Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
الزُّقَز
عناصر الموضوع
مفهوم الزور
١٥٦
الزور في الاستعمال القرآني
١٥٧
الألفاظ ذات الصلة
١٥٨
مجالات الزور
١٦٠
التحذير من الزور
١٦٨
١٧٣
أحكام متعلقة بشهادة الزور
١٧٩
أثر انتشار الزور على الفرد والمجتمع
المُجَلَّدَ السَّابِعْ عَشَرِ

حرف الزاى
مفهوم الزور
أولًا: المعنى اللغوي:
قال ابن فارس: (((زور) الزاء والواو والراء: أصل واحد يدل على الميل والعدول، من
ذلك الزور: الكذب؛ لأنه مائل عن طريقة الحق. ويقال: زور فلان الشيء تزويرًا، إذا: هيأه؛
لأنه يعدل به عن طريقة تكون أقرب إلى قبول السامع))(١).
والزور في اللغة هو: الكذب، والباطل، وفعلهما (٢)، يقال: زّور فلان الكتاب والكلام
تزويرًا: إذا قواه وشدده، وسواه وحسنه؛ والكلام المزوّر أي: المحسن الذي يبدو حقيقيًا
وصوابًا (٣)، ثم يتكلم به؛ ومنه شهادة الزور؛ لأنه يقويها ويشددها ويحسنها ويشبهها بالشهادة
الصحيحة حتى يخيل إلى من يسمعه أو يراه، أنها خلاف ما هو عليه (٤).
والتزوير هو: التزيين والتحسين والتشبيه، وفعل الكذب والباطل، وأصل الزور: الميل
والعدول، وبهذا يكون المعنى اللغوي للزور أنه الكذب والباطل، وفعلهما بكل أشكالهما
وصورهما (٥).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
لا يختلف معنى الزور اصطلاحًا عن معناه اللغوي، الدال على الميل والانحراف، الذي
يصحبه تحسين للباطل، وإظهاره على غير حقيقته.
(١) مقاييس اللغة ٣٦/٣.
(٢) انظر: الزاهر في معاني كلمات الناس، الأنباري ١/ ٤٨٧.
(٣) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير ٢/ ٣١٨، لسان العرب، ابن منظور ٣٣٧/٤، تاج
العروس، الزبيدي ١١/ ٤٦٩.
(٤) انظر: جمهرة اللغة، ابن دريد ٢/ ٧١١.
(٥) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٣٨٦، المصباح المنير، الفيومي ١/ ٢٦٠، المعجم الوسيط،
مجمع اللغة العربية ٤٠٦/١.
مَشَوالَرُ النَفسِّية
القرآن الكريمِ
١٥٦

الروم
الزور في الاستعمال القرآني
وردت مادة (زور) في القرآن الكريم (٤) مرات(١).
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
المصدر
٤
﴿فَأَجْتَلِبُواْ الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَئِنِ وَأَجْتَنِبُواْ
قَوْلَ الزُّورِ ﴾ [الحج: ٣٠]
وجاء الزور في الاستعمال القرآني بمعناه اللغوي، الدال على الميل وانحراف، وتحسين
للباطل، والذي من صوره، الشرك، والكذب، وشهادة الزور، وغير ذلك (٢).
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص ٣٣٤.
(٢) انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ١٤٧/٣.
www. modoee.com
١٥٧

حرف الزاى
الألفاظ ذات الصلة
الكذب:
١
الكذب لغة:
نقيض الصدق(١)، قال ابن فارس: (((كذب) الكاف والذال والباء: أصل صحيح يدل على
خلاف الصدق»(٢).
الکذب اصطلاحًا:
قال الجرجاني: ((هو الإخبار عن الشيء على خلاف الواقع؛ سواء بالقول، أو بالإشارة،
أو بالسكوت»(٣).
الصلة بين الزور والكذب:
((أن الزور هو الكذب بعينه إلا أنه كذب محسن، مزين يخيل لمن سمعه أو رآه أنه على
خلاف ما هو به))(٤).
البهتان:
٢
البهتان لغة:
مشتقٌ من بهت الرجل يبهته بهتًا وبهتانًا فهو بهّات، أي: قال عليه ما لم يفعله، فهو مبهوتٌ،
والبهتان: افتراء(٥).
البهتان اصطلاحًا:
هو الافتراء على الغير، وهو: الخبر المكذوب الذي لا شبهة لکاذبه فیه؛ لأنّه یبهت من
ينقل عنه (٦).
الصلة بين الزور والبهتان:
أن الزور هو: الكذب الذي قد سوي وحسن في الظاهر؛ ليحسب أنه صدق، وهو من
قولك: زورت الشيء: إذا سويته وحسنته، وأما البهتان فهو مواجهة الإنسان بما لم يحبه (٧)،
(١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٧٠٤/١، المصباح المنير، الفيومي ٥٢٨/٢.
(٢) مقاييس اللغة ١٦٧/٥.
(٣) التعريفات ص٧٤.
(٤) جامع البيان ٣١٤/١٩.
(٥) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٨/ ١٠٠٠.
(٦) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٤٨/٢٨.
(٧) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص ٤٧.
مَشَارَةُ الْبَقِيم
القرآن الكريمِ
١٥٨

الزور
أي: الكذب الذي يواجه الإنسان به صاحبه على جهة المكابرة (١).
الافتراء:
٣
الافتراء لغةً:
الفرية: الكذب. فرى كذبًا فريًا وافتراه: اختلقه. ورجلٌ فريٌّ ومفرَّى وإنه لقبيح الفرية(٢).
الافتراء اصطلاحًا:
اختراع قضية لا أصل لها، أو هو: الكذب العظيم عن عمد(٣).
الصلة بين الزور والافتراء:
أنهما من أسماء الكذب، وأن كلَّ منهما يطلق على الشرك وعلى الكذب.
٤
الإفك :
الإفك لغة:
أفك إفگّا وأفوكا: کذب، وأفك فلانًا: جعله یکذب، وحرمه مراده (٤).
الإفك اصطلاحًا:
أعظم الكذب، وكل شيء في القرآن إفك فهو كذب (٥).
الصلة بين الزور والإفك:
أن كلَّ منهما من أسماء الكذب وأشده وأعظمه، إلا أن الإفك هو أشد الزور وأكذبه.
(١) انظر: تفسير آيات الأحكام، السايس ص ٢٤٨.
(٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٥٤/١٥.
(٣) انظر: مقاليد العلوم، السيوطي ص ٢٠٧، الكليات، الكفوي ص ١٥٤، دستور العلماء، القاضي
الأحمد نكري ١/ ٩٩.
(٤) انظر: القاموس المحيط، الفيروز آبادي ص٩٣١.
(٥) انظر: الكليات، الكفوي ص ١٥٣.
www. modoee.com
١٥٩

