Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
الإباء
الرُّوح
عناصر الموضوع
مفهوم الروح
٣١٨
الروح في الاستعمال القرآني
٣١٩
الألفاظ ذات الصلة
٣٢٠
إسناد الروح إلى الله تعالى
٣٢٢
حقيقة الروح وصفاتها
٣٣٣
٣٣٦
الموصفون بالروح في القرآن
٣٤٢
نعيم الروح وعذابها
المُجَلَّدَ السّادسْ عَشِر

حرف الراء
مفهوم الروح
أولًا: المعنى اللغوي:
أصل مادة (روح) تدل على سعة وفسحة واطراد، وأصل ذلك كله الريح(١).
والرُّوحُ: النّفْس (٢). ويذكّر ويؤنّث، والجمع الأرواح. وسُمِّي القرآن رُوحًا، وكذلك
جبريلُ وعيسى عليهما السلام(٣).
والرَّوْحُ: برد نسيم الريح. والرائحةُ: النسيم، طيبًا كان أو نتنًا(٤).
قال ابن الأثير: «قد تکرر ذکر الروح في الحدیث، کما تکرر في القرآن، ووردت فیه علی
معان، والغالب منها أن المراد بالروح الذي يقوم به الجسد وتكون به الحياة، وقد أطلق على
القرآن، والوحى، والرحمة، وعلى جبريل))(٥).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
قال البغوي في تفسيره: ((والروح جسم لطيف يحيا به الإنسان))(٦).
وقال القرطبي: ((الروح: جسم لطيف، أجرى الله العادة بأن يخلق الحياة في البدن مع
ذلك الجسم، وحقيقته إضافة خلق إلى خالق، فالروح خلق من خلقه، أضافه إلى نفسه
تشريفًا وتكريمًا))(٧).
وقال عنها المراغي: ((إنها جسم نوراني، علوىّ، خفيف، حي، متحرك، ينفذ في جوهر
الأعضاء، ويسرى فيها سريان الماء في الورد، والنار في الفحم)» (٨).
وقال ابن عاشور: ((والروح: يطلق على الموجود الخفي المنتشر في سائر الجسد
الإنساني، الذي دلت عليه آثاره من الإدراك والتفكير، وهو الذي يتقوم في الجسد الإنساني
حین یکون جنینًا»(٩).
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٥٤/٢.
(٢) تهذيب اللغة، الأزهري ١٣٩/٥.
(٣) انظر: الصحاح، الجوهري ١/ ٣٦٧.
(٤) انظر: المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده ٥٠٨/٣.
(٥) النهاية في غريب الحديث والأثر، ٢/ ٢٨٧١.
(٦) معالم التنزيل، البغوي ٤ / ٣٨٠.
(٧) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٤/١٠.
(٨) تفسير المراغي ٤ / ١٧٦.
(٩) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٩٦/١٥.
٣١٨
القرآن الكريمِ

الروح في الاستعمال القرآني
وردت مادة (روح) في القرآن الكريم (٥٧) مرة، وتكررت (الروح) (٢١) مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِّ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبٍِّ﴾ [الإسراء:
الاسم
٢١
٨٥]
وجاءت الروح في القرآن على خمسة أوجه (٢):
الأول: مادة الحياة في الإنسان وذوات الأروح: ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحُ
قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبٍِّ﴾ [الإسراء: ٨٥] يعني: الروح التي هي سبب الحياة.
الثاني: جبريل عليه السلام: ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوعُ اَلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقّ﴾
[النحل: ١٠٢] يعني: جبريل عليه السلام.
الثالث: الوحي: ومنه قوله تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَبِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ﴾ [النحل: ٢] يعني:
بالوحي.
الرابع: الرحمة: ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَيَّدَهُم بِرُوجٍ مِّنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] يعني: قوّاهم
برحمة منه.
الخامس: الأمر: ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ؟
أَلْقَمُهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] يعني: وأمر منه.
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٣٢٦.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص٢٢٩-٢٣٠.
www. modoee.com
٣١٩

حرف الراء
الألفاظ ذات الصلة
النفس:
١
النفس لغة:
تطلق النفس في اللغة على معنين: الروح، وذات الشيء وحقيقته.
فمن الأول: قولهم: خرجت نفس فلان، أي: روحه.
ومن الثاني: قولهم: قتل فلان نَفسه، وَالْمعْنَى: أَنه أوقع الهلاك بذاته كلها (١).
النفس اصطلاحًا:
يقول المناوي عن النفس: ((هي جوهر مشرق للبدن ينقطع ضوؤه عند الموت من ظاهر
البدن وباطنه، وأما وقت النوم فينقطع ضوؤه عن ظاهر البدن دون باطنه، فالموت انقطاع
كلي، والنوم انقطاع خاص. وعلى ذلك فيكون تعلقها بالإنسان على ثلاثة أضرب: إن غلب
ضوء النفس على جميع أجزاء البدن ظاهره وباطنه فهو حال اليقظة، وإن انقطع عن ظاهره
فقط فهو النوم، وإن انقطع بالكلية فالموت))(٢).
الصلة بين النفس والروح:
قال بعض اللغويين: النفس والروح واحد، وقال آخرون: بل هما متغايران؛ إذ النفس هي
مناط العقل، والروح مناط الحياة، وسميت النفس نفسًا لتولّد النّفس منها واتصاله بها، كما
سموا الروح روحًا؛ لأن الروح موجود بها (٣).
ويقول الألوسي: ((اختلف الناس في الروح والنفس، وهل هما شيء واحد أم شيئان؟
فحكى ابن يزيد عن أكثر العلماء أنهما شيء واحد؛ فقد صح في الأخبار إطلاق كل منهما
على الآخر))(٤).
وقال ابن تيمية: ((والروح المدبرة للبدن التي تفارقه بالموت، هي الروح المنفوخة فيه،
وهي النفس التي تفارقه بالموت، قال النبي صلى الله عليه وسلم لما نام عن الصلاة: (إن
الله قبض أرواحكم حيث شاء وردها حيث شاء)(٥)، وقال له بلال رضي الله عنه: (أخذ
(١) انظر: الصحاح، الجوهري ٩٨٤/٣، لسان العرب، ابن منظور ٢٣٢/٦.
(٢) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص٣٢٨.
(٣) انظر: الصحاح، الجوهري ٩٨٤/٣، لسان العرب، ابن منظور ٢٣٢/٦.
(٤) جلاء العينين في محاكمة الأحمدين، الألوسي ص١٦٥.
(٥) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب من نام عن الصلاة أو نسيها، ١/ ١٢٠، رقم ٤٣٩.
٣٢٠
جَوَبُور
القرآن الكريم

