Indexed OCR Text
Pages 1-20
جَوْمُهُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
-
النّرة
-
2
عناصر الموضوع
مفهوم السّحر
٣١٠
السحر في الاستعمال القرآني
٣١١
الألفاظ ذات الصلة
٣١٢
حقيقة السّحر
٣١٤
تأثير السّحر
٣١٦
وصف الحق بالسّحر
٣١٨
حكم السّحر
٣٢٦
إبطال السحر
٣٢٨
٣٣١
جزاء السّحرة
المُجَلَّدَ السَّابِعْ عَشَرِ
حرف السين
مفهوم السحر
أولًا: المعنى اللغوي:
قال ابن فارس: «السّين والحاء والرّاء أصولٌ ثلاثةٌ متباينةٌ: أحدها عضوٌ من الأعضاء،
والآخر خدٌ وشبهه، والثّالث وقتٌ من الأوقات))(١).
والسحر: ((الأخذة التي تأخذ العين حتى تظن أن الأمر كما ترى وليس الأصل على ما
تری»(٢).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
تعددت تعاريف السحر لدى العلماء، بسبب كثرة أنواعه المختلفة، قال الشافعي:
((والسحر اسم جامع لمعان مختلفة))(٣)، فكل عالم يعرف نوعاً من أنواع السحر دون غيره،
فمنهم من يعرف سحر التخييل فقط، ومنهم من يعرف سحر التفريق فقط، وهكذا.
وقال الطبري: ((معنى السحر: تخييل الشيء إلى المرء بخلاف ما هو به في عينه
وحقيقته)) (٤).
وعرفه البيضاوي بأنه: ((ما يستعان في تحصيله بالتقرب إلى الشيطان مما لا يستقل به
الإنسان، وذلك لا يستتب إلا لمن يناسبه في الشرارة وخبث النفس)) (٥).
(١) مقاييس اللغة ١٣٨/٣.
(٢) انظر: تهذيب اللغة ١٦٩/٤، مختار الصحاح، الرازي ص ١٤٣ ..
(٣) الأم، الشافعي ١/ ٢٩٣.
(٤) جامع البيان، الطبري ٢/ ٤٤٦.
(٥) أنوار التنزيل، البيضاوي ١ / ٩٧.
٣١٠
جَوَسُولَة النفسية
القرآن الكريمِ
السحر
السحر في الاستعمال القرآني
ورد الجذر (س ح ر) في القرآن الكريم (٦٣) مرة، وما يخص موضوع (السحر) (٦٠)
مرة(١).
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
١
﴿فَلَمَّا أَلْقَوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ ﴾ [الأعراف: ١١٦]
الفعل المضارع
٢
وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْنَا بِهِ، مِنْ ءَايَةٍ لِّتَسْحَنَا بِهَا﴾
[الأعراف: ١٣٢]
مصدر سماعي
٢٨
فَلَمَّا أَلْقَوْ قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ﴾ [ يونس: ٨١]
اسم الفاعل
٢٢
﴿وَقَالَ الْكَفِرُونَ هَذَا سَحِرٌ كَذَّابُ ﴾ [ص: ٤]
﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا
٤٧
اسم المفعول
٦
[الإسراء: ٤٧]
صيغة المبالغة
١
٣٧°# [ الشعراء: ٣٧]
﴿يَأْتُكَ بِكُلِّ سَخَارٍ عَلِيمٍ (
وجاء السحر في القرآن على أربعة أوجه (٢):
الأول: السحر المعروف الذي يأخذ بالعين والقلب، ومنه قوله تعالى: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ
السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢].
الثاني: الكذب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَآءُ وبِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦] يعني: بكذب.
الثالث: الجنون، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِن تَنَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾
[الإسراء: ٤٧] يعني: مجنونًا.
الرابع: الصرف، ومنه قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ﴾ [المؤمنون: ٨٩]
يعني: تصرفون عن الحق.
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٣٤٦-٣٤٧.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص٢٧٠-٢٧١.
www. modoee.com
٣١١
حرف السين
الألفاظ ذات الصلة
الخداع:
١
الخداع لغة:
هو إظهار خلاف ما يخفيه الشخص(١).
الخداع اصطلاحًا:
لا يخرج عن معناه اللغوي، قال ابن القيم: ((والمخادعة: هي الاحتيال والمراوغة بإظهار
الخير مع إبطان خلافه، ليحصل مقصود المخادع»(٢).
الصلة بين الخداع والسحر:
يتفق الخداع مع السحر في قضية إخفاء الحقيقة وإظهار خلافها، لكنه يختلف مع السحر
من حيث الحكم والوسيلة، فحكم السحر كفر عند جمهور أهل العلم، بينما حكم الخداع
يختلف باختلاف أهدافه، فقد يكون حراماً وقد يكون حلالاً.
الكهانة:
٢
الكهانة لغة:
کھن لہ کمنع ونصر و کرم کھانة بالفتح، وتکھن تکھنًا: قضی له بالغيب؛ والكاهن الذي
يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان، ويدعي معرفة الأسرار. والعرب تسمي كل
من يتعاطى علمًا دقيقًا كاهنًا، ومنهم من كان يسمي المنجم، والطبيب، كاهنًا(٣).
الكهانة اصطلاحًا:
ادعاء علم الغيب (٤).
وقال ابن تيمية: الإخبار ببعض الغائبات عن الجن(٥).
الصلة بين الكهانة والسحر:
من خلال ما سبق يتبين لنا أن هناك فرقاً بين السحر وبين الكهانة من حيث التعريف،
ومن حيث الوسيلة، فالكاهن من يدعي علم الغيب متوسلاٍ بالجن أو ببعض ما يزعم أنها
(١) انظر: المحكم والمحيط الأعظم ١٣٢/١.
(٢) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان ٣٤٠/١.
(٣) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ٢٦٢/١٣، القاموس المحيط، الفيروز آبادي ص ١٥٨٥.
(٤) انظر: تاج العروس، الزبيدي ٣٦/ ٨١.
(٥) النبوات ص ١٣.
جَوَسُولَةُ النَّفـ
القرآن الكَرِيمِ
٣١٢
السحر
استدلالات تعينه على معرفة علم الغيب، بينما الساحر يعتمد اعتماداً كليًّا على الجن
والشياطين فيما يدعيه من علم الغيب(١).
ومن حيث الحكم نجد بأن السحر والكهانة كلٌّ منهما محرم شرعًا، وما جاء من أدلة في
تحريم السحر، تصلح أيضًافي باب حكم الكهانة.
العرافة:
٣
العراف لغة:
قال الجوهري: ((والعراف الكاهن والطبيب))(٢).
العراف اصطلاحًا:
قال الخطابي: ((هو الذي يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على
مواقعها)»(٣).
وقيل عنه أيضًا: أنه من يدعي علم الغيب، وربما شمل الكاهن والمنجم والرمال (٤).