حرف الزاى
مجالات الزور
إن مجالات الزور من خلال القرآن
الكريم تكون في الأقوال والأفعال، وبيان
ذلك في النقاط الآتية:
أولًا: الزور في الأقوال:
يمكن تصنيف الأقوال التي وصفها الله
تعالى بأنها من قول الزور في النقاط الآتية:
١. أقوال الشرك بجميع أنواعها.
إن من الزور الشرك بالله تعالى بالقول:
﴿فَأَجْتَلِبُواْ الرِّجْسَ مِنَ اٌلْأَوْثَنِ
وَأَجْتَنِبُوَ أْ قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠].
قال الإمام الواحدي في تفسير قوله
تعالى: ﴿وَأَجْتَنِبُواْقَوْلَ الزُّورِ﴾: ((يعني:
الشرك بالله، وكان أهل الجاهلية يقولون في
تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شریگًا هو
لك، ويريدون: الصنم)) (١).
وكقولهم في الملائكة: قال تعالى:
﴿أَفَأَ صْفَتَكُتْ رَبُّكُمْ بِلْبَنِينَ وَأَّخَذَ مِنَ الْمَلَئِكَةِ
إِنَشَأَ إِنَّكُمْ لَنَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ [الإسراء: ٤٠].
وقال سبحانه: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِكَ الْبَنَاتُ
وَلَهُمُ الْبَنُونَ ﴿ أَمّ خَلَقْنَا الْمَلَتِكَةَ
إِنَثًا وَهُمْ شَهِدُونَ ، أَا إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ
وَلَدَ اللَّهُ وَلِنَهُمْ لَكَذِبُونَ
لَيَقُولُونَ
أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ [الصافات: ١٤٩-
(١) انظر: التفسير الوسيط ٢٧٠/٣.
فَضْو
جَوْسُورَة التَّقْتَ
الْقُرآن الكَرِيمِ
١٥٣].
وَجَعَلُواْ الْمَلَتِكَةَ
وقال عز وجل:
الَّذِينَ هُمْ عِبَدُ الرَّحْمِنِ إِنَشَّا أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ
سَتُكْتَبُ شَهَدَتُهُمْ وَيُسْشَلُونَ ﴿ وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ
الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَهُمْ مَّالَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلَّمٌ إِنْ هُمْ
إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الزخرف: ١٩-٢٠]
ومنه شرك اليهود والنصارى بقولهم:
وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ أَبْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ
النَّصَرَى الْمَسِيحُ أَبْنُ اللَّهِّ ذَلِكَ
قَوْلُهُم بِأَفْوَهِهِمْ يُضَهُونَ قَوْلَ الَّذِينَ
كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَسَنَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى
يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠].
أي: جميع الأقوال المحرمات التي
تدخل في العقيدة، إنها من قول الزور الذي
هو الكذب على الله تعالى (٢).
٢. التكذيب بالقرآن.
بين الله تعالى أن التكذيب بالقرآن من
القول الزور الباطل، ومن وضع الأشياء في
غير موضعها، ومن الكذب على الله تعالى.
قال سبحانه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ إِنْ هَذَآ
إِلَّ إِفْكُ أَفْتَرَنَّهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمُّ ءَاخَرُونٌَ فَقَدْ
جَهُ و ظُلْمًا وَزُورًا وَقَالُواْ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ
أَكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةٌ وَأَصِيلًاً
قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ أَلِرَّ فِ السَّمَوَتِ
[الفرقان:
وَاْأَرْضِّ إِنَّهُ، كَانَ غَفُورًا رَحِيًّا﴾
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٠٥٣٧
١٦٠

الزور
٤-٦].
يقول تعالى مخبرًا عن سخافة عقول
الجهلة من الكفار في قولهم عن القرآن:
وإِنْ هَذَآ إلّا إِنْقٌ﴾ أي: كذب افتراه، يعنون:
النبي صلى الله عليه وسلم، ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ
قَوْمُ ءَاخَرُونَ﴾ أي: واستعان على جمعه
بقوم آخرين، فقال الله تعالى: ﴿فَقَدْ جَآءُو
ظُلْمًا وَزُورًا﴾ [الفرقان: ٤].
أي: فقد افتروا هم قولًا باطلًا، وهم
يعلمون أنه باطل، ويعرفون كذب أنفسهم
فيما يزعمون.
قال الإمام ابن كثير: ((وهذا الكلام
لسخافته و کذبه وبهته منهم يعلم كل أحد
بطلانه، فإنه قد علم بالتواتر وبالضرورة أن
محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم
لم یکن یعاني شيئًا من الكتابة لا في أول
عمره ولا في آخره، وقد نشأ بين أظهرهم
من أول مولده إلى أن بعثه الله نحوًا من
أربعين سنة، وهم يعرفون مدخله ومخرجه
وصدقه ونزاهته وبره وأمانته وبعده عن
الكذب والفجور وسائر الأخلاق الرذيلة،
حتى إنهم كانوا يسمونه في صغره وإلى
أن بعث : الأمين؛ لما يعلمون من صدقه
وبره، فلما أكرمه الله بما أكرمه به نصبوا
له العداوة ورموه بهذه الأقوال التي يعلم
كل عاقل براءته منها، وحاروا فيما يقذفونه
به، فتارة من إفكهم يقولون: ساحر، وتارة
يقولون: شاعر، وتارة يقولون: مجنون،
وتارة يقولون: كذاب، وقال الله تعالى:
﴿أَنْظُرْ كَيّفَ ضَرَبُواْ لَكَ الْأَمْثَلَ فَضَلُواْ
فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ﴾ [الإسراء: ١٨].
وقال تعالى في جواب ما عاندوا
هاهنا وافتروا: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ أَلِرَّ
فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفرقان: ٦] الآية،
أي: أنزل القرآن المشتمل على أخبار
الأولين والآخرين إخبارًا حقًّا صدقًا
مطابقًا للواقع في الخارج، ماضيًا ومستقبلاً
الذي يعلم السر، أي: الله الذي يعلم غيب
السموات والأرض، ويعلم السرائر كعلمه
بالظواهر))(١).
وقال الإمام الرازي: ((إن الله تعالى
وصف كلامهم بأنه ظلم وبأنه زور، أما أنه
ظلم فلأنهم نسبوا هذا الفعل القبيح إلى
من كان مبرأ عنه، فقد وضعوا الشيء في
غير موضعه وذلك هو الظلم، وأما الزور
فلأنهم كذبوا فيه، وقال أبو مسلم: الظلم:
تكذيبهم الرسول والرد عليه، والزور:
کذبهم علیھم»(٢).
ثم رد الله سبحانه عليهم فقال: ﴿فَقَدْ
جَءُو ظُلْمًا وَزُورًا﴾، أي: فقد قالوا ظلمًا هائلًا
عظيمًا وكذبًا ظاهرًا، وانتصاب (ظلمًا)
بـ(جاءوا)، فإن جاء: قد يستعمل استعمال
(١) تفسير القرآن العظيم ٦/ ٨٥.
(٢) مفاتيح الغيب ٢٤/ ٤٣٣.
www. modoee.com
١٦١