الروح
بنفسي الذي أخذ بنفسك بأبي أنت يا رسول الله)(١)، وقال تعالى: ﴿اَللَّهُ يَتَوَلَى الْأَنْفُسَ حِينَ
مَوْتِهَا وَلَِّى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَاً فَيُمْسِكُ أَلَّتِى قَضَى عَلَيْهَا أَلْمَوْتَ وَيُرْسِلُ اَلْأُخْرَىَ إِلَى أَجَلِ
تُسَتَّى﴾ [الزمر: ٤٢]. قال ابن عباس وأكثر المفسرين: يقبضها قبضين: قبض الموت، وقبض
النوم، ثم في النوم يقبض التي تموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى حتى يأتي أجلها وقت
الموت»(٢).
الحياة:
٢
الحياة لغة:
مادة (حيّ) تدور حول أصلين: أحدهما خلاف الموت، والآخر الاستحياء الّذي هو ضدّ
الوقاحة. فأمّا الأوّل فالحياة والحيوان، وهو ضدّ الموت والموتان. ويسمّى المطر حيًّا لأنّ به
حياة الأرض، والأصل الآخر: قولهم استحييت منه استحياءً)»(٣).
الحياة اصطلاحًا:
الحياة: في الأصل: الروح وهي الموجبة لتحرك من قامت به، ذكره العكبري.
وقال الحرالي: الحياة تكامل في ذات ما أدناه حياة النبات بالنمو والاهتزاز مع انغراسه
إلى حياة ما يدب بحركته وحسه إلى غاية حياة الإنسان في تصرفه وتصريفه، إلى ما وراء ذلك
من التكامل في علومه وأخلاقه. وقال في موضع آخر: الحياة كل خروج عن الجمادية من
حيث إن معنى الحياة بالحقيقة تكامل الناقص(٤).
الصلة بين الحياة والروح:
قال العسكري: ((إن الروح من قرائن الحياة، والحياة عرض والروح جسم رقیق من جنس
الريح، وقيل: هو جسم رقيق حساس، وتزعم الأطباء أن موضعها في الصدر من الحجاب
والقلب، وذهب بعضهم إلى أنها مبسوطة في جمیع البدن وفيه خلاف کثیر))(٥).
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد، باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها،
رقم ٦٨٠.
(٢) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٨٩/٩.
(٣) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١٢٢/٢.
(٤) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ١٤٩
(٥) الفروق اللغوية، العسكري ص٢٦١.
www. modoee.com
٣٢١

حرف الراء
إسناد الروح إلى الله تعالى
أسند الله تعالى الروح إلى نفسه في كثير
من آيات كتابه العزيز، من ذلك توضيحه
وبیانه لعباده أن أمر الروح منه هو، ولم يسنده
لأحد غيره سبحانه، وأنه من اختصاص
الله دون غيره من خلقه، فقال في ذلك:
﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوَجِّ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَتِى
وَمَآ أُوتِيتُمِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥].
وفي موضع آخر من كتابه الكريم نجد أنه
سبحانه أسند الروح لنفسه، وقد وردت في
القرآن كثيرًا في سياق الإشارة إلى هبة نسمة
الحياة لآدم والمسيح والناس، مضافة إلى
الله عز وجل ، كما في آيات سورة الحجر،
وذلك بعد خلقه للبشر، وتسويته معظمًا
لهم ورافعًا من شأنهم، وذلك بأنه بعد أن
سوّی خلقه وأكمله، نفخ فيه من روحه،
فقال في ذلك: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَئِكَةِ إِنِّي
٢٨
خَلِقٌ بَشَرًا مِن صَلْصَلٍ مِنْ حَلٍ مَسْئُونٍ
فَإِذَا سَوَّيْتُهُ، وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُواْ لَهُ.
سَجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٨-٢٩].
وفي موضع آخر: ﴿إِذقَالَرئُكَ لِلْمَلِگةِ إِنِي
خَلِقٌ بَشَرًا مِنِ طِينٍ ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ، وَنَفَخْتُ فِيهِمِن
رُوحِى فَقَعُواْ لَهُ سَجِدِينَ﴾ [ص: ٧١- ٧٢].
وقال في مكان آخر: ﴿ثُمَّسَوَّنِهُ وَنَفَخَ
فِيهِ مِنِ رُوحٌٍِ وَحَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ
وَاْأَفِدَةُ قَلِلاَ مَّا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة: ٩].
ونتابع المواضع التي أسند فيها الله
سبحانه وتعالى الروح لنفسه، موضّحًا
أن الروح من أمره هو، نقرأ في ذلك هذه
الآيات: ﴿رَفِيعُ اٌلَّرَحَتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِى
الرُّوحَ مِنْ أَمْرِه عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، لِيُنذِرَ يَوْمَ
الثَّلَاقِ﴾ [غافر: ١٥]، التي يبين لنا فيها أن
الروح - أيًّا كان معناه- لا ينزل ولا يلقى
إلا بأمره سبحانه وتعالى، وإلى هذا المعنى
أشار في قوله: ﴿يُنْزِّلُ الْمَلَبِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ
أَمْرِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾﴾ [النحل: ٢].
وقوله جل شأنه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ
رُوحًا مِنْ أَمْرِنَّأْ مَا كُنْتَ تَدْرِى مَا اُلْكِتَبُ وَلَا
الْإِيمَنُ﴾ [الشورى: ٥٢].
وأسند الله تعالى الروح لنفسه مرة أخرى
عندما أراد خلق عيسى عليه السلام من
أمه مريم العذراء، مبينًا المعجزة العظمى
والقدرة الخارقة في خلقه، فقال في ذلك
مرة: ﴿فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا
سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧].
مسندًا الروح التي أرسلها إلى مريم
لنفسه.
وقال في موضع آخر: ﴿وَالَّتِىّ أَحْصَنَتْ
فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن زُّوحِنَا وَجَعَلْنَهَا
وَأَبْنَهَاَ ءَايَةٌ لِلْعَلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩١].
وفي غيره: ﴿وَمَرْيَ أَبْنَتَ عِمْرَنَ الَِّى أَحْصَنَتْ
فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ
بِكَلِمَتِ رَبِهَا وَكُتُبِهِ، وَكَانَتْ مِنَ الْقَنِينَ﴾
٣٢٢
جوي
القرآن الكريم