الصلة بين العرافة والسحر:
بينهما تقارب ظاهر بيّنٌّ، فالعرافة من حيث ارتباطها بالجن لا تختلف عن السحر، فكلّ
من العرّاف والساحر لا يستغنيان عن الجن والشياطين في أعمالهما الكفرية.
ومن حيث الحكم فالعرافة محرمة كما السحر، وعقوبة العراف القتل مثل الساحر (٥).
(١) انظر: تاج العروس، الزبيدي ٨٢/٣٦.
(٢) الصحاح ٤ / ١٤٠٢.
(٣) معالم السنن ٢٢٩/٤.
(٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٧/ ٣.
(٥) انظر: الفروع، ابن مفلح ١٦٨/٦.
www. modoee.com
٣١٣
حرف السين
حقيقة السّحر
السحر كلمة تكررت في كل العصور،
واستخدمتها كل الأمم، بطرق ووسائل
مختلفة، ونسجوا لها القصص والخيالات،
ووقف الجميع أمام مسألة السحر، فمن
منبهر مصدق معظّم، ومن جاحد مكذب،
ومن مصدق لحقيقة السحر، مع اعتقاده
بتوقف أثره على مشيئة الله.
وفي هذا المبحث سأناقش مسألة حقيقة
السحر، وهل له حقيقة؟ أم أن المسألة لا
تعدو أن تكون ضرباً من التمويه والتخييل
ليس إلا؟
قال أبو حيان: ((واختلف في حقيقة
السحر على أقوال:
الأول: أنه قلب الأعيان واختراعها
وتغيير صور الناس مما يشبه المعجزات
والكرامات، كالطيران وقطع المسافات في
ليلة.
الثاني: أنه خدع ومخاريق وتمويهات
وشعوذة لا حقيقة لها ...
الثالث: أنه أمر يأخذ بالعين على جهة
الحيلة ...
الرابع: أنه نوع من خدمة الجن، وهم
الذين استخرجوه من جنس لطيف أجسامهم
وهيئاتها، فلطف ودق وخفي.
الخامس: أنه مركب من أجسام تجمع
وتحرق، وتتخذ منها أرمدة ومداد، ويتلى
عليها أسماء وعزائم، ثم تستعمل فيما يحتاج
إليها من السحر.
السادس: أن أصله طلسمات(١) .. ، تبنى
على تأثير خصائص الكواكب ...
قال بعض معاصرينا: هذه الأقوال كلها
التي قالوها في حقيقة السحر أنواع من أنواع
السحر، وقد ضم إليها أنواع أخر)»(٢).
الخلاف في هذا المسألة بين جمهور
العلماء من جهة، وبين المعتزلة وبعض أهل
السنة من جهة أخرى.
فبينما يذهب جماهير العلماء إلى القول
بأن السحر حقيقة، مستدلين بما يلي:
﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا
قال تعالى:
مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ، بَيْنَ اَلْمَرْهِ وَزَوْجِهِ﴾
[البقرة: ١٠٢].
وقال تعالى: ﴿وَمَا هُم بِضَآرِینَ بِهِ، مِنْ
أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ [البقرة: ١٠٢].
وقال تعالى: ﴿سَحَرُواْ أَعْيُنَ
النَّاسِ وَأَسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَآءُ و بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾
[الأعراف: ١١٦].
(١) المراد بالطلسم في باب السحر: «خطوط
وأعداد يزعم كاتبها أنه يربط بها روحانيات
الكواكب العلوية بالطبائع السفلية لجلب
محبوب أو دفع أذى وهو لفظ يوناني لكل ما
هو غامض مبهم كالألغاز والأحاجي)).
انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية
٢/ ٥٦٢.
(٢) البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي ٥٢٥/١.
٣١٤
جوبي
القرآن الكريمِ
السحر
وقال تعالى: ﴿وَمِن شَرّالنََّّئَتِفِى
الْعُقَدِ ﴾ [الفلق: ٤].
فقد ذكر الله تعالى في الآية الأولى نتيجة
هذا السحر وهو التفريق بين الزوجين، ولو
لم يكن للسحر حقيقة لما أثر على العلاقة
التي تكون بين الزوجين، وهي من أعظم
العلاقات.
والآية الثانية بينت أن السحر حقيقة
وأثراً، إلا أن هذا الأثر متوقف على المشيئة،
فلو لم يكن ثم حقيقة وأثر لما كان لذكر
المشيئة هنا أي فائدة.
وفي الآية الثالثة يخبر تعالى أنهم أتوا
بسحر ، وفي هذا دليل على أن للسحر
حقيقة.
وفي الآية الأخيرة يأمرنا الله تعالى
أن نستعيذ به من شر السحر، ولو لم یکن
للسحر حقيقة ولا أثر لما أمرنا الله تعالى أن
نستعيذ به من شره.
كذلك معجزات الأنبياء غير معارضة،
يذهب المعتزلة إلى القول بأن السحر ولا يقدر أحد على المجيء بمثلها، بينما
سحر السحرة غير سالم من المعارضة.
لا حقيقة له ، وإنما هو من قبيل الخداع
والشعوذة والتمويه.
واستدلوا بما يلي:
قال تعالى: ﴿سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ
وَأَسْتَرْهَبُوهُمْ ﴾ [الأعراف: ١١٦].
وقالوا بأن القضية كانت مجرد تخييل
تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَّا نَتْعَى﴾
[طه: ٦٦].
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ
حَيْثُ أَنَى﴾ [طه: ٦٩].
وقالوا مادام أنه نفى عنه الفلاح، فهذا
يعني أنه ليس على حق، أو لا حقيقة لما معه
من السحر.
لكن يقال لهم نفي الفلاح لا يدل على
نفي الحقيقة، فنفي الفلاح إنما هو عقوبة
وجزاء على هذا الفعل الشنيع.
وقالوا: لو سلمنا بحقيقة السحر لحدث
التباس بينه وبين معجزات الأنبياء، فعاد
ذلك على المعجزات بالإبطال.
وهذا غير صحيح ؛ فإن هناك فرقًا كبيرًا
بين معجزات الأنبياء وبين سحر الساحرین.
معجزات الأنبياء سببها النبوة ، وأما
ما يجري على يد السحرة فسببه الجن
والشياطين الذين يستعين بهم الساحر.
كذلك معجزات الأنبياء هي تأييد من
الله تعالى لهم لهداية البشر، أما السحر فهو
إضلال للبشر، وإبعاد لهم عن الله تعالی.
والذي يظهر في هذه المسالة : أن السحر
له حقيقة وتأثير، لكن ذلك التأثير متوقف
فقط ولا حقيقة لها في الواقع، بدليل قوله على قدر الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا هُم
بِضَارِّينَ بِهِ، مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾
www. modoee.com
٣١٥
حرف السين
[البقرة: ١٠٢].