حرف الزاى
أتى، ويعدى تعديته، وقال الزجاج: إنه
منصوب بنزع الخافض، والأصل: جاءوا
بظلم. وقيل: هو منتصب على الحال، وإنما
كان ذلك منهم ظلما؛ لأنهم نسبوا القبيح إلى
من هو مبرأ منه، فقد وضعوا الشيء في غير
موضعه، وهذا هو الظلم، وأما كون ذلك
منهم زورا فظاهر؛ لأنهم قد كذبوا في هذه
المقالة (١).
أي: فقد وضعوا الأشياء في غير
مواضعها، وكذبوا على ربهم؛ إذ جعلوا
القرآن -الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه
ولا من خلفه- إفكّا مفترى من قبل البشر،
وكيف يتقولون ذلك على الرسول وقد
تحداهم أن يأتوا بمثله، وهم ذوو اللسن
والفصاحة والغاية في البلاغة، فعجزوا
أن يأتوا بمثله، ولو كان ذلك في مكنتهم
ما ادخروا وسعًا في معارضته، وقد ركبوا
الصعب والذلول؛ ليدحضوا حجته، ويبطلوا
دعوته، فما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، ولو
کان محمد صلی الله عليه وسلم قد استعان
في ذلك بغيره لأمكنهم أيضًا أن يستعينوا هم
بغيرهم، فما مثله في اللغة إلا مثلهم.
قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَنَةٌ قُلْ فَأْتُواْ
بِسُورَ وِثْلِهِ، وَأَدْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّنِ دُونِ اللَّهِ إِن
كُمْ صَدِقِينَ﴾ [يونس: ٣٨].
(١) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٤ /٧٢، اللباب
في علوم الكتاب، ابن عادل ١٤/ ٤٧٧.
وقال سبحانه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَّةٌ قُلْ
فَأَنُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ، مُفْتَرَيَتٍ وَأَدْعُواْ مَنِ
أَسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ {
١٣
فَوْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ
وَأَنْ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هود:
١٣-١٤].
وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ إِنْ هَذَآ
إِلَّ إِفْكُّ أَفْتَرَهُ وَأَعَنَهُ, عَلَيْهِ قَوْمُ ءَاخَرُونٌَ فَقَدْ
جَهُ و ظُلْمًا وَزُورًا وَقَالُواْ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ
أَكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًاً
قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ السِّرَّ فِ السَّمَوَتِ
[الفرقان:
وَالْأَرْضِّ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيًّا﴾
٤-٦].
وقال جل شأنه: ﴿وَإِذَا لَتْلَ عَلَيْهِمْ ءَايَثُنَا
بَيْنَتِ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَِّ لَمَّا جَآءُهُمُ هَذَا سِحْرٌ
◌ُبِينُ ( أَمْ يَقُولُونَ أَقْتَرَهُ قُلْ إِنِ أَفْتَرَيْتُهُ، فَلَا
تَمْلِّكُونَ لِى مِنَ اللَّهِ شَيْئًاٌ هُوَ أَعْلَمُ بِمَا نُفِيضُونَ فِيَّهِ
كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِ وَبَيْنَكُنْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
[الأحقاف: ٧-٨](٢).
٣. تحريم ما أحل الله.
كما أن من الزور بالقول تحريم ما أحل
الله تعالى، وقيل أيضًا: شهادة الزور. وهذا
کله جائز.
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُّمَتِ
اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبَّةٍ وَأُحِلَّتْ
لَكُمُ الْأَنَْمُ إِلَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ
(٢) تفسير المراغي ١٥٠/١٨.
١٦٢
جَوَُّور
القرآن الكريم

الزور
فَأَجْتَنِبُواْ الرَّحْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُواْ
قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠].
والآية تدل على أنهم نهوا أن يحرموا ما
حرم أصحاب الأوثان نحو قولهم: ما في
بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم
على أزواجنا، ونحو: نحرهم البحيرة
والسائبة، فأعلمهم الله أن الأنعام محللة إلا
ما حرم الله منها، ونهاهم الله عن قول الزور
أن يقولوا: هذا حلال وهذا حرام؛ ليفتروا
على الله كذبًا(١).
وقد وصف الله تعالى هذا القول الزور
بأنه افتراء وكذب على الله تعالى: ﴿وَلَا
تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَنُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَلٌ
وَهَذَا حَرَامٌ لِنَفْتَّرُواْ عَلَى اللَّهِ اَلْكَذِبُّ إِنَّ الَّذِينَ
يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل:
١١٦] (٢) .
٤. جميع الأقوال المحرمة.
كما أن من الزور بالقول: الكذب وشهادة
الزور، وجميع الأقوال المحرمة، قال
تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُواْ الرَّحْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ
وَلَجْتَنِبُ أْ قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠].
أي: جميع الأقوال المحرمات، فإنها
من قول الزور الذي هو الكذب، ومن ذلك
شهادة الزور(٣).
(١) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٤٢٥/٣.
(٢) الكشاف، الزمخشري ٢/ ٧٢.
(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٠٥٣٧
والآية تدل على أن الله نھی عن الكذب
وقول الزور، وشهادة الزور، والنفاق، وكل
قول محرم؛ لأنه باطل، وهذا ما قال به أکثر
المفسرين (٤)
٠
٥. الظهار من الزوجة من القول
الزور.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُطھِرُونَمِنگُم ◌ِّن
نِسَابِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَتِهِمَّ إِنْ أُمَّهَتُهُمْ إِلَّا الَِّى
وَلَدْ نَهُمَّ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًاً
وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌ غَفُورٌ﴾ [المجادلة: ٢].
أخبر تعالى أن الظهار منكر وزور،
فالمنکر هو الذي لا تعرف له حقیقة، والزور:
هو الكذب، وإنما جعله كذبًا؛ لأن المظاهر
يصيّر امرأته كأمّه، وهي لا تصير كذلك
أبدًا؛ لأن قوله: أنت علي كظهر أمي، إما أن
يجعله إخبارًا أو إنشاء، وعلى التقدير الأول
أنه كذب؛ لأن الزوجة محللة والأم محرمة،
وتشبيه المحللة بالمحرمة فى وصف الحل
والحرمة كذب، وإن جعلناه إنشاء كان ذلك
أيضًا كذبًا؛ لأن كونه إنشاء معناه: أن الشرع
جعله سببًا في حصول الحرمة، فلما لم يرد
الشرع بهذا التشبيه، كان جعله إنشاء في
وقوع هذا الحکم یکون كذبًا وزورًا، وقال
بعضهم: إنه تعالى إنما وصفه بكونه: منكرًا
(٤) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج
٤٢٥/٣، النكت والعيون، الماوردي ٤ / ٢٢،
التفسير الوسيط، الواحدي ٣/ ٢٧٠.
www. modoee.com
١٦٣