الروح
[التحريم: ١٢].
موضحًا في ذلك أن النفخ فيها من وعلمها عن الخلق، فمعلوم قطعًا أنه ليس
روحه هو سبحانه وتعالى. كما سمى هذه
الروح المسنودة إليه: كلمة، وأسندها لنفسه
كذلك، فقال: ﴿وَكَلِمَتُهُ: أَلْقَمُهَا إِلَى مَرْيَمَ
وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ [النساء: ١٧١].
وفي سورة يوسف أسند سبحانه وتعالى
الروح الذي يأتي بمعنى الرحمة والفرج
-حسب إفادة كثير من المفسرين- أسنده
لنفسه، مبينًا في ذلك أن الفرج والرحمة لا
تكون إلا منه وحده، فقال: ﴿وَلَا تَأْيْئَسُواْ
مِن رَّوْجِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَأَيْكَسُ مِن زَّوْجِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ
اَلْكَفِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧].
كما بيّن سبحانه وتعالى تأييده للمؤمنين
به، ناسبًا الروح التي أیدهم بها إليه هو دون
غيره من خلقه، فقال: ﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ
فِي قُلُوبِهِمُ آلْإِيمَنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوج مِنْهُ﴾
[المجادلة: ٢٢].
وعندما أسند الله تعالى الروح لنفسه
كان لذلك دلالات عديدة، نتطرق إليها فيما
یآتي:
أولًا: أن هذا الأمر من اختصاص الله
وحده لا ينازعه فيه أحد من خلقه، ولم يطلع
سبحانه أحدًا من عباده على هذا الأمر، وفيه
دلالة كذلك على أنه من المأمورات التي
قضاها وقدرها على مخلوقاته؛ لذلك يقول
ابن القيم في كتابه الروح: ((وقال بعضهم:
الأرواح من أمر الله، أخفى الله حقيقتها
المراد ها هنا بالأمر الطلب الذي هو أحد
أنواع الكلام، فيكون المراد: أن الروح
كلامه الذي يأمر به، وإنما المراد بالأمر ها
هنا المأمور، وهو عرف مستعمل في لغة
العرب، وفي القرآن منه كثير كقوله تعالى:
﴿أَفَ أَمْرُ اللّهِ﴾ [النحل: ١] أي: مأموره الذي
قدّره وقضاه، وقال له كن فيكون.
وكذلك قوله تعالى: ﴿فَمَآ أَغْنَتْ عَنْهُمْ
ءَالِهَتُهُمُ الَّتِى يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَىْ ءٍ لَّمَاجَآءَ
أَمْرُرَيِّكَ﴾ [هود: ١٠١]. أي: مأموره الذي أمر
به من إهلاکھم.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَمْرُ السَّامَةِ
إِلَّا كَلَمْجِ اَلْبَصَرِ﴾ [النحل: ٧٧].
وكذلك الخلق يستعمل بمعنى
المخلوق، كقوله تعالى للجنة: أنت رحمتي،
فليس في قوله تعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ
رَبٍِّ﴾ [الإسراء: ٨٥].
ما يدل على أنها قديمة غير مخلوقة بوجه
ما، وقد قال بعض السلف في تفسيرها:
جرى بأمر الله في أجساد الخلق وبقدرته
استقر، يعنى خلقًا من خلقي))(١).
وإلى هذا المعنى وهذه الدلالة أشار
شارح الطحاوية حين قال: ((وقد أجمعت
الرسل على أنها محدثة مخلوقة، مصنوعة
(١) الروح، ابن القيم، ص ١٤٤.
www. modoee.com
٣٢٣

حرف الراء
مربوبة مدبرة، وهذا معلوم بالضرورة من بقوله: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِى﴾ [الإسراء:
دينهم، أن العالم محدث، ومضى على هذا ٨٥]، فلم يقنعوا، وأخذوا يبحثون عن
الصحابة والتابعون، حتى نبغت نابغة ممن
قصر فهمه في الكتاب والسنة، فزعم أنها
قديمة، واحتج بأنها من أمر الله، وأمره غير
مخلوق، وبأن الله أضافها إليه بقوله: ﴿قُلِ
الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبٍ﴾ [الإسراء: ٨٥].
وبقوله: ﴿وَنَفَخْتُ فِهِ مِنژُوحِی﴾ [الحجر:
٢٩]»(١).
ثانيًا: ومن دلالات هذا الإسناد، أن
الروح خلقٌ من خلق الله تعالى كما بيّن ذلك
صاحب أقاويل الثقات في تأويل الأسماء
والصفات، قائلًا في حديثه عن الآية: ((أي:
من خلق ربي، أو من فعل ربي؛ إذ الأمر
بمعنى الفعل وارد، قال سبحانه: ﴿وَمَا أَمْرُ
فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧].
أي: فعله. والجواب وقع من قبیل صرف
الأهم، أي: إن عقولكم لا تدرك هذا، فإن له
مقدمات طبيعية تدق عن الأفهام، وتقصر
دونها الأوهام، لكن الأهم، أن تعلموا أن
الروح من عالم الأمر، أي: الخلق.
وقال الحافظ ابن الجوزي في موضع
آخر: «رأيت كثيرًا من الخلق والعلماء
لا ينتهون عن البحث عن أصول الأشياء
التي أمروا بعلم جملها من غير بحث عن
حقائقھا، کالروح مثلا، فإن الله تعالی سترها
(١) شرح الطحاوية، ابن أبي العز ٢/ ٥٦٢.
ماهيتها وحقيقتها، ولا يقنعون بشيء، ولا
يثبت لأحدهم برهان على ما يدعيه، وكذلك
العقل، فإنه موجود بلا شك، كما أن الروح
موجودة بلا شك، وكلاهما إنما يعرف بآثاره
لا بحقيقة ذاته، قال: فإن قال قائل: فما السر
في كتم هذه الأشياء؟ قلت: لأن النفس لا
تزال تترقى من حالة إلى حالة، فلو اطّلعت
على هذه الأشياء لترقّت إلى خالقها، فكان
ستر ما دونه زيادة في تعظيمه؛ لأنه إذا كان
بعض مخلوقاته لا تعلم حقيقته فهو سبحانه
أجل وأعلى))(٢).
وجاء في أثر الإيمان في تحصين الأمة
الإسلامية: ((ويأتي أمر الله، بمعنى مأموره،
أي: الشيء الذي وجد أو سيوجد بأمره،
كقوله تعالى: ﴿أَنَ أَمْرُ اَللَّهِ فَلَا تَسْتَعِْلُوهُ﴾
[النحل: ١].
وقوله: ﴿ وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الرُّوَجْ قُلِ الرُّوحُ
مِنْ أَمْرِ رَبٍِّ﴾ [الإسراء: ٨٥].
ونحوها، وقد جمع الله بین الأمر بمعنی
المأمور، والأمر بمعنى كلامه الذي يأمر به
في أول سورة النحل، بقوله: ﴿أَفَ أَمْرُ الَّهِ
فَلَا تَسْتَعِْلُوهُ سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ
يُنْزِّلُ الْمَلَتِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ
١
(٢) أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات
والآيات المحكمات والمشتبهات، مرعي
الكرمي ص ١٩٠، وص٢١٤.
جَوْنُواحَرُ النَّقِّ
القرآن الكريم
٣٢٤