لكن لا يعني هذا أنه لا يوجد من أنواع
السحر ما هو تخييل وخفة يد وما شابه ذلك.
قال ابن حجر: ((وقال القرطبي السحر
حيل صناعية يتوصل إليها بالاكتساب ، غير
أنها لدقتها لا يتوصل إليها إلا آحاد الناس ،
ومادته الوقوف على خواص الأشياء والعلم
بوجوه تركيبها وأوقاته وأكثرها تخييلات
بغير حقيقة، وإيهامات بغير ثبوت، فيعظم
عند من لا يعرف ذلك، كما قال الله تعالى
عن سحرة فرعون: ﴿وَجَاءُ و بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾
[الأعراف: ١١٦].
مع أن حبالهم وعصيهم لم تخرج عن
كونها حبالاً وعصياً، ثم قال: والحق أن
لبعض أصناف السحر تأثيرًا في القلوب
كالحب والبغض وإلقاء الخير والشر، وفي
الأبدان بالألم والسقم)»(١) ..
(١) فتح الباري، ابن حجر ٢٢٣/١٠.
جَوَسُوعَرَ النَفسِيِ الوَصْوِي
الْقُرآن الكَرِيْمِ
تأثير السّحر
السحر وتأثيره على الأعيان، وحقيقة
ذلك التأثير، ونطاق ذلك التأثير، من المسائل
التي تثار في باب الحديث عن السحر.
فهل للسحر تأثير؟
وما حدود ذلك التأثير؟
وهل تأثيره مستقل بذاته أم مرتبط
بالمشيئة؟
في هذا المبحث سأجيب على كل تلك
التساؤلات.
أما هل للسحر تأثير؟
فنجد الجواب عنه فيما يلي:
﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا
قال تعالى:
مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ، بَيْنَ اَلْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾
[البقرة: ١٠٢].
فالآية الكريمة تذكر لنا أثراً من آثار هذا
السحر، وهو أنه يؤثر في صرف القلوب
المتحابة عن بعضها البعض، فبعد الحب
بغض، وبعد القرب والتألف بعد وتنافر، بل
قد يصل الحال بالزوجين إلى الطلاق(٢).
ویکون ذلك التأثير من خلال(ما يخيل
إلى الرجل أو المرأة من الآخر من سوء
منظر، أو خلق أو نحو ذلك، أو عقد أو
بغضة، أو نحو ذلك من الأسباب المقتضية
للفرقة)»(٣).
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢/ ٤٤٧.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٦٤/١.
٣١٦
السحر
وذكر في الآية التفريق بين الزوجين،
ليدلل على أنه ما دام السحر أثر على الزوجين
((مع أن محبة الزوجين لا تقاس بمحبة
غيرهما ؛ لأن الله قال في حقهما: ﴿وَحَعَلَ
بَيْنَكُمْ قَّوَدَّةٌ وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١]))(١)،
فمن باب أولى أن يؤثر على غيرهما.
قال الشوكاني رحمه الله: ((في إسناد
التفريق إلى السحرة، وجعل السحر سبباً
لذلك دليل على أن للسحر تأثيراً في القلوب
بالحب والبغض، والجمع والفرقة، والقرب
والبعد.
وقد ذهبت طائفة من العلماء إلى أن
من التفرقة؛ لأن الله ذكر ذلك في معرض
الذم للسحر، وبين ما هو الغاية في تعليمه،
فلو كان يقدر على أكثر من ذلك لذكره.
وقالت طائفة أخرى: إن ذلك خرج
مخرج الأغلب، وأن الساحر يقدر على غير
ذلك المنصوص علیه ، وقيل: ليس للسحر
تأثير في نفسه أصلاً، لقوله تعالى: ﴿وَمَا
هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾
[البقرة: ١٠٢].
والحق أنه لا تنافي بين قوله: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ
مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ، بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ ﴾
[البقرة: ١٠٢] وبين قوله: ﴿وَمَا هُم بِضَارِّينَ
بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ [البقرة: ١٠٢].
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦١.
فإن المستفاد من جميع ذلك أن للسحر
تأثيراً في نفسه، ولكنه لا يؤثر ضرراً إلا فيمن
أذن الله بتأثيره فیه.
وقد أجمع أهل العلم على أن له تأثيراً في
نفسه وحقيقة ثابتة، ولم يخالف في ذلك إلا
المعتزلة وأبو حنيفة»(٢).
وقال القرطبي رحمه الله أيضًامبيناً
أن للسحر تأثيرًا في القلوب وتفريقًا بين
المتحابين: ((ولا ينكر أن السحر له تأثير في
القلوب، بالحب والبغض، وبإلقاء الشرور
حتى يفرق الساحر بين المرء وزوجه،
ويحول بين المرء وقلبه، وذلك بإدخال
الساحر لا يقدر على أكثر مما أخبر الله به الآلام وعظيم الأسقام، وكل ذلك مدرك
بالمشاهدة وإنكاره معاندة)»(٣).
واستدل ابن قيم الجوزية بقوله تعالى:
﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّئَتِ فِى الْعُقَدِ ﴾﴾
[الفلق: ٤] على إثبات تأثير السحر (٤).
إذن فمسألة تأثير السحر مفروغ منها،
وأنها ثابتة وأمر مجمع عليه، وإنما حدث
خلاف في حدود ذلك التأثير، وقد بين
الشوكاني والقرطبي فيما سبق هذه المسألة
بما لا يحتاج إلى مزيد تفصيل.
أيضًا فإننا نجد فيما سبق من كلام
الشوكاني رحمه الله إجابة لبقية التساؤلات
وهي:
(٢) فتح القدير، الشوكاني ١ / ١٤١.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢/ ٥٥.
(٤) انظر: التفسير القيم، ابن القيم ص ٦٣٤.
www. modoee.com
٣١٧
حرف السین
حدود تأثير السحر، وعلاقته بالمشيئة:
فتأثير السحر عام لا يختص بالزوجين
فقط، كما أن هذا التأثير خاضع لمشيئة الله
تعالى، وليس مستقلاً بذاته، قال تعالى:
﴿وَمَا هُم بِضَآرِينَ بِهِ، مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنٍ
اللَّهِ ﴾ [البقرة: ١٠٢].
ومما يدل أيضًا على تأثير السحر قوله
تعالى: ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُواْ فَإِذَا حِبَالهُمْ وَعِصِيُّهُمْ
يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّا تَسْعَى { فَأَوْجَسَ فِي
نَفْسِهِ، خِيفَةً قُوسَى قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ
الْأَعْلَى ﴾ [طه: ٦٦ -٦٨].
فيذكر الله تعالى هنا أن السحر أثر في
العيون، بل وصل الأمر إلى أن خاف موسی
عليه السلام، على خلاف في السبب الذي
خاف من أجله موسى، أهو خوف طبيعي
على نفسه، أم خاف أن يلتبس الأمر على
القوم فينصرفوا عن اتباعه (١).