حرف الزاى
من القول وزورًا؛ لأن الأم محرمة تحريمًا وهجرانها في المضاجع إذا جمحت ولم
يعط ذلك لابن ليعامل به أمه، فهذا زور
(٣)
وبهتان عظيم "
٠
مؤبدًا، والزوجة لا تحرم عليه بهذا القول
تحريمًا مؤبدًا، فلا جرم كان ذلك منكرًا
من القول وزورًا، وهذا الوجه ضعيف؛
لأن تشبيه الشيء بالشيء لا يقتضي وقوع
المشابهة بينهما من كل الوجوه، فلا يلزم من
تشبيه الزوجة بالأم في الحرمة تشبيهها بها
في كون الحرمة مؤبدة، لأن مسمى الحرمة
أعم من الحرمة المؤبدة والمؤقتة (١).
وهذا تشبيه باطل؛ لتباين الحالين إن
أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم يريد أن الأمهات
على الحقيقة إنما هن الوالدات وغيرهن
ملحقات بهن؛ لدخولهن في حكمهن،
فالمرضعات أمهات (٢).
ثم زاد الأمر إيضاحًا وبالغ في
الاستهجان؛ توبيخًا لهم على صنيعهم فقال:
﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ اُلْقَوْلِ وَزُورًا﴾
أي: وإنهم ليقولون قولًا منكرًا لا يجيزه
شرع، ولا يرضى به عقل، ولا يوافق عليه
ذو طبع سلیم، فکیف تشبه من یسکن إليها
وتسكن إليه وجعل الله بينه وبينها مودة
ورحمة، وصلة خاصة لا تكون لأم ولا
لأخت، بمن جعل صلتها بابنها صلة الكرامة
والحنو والإجلال والتعظيم؟ إلا أن الرجل
قوام على المرأة له حق تأديبها إذا اعوجت،
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٩/ ٤٨١.
(٢) انظر: الكشاف، الزمخشري ٤/ ٤٨٥.
وأما حكم الظهار فإنه معصية ومحرم لا
وَتِلْكَ حُدُودُ
يجوز إيقاعه؛ لقوله بعده:
اللَّهِ﴾ [المجادلة: ٤].
فإيقاع الظهار معصية، ويكونه معصية
فسر ابن عطية قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ
مُنكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ بالحرام، وبذلك
أيضًا فسر القرطبي قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ
حُدُودُ اللَّهِ﴾ وقال ابن الفرس: ((هو حرام لا
يحل إيقاعه. ودل على تحريمه ثلاثة أشياء:
أحدها: تكذیب الله تعالی من فعل ذلك.
الثاني: أنه سماه منكرًا وزورًا، والزور
الكذب، وهو محرم بإجماع.
الثالث: إخباره تعالى عنه بأنه يعفو عنه
ويغفر، ولا يعفي ويغفر إلا على المذنبين)).
وأقوال فقهاء الحنفية تدل على أن الظهار
معصية، ولم يصفه أحد من المالكية ولا
الحنفية بأنه كبيرة، ولا حجة في وصفه في
الآية بزور؛ لأن الكذب لا یکون كبيرة إلا إذا
أفضى إلى مضرة (٤).
وكعادة القرآن الكريم في قرن الترهيب
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٢٨/٢٣، النكت
والعيون، الماوردي ٤٨٩/٥، تفسير القرآن،
السمعاني ٣٨٣/٥، تفسير القرآن العظيم، ابن
كثير ٨/ ٧٠، تفسير المراغي ٦/٢٨.
(٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٣/٢٨.
١٦٤
جوية
القرآن الكريمِ

الزور
بالترغيب، حتى لا تيأس النفوس من رحمة الكذب. وروي عن مجاهد أيضًا، والأولى
الله، ختمت الآية الكريمة بما يدل على عدم التخصيص بنوع من أنواع الزور، بل
فضله تعالی.
فقال: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُؤُّ غَفُورٌ﴾ أي: وإن
الله تعالی لکثیر العفو والمغفرة، لمن تاب
إليه سبحانه وأناب وأقلع عن تلك الأقوال
والأفعال التي يبغضها سبحانه (١).
ثانيًا: الزور في الأفعال:
وصف سبحانه عباد الرحمن: ﴿ وَأَلَّذِينَ
لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢].
أي: لا یشهدون الشهادة الكاذبة، أو لا
يحضرون الزور، وإلى الثاني ذهب جمهور
المفسرين، قال الزجاج: الزور في اللغة
الكذب ولا كذب فوق (الشرك) بالله،
قال الواحدي: ((أكثر المفسرين على أن
الزور هاهنا: بمعنى الشرك، والحاصل: أن
يشهدون إن كان من الشهادة، ففي الكلام
مضاف محذوف، أي: لا يشهدون شهادة
الزور، وإن كان من الشهود والحضور
-كما ذهب إليه الجمهور- فقد اختلفوا في
معناه، فقال قتادة: لا يساعدون أهل الباطل
على باطلهم، وقال محمد بن الحنفية: لا
يحضرون اللهو والغناء، وقال ابن جريج:
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٢٨/٢٣،
النكت والعيون، الماوردي ٤٨٩/٥، تفسير
القرآن، السمعاني ٣٨٣/٥، التفسير الوسيط،
طنطاوي ١٤/ ٢٤٧.
المراد: الذين لا يحضرون ما يصدق عليه
اسم الزور كائنًا ما كان، ﴿وَإِذَا مَنُواْبِاللَّغْوِ مَنُواْ
كِرَامًا﴾ أي: معرضين عنه غير ملتفتين
إليه، واللغو: كل ساقط من قول أو فعل. قال
الحسن: اللغو: المعاصي كلها))(٢).
قال ابن جرير: (فإذا كان ذلك كذلك،
فأولى الأقوال بالصواب في تأويله أن يقال:
والذین لا یشهدون شيئًا من الباطل لا شرگًا،
ولا غناء، ولا كذبًا ولا غيره، وكل ما لزمه
اسم الزور؛ لأن الله عم في وصفه إياهم
أنهم لا يشهدون الزور، فلا ينبغي أن يخص
من ذلك شيء إلا بحجة يجب التسليم لها،
من خبر أو عقل))(٣).
فمعنى: ﴿وَاُلَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾
أي: لا يحضرون الباطل في أي لون من
ألوانه قولًا أو فعلًا أو إقرارًا، وكل ما خالف
الحق.
لذلك يقول الحق سبحانه في موضع
آخر: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ اللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ
لَّا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ سَلَمْ عَلَيْكُمْ لَاَنَبْنَغِى
اٌلْجَهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥].
ويقول سبحانه: ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ
فَلَ نَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىْ مَعَ الْقَوْمِ الظَّلِينَ﴾
(٢) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٤ /١٠٣.
(٣) جامع البيان ٣١٤/١٩.
www. modoee.com
١٦٥