الروح
مِنْ عِبَادِهِ﴾ [النحل: ١-٢]))(١).
ويقول السهيلي في ذلك: «وقوله: ﴿مِنْ
أَمْرِ رَبٍ﴾ أيضًا ولم يقل: من أمر الله، ولا
من أمر ربکم، يدل على خصوص، وعلى ما
قدمناه من أنه لا يعلمه إلا من أخذ معناه من
قول الله سبحانه، وقول رسوله صلى الله
علیه وسلم بعد الإيمان بالله ورسوله))(٢).
ثالثًا: ودل إسناد أمر الروح للواحد الأحد
على عجز البشر وقلة علمهم، وعظم قدرة
الخالق وجلال قدره و علمه، نطالع ذلك في
البداية والنهاية: ((أي خلقٌ عجيبٌ من خلقه،
وأمرٌ من أمره، قال لها: كوني فكانت. وليس
لكم الاطلاع على كل ما خلقه، وتصوير
حقيقته في نفس الأمر يصعب عليكم بالنّسبة
إلى قدرة اللّه تعالى وحكمته))(٣).
وفي شرح القسطلاني أن إسناد أمر الروح
لله تعالى يدل دلالة واضحة على عجز
الخلائق عن إدراك ماهيتها: «﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ
أمرِ رَقٍ﴾، أي: مما استأثر الله بعلمه، فهو
من أمر ربي لا من أمري، فلا أقول لكم ما
هي، والأمر بمعنى الشأن، أي: معرفة الروح
من شأن الله لا من شأن غيره، وعجزت
الأوائل عن إدراك ماهيته بعد إنفاق الأعمار
الطويلة على الخوض فيه، إشارة إلى تعجيز
(١) أثر الإيمان في تحصين الأمة الإسلامية ضد
الأفكار الهدامة، عبد الله الجربوع ٢/ ٥٠٤.
(٢) الروض الأنف، السهيلي ٣ / ٩٦.
(٣) البداية والنهاية، ابن كثير ٦٩/٣.
العقل عن إدراك معرفة مخلوق مجاور له؛
ليدل على أنه عن إدراك خالقه أعجز)) (٤).
وهذا ما جاء في العقائد الإسلامية في
إطار حديثه عن إسناد أمر الروح الخالق
الكون: ((فالروح من أمر الله الذى لا يعلمه
غيره، ولم يطلع عليه أحدًا سواه، ولم يعط
الإنسان الوسائل التي توصله إلى هذا اللون
من العلم والإحاطة به، فعلم الإنسان قليل
ومحدود، وهو لم يدرك حقيقة المادة،
ولا الكون المحسوس المحيط به، فكيف
يتطلع إلى إدراك سر من أسرار الله، وغيب
من غيوبه؟! كانت الروح هي المميزة
للإنسان عن غيره في هذا العالم، وبها صار
عالمًا وحده، وبالروح أسجد الله للإنسان
ملائكته، وسخر له ما في السماوات وما في
الأرض جمیعًا منه، وجعله سید هذا الكون،
وخليفته في الأرض)»(٥).
وفي هذا العجز البشري الذي استمر عبر
العصور عن معرفة كنه الروح والتوصل إلى
حقيقتها، يقول ألكسيس كاريل: ((لقد بذل
الجنس البشري مجهودًا جبارًا لكي يعرف
نفسه، ولكن بالرغم من أننا نملك كنزًا من
الملاحظات التى كدسها العلماء والفلاسفة
والشعراء وكبار العلماء والروحانيين في
جميع الأزمان، فإننا استطعنا أن نفهم
(٤) إرشاد الساري، القسطلاني ٧/ ٢١٢.
(٥) العقائد الإسلامية، سيد سابق ص ٢٢٤.
www. modoee.com
٣٢٥

حرف الراء
جوانب معينة فقط من أنفسنا، إننا لا نفهم
الإنسان ککل، إننا نعرفه على أنه مكون من
أجزاء مختلفة، وحتى هذه الأجزاء ابتدعتها
وسائلنا، فكل واحد منا مكون من موکب من
الأشباح، تسير في وسطها حقيقة مجهولة،
وواقع الأمر أن جهلنا مطبق، فأغلب الأسئلة
التي يلقيها على أنفسهم أولئك الذين
يدرسون الجنس البشري تظل بلا جواب؛
لأن هناك مناطق غير محدودة في دنيانا
الباطنية ما زالت غير معروفة))(١).
رابعًا: ومن دلالات إسناد أمر الروح
لله تعالى أن ذلك من علمه الذي لا يحيط
به أحدًا من خلقه، وأنه سر من الأسرار
التي أخفاها الله تعالى عن خلقه، وأنها من
شئونه التي لا يجوز الاطلاع عليها، قال
ابن جرير: «﴿مِنْ أَمْرِ ریی﴾، یعني: أنه من
الأمر الذي يعلمه الله دونكم، فلا تعلمونه،
ويعلم ما هو))(٢). وممن قال بذلك المراغي
في تفسيره: ((الأمر واحد الأمور: أي: الروح
شأن من شئونه تعالی حدث بتکوینه وإبداعه
من غیر مادة، وقد استأثر بعلمه، لا يعلمه إلا
هو؛ لأنكم لا تعملون إلا ما تراه حواسكم
وتتصرف فيه عقولكم»(٣).
وهذا القرطبي يقول حول دلالة الإسناد
(١) الإنسان ذلك المجهول، ألكسيس كاريل
ص١٧.
(٢) جامع البيان، الطبري ١٥/ ١٥٧.
(٣) تفسير المراغي ٨٩/١٥.
في الآية: «دليل على خلق الروح، أي: هو
أمر عظيم وشأن كبير من أمر الله تعالی)»(٤)،
ويتجه الأصفهاني إلى أن الدلالة في ذلك أنه
نوع من الإبداع الإلهي، فيقول: ((أي: هو من
الإبداع الذي لا يمكن للبشر تصوره، فنبّه
أن الأرواح كلها مرجوعة إليه وراجعة)»(٥)،
وقال في المفردات: «أي: من إبداعه وعبّر
عنه بأقصر لفظة، وأبلغ ما يتقدّم فيه فيما بيننا
بفعل الشيء، وعلى ذلك قوله: ﴿وَمَآ أَمْرُنَا
إِلَّا وَاحِدَةُ كَلَمْجِ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠].
فعبّر عن سرعة إيجاده بأسرع ما يدركه
وهمنا» (٦).
وسار ابن عاشور في هذا الاتجاه
قائلًا: ((الروح من أمر الله، أي أنه كائن
عظيم من الكائنات المشرفة عند الله،
ولكنه مما استأثر الله بعلمه. فلفظ أمر
يحتمل أن يكون مرادف الشيء، فالمعنى:
الروح بعض الأشياء العظيمة التي هي لله،
فإضافة أمر إلى اسم الجلالة على معنى لام
الاختصاص، أي أمر اختص بالله اختصاص
علم)»(٧). وفي البحر المديد في تفسير
القرآن المجيد: «﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِ﴾،
أي: سر من أسراره))(٨)، كما جاء ذلك في
(٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٢٤/١٠.
(٥) تفسير الراغب الأصفهاني ٤٣٥/١.
(٦) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٨٨.
(٧) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٩٨/١٥.
(٨) البحر المديد، ابن عجيبة ١/ ٢٩١.
٣٢٦
الْقُرآن الكَرِيْمِ