(١) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٢٨٣/٥.
وصف الحق بالسّحر
الحق في كل العصور يتعرض لحملات
تشويه من قبل أهل الباطل، ومن خلال
مطالعتنا لكتاب الله تعالى نجد بأن الكفار
قد ألصقوا بالحق كل نقيصة وعيب.
وليتضح هذا الأمر، سأتناول هذه القضية
من خلال النقاط الآتية:
أولًا: وصف الكتب المنزلة بالسّحر:
وكما وصف المشركون رسلهم
بالسحرة، كذلك فقد وصفوا ما أنزل عليهم
من الكتب بالسحر، والغاية هنا هي الغاية
هناك، وهي التنفير عن الوحي والرسل،
والصد عن سبيل الله، والكذب على
الجماهير التي تبحث عن الحق وتطلبه.
وسأذكر هنا نماذج دالة على وصف
الكفار للكتب المنزلة بالسحر، فمن ذلك:
قال تعالى: ﴿وَلَوْنَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِنَبًا فِى قِرْطَاسِ
فَمَسُوهُ بِأَيْدِ يِهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَآ إِلَّا سِحْرٌ
﴾ [الأنعام: ٧].
٧
مُّبِينَ!
فيخبر الله تعالى أن الكفار الذين كتب
الله عليهم الشقاء في الدنيا، والعذاب
والنكال في الآخرة، مهما بذل معهم
الرسول من الوسائل والحجج، فسيقابلونها
بالتكذيب وينسبونها إلى السحر (٢)، ولذلك
ذكر الله تعالى أن المشركين لو عاينوا تنزيل
(٢) انظر: تفسير القرآن، السمعاني ٨٩/٢.
٣١٨
جوسين
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
السحر
الكتاب ولمسوه بأيديهم؛ ليتحققوا من أنه الوحي المنزل بأنه من قبيل السحر، وليس
ليس بسحر يخدع العيون(١)، لما قابلوا أي سحر، بل سحر بيّن غاية البيان وواضح
غاية الوضوح.
ذلك إلا بقولهم: ﴿إِنْ هَذَآ إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾
[الأنعام: ٧].
والله يخبر عنهم هنا أنهم سيقولون ذلك
جازمین به غير شاکین فیه، فمن يهدي من
أضل الله؟!
قال الشوكاني رحمه الله عند تفسير الآية
السابقة: ((في هذه الجملة بيان شدة صلابتهم
في الكفر، وأنهم لا يؤمنون ولو أنزل الله
على رسوله كتابًا مكتوبًا في قرطاس بمرأى
منهم ومشاهدة فلمسوه بأيديهم، حتى
يجتمع لهم إدراك الحاستين: حاسة البصر،
وحاسة اللمس، لقال الذين كفروا منهم: إن
هذا إلا سحر مبين، ولم يعملوا بما شاهدوا
ولمسوا))(٢).
قال تعالى: ﴿وَهُوَ اَلَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ
وَاْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّاءٍ وَكَانَ عَرْشُهُ.
عَلَى الْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلَاً
وَلَيْن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوتُونَ مِنْ بَعْدِ اَلْمَوْتِ
لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَآَ إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ
﴾ [هود: ٧].
٧
يذكر تعالى أن أهل الكفر حينما
يسمعون آيات الله تخبرهم بأنهم مبعوثون
بعد الموت، فإنھم یسارعون إلى اتهام هذا
(١) انظر: تفسير القرآن، السمعاني ٨٩/٢، زاد
المسير، ابن الجوزي ٢/ ١١.
(٢) فتح القدير، الشوكاني ١١٦/٢.
قال الطبري رحمه الله عند تفسير قوله
تعالى: ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَآ إِلَّا
سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [هود: ٧]: ((أي: ما هذا الذي
تتلوه علينا مما تقول، إلا سحر لسامعه، مبين
لسامعه عن حقيقته أنه سحر))(٣).
قال تعالى: ﴿وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَُّنَا يَبْنَتٍ
قَالُواْ مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصْدَّكُمْ عَنَا كَانَ
يَعْبُّدُ ءَآبَاؤُكُمْ وَقَالُواْ مَا هَذَا إِلَّ إِنْ مُفْتَرَىَّ
وَقَالَ الَّذِينَ كُفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَ هُمْ إِنْ هَذَآ إِلَّا
﴾ [سبأ: ٤٣].
٤٣
سِحْرَ مَّبِينَ
وما زال أهل الشرك والتنديد يتخبطون
في غیھم وضلالهم، فمرة یتهمون المرسل
ومرة يتهمون الرسول، ومرة يتهمون الوحي،
وفي هذه الآية الكريمة يتهمون الرسول بأنه
صاد عن دين الآباء والأجداد، ثم نراهم مرة
أخری یتهمون الوحي المنزل بأنه إفك افتراه
الرسول، وفي آخر المطاف، حينما رأوا بأن
الحق يظهر والناس يدخلون في دين الله
أفواجاً، نجدهم يتهمون الوحي بأنه سحر
واضح بیّن، وربما اقتسموا هذه التھم فیما
بینھم، فمنهم من يقول إفك ومنهم من يقول
سحر، وهكذا (٤).
(٣) جامع البيان، الطبري ٢٥١/١٥.
(٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٣١٠/١٤.
www. modoee.com
٣١٩
حرف السين
قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَ هُمُ الْحَقُّ قَالُواْ هَذَا
سِحْرٌ وَإِنَّا بِ كَفِرُونَ ﴾ [الزخرف: ٣٠].
حينما أتی الحق الذي لا مرية فيه ولا
شك، لم یکن أمام المشرکین و المكذبين إلا
طريقان اثنان لا ثالث لهما:
إما أن يسلموا ويذعنوا للحق.
وإما أن يكفروا ويجحدوا الحق -مع
علمهم أنه حق واضح بین لا مرية فيه -.
لكن هذا الأخير سيوقعهم في حرج،
وهو أنهم أمام حق واضح غاية الوضوح،
فلا بد من تهمة يلصقونها بالوحي -الحق
الذي جاءهم-حتى يبرروا كفرهم وعنادهم،
فلم يجدوا أمامهم سوى اتهام الوحي بأنه
من قبيل السحر.
قال الطبري رحمه الله: ((ولما جاء هؤلاء
المشركين القرآن من عند الله، ورسول
من الله أرسله إليهم بالدعاء إليه ﴿قَالُوا
هَذَاسِحْرٌ﴾ يقول: هذا الذي جاءنا به هذا
الرسول سحر يسحرنا به، ليس بوحي من
الله ﴿وَإِنَّا بِ كَفِرُونَ﴾ يقول: قالوا: وإنا به
جاحدون، ننكر أن یکون هذا من الله))(١).
فقدحوا -بهذه التهمة الكاذبة- قدحا
شنيعا في الوحي الحق؛ حينما جعلوه من
قبيل السحر، الذي لا يتعاطاه إلا أخبث
الخلق وأرذلهم(٢).