حرف الزاى
[الأنعام: ٦٨].
وقال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِنَبِ
أَنّ إِذَا سَمِعْتُمْ مَايَتِ اَللَّهِ يُكْفَرُبِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا
نَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِوَةٌ إِنَّكُنْ
إِذَّا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَفِقِينَ وَالْكَفِرِينَ فِى
جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٤٠](١).
أي: لا یحضرون الكذب والباطل ولا
یشاهدونه. والزور: کل باطل زوّر وزخرف،
وأعظمه الشرك وتعظيم الأنداد. وبه فسر
الضحاك وابن زيد وابن عباس، وفي رواية
وهذه أيضًا من صفات عباد الرحمن أنهم
لا يشهدون الزور، قيل: هو الشرك وعبادة
الأصنام، وقيل: الكذب والفسق والكفر
عن ابن عباس أنه أعياد المشركين. وعن واللغو والباطل، وقال محمد ابن الحنفية:
هو اللغو والغناء. وقال أبو العالية وطاووس
عكرمة: اللعب (٢).
وابن سيرين والضحاك والربيع بن أنس
﴿﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ أي:
لا يحضرون الزور أي: القول والفعل
المحرم، فيجتنبون جميع المجالس
المشتملة على الأقوال المحرمة أو الأفعال
المحرمة، كالخوض في آيات الله والجدال
الباطل والغيبة والنميمة والسب والقذف
والاستهزاء والغناء المحرم وشرب الخمر
وفرش الحرير، والصور ونحو ذلك، وإذا
كانوا لا يشهدون الزور فمن باب أولى
وأحرى أن لا يقولوه ويفعلوه.
وغيرهم: هي أعياد المشركين .. وقال
عمرو بن قيس: هي مجالس السوء والخنا،
وقال مالك عن الزهري: شرب الخمر لا
يحضرونه ولا يرغبون فيه، كما جاء في
الحديث: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر،
فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر) (٤).
والأظهر من السياق أن المراد: لا
يشهدون الزور، أي: لا يحضرونه، ولهذا
قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُواْ بِلَّغْوِ مَنُوا كِرَامًا﴾
وشهادة الزور داخلة في قول الزور
تدخل في هذه الآية بالأولوية.
(١) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٤ / ٧٧،
تفسير الشعراوي ١٧ /١٠٥١٧.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٢٢/١٧،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٧٩/١٣.
﴿وَإِذَا مَرُواْ بِاللَّغْوِ﴾ وهو الكلام الذي لا
خير فيه ولا فيه فائدة دينية ولا دنيوية ككلام
السفهاء ونحوهم ﴿مَرُوا كِرَامًا﴾ أي:
نزهوا أنفسهم وأكرموها عن الخوض فيه،
ورأوا أن الخوض فیه -وإن کان لا إثم فيه-
فإنه سفه ونقص للإنسانية والمروءة، فربئوا
بأنفسهم عنه(٣).
(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص ٥٨٧.
(٤) أخرجه النسائي في السنن الكبرى رقم
٦٧٠٨، ٢٥٧/٦، والحاكم في المستدرك
رقم ٣٢٠/٤،٧٧٧٩.
وحسنه الألباني في صحيح الجامع، رقم
٠١١٠٩/٢،٦٥٠٦
صَوْسُو ◌َرُ النَّفسِّ
القرآن الكريم
١٦٦

الزور
أي: لا يحضرون الزور، وإذا اتفق مرورهم
به مروا ولم يتدنسوا منه بشيء، ولهذا قال:
﴿مَنُ وَأَكِرَامًا﴾(١).
المعنى: على الاحتمال الأول: والذين
لا يحضرون مشاهدة الباطل والإثم في كل
مجلس تتعدى فيه الحدود، أو تنتهك فيه
الحرمات، أو يحكم فيه بالجور أو تعظم فيه
الطواغيت، أو يدعى فيه بدعوى الجاهلية،
أو تحيى فيه معالم الوثنية، أو تطمس فيه
السنة النبوية، أو يدعی فیه أحد مع الله، أو
یضرع إلى سواه.
وعلى الاحتمال الثاني: والذين لا
یشهدون شهادة الزور ولا يخبرون إلاّ بالحق
الواقع. ترجيع وترجيح:
يلزم من أنهم لا يشهدون مشاهدة الباطل
أنهم لا یشهدون بالزور؛ لوجهين:
الأول: لأنهم إذا كانوا لا يحضرون
مجالس الباطل فبالأحرى أنهم لا يقولونه.
والثاني: أن مشهد شهادة الزور من
مشاهد الباطل التي لا يحضرونها؛ فيكون
الوجه الأول أولى؛ لأنه أشمل.
﴿وَإِذَا مَرُواْ بِاللَّغْوِ﴾ وهو الكلام الذي لا
فائدة فيه، دينية ولا دنيوية، ككلام السفهاء
ونحوهم، ﴿مَرُوا كِرَامًا﴾ أي: نزهوا
أنفسهم وأكرموها عن الخوض فيه، ورأوه
سفها منافيا لمكارم الأخلاق.
وفي قوله: ﴿وَإِذَا مَرُواْ بِاللَّغْوِ﴾ إشارة إلى
أنهم لا يقصدون حضوره، ولا سماعه،
ولكن يحصل ذلك بغير قصد، فيكرمون
أنفسهم عنه(٢).
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١١٨/٦. (٢) انظر: تيسير اللطيف المنان، السعدي ص٦٦.
www. modoee.com
١٦٧

حرف الزاى
التحذير من الزور
هناك أساليب ذكرها القرآن الكريم في
التحذير من الزور، وهي الأمر بالاجتناب،
والتشنيع بأهله، والثناء على تارکیه، ویمکن
بيان ذلك في النقاط الآتية:
أولًا: الأمر بالاجتناب:
إن من الأساليب التي ذكرها القرآن
الكريم في التحذير من الزور بكل صوره
وأشكاله الأمر بالاجتناب، عما هو أقصى
وَاجْتَنِبُواْ قَوْلـ
المحرمات قال تعالى:
[الحج: ٣٠].
﴿وَأَجْتَنِبُواْ قَوْلَ
فقوله تعالی:
الزُّورِ﴾ تعميم بعد تخصيص، فإن عبادة
الأوثان رأس الزور لما فيها من ادعاء
الاستحقاق، كأنه تعالى لما حث على تعظيم
الحرمات أتبع ذلك بما فيه رد لما كانت
الكفرة عليه من تحريم البحائر والسوائب
ونحوهما، والافتراء على الله تعالى بأنه
حكم بذلك، ولم يعطف قول الزور على
الرجس، بل أعاد العامل؛ لمزيد الاعتناء،
والمراد من الزور: مطلق الكذب، وهو
من الزور بمعنى: الانحراف، فإن الكذب
منحرف عن الواقع، والإضافة بيانية.
وقيل: هو أمر باجتناب شهادة الزور؛ لما
أخرج أحمد وأبو داود وابن ماجه والطبراني
وغيرهم عن ابن مسعود: أنه صلى الله عليه
وسلم صلى صلاة الصبح، فلما انصرف
قائمًا قال: (عدلت شهادة الزور الإشراك بالله
تعالی) ثلاث مرات، ثم تلا هذه الآية (١)(٢).
والزور: الباطل والكذب. وسمي زورًا؛
لأنه أميل عن الحق، ومنه: ﴿تَزَوَرُ عَن
كَهْفِهِمْ﴾ [الكهف: ١٧].
ومدينة زوراء، أي: مائلة، و کل ما عدا
الحق فهو كذب وباطل وزور، وهذه الآية
تضمنت الوعيد على الشهادة بالزور،
وينبغي للحاكم إذا عثر على الشاهد بالزور
أن يعززه وينادي عليه؛ ليعرف؛ لئلا يغتر
بشهادته أحد، ويختلف الحكم في شهادته
إذا تاب، فإن كان من أهل العدالة المشهور
بها المبرز فيها لم تقبل؛ لأنه لا سبيل إلى
علم حاله في التوبة؛ إذ لا يستطيع أن يفعل
من القربات أكثر مما هو علیه، وإن کان دون
ذلك فشمر في العبادة وزادت حاله في التقى
قبلت شهادته.
(١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأقضية،
باب في شهادة الزور، ٣٠٥/٣، رقم ٣٥٩٩،
والترمذي في سننه، أبواب الشهادات عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء
في شهادة الزور، ٤ /٥٤٧، رقم ٢٢٩٩، وابن
ماجه في سننه، كتاب الأحكام، باب شهادة
الزور، ٢/ ٧٩٤، رقم ٢٣٧٢.
ضعفه ابن حجر في التلخيص الحبير
٤/ ٤٦٠، والألباني في الجامع الصغير
وزيادته، رقم ٦٣٨٧.
(٢) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٤٢٥/٣،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٢/ ٥٥.
١٦٨
جوبي
الْقُرآن الكَرِيْمِ