الروح
التفسير الوسيط: ((﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِرَتٍ﴾،
أي: من علم ربي، أي: أنكم لا تعلمونه))(١).
وجاء في شرح كتاب التوحيد من
صحيح البخاري في دلالة إسناد أمر الروح
لله تعالى قوله: ((يعني: أنها كانت ووجدت
بأمر الله، فأمر الله ليس هو الروح، وإنما
وجدت الروح بأمره، وهو سابق لما وجد
به»(٢). ويقول صاحب زهرة التفاسير في
تفسيره للآية: «أي: أنها خلق من خلقه،
والعلم بها من شأنه وأمره الخاص به))(٣)،
أما السعدي فقد اتجه اتجاهًا مغايرًا عندما
رأی أن دلالة الإسناد هنا ردع للذين يسألون
أسئلة في غير موضعها، وليس من وراءها
فائدة مرجوة، فقال: ((وهذا متضمن لردع من
يسأل المسائل التي لا يقصد بها إلا التعنت
والتعجیز، ويدع السؤال عن المهم، فيسألون
عن الروح التي هي من الأمور الخفية، التي
لا يتقن وصفها وكيفيتها كل أحد، وهم
قاصرون في العلم الذي يحتاج إليه العباد؛
ولهذا أمر الله رسوله صلی الله عليه وسلم
أن يجيب سؤالهم بقوله: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ
رَبٍِّ﴾، أي: من جملة مخلوقاته التي أمرها
أن تکون فکانت، فليس في السؤال عنها
کبیر فائدة، مع عدم علمکم بغيرها. وفي
(١) التفسير الوسيط، الواحدي ١٢٦/٣.
(٢) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري،
الغنيمان ٢/ ٢٢٧.
(٣) زهرة التفاسير، أبو زهرة ٤٤٤٦/٨.
هذه الآية دليل على أن المسئول إذا سئل
عن أمر الأولى بالسائل غيره أن يعرض عن
جوابه، ويدله على ما يحتاج إليه، ويرشده
إلى ما ينفعه)) (٤).
ولسيد قطب فلسفة أخرى في دلالة
هذا الإسناد نطالعها في تفسيره القيم: في
ظلال القرآن، حيث يقول: ((وليس في هذا
حجرٌ على العقل البشري أن يعمل، ولكنّ
فيه توجيهًا لهذا العقل أن يعمل في حدوده،
وفي مجاله الذي يدركه، فلا جدوى من
الخبط في التيه، ومن إنفاق الطاقة فيما لا
يملك العقل إدراكه؛ لأنه لا يملك وسائل
إدراکه. والروح غیب من غیب الله لا يدركه
سواه، وسر من أسراره القدسية أودعه هذا
المخلوق البشري، وبعض الخلائق التي
لا نعلم حقيقتها. وعلم الإنسان محدود
بالقياس إلى علم الله المطلق)»(٥).
ويرى صاحب النكت في القرآن الكريم
أن إخفاء أمر الروح عن العباد، وجعلها
من أمر الله؛ لما في ذلك من مصلحة لهم،
فيقول: ((وقيل: في قوله: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ
رَّ﴾، أي: من الأمر الذي يعلمه ربي، ومما
يسأل عنه أن يقال: لم لم يجابوا عن الروح؟!
والجواب: لما في ذلك من المصلحة؛
ليوكلوا إلى علم ما في عقولهم من الدلالة،
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤٦٦.
(٥) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٢٤٩/٤.
www. modoee.com
٣٢٧

حرف الراء
مع ما في ذلك من الرياضة. وقيل: إنهم في قوله: ﴿وَنَفَخْتُ فِهِ مِن رُوحِى﴾ [الحجر:
وجدوا في كتابهم: أنه إن أجابهم عن الروح ٢٩] [ص: ٧٢]، دلالة على تكريم بني آدم
فلیس بنبي))(١).
وقال ابن القيم في هذه الدلالة: «فينبغي
أن یعلم أن المضاف إلی الله سبحانه نوعان:
صفات لا تقوم بأنفسها كالعلم والقدرة
والكلام والسمع والبصر، فهذه إضافة صفة
إلى الموصوف بها، فعلمه وكلامه وإرادته
وقدرته وحياته صفات له غير مخلوقة،
وكذلك وجهه ويده سبحانه. والثاني: إضافة
أعيان منفصلة عنه: كالبيت، والناقة، والعبد،
والرسول، والروح، فهذه إضافة مخلوق إلى
خالقه ومصنوع إلى صانعه، لكنها إضافة
تقتضي تخصيصًا وتشريفًا يتميز به المضاف
عن غيره، كبيت الله، وإن كانت البيوت
كلها ملكًا له، وكذلك ناقة الله، والنوق
كلها ملكه وخلقه، لكن هذه إضافة إلى
إلهيته تقتضي محبته لها وتكريمه وتشريفه،
بخلاف الإضافة العامة إلى ربوبيته حيث
تقتضي خلقه وإيجاده، فالإضافة العامة
تقتضي الإيجاد والخاصة تقتضي الاختيار،
والله يخلق ما يشاء ويختار مما خلقه، كما
قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾
[القصص: ٦٨]))(٢).
خامسًا: وفي إسناد الروح إليه تعالى
(١) النكت في القرآن الكريم، علي بن فضّال
ص٢٩٦.
(٢) الروح، ابن القيم ص ١٥٤.
وتفضيلهم على غيرهم، والإحسان إليهم،
ومن قال بذلك الواحدي والسمعاني:
((وأضاف روح آدم إليه إكرامًا وتشريفًا،
وهي إضافة الملك))(٣)، ((وأضافها إلى نفسه
تشريفًا وتكريمًا)) (٤).
ويسير النيسابوري في هذا الاتجاه ببيان
أن دلالة الإضافة للتشريف والتكريم فيقول:
((ولا خلاف في أن الإضافة في قوله: روحي
للتشريف والتكريم، مثل: ناقة الله، وبيت
الله))(٥).
ويتجه ابن عاشور الاتجاه نفسه في
تفسيره التحرير والتنوير بقوله: ((وإضافة
الروح إلى الله إضافة تشريف؛ لأنه روح
مبعوث من لدن الله تعالى بدون وساطة
التطورات الحيوانية للتكوين النسلي،
وجعلها وابنها آية، هو من أسباب تشريفهما
والتنويه بهما))(٦).
وجاء هذا الرأي في روح البيان عندما
قال: ((يشير بتشريف هذه الإضافة إلى
اختصاص الروح بأعلى المراتب من
الملكوت الأعلى، وكمال قربه إلى الله،
كما قال: ﴿وَغَْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾
(٣) التفسير الوسيط، الواحدي ٤٥/٣.
(٤) تفسير القرآن، السمعاني ١٣٨/٣.
(٥) غرائب القرآن، النيسابوري ٢٢٠/٤.
(٦) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٣٨/١٧.
٣٢٨
القرآن الكريمِ