(١) جامع البيان، الطبري ٢١/ ٥٩١.
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٧٦٥.
وعجيب حال هؤلاء المشركين، نجدهم
يتهمون الوحي الذي نزل على الرسول
بأنه سحر، ثم نجدهم لا يمانعون أن يتبعوا
هذا الوحي نفسه الذي اتهموه بأنه سحر،
لكن بشرط أن ينزل على رجل من القريتين
عظيم، فيا له من تخبط وتناقض صارخ، قال
تعالى عنهم: ﴿وَقَالُواْ لَوْلَا نُزِلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى
﴾ [الزخرف: ٣١].
رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيم )
قال تعالى: ﴿وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَنُنَا بَيْنَتٍ
قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُّبِينُ
﴾ [الأحقاف: ٧].
٧
(يقول تعالى مخبراً عن المشركين في
كفرهم وعنادهم: أنهم إذا تتلى عليهم آيات
الله بينات، أي: في حال بيانها ووضوحها
وجلائها، يقولون: ﴿هَذَاسِحْرُسُئُ﴾ أي:
سحر واضح))(٣).
فالله تعالى يريد أن يقيم الحجة البالغة
على الخلق؛ حتى لا يبقى لمعتذر عذر،
لذلك کان الوحي الذي أنزله الله تعالی علی
رسله في غاية الوضوح والبيان، وكان كله
حقًّا لا مرية فيه ولا شك.
لكن من طبع الله على قلوبهم، قابلوا
هذا الحق بالصد والاعراض، وألصقوا به
التهم الكاذبة؛ ليبرروا كفرهم وعنادهم،
فنجدهم هنا یتهمون الوحي المنزل من عند
الله بأنه ﴿سِحْرٌمُّبِينٌ﴾ «يعنون: هذا القرآن
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٧٥/٧.
٣٢٠
جوبيه
القرآن الكريم
السحر
خداع يخدعنا، ويأخذ بقلوب من سمعه
-منا-فعل السحر ﴿شِينٌ﴾ ..: يبين لمن
تأمله ممن سمعه أنه سحر)» (١).
وما ذلك إلا للتملص والهروب من
التصديق والإيمان، ولتنفير الناس من
الالتفاف حول الأنبياء والرسل والإيمان بما
أوحاه الله إليهم من الكتاب.
وما يفعله المكذبون من وصف الوحي
بالسحر المبين هو من «باب قلب الحقائق
الذي لا يروج إلا على ضعفاء العقول،
وإلا فبين الحق الذي جاء به الرسول صلى
الله عليه وسلم وبين السحر من المنافاة
والمخالفة ما هو أعظم مما بين السماء
والأرض، وكيف يقاس الحق -الذي علا
وارتفع ارتفاعاً على الأفلاك وفاق بضوئه
ونوره نور الشمس ، وقامت الأدلة الأفقية
والنفسية عليه، وأقرت به وأذعنت أولو
البصائر والعقول الرزينة- بالباطل الذي
هو السحر الذي لا يصدر إلا من ضال
ظالم خبيث النفس خبيث العمل؟! فهو
مناسب له وموافق لحاله وهل هذا إلا من
البهرجة؟))(٢).
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ يَبَِّيّ
إِسْرَّوِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ
مِنَ النَّوْرَةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِى مِنْ بَعْدِى أَسْهُ أَعْمَدٌّ
(١) جامع البيان، الطبري ٢٢ / ٩٦.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٧٨٠.
فَلَّا جَآءَهُم ◌ِلْبَيْنَتِ قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ مُِّينٌ
[الصف: ٦].
لما بعث الله تعالى النبي محمدًا(٣) صلى
الله عليه وسلم، وأيده بالبينات التي من
أعظمها الوحي -القرآن- قال أهل الشرك
﴿هَذَا سِحْرٌ مُِّينٌ﴾ فاتهموا الوحي بالسحر
البين الذي لا خفاء فیه، وهم حينما اتهموه
بذلك يعلمون أنهم كاذبون، لكنه العناد
والاستكبار، وإلا فلا تشابه ولا تقارب بین
الوحي الذي هو غاية ومنتهى الحق، وبين
السحر الذي هو غاية ومنتهى الباطل.
قال تعالى: ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا ◌ِحْرٌ يُؤْتَرُوا
[المدثر: ٢٤].
ما زالت التهمة للوحي بأنه سحر
مستمرة، ولا يزال الكفار يتواصون بها، فبعد
أن يبهرهم الحق المبين، ويدحض باطلهم
الوحي الكريم، لا يجدون أمامهم سوى
اتهام الوحي بأنه سحر، وهذا السحر تعلمه
من غیره(٤).
وهذه التهمة لم تأت إلا بعد اجتماعات
ومداولات استنفد فيها المشركون كل التهم
(٣) ومنهم من يقول بأن النبي الذي اتهموا ما
جاءهم به من الوحي بالسحر، هو عيسى عليه
السلام ولیس محمدا صلی الله علیه وسلم،
ذکر ذلك الشوكاني ورجحه.
انظر: فتح القدير، الشوكاني ٢٦٣/٥.
وفي كلا الحالين فالمقصود أنهم اتهموا
الوحي المنزل والآيات بأنها من قبيل السحر.
(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٦٦/٨.
www. modoee.com
٣٢١
حرف السين
والافتراءات ضد الرسول، وما أتى به من وصور لقومه موسى بأنه ساحر، وسحره
الوحي المبين.
وعجیب حالهم، کیف یصفون ما هو
حق مبين، بما هو باطل مبين؟!
إذن فیما تقدم من الآيات بيّنت أن الكفار
قد اتهموا الوحي بأنه من قبيل السحر، وكان وبهتانًا - بموسى عليه السلام ألصقت أيضًا
لهم من وراء هذه التهمة أهداف وغايات من -زورًا وبهتانًا - بهارون عليه السلام.
أهمها هدفان اثنان:
قال تعالى حاكياً عن الكفار: ﴿قَالُواْ
الهدف الأول: ليبرروا لأنفسهم الكفر إِنْ هَذَانِ لَسَحِرَنِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِّنْ
أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِقَتِكُمُ الْمُعْلَى﴾
[طه: ٦٣].
والتكذيب.
الهدف الثاني: لينفروا الناس ويبعدوهم
عن اتباع الوحي.
ثانيًا: وصف الرسل بالسّحر:
كثيرًا ما أتهم الكفار الرسل بالسحر، ومن
أمثلة ذلك ما يلي:
قال فرعون عن موسى في موطن من
المواطن: ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ: إِنَّ هَذَا لَسَجِرٌ عَلِيمٌ
أَيُرِيدُ أَنْ يُخْرِحَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ
٣٤
فَمَاذَاتَأْمُرُونَ (٥)
[الشعراء: ٣٤-٣٥].