الزور
وفي الصحيح من حديث أبي بكرة رضي
الله عنه عن النبي صلی الله علیه وسلم أنه
قال: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر) قلنا: بلی یا
رسول الله، قال: (الإشراك بالله، وعقوق
الوالدين)، وكان متكئًا فجلس فقال: ( ألا
وقول الزور، وشهادة الزور، ألا وقول الزور،
وشهادة الزور) فما زال یقولها، حتى قلت:
لا يسكت)(١).
وجمع بين الشرك وقول الزور أي:
الكذب والبهتان أو شهادة الزور، وهو من
الزور، وهو الانحراف؛ لأن الشرك من باب
الزور؛ إذ المشرك زاعم أن الوثن يحق له
دة (٢)
العبادة
قال محمد رشيد رضا: «إنه جعل الأمر
بتركهما من مادة الاجتناب وهو أبلغ من
الترك؛ لأنه يفيد الأمر بالترك مع البعد عن
المتروك بأن یکون التارك في جانب بعید عن
جانب المتروك -كما تقدم-، ولذلك نرى
القرآن لم يعبر بالاجتناب إلا عن ترك الشرك
والطاغوت الذي يشمل الشرك والأوثان
وسائر مصادر الطغيان، وترك الكبائر عامة،
وقول الزور الذي هو من أكبرها، قال
تعالى: ﴿فَأَجْتَنِبُواْالرَّحْسَ مِنَ الْأَوْثَنِ
وَأَجْتَنِبُ أْ قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠].
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب،
باب عقوق الوالدين من الكبائر، رقم ٥٩٧٦،
٤/٨.
(٢) انظر: مدارك التنزيل، النسفي ٤٣٩/٢.
وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِ كُلِّ أُمَِّ رَسُولًا
أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:
٣٦].
كما قال: ﴿وَالَّذِينَ أَجْتَنَبُواْ الطَّهُوتَ أَنْ
يَعْبُدُوهَا﴾ [الزمر: ١٧].
﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَرَ آلْإِثْمِ
وقال:
وَالْفَوَِّشَ إِلََّّ الََّمَ﴾ [النجم: ٣٢]»(٣).
قال الشنقيطي: ((وفي هذه الآية الكريمة
الأمر باجتناب عبادة الأوثان، ويدخل في
حکمها، ومعناها عبادة كل معبود من دون
الله كائناً من كان، وهذا الأمر باجتناب عبادة
غير الله المذكور هنا، جاء مبيناً في آيات
كقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِ كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا
أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:
٣٦].
وبين تعالى أن ذلك شرط في صحة
إيمانه بالله في قوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِلَّغُوتِ
وَيُؤْمِنْ بِاَللَّهِ فَقَدِ أَسْتَمْسَكَ بِلْعُرْوَةِ الْوُثْقَى
لَا أَنْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦].
وأثنى الله على مجتنبي عبادة الطاغوت
المنیبین لله، وبین أن لهم البشرى، وهي ما
يسرهم عند ربهم في قوله تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ
أَجْتَبُوا الَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَبُواْ إِلَى اللَّهِ لَهُمُ
الْبُشْرَى﴾ [الزمر: ١٧].
وقد سأل إبراهيم ربه أن يرزقه اجتناب
عبادة الطاغوت، في قوله تعالى: ﴿وَأَجْتُبْنِى
(٣) المنار، محمد رشيد رضا ٧/ ٥٤.
www. modoee.com
١٦٩

حرف الزاى
وَبَنِىَّ أَنْ نَّعْبُدَ اْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥].
والأصنام تدخل في الطاغوت دخولًا
أوليًّا))(١).
وقال في موضع آخر: ((وإذا علمت ذلك
فاعلم أنه هنا قال: واجتنبوا قول الزور بصيغة
عامة، ثم بين في بعض المواضع بعض أفراد
قول الزور المنهي عنه كقوله تعالى في
الكفار الذين كذبوه صلى الله عليه وسلم:
﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوْ إِنْ هَذَآ إِلَّ إِقٌْ أَفْتَرَهُ وَأَعَانَهُ.
عَلَيْهِ قَوْمُ ءَاخَرُونٌَ فَقَدْ جَءُو ظُلْمًا وَزُورًا﴾
[الفرقان: ٤].
فصرح بأن قولهم هذا من الظلم والزور،
وقال في الذین یظاهرون من نسائهم، ويقول
الواحد منهم لامرأته: أنت عليّ كظهر أمي:
﴿اَلَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِنكُم مِّن نِسَابِهِم مَّا هُنَ
أُمَّهَتِهِمَّ إِنْ أُمَّهَنتُهُمْ إِلَّا أَّتِى وَلَدْنَهُمَّ وَإِنَّهُمْ
لَيَقُولُونَ مُنكَرًّا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورَاً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوُّ
﴾ [المجادلة: ٢].
غَفُورٌ﴾
فصرح بأن قولهم ذلك منکر وزور،
وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي بكرة
رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟)
قلنا: بلی یا رسول الله صلی الله عليه وسلم
قال: (الإشراك بالله وعقوق الوالدين) و کان
متكئًا فجلس فقال: (ألا وقول الزور ألا
وشهادة الزور) فما زال يكررها حتى قلنا:
(١) انظر: أضواء البيان ٥/ ٢٥٥.
لیته سكت(٢).
وقد جمع تعالى هنا بين قول الزور
والإشراك به تعالى في قوله: ﴿فَأَجْتَنِبُواْ
الرَّجْسَ مِنَ الْأَوْثَنِ وَأَجْتَنِبُواْ قَوْلَـ
الزُّورِ ) حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج:
٣١،٣٠].
وكما أنه جمع بينهما هنا، فقد جمع
بينهما أيضًا في غير هذا الموضع كقوله:
﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِيَ الْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطْنَ
وَآلْإِثْمَ وَالْبَغَْ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ
يُنَزِّلّ ◌ِه سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ ﴾
[الأعراف: ٣٣]؛ لأن قوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى
اللَّهِمَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ هو قول الزور، وقد أتى
مقرونًا بقوله: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَوْ يُنَزِّلْ إِه
سُلْطَانًا﴾ وذلك يدل على عظمة قول الزور؛
لأن الإشراك بالله قد يدخل في قول الزور،
کادعائهم الشركاء، والأولاد لله، وكتكذيبه
صلى الله عليه وسلم فكل ذلك الزور فيه
أعظم الكفر والإشراك بالله، نعوذ بالله من
كل سوء»(٣).
وعموم الأمر باجتناب قول الزور
وجيهة، حتى ولو صحّ أن الجملة من الوجهة
الزمنية ومقام ورودها قد عنت تلك الصيغة،
ويوجب على المسلم أن يتجنب الزور وقول
الزور وشهادة الزور في كل ظرف ومكان؛
(٢) سبق تخريجه قريبًا.
(٣) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٢٥٦/٥.
١٧٠
القرآن الكريمِ