الروح
[ق: ١٦]، وإلى اختصاصه بقبول النفخة فإنه
تشرف بهذا التشریف وخص به من سائر
المخلوقات))(١).
وقال بهذه الدلالة صاحب التفسير
المظهري: ((أضاف الروح إلى نفسه؛ تشريفًا
لآدم أو تشريفًا للروح)»(٢).
وهذا ما قال به عبد الكريم الخطيب
في التفسير القرآني للقرآن، حيث يقول:
((تجد أن الروح التي تلبس الكائن الحي
-من إنسان أو حيوان- هي روح، وهی من
أمر الله، ولكننا إذ ننظر في قوله تعالى في
خلق آدم: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ، وَنَفَخْتُ فِيهِمِن رُّوحِى ﴾
تَرْسَوّلهَ وَنَفَحَ
[ص: ٧٢]، وقوله سبحانه: ﴿
فِيهِ مِن رُّوحِهِ﴾ [السجدة: ٩]، نجد مزيدًا من
الإحسان والتكريم للإنسان، بإضافة روحه
إلى الله سبحانه وتعالى))(٣).
وجاء في التفسير الوسيط أن دلالة ذلك
تشريف للإنسان وخيريته على إبليس الذي
رفض السجود إليه، فقال في معرض تفسيره
للآية، ومقارنته بين أصل الإنسان وأصل
إبليس: «كذلك هو خير منه روحًا، لقوله
تعالى: ﴿وَنَفَخْتُ فِهِ مِن رُّوحِى﴾ [الحجر:
٢٩]، بإضافة روحه إلى الله تعالى؛ تشريفًا
لا تبعيضًا، ونشرت فيه من الروح المنسوب
إليّ نسبة تشريف وملك وإيجاد، فأرواح
(١) روح البيان، إسماعيل حقي ٤ /٤٦١ ..
(٢) التفسير المظهري، محمد ثناء الله ٨/ ١٩٢.
(٣) التفسير القرآني للقرآن، الخطيب ١٢ / ١١٦٣.
العباد منسوبة إلى الله نسبة ملك وإيجاد،
وليست جزءًا من روحه تعالى، فهو منزه عن
التجزئة والتبعيض)» (٤).
سادسًا: وذهب فريق ممن تحدث عن
دلالة إضافة الروح لرب العزة والجلالة إلى
المكانة السامية والعالية للروح، من هؤلاء:
الإمام الطبري في تفسيره: ((يقول تعالى
ذكره: فإذا سوّيت خلقه، وعدّلت صورته،
ونفخت فيه من روحي، قيل: عني بذلك:
ونفخت فيه من قدرتي»(٥).
ويرى الإمام الرازي في تفسيره أن ذلك
يدل على قدرته سبحانه وتعالى عندما
قال: ((ميّز تعالى بين البشرية وبين نفخ
الروح، فالتسوية عبارة عن تخليق الأبعاض
والأعضاء، وتعديل المزاج والأشباح، فلما
ميز نفخ الروح عن تسوية الأعضاء، ثم
أضاف الروح إلی نفسه بقوله: ﴿مِنرُّوحِی﴾،
دل ذلك على أن جوهر الروح معنی مغاير
لجوهر الجسد. ولما أضاف الروح إلى نفسه
دل على أنه جوهر شريف علوي قدسي)) (٦).
ومنهم ابن عادل في كتابه اللباب: «فأضاف
الروح إلى نفسه، وذلك يدل على أنه جوهر
شريف علويّ قدسيّ))(٧).
(٤) التفسير الوسيط، مجمع البحوث ٥٣٨/٥،
١٣٨٧/٣.
(٥) جامع البيان، الطبري ٢٠/ ١٤٤.
(٦) مفاتيح الغيب، الرازي ٢١ / ٤٠٤ - ٤١٠.
(٧) اللباب في علوم الكتاب ١٦/ ٤٥٤.
www. modoee.com
٣٢٩

حرف الراء
ويعقد ابن الجوزي مقارنة بين هذه
الإضافة وبين الحديث الشريف حول خلق
آدم عليه السلام فيقول: «أما قوله: (خلق
الله آدم على صورته)(١)، فللناس فیه ثلاثة
مذاهب: أحدها: مذهب جمهور السّلف،
وهو السّكوت عن تفسير هذا وأمثاله.
والثّاني: أن الهاء راجعة إلى آدم، فيكون
المعنى: أنه خلقه على تلك الحال، ولم
ينقله من نطفة إلى علقة، وهذا مذهب أبي
سليمان الخطابيّ. والثالث: أنّها ترجع إلى
الله سبحانه، فهي مضافة إضافة ملك لا
إضافة ذات، كما أضاف الرّوح التي نفخت
في آدم إليه، فقال: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْرُوحِ﴾
[الحجر: ٢٩].
وهذا مذهب ابن عقیل، قال: وإنّما خص
آدم بإضافة الصورة إليه لخصيصة فيه)) (٢).
ويؤيد أبو السعود الدلالة التي تميز
الإنسان، وأن ذلك تشريف وتكريم له،
فيقول: ((﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السجدة:
٩]؛ أضافه إليه تعالى تشريفًا له وإيذانًا بأنّه
خلقٌ عجيبٌ وصنعٌ بديعٌ، وأنّ له شأنًا له
مناسبةٌ إلى حضرة الرّبوبية، وأنّ أقصى ما
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
الاستئذان، باب بدء السّلام ٥٠/٨، رقم
٦٢٢٧، ومسلم في صحيحه، كتاب الجنة،
باب يدخل الجنة أقوام ، ٢١٨٣/٤، رقم
٢٨٤١.
(٢) كشف المشكل من حديث الصحيحين، ابن
الجوزي ٣/ ٤٩٨.
تنتهي إليه العقول البشرية من معرفته هذا
القدر الذي يعبر عنه تارةً بالإضافة إلیه تعالی
وأخرى بالنسبة إلى أمره تعالى، كما في قوله
تعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبٍِّ﴾))(٣).
وقال الماوردي: ((﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِن
رُوحِدِ﴾ [السجدة: ٩] فيه أربعة أوجه:
أحدها: من قدرته، قاله أبو روق.
الثاني: من ذريته، قاله قتادة.
الثالث: من أمره أن يكون فكان، قاله
الضحاك.
الرابع: روحًا من روحه، أي: من خلق،
وأضافه إلى نفسه لأنه من فعله وعبر عنه
بالنفخ؛ لأن الروح من جنس الريح» (٤).
ويقول ابن عاشور في الآية: ((ثم أعقب
بقوله: ﴿يُلِّقِى الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ﴾، فجيء بفعل
الإلقاء، ويكون الروح من أمره، وبصلة
من يشاء من عباده، فآذن بأن ذلك بمحض
اختياره وعلمه، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُأَعْلَمُ
حَيْثُ يَجْمَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤])»(٥).
وللمفسرين في قوله تعالى: ﴿مِنْ أَمْرِوٍ﴾
أقوال: فقالوا: «مجيئه بمعنى الباء، قال:
﴿يُلْفِى الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ،﴾ [غافر: ١٥].
وقال: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١]
أي: أمره ابتداء الغاية))(٦).
(٣) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٧/ ٨١.
(٤) النكت والعيون، الماوردي ٣٥٦/٤.
(٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٢٤/ ١٠٨.
(٦) الوجوه والنظائر، أبو هلال العسكري
مَنْشِالَرُ التَفيِالمصور
القرآن الكريمِ
٣٣٠