وهو بهذا الاتهام يريد التنفير من اتباع
موسى عليه السلام؛ ولذلك أخبر فرعون
قومه بأن هدف موسى هو إخراجهم من
أرضهم وديارهم، وبما أن الإخراج من
الديار صعب على النفس باعتبار الحب
الفطري المغروس في النفوس للوطن
والبلاد، فقد استغل فرعون هذا الأمر،
خطير جداً يصل تأثيره إلى حد الإخراج
من الديار، فمن أراد البقاء في دياره ووطنه
فيجب عليه أن يقاطع هذا الساحر ويعاديه،
وهذه التهمة بالسحر كما الصقت -زورًا
وفي موطن آخر نجد أن الطغاة قد
أجمعوا على اتهام موسی بأنه ساحر؛ حينما
لم يقدروا على مواجهة ما جاء به من الحق
والدين، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى
◌ِّايَئِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ﴿ إِلَى فِرْعَوْنَ
وَهَمَنَ وَقَرُونَ فَقَالُواْ سَحِرٌ كَذَّابٌ
﴾ [غافر: ٢٣ -٢٤].
أي: أنه ساحر فيما أظهر من المعجزات،
وكاذب في دعواه بأنه نبي مرسل إليهم من
الله(١).
قال تعالى عن كفار قريش حينما أتاهم
النبي صلى الله عليه وسلم مبلغاً ومبشرًا
ونذيرًا: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنَّ أَوْحَيْنَا إِلَى
رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِيرِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّ
لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِهِمْ قَالَ الْكَفِرُونَ إِنَّ
(١) انظر: روح المعاني، الألوسي ٣١٥/١٢.
٣٢٢
جَوَسُو
القرآن الكريم
السحر
هَذَالَسَحِرٌّ مُبِينٌ ﴾ [يونس: ٢].
هذه الآية وردت فيها قراءتان: القراءة
الأولى : بإثبات الألف، فيكون الموصوف
بالسحر هو الرسول، والقراءة الثانية: بحذف
الألف فيكون الموصوف بالسحر هو الوحي
أو الشرع الذي بعث به الرسول(١).
وحجتهم في هذه القراءة ((أن السحر
يدل على الساحر ، لأن الفعل لا يكون إلا
من فاعل ، والساحر قد یوجد ولا يوجد معه
السحر))(٢).
وفي كلا الأمرين المقصود واحد وهو
إثبات تهمة السحر؛ ليتم بعد ذلك التنفير
والتشهير، والصد عن سبيل الله تعالى.
المهم أن کفار قریش تعجبوا من هذا
الرسول البشري، وظنوا جهلاً أنه لا یمکن
أن یکون الرسول إلی البشر إلا ملكاً، ونسوا
أو تناسوا أن الله تعالى ما بعث قبل محمد
صلى الله عليه وسلم إلا رجالاً من البشر،
هذا التعجب الاستنكاري قادهم إلى اتهام
النبي المرسل بأنه ساحر، بل وصفوا سحره
بأنه بين واضح، وهذا من جهلهم وسفههم،
وإلا فهم يعرفون السحرة ونفثهم وعقدهم
وتمتماتهم، وليس هذا مما جاء به النبي
صلى الله عليه وسلم، بل هذا النبي الكريم
قد جاء لمحاربة السحر والسحرة، فعن أبي
(١) انظر: معاني القراءات، الأزهري ١/ ٣٤٢.
(٢) حجة القراءات، ابن زنجلة ص ٣٢٧.
هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: (اجتنبوا السبع الموبقات)،
قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: (الشرك
بالله، والسحر ... )(٣)، فكيف يتناقض مع
نفسه؟!
فيحارب السحر في الوقت الذي هو فيه
يشتغل به، سبحانك هذا بهتان عظيم.
وهاهم أيضًا مرة أخرى يتهمونه بالسحر
في قوله تعالى: ﴿وَعِمُوْ أَنْ جَآءَهُمْ مُنذِرٌ
مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَفِرُونَ هَذَا سَحِرٌ كَذَّابُ
٤
[ص: ٤].
فاتهموا النبي صلى الله عليه وسلم بأنه
ساحر، وما فعلوا ذلك إلا من أجل التنفير
عنه، والصد عن اتباع ما جاء به من الحق
والدين، وكذلك هي سنة الكافرين مع
رسلهم.
بل ما بعث الله تعالى رسولاً إلا واتهمه
قومه بالسحر، ومصداق ذلك قوله تعالى:
﴿كَذَلِكَ مَآ أَنَ اَلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُواْ
سَلِمِ أَوْ بَحْنُونَ ﴾ [الذاريات: ٥٢].
وهم بهذا الاتهام يهدفون إلى هدم
الرسالة، والطعن في الرسل لتنفير الناس
عنهم؛ لأن كلاً من اتهامهم بالسحر أو
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، کتاب الوصايا،
باب قول الله تعالى: (إنّ الذين يأكلون أموال
اليتامى ظلمًا)، رقم ٢٧٦٦، ومسلم في
صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر
وأكبرها، رقم ٨٩ .
www. modoee.com
٣٢٣
حرف السين
الجنون يكفي لتشويههم وتشويه ما جاءوا الآيات سحر بين وواضح لا يخفى على
به من الحق والدين، ونجد تاريخ الكفر أحد، فاستحقوا بذلك العذاب، وباءوا
بالخسران في الدنيا والآخرة.
ممتدًا إلى عصرنا الحديث، فتری الحملات
الإعلامية المتواصلة ضد أتباع الرسل من
العلماء والدعاة، واتهامهم بشتى التهم،
بهدف إبعاد الجماهیر عنهم، حتى لا تتفطن
الأمة لما يراد بها ويخطط لها من قبل
الكافرين والمنافقين.
ثالثًا: وصف المعجزات والحجج
بالسّحر:
إن موسى عليه السلام كان من أكثر
الأنبياء تعرضاً للاتهام بالسحر، وما جاءهم
بآية من آيات الله تعالى الدالة على صدق
نبوته ورسالته، إلا وسارعوا لاتهامه واتهام
ما جاء به بأنه سحر.
ولعل من أسباب ذلك، أن مهنة السحر
كانت رائجة في عصرهم.
قال تعالى وهو يذكر بعض الآيات
والمعجزات التي أيده الله بها لدعوة قومه
إلى الله: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجُ بَيْضَآءَ
مِنْ غَيْرِ سُوءٌ فِيِ نِسْعِ مَيْتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِّ إِنَّهُمْ كَانُوا
قَوْمًا فَلِقِينَ ، فَلَمَّاجَآءَهُمْ ءَايَنُنَا مُبْصِرَةً قَالُواْ هَذَا
سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ [النمل: ١٢ - ١٣].