الزور
لما في ذلك من عظيم البغي والضرر والشرّ، نسائهم: ﴿الَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِنكُم مِّن نِسَآءِهِم
حتى استحقّ وصف الرسول الأعظم له بأنه مَّا هُنَّ أُمَّهَتِهِمَّ إِنْ أُمَّهَنْتُهُمْ إِلَّا أَّتِى وَلَدْنَهُؤَّ
وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورَاً وَإِنَّ
من أكبر الكبائر وبأنه يعدل الشرك (١).
اللَّهَ لَعَفُوٌ غَفُورٌ﴾
● [المجادلة: ٢].
والتعبير بقوله تعالى: ﴿وَأَجْتَنِبُواْ﴾ أبلغ
من التعبير بلفظ حرم؛ لأنه يفيد التحريم
وزيادة، وهو التنفير والابتعاد عنه بالكلية(٢).
کما تفید الآية وجوب التباعد عن قول
الزور كما يجب أن يتباعد عن الشرك (٣).
ثانيًا: التشنيع بأهله:
شنع الله تعالى على القائل بالزور بأن
رفع الذكر بالقبيح الذي قالوه: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ
كَفَرُوَاْ إِنْ هَذَآَ إِلَّ إِفْكُ أَفْتَرَهُ وَأَعَنَهُ, عَلَيْهِ قَوْمُ
ءَآخَرُونٌَ فَقَدْ جَهُوظُلْمًا وَزُورًا﴾ [الفرقان: ٤].
أي: إن الله تعالى شنع على هؤلاء
العصاة الذين لم يستجيبوا لدعوة النبي
إلى الإسلام، وإنما افتروا على الله الكذب
بوصف المعجزات بأنها سحر، ثم ذكر
غرضهم من الافتراء، وهو محاولة إبطال
دين الله وإطفاء نوره وشرعه، والحال أن
الله متم نوره، ومظهر دينه على الأديان
كلها (٤).
كما شنع سبحانه على المظاهرين من
(١) التفسير الحديث، محمد دروزة ٤٦/٦.
(٢) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٣٤/٧.
(٣) انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي
٣٩٩/٢.
(٤) انظر: الفائق في غريب الحديث، الزمخشري
٢/ ٢٦٤.
فقد وصف الله تعالى قولهم: ﴿وَإِنَّهُمْ
لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ
لَعَفُوٌ غَفُورٌ﴾،أي: وإن هؤلاء المظاهرين
ليقولون بهذا قولًا منكرًا، أي : فظيعًا ينكره
الشرع ويقبحه ولا يجيزه، كما لا يقره عقل،
﴿وَزُورًا﴾، أي: كذبًا، وإن الله كثير العفو
والمغفرة؛ إذ جعل الكفارة عليهم مخلصة
لهم عن هذا المنکر، كما أن الله غفور لمن
أذنب وتاب، وغفور من غير توبة لمن يشاء،
كما قال: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾
[النساء: ٤٨].
یتبین منه أن الله وصف الظهار بأنه منکر
وزور؛ لتشبيه الزوجة بالأم، فهو خبر زور
كذب، وإنشاء منكر ينكره الشرع ولا يعرفه،
وهو يدل على أن الظهار محرم، وهو أيضًا
عند الشافعية معصية كبيرة؛ لأن فيه الإقدام
علی إحالة حكم الله تعالی وتبدیله بدون
إذنه سبحانه، ولأن المقدم علی ذلك كاذب
معاند للشرع (٥).
ثالثًا: الثناء على تارکیه:
أثنى الله سبحانه وتعالى على الذين لا
(٥) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ١٣/٢٨.
www. modoee.com
١٧١

حرفالناى
يشهدون الزور.
قال تعالى: ﴿ وَأَلَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ
وَإِذَا مَرُ واْ بِاللَّغْوِ مَنُ واكِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢].
ثم بين ثوابهم فقال عز وجل: ﴿أُوْلَهُكَ
يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا
◌َِّيَّةً وَسَلَمًا﴾ [الفرقان: ٧٥].
يعني: غرف الجنة كقوله: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ
أَنَّقَوَّْ رَبَّهُمْ لَهُمْ عُرَفُ مِّنِ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِى
مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَزِّ وَعْدَ اللّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ
[الزمر: ٢٠].
﴿بِمَاصَبَرُواْ﴾ يعني: صبروا على أمر الله
تعالى في الدنيا، وعلى الطاعة ﴿وَيُلَقَّوْنَ
فِيهَا﴾ يعني: في الجنة ﴿نَِّيَّةٌ﴾ يعني:
التسليم ﴿وَسَلَامًا﴾ يعني: سلام(١).
(والزور: هو الكذب والباطل، ولا
يشاهدونه وإلى الثاني ذهب جمهور
المفسرين، قال الزجاج: الزور في اللغة
الكذب ، ولا كذب فوق الشرك بالله،
قال الواحدي: أكثر المفسرين على أن
الزور هاهنا: بمعنى الشرك، والحاصل
أن ﴿يَشْهَدُونَ﴾ إن كان من الشهادة،
ففي الكلام مضاف محذوف، أي: ﴿لَا
يَشْهَدُونَ﴾ شهادة الزور وإن كان من
الشهود والحضور، كما ذهب إليه الجمهور
فقد اختلفوا في معناه، فقال قتادة: لا
(١) انظر: تفسير السمر قندي ٢/ ٥٤٧، البحر
المحيط، أبو حيان ١٣٢/٨.
يساعدون أهل الباطل على باطلهم، وقال
محمد بن الحنفية: لا يحضرون اللهو
والغناء، وقال ابن جريج: الكذب. وروي
عن مجاهد أيضًا، والأولى عدم التخصيص
بنوع من أنواع الزور، بل المراد الذين لا
يحضرون ما يصدق عليه اسم الزور كائنًا
ما كان، ﴿وَإِذَا مَرُواْ بِاللَّغْوِ مَنُ واكِرَامًا﴾ أي:
معرضين عنه غير ملتفتين إليه، واللغو:
كل ساقط من قول أو فعل، قال الحسن:
اللغو: المعاصي كلها، وقيل: المراد مروا
بذوي اللغو، يقال: فلان يكرم عما يشينه،
أي: يتنزه ويكرم نفسه عن الدخول في
اللغو والاختلاط بأهله، ﴿وَأَلَّذِينَ إِذَا
ذُكِّرُواْ بِثَايَتِ رَبِّهِمْ﴾ أي: بالقرآن، أو
بما فيه موعظة وعبرة ﴿لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمَّا
وَهُمْيَانًا﴾ أي: لم يقعوا عليها حال كونهم
صما وعمیانا، ولكنهم أکبّوا عليها سامعين
مبصرين، وانتفعوا بها، قال ابن قتيبة: المعنى
لم يتغافلوا عنها، کأنهم صم لم يسمعوها،
وعمي لم يبصروها))(٢).
كما جاء في الحديث الذي رواه جابر
رضي الله عنه: (من كان يؤمن بالله واليوم
الآخر، فلا يجلس على مائدة يدار عليها
الخمر)(٣)
(٢) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٤/ ٨٩.
(٣) أخرجه النسائي في السنن الكبرى رقم
٦٧٠٨، ٢٥٧/٦، والحاكم في المستدرك
رقم ٣٢٠/٤،٧٧٧٩.
١٧٢
جَوَسُولَةُ النَّفِيَّة
الْقُرآن الكَرِيمِ

