البقرة. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَتِكَةِ إِنِي جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الذِّمَآءَ وَثَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكِّ قَالَ إِنََّّ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: ٣٠]. وقد يطرح المتكلم سؤالًا استفهاميًّا ظاهره يشعر بالاستشكال أو الاعتراض، وغرضه الاسترشاد، ويمكن أن نعتبر من الأمثلة على هذا أسئلة موسى للخضر في اعتراضاته على تصرفاته، کما أبان الله لنا في سورة الكهف، ﴿ فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَافِى السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْنَهَا لِنُّغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا ﴾ [الكهف: ٧١]. ٧١ (١) جامع البيان، الطبري ١٤/ ٣٣٤. ٥. التقرير. وهو تحصيل ما لم يصرح به القول(٢)، يراد منه أن يكون المسؤول متيقظًا لما يراد به من الاطلاع علیه، کما قال الله عز وجل لموسى عليه السلام: ﴿وَمَاتِلْكَ بِيَمِينِكَ يَمُوسَى ﴾ [طه: ١٧] (٣). ومنه الطلب من القوم الإقرار بالشيء. قال الماتريدي: ((وهو كقوله: ﴿َأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ الَّخِذُونِ وَأَتِىَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]. هذا السؤال تقريري لا غير؛ لأنه كان يعلم أنه لم يقل لهم ذلك، لكنه سألهم تقريرًا؛ ليقروا بذلك؛ لئلا يقولوا: هو قال لهم ذلك» (٤). وقوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ يَتَأَيُّهَ السَّاحِرُ أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ ٤٩ [الزخرف: ٤٩] أسلوب إنشائي في صورة نداء غرضه التقرير. وكقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اَللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]. ٦. الامتحان. وهو من المحن(٥)، وهو الاختبار. قال تعالى: ﴿فَمَتَّحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]. وذلك حتى تظهر حال المسؤول على (٢) الفروق اللغوية، العسكري، ص ٦٤. (٣) تأويلات أهل السنة، الماتريدي، ٢٤٨/٢. (٤) المصدر السابق، ٤ /٣٦٠. (٥) تأويلات أهل السنة، الماتريدي، ٢٤٨/٢. ٢٥٠ فَضْو جَوْسُورٌ القرآن الكريم السؤال حقيقتها فيعترف بقصوره عن الإحاطة بالأشياء، كفعل الملائكة عند قوله تعالى: ﴿أَنُْونِ بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءٍ﴾[البقرة: ٣١]. بقولهم: ﴿لَا عِلَّمَ لَّا إِلَّ مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢](١). ٧. التعجب والبراءة. وهو استعظام شيء زائد على غيره لمزيّة فيه (٢)، وذلك حين يكون السؤال بریئا غير موجه بهدف أو مقصد، وليس المقصود منه الإساءة والشتم والإغاضة، بل المقصود الإيضاح حول موضوع معين تعجب منه. ومن التعجیب قوله جلّ ثناؤه: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]. و کذلك یمکن تمثيله بسؤال زكريا عليه السلام لمريم عليها السلام حین وجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف ، قال تعالى: ﴿كَلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكِيًّا اَلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران: ٣٧]. فعندها قال زكريا: ﴿أَنَّ لَكٍ هَذَا﴾ [آل عمران: ٣٧]. ومثله كذلك ما ورد في قوله تعالى: ﴿أَوَّلَمْ يَرَ الْإِنسَنُ أَنَّا خَلَقْنَهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ ﴾ [يس: ٧٧]. ٧٧ خَصِيمٌ قُبِينٌ (١) شمس العلوم، الحميري، ٦٢٣٨/٩. (٢) اللباب في قواعد اللغة وآلات الأدب النحو والصرف والبلاغة والعروض واللغة والمثل، محمد علي السراج، ص١١٨. يقول الواحدي: ((ألا يرى أنه مخلوق من نطفة، ثم هو یخاصم! وهذا تعجيب من جهله، وإنکار عليه خصومته، أي: کیف لا يتفكر في بدء خلقه حتى يدع خصومته))(٣). ومعنى الكلام: التعجّب من جهل هذا المعاند الألد المكابر المخاصم في إنكاره البعث ، فالكلام يفهم حالة من