الروح
وذكر أبو حيان قوله: ((أي: بأمره، ويظهر أهل التعطيل في صدد حديثه عن إضافة
أن ﴿مِنْ﴾: لابتداء الغاية، وقال ابن عباس: الروح لله تعالى: ((أما قوله في حق آدم:
من أمره: من قضائه))(١).
وفي التفسير الحديث، وفي معرض وملك إلى مالكه؛ لأن الأرواح كلها بيد الله
تعلیقه علی إضافة الروح لله تعالى، يقول:
((وتعليقًا على ذلك نقول: إن القرآن استعمل
تعبیر: ﴿وَنَفَخْتُ فِهِ مِنژُوحِى﴾ [ص: ٧٢]، في
صدد خلق آدم في سورة ص، وتعبير: ﴿ثُمَّ
وأما النفخ فالمراد به -والله أعلم-
خلقها وإيجادها، وقال بعضهم: كيفيّة النفخ
لا يعلمها إلا الله تعالى، ونسبة إضافة الروح
في آيات مريم كلها نسبة إضافة ملك وخلق
وتشريف، كما قدمناه في آدم عليه السلام؛
لأن نفخ جبريل كان بأمر الله، وسمي
المسيح عليه السلام روح الله إمّا تشريفًا
له، أو لأنّه كان بأمره وخلقه من غير واسطة
لأب)) (٤)
سَوَّنَهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ﴾ [السجدة: ٩]، في
صدد خلق الإنسان في سورة السجدة، هذا
أولًا. وثانيًا: إن القرآن ذكر في سورة مريم:
أن روح الله تمثّل لمریم بشرًا لیھب لها
غلامًا، ولم يذكر أسلوب الهبة. وروح الله
في سورة مريم يعني على ما تلهمه العبارة
بكل قوة، بل وصراحة، ملك الله، وبين
هذا وبين ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا﴾
[الأنبياء: ٩١].
و﴿فَنَفَخْنَافِيهِ مِنْ زُّوحِنَا﴾ [التحريم:
١٢] فرق واضح»(٢).
وقال الشيخ طنطاوي في تفسيره: ((وهذه
الخاصية هي التي تجعل من هذا الإنسان،
إنسانًا ينفرد بخصائصه عن كل الأحياء
الأخرى التي تشاركه في هذه الحياة)) (٣).
وجاء في إيضاح الدليل في قطع حجج
ص٤٤٠.
(١) البحر المحيط، أبو حيان ٩/ ٢٤٤.
(٢) التفسير الحديث، محمد عزت ٢٨٥/٥.
(٣) التفسير الوسيط، طنطاوي ٨ / ٤٧.
﴿مِن ◌ُّوحِی﴾، فهو إضافة خلق إلى خالقه،
تعالى لا أنها جزء منه، تعالى الله عن ذلك،
وإضافته إليه إضافة تشريف: إمّا لآدم عليه
السلام كما قال: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَىَ﴾، أو لأنّها
جوهر لطيف شريف علوي.
ويرى بعضهم أن دلالة ذلك خصوصية
لآدم وعيسى عليهما السلام: ((وأما الخبر
الذي مخرجه مخرج الخصوص، ومعناه
معنى الخصوص، فهو قوله عز وجل:
﴿إِذْ
قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَكَةِ إِنِّي خَلِقٌ بَشَرًا مِّنِ طِينٍ ( فَإِذَا
سَوَّيْتُهُ، وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِى فَقَعُواْ لَهُ، سَنِجِدِينَ﴾
[ص: ٧١ - ٧٢].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ
(٤) إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل،
ابن جماعة الكناني ص ١٤٢.
www. modoee.com
٣٣١

حرف الراء
كَمَثَلٍ ءَادَمٌّ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن ما قاله حول إضافة الروح لله تعالى:
فَيَكُونُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُ مِّنَ الْمُمْتَرِنَ﴾ ((﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ﴾ [السجدة: ٩].
[آل عمران: ٥٩ -٦٠].
أي: جعله حيًا حساسًا بعد أن كان
فكان مخرج الخبر لآدم عليه السلام جمادًا، وبالإضافة للتشريف والتكريم،
وهذه الإضافة تقوي أن الكلام في آدم لا في
ذريته» (٤).
مخرج الخصوص، ومعناه معنى الخصوص،
وكذلك كان مخرج الخبر لعيسى عليه
السلام مخرجه مخرج الخصوص ومعناه
معنى الخصوص))(١).
ويفصّل الشيخ العثيمين في هذه الإضافة
قائلًا: ((والمضاف إلى الله عز وجل إما
صفة، وإما عين قائمة بنفسها، وإما وصف
في عين قائمة بنفسها ... أن يكون عين قائمة
بنفسها ولكنها في عین أخرى، مثل: روح
الله، كما قال الله عز وجل: ﴿فَنَفَخْنَافِيهِ
مِن ◌ُوحِنَا﴾ [التحريم: ١٢].
وقال في آدم: ﴿ فَإذَا سَوَيتُهُ،وَنَفَخْتُ فِيهِمِن
رُوحِى ﴾ [الحجر: ٢٩].
فهنا ليس المراد روح الله عز وجل
نفسه، بل المراد من الأرواح التي خلقها،
لكن أضافها إلى نفسه تشريفًا وتعظيمًا))(٢).
وجاء في تسلية أهل المصائب: ((ولا خلاف
بين المسلمين، أن الأرواح التي في آدم وبنيه
وعيسى ومن سواه من بني آدم كلها مخلوقة
لله، خلقها وأنشأها وكونها واخترعها)»(٣).
ونطالع في فتح البيان في مقاصد القرآن
(١) الحيدة، الكناني ص٥٥.
(٢) شرح الأربعين النووية، ابن عثيمين ص ٣٦٥.
(٣) تسلية أهل المصائب، المنبجي ص٢١٨.
(٤) فتح البيان، القنوجي ١٨/١١.
٣٣٢
القرآن الكريم
وقد فصّل أصحاب الاختصاص كثيرًا في
دلالات إضافة الروح لله تعالى، وأكثرهم
اتفق على أن ذلك يدل على المكانة التي
جعلها الله تعالى للروح، وتشريفًا وتكريمًا
للجنس البشري الذي خلقه الله تعالى بيديه،
وسواه وأحسن خلقه، ثم نفخ فيه ليمنحه
الحياة التي قدّرها له.