فكذبوا الرسول، وجحدوا الآيات،
وجعلوا ما أقامه الله تعالی دلیلاً لهدایتھم،
من قبيل السحر والشعوذة، وزعموا أن هذه
وكذلك نجد الأمر في القوم الذين بعث
الله إليهم عيسى عليه السلام، فقد أمده الله
تعالى بمعجزات وآيات كثيرة، لا لشيء
إلا لتقام عليهم الحجة، ويتبين لهم طريق
الهداية واضحًا جليًّا، فقال تعالى: ﴿إِذْقَالَ
اَللَّهُ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ أَذْكُرْ نِعْمَتِ عَلَيْكَ وَعَلَى
وَلِدَتِكَ إِذْ أَيَدِتُّكَ بِرُوجِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ
فِ الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَبَ
وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَنَةَ وَالْإِنِيلُ وَإِذْ تَّخْلُقُ مِنَ
اُلِّّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِ فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ
طَيْرًا بِإِذْنِى وَتُبْرِئُ الْأَكْمَةَ وَالْأَبْرَصَ
بِإِذْنِّ وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْنَ بِإِذْنِّ وَإِذْ كَفَفْتُ
بَنِيّ إِسْرَِّ يلَ عَنكَ إِذْجِئْتَهُم بِالْبَيْنَتِ فَقَالَ
الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلََّ سِحْرٌ مُبِينٌ وَ
[المائدة: ١١٠].
فوصف القوم الكافرون المعجزات
والآيات البينات الواضحات بالسحر، كما
في قراءة من حذف الألف في قوله: ﴿سحرٌ
تُّبِينٌ﴾، ووصفوا الرسول بالساحر على
قراءة من أثبت الألف في قوله: ﴿سِحْرٌ
تُبِينٌ﴾، وكلها قراءات صحيحة(١).
كذلك فإن أهل الشرك والوثنية قد
وصفوا ما جاء به الرسول صلى الله عليه
(١) انظر: الحجة للقراء السبعة، الفارسي.
٣٢٤
جوي
القرآن الكريم
السحر
وسلم من الآيات والمعجزات بالسحر،
رغم یقینھم بأنه ليس بساحر ولا كاهن،
ولكنه الحقد والحسد والكبر المغروس في
القلوب الضالة.
فنجد كفار قريش في موقف من
المواقف يطلبون من النبي صلى الله عليه
وسلم معجزة يرونها بأم أعينهم؛ ليستدلوا
من خلالها على صدق نبوته ورسالته، وأنه
مؤيد من الله تعالى بالمعجزات والبراهين،
فطلبوا منه أن یشق لهم القمر في ليلة البدر،
وزعموا أنهم سوف يؤمنون ويصدقون بما
جاء به.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم حريص
على هداية قومه؛ فقد توجه إلى ربه تعالى
طالباً منه أن يؤيده بهذه الآية العظيمة؛
حتى لا تبقى لأحد حجة على الله تعالی،
فاستجاب الله تعالى لنبيه، وشق له القمر
شقين، لكن شيئاً مما وعده به الكفار لم
يحدث، بل قابلوا ذلك بالعناد والاستكبار،
وفسروا هذه الآية والمعجزة العظيمة بأنها
من قبيل السحر، فكانوا بهذا من المعاندین،
وبالعذاب من الموعودين(١).
قال تعالى حاكيًا عن نبأ انشقاق القمر:
﴿أَقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنشَقَّ الْقَمَرُ ل وَإِن
يَرَوَاْ ءَايَةٌ يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُسْتَمِرٌ (
[القمر: ١- ٢].
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٢ / ٥٦٥.
وزعموا أن هذه الآية العظيمة من قبيل
السحر الذاهب الذي لا يثبت، أو من قبيل
السحر الشديد القوي الدائم الذي أصبح
لا یتخلف عن النبي صلی الله عليه وسلم،
بخلاف السحرة الذين قد يقدرون على شيء
أو شيئين فقط(٢).
إذن هؤلاء ثلاثة من الأنبياء والرسل
من أولي العزم، أيدهم الله بالآيات
والمعجزات، فما كان أمام القوم الكافرين
إلا التھرب من اتباع الحق بحجة أنه من قبيل
السحر، مع تمييزهم بين ما هو سحر وما
لیس بسحر، ولکنه العناد والاستكبار.
(٢) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٤ / ١٩٧،
مفاتيح الغيب، الرازي ٢٩/ ٢٩٠.
www. modoee.com
٣٢٥
حرف السين
حكم السّحر
السحر قضية من القضايا التي تحدث
عنها القرآن كثيرًا، وزاد بيانها النبي صلى
الله عليه وسلم في سنته، كما أننا نجد
العلماء والفقهاء قد أفردوا لها في كتبهم
فصولًا وأبوابًا، وتحدثوا عنها بتفصيلات
وتفريعات، وما ذلك إلا دليل واضح على
أن هذه المسألة من المسائل الشرعية التي
يتعلق بها کثیر من الأحکام.
وفي هذا المبحث سأتكلم على كون
السحر علمًا، وعلى حكمه من خلال
مسألتین:
أولًا: إثبات أن السحر علم من العلوم:
لا ينكر أن السحر علم من العلوم
الموجودة قديماً من حيث الأصل، ومع
تقدم الزمان حدثت لهذا العلم تطورات من
حيث الوسائل فقط، أما من حيث الأصل
فهو باق على ما هو عليه، وهذا الثبات
في الأصل والتجديد في الوسائل، هو ما
جعل هذا العلم يحفظ ويصان من الضياع
والاندثار.
وإذا وقفنا مع آية سورة البقرة التي
تحدثت عن السحر؛ فإننا سنخرج بیقین بأن
السحر علم، وهذه هي المسألة الأولى.
قال تعالى: ﴿وَأَتَّبَعُواْ مَا تَثْلُواْ الشَّيَاطِينُ
عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَنَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَنُ
وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَغَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ
السّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ
هَرُوتَ وَمَرُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَقِّ يَقُولَاً
إِنَّمَا نَّحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا
مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ، بَيْنَ اَلْمَرْءِ وَزَّوْجِهِ، وَمَا هُم
بِضَارِينَ بِهِ، مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَنَعَلَّمُونَ
مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ
لَمَنِ أَشْتَرَُّهُ مَا لَهُ، فِى الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَةٍ
وَلَبِفْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ، أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ
يَعْلَمُونَ ◌َ
[البقرة: ١٠٢].
ففي هذا الآية الكريمة عدة مواطن أثبتت
أن السحر علم، هذه المواطن هي:
قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ
كَغَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السّحْرٌ وَمَا أُنْزِلَ
عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَرُوتَ وَمَرُونَ﴾
[البقرة: ١٠٢].
قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ
حَقَّ يَقُولَا إِنَّمَا نَخْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾
[البقرة: ١٠٢].