التّعجيب الشديد من تطوّر الإنسان من أمهن حالةٍ إلى أبدع حالةٍ ، وهي حالة الخصومة والإبانة النّاشئتين عن التّفكير والتّعقّل، والدّلالة على كفرانه النّعمة وصرفه ما أنعم به عليه في عصیان المنعم علیه(٤). ثانيًا: آداب السؤال: هناك عدد لا بأس من الآداب تتعلق بالسائل تجاه المسؤول، نختار منها الآتي: ١. مراعاة المناسبة وعدم إيذاء العلماء بمضايقتهم في أوقاتهم وحسن اختيار مكانه. فاختيار الوقت ومكانه الذي يتفرغ فيه المسؤول أمر في غاية الأدب، فلا تشغل المفتي وهو مشغول أو نائم ، فيتصل به تلفونيًا قبل الفجر أو بعده ، فهذا لم ترع المناسبة والأعراف، لهذا أدبنا الله عز وجل أن نستأذن قبل أن نلج الأماكن الخاصة بالآخرين، قال تعالى: ﴿يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ (٣) الوسيط، الواحدي، ٣/ ٥٢٠. (٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٤/ ١٠٣. www. modoee.com ٢٥١ حرف السين لِيَسْتَعْدِنَكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَنْكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ اُْلُ مِنْكُرْ ثَلَثَ مَّتٍ﴾ [النور: ٥٨]. ٢. أن يكون السؤال استفهاميًّا وليس إنكاريًّا أو تعجيزيًّا. ولهذا كانت أسئلة الصحابة للنبي الكريم ضمن الأسئلة الاستفهامية وليس التعجيزية، ومثاله: قوله تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْبَتَى﴾ [البقرة: ٢٢٠]. ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ وقوله تعالى: الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. يَسْتَلُونَكَ مَاذَا وقوله تعالى: يُنفِقُونَ ﴾ [البقرة: ٢١٥]. وقوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَمِلَّةِ﴾ [البقرة: ١٨٩]. وقوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لهُمْ﴾ [المائدة : ٤]. ٣. معرفة مقام من تسأل، فإن غاب عن السائل مقام المسؤول ربما قل أدبه، و کان سؤاله تعجیزيًّا. ولو كانت یهود أو قریش تعرف مقام ربها ومقام نبيها ما سألت رسول الله إنزال کتاب من السماء، ولهذا جاء الخطاب القرآني مستهجناً هذه الطريقة في السؤال، قال تعالى: ﴿يَسْتَلُكَ أَهْلُ الْكِنَبِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَبًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُواْمُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةٌ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّعِقَةُ يِظُلِّمِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٣]. ٤. الاختصار في السؤال. وهو مستنبط من قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوَاْ إِذَا نَجَيْهُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَنَكُوْ صَدَقَةٌ ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَظْهَرٌّ فَإِن ◌َّوْ تَجِدُواْ فَإِنَّ اللّهَ ﴾ [المجادلة: ١٢]. غفور رحيم وقت النبي الكريم ليس كوقت واحد من المسلمين، فإن كثرت المناجاة وكثرت المسائل زاد التكليف وعظمت المشقة، ولهذا كان لا بد من منهج يحدد التعامل مع النبي الكريم صلى الله عليه وسلم في عرض المسائل، قال فخر الدين الرازي، ((قال ابن عبّاسٍ: إنّ المسلمين أكثروا المسائل على رسول الله صلی الله علیه وسلم حتّی شقّوا عليه، وأراد اللّه أن يخفّف عن نبيّه، فلمّا نزلت هذه الآية شحّ كثيرٌ من النّاس فكفّوا عن المسألة)) (١). ٥. جمال العبارة والأسلوب اللطيف. لا بد للسائل أن تكون عبارته جميلة ومحتشمة مليئة بالتلطف والأدب، وتراعي نفسية المسؤول، وفيها هيبة للعالم الذي يسأل، وخالية من العبارات السوقية ، بل ینادي المفتي بم یلیق به من مقام، وقد كان موسى عليه السلام في غاية التلطف عند سؤال الخضر في اتباعه والتعلم منه، قال تعالى: ﴿قَالَ لَهُ، مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشِدًا ﴾ [الكهف: ٦٦]. (١) مفاتيح الغيب، الرازي، ٤٩٥/٢٩. ٢٥٢ جَوسُود القرآن الكريم