الروس
لا يحضرون من المشاهدة، والزور:
الشرك والصنم أو الكذب أو آلة الغناء أو
أعياد النصارى(١).
قال سيد قطب: ((وبعد هذا البيان
المعترض يعود إلى سمات عباد الرحمن:
﴿ وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُواْ بِاللَّغْوِ
مَرُوا كِرَامًا﴾ .. وعدم شهادة الزور قد
تكون على ظاهر اللفظ ومعناه القريب، أنهم
لا يؤدون شهادة زور، لما في ذلك من تضييع
الحقوق، والإعانة على الظلم. وقد يكون
معناها الفرار من مجرد الوجود في مجلس
أو مجال يقع فيه الزور بكل صنوفه وألوانه؛
ترفعًا منهم عن شهود مثل هذه المجالس
والمجالات. وهو أبلغ وأوقع. وهم كذلك
يصونون أنفسهم واهتماماتهم عن اللغو
والهذر: ﴿وَإِذَا مَرُواْ بِاللَّغْوِ مَنُ وا كِرَامًا﴾ لا
يشغلون أنفسهم به، ولا يلوثونها بسماعه
إنما يكرمونها عن ملابسته ورؤيته بله
المشاركة فيه! فللمؤمن ما يشغله عن اللغو
والهذر، وليس لديه من الفراغ والبطالة ما
يدفعه إلى الشغل باللغو الفارغ، وهو من
عقيدته ومن دعوته ومن تكاليفها في نفسه
وفي الحياة كلها في شغل شاغل))(٢).
أحكام متعلقة بشهادة الزور
هناك أحكام متعلقة بشهادة الزور تدل
على مدى اهتمام الشريعة الإسلامية بهذه
الشهادة، وهذه الأحكام يمكن ذكرها
باختصار كما يأتي:
أولًا: حكم شهادة الزور:
لا خلاف بين الفقهاء بأن شهادة الزور
من أكبر الكبائر، وأنها محرمة شرعًا،
وقد نهى الله تعالى عنها في كتابه مع نهيه
عن الأوثان، فقال تعالى: ﴿فَأَجْتَنِبُواْ
الرّحْسَ مِنَ الْأَوْثَنِ وَلَحْتَنِبُواْ قَوْلَ
الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠](٣).
ونھی عنها رسوله صلی الله عليه وسلم
بقوله: (ألا أنبئكم بأکبر الكبائر؟) قلنا: بلى
يا رسول الله، قال ثلاثا: (الإشراك بالله،
وعقوق الوالدين) -وكان متكئًا- فقال: (ألا
وقول الزور، وشهادة الزور، ألا وقول الزور،
وشهادة الزور) فما زال يقولها حتى قلنا: ليته
سكت (٤).
وبما رواه خريم بن فاتك الأسدي رضي
الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم
صلى صلاة الصبح فلما انصرف قام قائمًا،
فقال: (عدلت شهادة الزور الإشراك بالله)،
وحسنه الألباني في صحيح الجامع، رقم
١١٠٩/٢،٦٥٠٦.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٤٨/٨، معاني
القرآن وإعرابه، الزجاج ٤٢٥/٣
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١١٨/٦. (٤) أخرجه البخاري، كتاب الشهادات، باب ما
قيل في شهادة الزور، ١٧١/٣، رقم ٢٦٥٤.
(٢) في ظلال القرآن ٢٥٨٠/٥.
www. modoee.com
١٧٣

حرف الراى
الرَّحْسَ مِنَ الْأَوْثَنِ وَأَجْتَنِبُواْ قَوْلَ
الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠])(١).
ثلاث مرات، ثم تلاهذه الآية: ﴿فَاجْتَنِبُواْ أنه شاهد زور: فقد ذهب جمهور الفقهاء
إلى أن شهادة الزور لا تثبت إلا بالإقرار؛
لأنه لا تتمكن تهمة الكذب في إقراره على
نفسه، ولا تثبت عندهم بالبيئة؛ لأنها نفي
وشهادة الزور جريمة خلقية شائنة تتنافى
مع النظام العمراني، وتفضي إلى الفوضى
في كل نواحي الحياة، فهي شر مستطير،
يجب على الناس أن ينزهوا أنفسهم عنها
تنزيهًا تامًا(٢).
لشهادته، والبينة حجة للإثبات دون النفي،
وقد تعارضت البينتان، فلا يعزر في تعارض
البينتين، أو ظهور فسقه أو غلطه في الشهادة؛
لأن الفسق لا يمنع الصدق، والتعارض لا
يعلم به كذب إحدى البينتين بعينها، والغلط
قد يعرض للصادق العدل ولا يتعمده فيعفى
عنه (٤).
كما أن شهادة الزور شهادة باطلة لا
يجوز الحكم بها؛ لأن الغاية من التزوير
إبطال الحق وتفويته على صاحبه والقضاء
بالحق لغير صاحبه، وذلك كله من الباطل
والمحرم في الشريعة (٣).
ثانيًا : ثبوت شهادة الزور:
تثبت شهادة الزور بأحد ثلاثة أوجه:
أحدها: الإقرار، وذلك بأن يقر الشاهد
(١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأقضية،
باب في شهادة الزور، ٣/ ٣٠٥، رقم ٣٥٩٩،
والترمذي في سننه، أبواب الشهادات عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء
في شهادة الزور، ٥٤٧/٤، رقم ٢٢٩٩، وابن
ماجه في سننه، كتاب الأحكام، باب شهادة
الزور، ٧٩٤/٢، رقم ٢٣٧٢.
ضعفه ابن حجر في التلخيص الحبير
٤ / ٤٦٠، والألباني في الجامع الصغير
وزيادته، رقم ٦٣٨٧.
(٢) انظر: الفقه على المذاهب الأربعة، الجزيري
٣٩١/٥.
(٣) انظر: أحكام القرآن، الجصاص ٦٠٣/١،
التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ١ / ١١٢.
﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ
وقد قال الله تعالى:
جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ، وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ
قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب
الثاني: تثبت من جهة الواقع، وذلك بأن
یشهد بما یقطع بکذبه: کان یشهد على رجل
بفعل في الشام في وقت، ویعلم أن المشهود
عليه في ذلك الوقت في الحجاز، أو يشهد
بقتل رجل وهو حي، أو أن هذه البهيمة في
يد هذا منذ ثلاثة أعوام، وسنها أقل من ذلك،
أو يشهد على رجل أنه فعل شيئًا في وقت
وقد مات قبل ذلك، أو لم يولد إلا بعده،
وأشباه هذا، مما يتيقن بكذبه ويعلم تعمده
لذلك، وإذا ثبت ذلك بالبينة فعليه العقوبة،
(٤) انظر: المبسوط، السرخسي ١٤٥/١٦،
مواهب الجليل، الخطاب ٦/ ١٢٢، روضة
الطالبين، النووي ١٤٥/١١، المغني، ابن
قدامة ٢٣٣/١٠.
١٧٤
مَشَارَةُ النَّفِيَد
جوسين
القرآن الكريمِ