قوله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا
مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ، بَيْنَ اَلْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾
[البقرة: ١٠٢]
قوله تعالى: ﴿وَيَنَعَلَُّونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا
يَنفَعُهُمْ﴾ [البقرة: ٢
وقال تعالى في موطنين آخرين: ﴿إِنَّهُ,
◌َكَبِيِرُ كُمُ الَّذِى عَلَّمَكُمُ السَّحْرَ﴾ [طه: ٧١].
إذن من خلال ما سبق تبين لنا جلياً أن
٣٢٦
القرآن الكريم
السحر
السحر علم من العلوم، الذي له مصادره عليه السلام حينما اتهم بأنه كان ساحراً،
ومراجعه ورجالاته.
ثانيًا: بيان حكم هذا النوع من العلوم:
هذه المسالة هي الأهم في هذا المبحث،
وهي بيان حكم هذا النوع من العلوم، وفي
الآيات السابقة البيان الشافي والكافي لحكم
هذا العلم.
قال تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ
حَقِّ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾
[البقرة: ١٠٢].
فالآية هذه مصرحة بأن السحر كفر.
والمعنى: أي أنك أيها الشخص إذا
تعلمت هذا النوع من العلم فسوف يسلب
منك دينك الحق وتكون من جملة الكافرين،
ومادام أن هذا العلم يتسبب في كفر متعلمه،
فما حكم هذا العلم إذن؟
الجواب في غاية الوضوح، إنه علم
محرم، بل هو في درجة الكبائر من
المحرمات، ولا يتعاطاه من في قلبه ذرة من
إیمان.
قال النبي صلى الله عليه وسلم (اجتنبوا
السبع الموبقات)(١) وعد منهن السحر.
والله تعالى قد دافع عن نبيه سليمان
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوصايا،
باب قول الله تعالى: (إنّ الّذين يأكلون أموال
اليتامى ظلمًا)، رقم ٢٧٦٦، ومسلم في
صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر
وأكبرها، رقم ٨٩ .
وكان يسيّر من تحت يده بالسحر، فقال
تعالی:
﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَنُ وَلَكِنَّ
الشَّيَطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ اَلْسِّحْرَ﴾
[البقرة: ١٠٢].
فنفى الله عن نبيه السحر؛ لأن السحر
کفر ینزه عنه أنبياء الله ورسله.
قال ابن حجر: ((وفي إيراد المصنف هذه
الآية إشارة إلى اختيار الحكم بكفر الساحر
لقوله فيها: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَنُ وَلَكِنَّ
الشَّيَطِينَ كَغَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ أَلْسِّحْرَ﴾
[البقرة: ١٠٢] فإن ظاهرها أنهم كفروا بذلك،
ولا يكفّر بتعليم الشيء إلا وذلك الشيء
كفر»(٢).
وقال الثعلبي عند قوله تعالى: ((﴿وَأَنَّبَعُواْ
مَا تَثْلُواْ الشَّيَطِيْنُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَنَ وَمَا
كَفَرَ سُلَيْمَنُ﴾ [البقرة: ١٠٢] بالسحر فانّ
السحر كفر)) (٣).
والآيات والأحاديث الكثيرة التي تنفر
من السحر وتحذر من الذهاب إلى السحرة
أو تصديقهم، تعطينا بمجموعها حكم
السحر وأنه كفر وشرك بالله العظيم.
فخلاصة هذا المبحث أن السحر علم
من العلوم الكفرية التي نهى الله ورسوله
عنها نهي تحریم، ورتبوا على ذلك العقاب
في الدنيا، والعذاب في الآخرة.
(٢) فتح الباري ٢٢٥/١٠.
(٣) الكشف والبيان، الثعلبي ٢٤٤/١.
www. modoee.com
٣٢٧
حرف السين
إبطال السحر
بما أنني أثبت فيما سبق بأن للسحر
حقيقةً وتأثيرًا، فسأبين في هذا المبحث
الطرق والوسائل لإبطال ذلك الأثر، وإزالة
ذلك الضرر بإذن الله تعالى، وذلك من
خلال النقاط الآتية:
١. السحر مهما عظم واشتد بأسه
وخطره فهو باطل.
من خلال تتبع الآيات التي تتحدث
عن السحر نجد أن الله تعالی یذکر فيها
أن السحر باطل، وأن الساحر مهما بلغ من
السحر فليس مفلحاً وعمله ليس موفقاً،
کذلك فالسحر من الفساد في الأرض، والله
لا يحب الفساد ولا المفسدين، وما كان
کذلك فهو باطل، والسحر أيضًا من أسلحة
الطغاة، ومعلوم أن الطغاة و کیدهم إلى تباب
وبوار.
ولو تأملنا في هذه النصوص لتبينت لنا
هذه الحقيقة جلية واضحة:
◌ْ فَلَمَّا أَلْقَوْ قَالَ مُوسَى مَا تباب، قال تعالى: ﴿وَمَا كَيْدُفِرْعَوْنَ
قال تعالى:
جِئْتُم بِهِ السّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ: إِنَّ اللّهَ لَا يُصْلِحُ إِلَّا فِ تَبَابٍ﴾ [غافر: ٣٧].
عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [يونس: ٨١].
فيخبر موسى الطاغية فرعون ومن معه
من السحرة بأن سحرهم باطل؛ لأنه من
عمل المفسدين الذين لا يحبهم الله ﴿وَاللهُ
﴾ [المائدة: ٦٤].
لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ
ولا يتم عملهم، ولا يجعل لهم التمكين
والغلبة في الأرض على عباده الموحدين،
فأذهب الله سحرهم بما أيد به نبيه موسی
عليه السلام من الآيات (١).
وقال تعالى: ﴿قَالَ مُوسَىَ أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا
جَاءَ كُمْ أَسِحْرُ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّحُونَ ﴾
[يونس: ٧٧].
قال الطبري رحمه الله: ((قوله: ﴿وَلَا يُفْلِحُ
السَّحِرُونَ﴾، يقول: ولا ينجح الساحرون
ولا يبقون)) (٢)
وما دام أن الساحر لا ينجح فسحره أيضًا
لا ینجح وهو -وإن حدث له تأثير بمشيئة
الله- إلى زوال وبطلان، فالفلاح معلق بكل
ما يحبه الله ويرضاه، وليس من قبيل ذلك
السحر.
وفرعون حينما استخدم الكيد ضد
موسى عليه السلام، كان من أعظم الكيد
السحر الذي أراد أن يصادم به الحقيقة التي
جاء بها موسى عليه السلام، وقد أخبر الله
تعالى في القرآن الكريم بأن کید فرعون في
«قال ابن عباس ومجاهد: يعني إلا في
خسار))(٣)، فكتب الله الخسارة والبطلان
علی کل الکید الذي جاء به فرعون وجنده
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٥/ ١٦٢.
(٢) المصدر السابق ١٥/ ١٥٦.
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧/ ١٤٤.
٣٢٨
ـَةُ النَّفْسِيَة
جومبو
القرآن الكريم