الروح
حقيقة الروح وصفاتها
أولًا: حقيقة الروح:
عند الحديث عن حقيقة الروح، وبما
أننا نتحدث عنها من خلال القرآن الكريم،
فالأجدر بنا أن نستخلص هذه الحقيقة من
كتاب الله تعالى، ومن خلال آياته الكريمة.
والآية الكريمة التي تحدثت عن حقيقة الروح
مجردة، هي آية الإسراء: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ
الرُّوجَّ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبٍِ﴾ [الإسراء: ٨٥].
وبدايةً لابدّ من معرفة ما هي الروح
التي وقع السؤال عنها، ثمّ نشرع في ما
هي حقيقتها، وفقًا لما جاء في أقوال أهل
الاختصاص، واختلف المفسّرون في الروح
التي وقعت محلًا للسؤال مذاهب متفرقة،
يأتي تفصيلها لاحقًا إن شاء الله تعالى
وبرجوعنا إلى كتب السلف التي تحدثت
عن الروح وعن حقيقتها، نجد تفسير هذه
الحقيقة عند السيوطي، بعد أن أورد حديث
سبب نزول الآية: (( ... فاختلف الناس في
الروح على فرقتين: فرقة أمسكت عن الكلام
فيها؛ لأنها سر من أسرار الله تعالى لم يؤت
علمه البشر، وهذه الطريقة هي المختارة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: سئل
ابن عباس عن الروح، قال: الروح من أمر
ربي لا تتأولوا هذه المسألة فلا تزيدوا عليها،
قولوا كما قال الله تعالى وعلّم نبيه: ﴿وَمَآ
أُوْتِبْتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥].
وأخرج ابن جرير بسند مرسل أن الآية لما
نزلت قالت اليهود هكذا نجده عندنا. قلت:
فمسألة أبهمها الله تعالى في القرآن والتوراة،
وكتم عن خلقه علمها، من أين للمتعمقين
الاطلاع على حقيقة أمرها؟!))(١).
وفي تفسير المراغي: ((وللعلماء في
حقيقة الروح أقوال كثيرة، أولاها بالاعتبار
قولان:
الأول: إن الروح جسم نوراني، حي،
متحرك من العالم العلوي، مخالف بطبعه
لهذا الجسم المحسوس، سار فيه سريان
الماء في الورد، والدّهن في الزيتون، والنار
في الفحم، لا يقبل التبدل والتفرق والتمزق،
يفيد الجسم المحسوس الحياة وتوابعها ما
دام صالحًا لقبول الفيض وعدم حدوث ما
يمنع السريان، وإلا حدث الموت. واختاره
الرازي وابن القيم في كتاب الرّوح.
الثاني: إنه ليس بجسم ولا جسماني،
متعلق بالبدن تعلق التدبير والتصرف، وإلى
هذا ذهب حجة الإسلام الغزالي وأبو القاسم
الراغب الأصفهاني، ثم أكد عدم علم أحد
بها؛ لقوله: ﴿وَمَآ أُوْتِتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾
[الإسراء: ٨٥]))(٢).
وقال ابن عادل الحنبلى وهو يتحدث عن
(١) شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور،
السيوطي ص٣١٠.
(٢) تفسير المراغي ٨٩/١٥.
www. modoee.com
٣٣٣

حرف الراء
حقيقة الروح: ((فهم قالوا: ما حقيقة الروح يعلمها إلا هو)) (٣).
وماهيته؟ أهو أجسامٌ موجودة داخلة في
البدن مولدةٌ من امتزاج الطبائع والأخلاط؟
أو هو عبارة عن نفس هذا المزاج والتركيب؟
أو هو عبارة عن عرض قائم بهذه الأجسام؟
أو هو عبارة عن موجودٍ يغاير هذه الأجسام
والأعراض؟ فأجاب الله عنه بأنّه موجودٌ
مغاير لهذه الأجسام ولهذه الأعراض؛ وذلك
لأن لهذه الأجسام ولهذه الأعراض أشياء
تحدث عن امتزاج الأخلاط والعناصر،
وأمّا الروح فإنه ليس كذلك، بل هو جوهرٌ
بسیطُ مجردٌ، ولا يحدث إلا بمحدثٍ يقول
له: كن فیکون، فأجاب الله عنه بأنه موجود
محدث بأمر الله وتكوينه، وتأثيره في إفادة
الحياة بهذا الجسد، ولا يلزم من عدم العلم
بحقيقته المخصوصة نفيه))(١).
وفي حقيقة الروح قالوا: ((وأما حقيقة
الروح فهي لطيفة ربانية، وعنصر من عناصر
العالم العلوى تتصل بمدد رباني إلى العالم
السفلى»(٢).
وفي فيض الباري: (أن القرآن لم يتعرض
في الجواب إلى حقيقة الروح ومادته، بل
ذكر العلة الصّورية فقط، ويريد أن الروح
محركٌ للبدن وانتهاء شعورها أمر الرب،
فهذا علتها الصورية فقط، أما حقيقتها فلا
(١) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل الحنبلي
٠٣٧٤/١٢
(٢) بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي ١٠٦/٣.
جوسيس
القرآن الكريمِ
وقال ابن حجر: ((قال ابن بطال: معرفة
حقیقة الروح مما استأثر الله بعلمه، بدلیل
هذا الخبر، قال: والحكمة في إبهامه
اختبار الخلق؛ ليعرّفهم عجزهم عن علم
ما لا يدركونه؛ حتى يضطرهم إلى رد العلم
إليه»(٤).
وقال ابن عاشور: ((واختلف المفسرون
في الروح المسئول عنه المذکور هنا، ما هو
من هذه الثلاثة؟ فالجمهور قالوا: المسئول
عنه هو الروح بالمعنى الأول، الموجود
الخفي المنتشر في سائر الجسد الإنساني،
قالوا: لأنه الأمر المشكل الذي لم تتضح
حقيقته، وأما الروح بالمعنيين الآخرين
فیشبه أن یکون السؤال عنه سؤالًا عن معنی
مصطلح قرآني. وقد ثبت أن اليهود سألوا
عن الروح بالمعنى الأول؛ لأنه هو الوارد في
أول كتابهم وهو سفر التكوين من التوراة؛
لقوله في الإصحاح الأول: «وروح الله یرف
على وجه المياه)). وليس الروح بالمعنيين
الآخرین بوارد في كتبهم)»(٥).
وفي إعانة الطالبين: ((واختلف في حقيقة
الروح، فقال أكثر أهل السنة والجماعة:
الأولى أن نمسك المقال عنها، ونكف عن
(٣) فيض الباري على صحيح البخاري، محمد
أنور شاه ١/ ٣١٣.
(٤) فتح الباري، ابن حجر ٤٠٣/٨.
(٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٩٧/١٥.
٣٣٤

الروح
البحث فيها، وأنها مما استأثر الله بعلمه،
ولم يطلع عليه أحدًا من خلقه))(١). وإليه
أشار ابن رسلان في زبده بقوله(٢).
والروح ما أخبر عنها المجتبى
فنمسك المقال عنها أدبا
وفي لوامع الأنوار البهية: ((وقد تنازع
الناس في حقيقة الروح، واختلفوا فيها
اختلافًا کثیرًا مع القطع باتصالها بالبدن،
وإنها تخرج منه وتعرج إلى السماء، وقد
تخبط فيها الفلاسفة ومن وافقهم تخبط
الذي به مس من الشيطان؛ لكونهم رأوها
من غیر جنس البدن وعالمه وصفاته، فعدم
مماثلتها للبدن لا ينفي أن تكون الصفات
الثابتة لها من الصعود والنزول والاتصال
والانفصال حقًّا))(٣).
وهكذا يتضح لنا أن حقيقة الروح
-وبحسب معظم المفسرين- أنها مما
استأثر الله بعلمه، ولم يطلع على ذلك أحدًا
من خلقه، ويجب علينا ألا نخوض فيها
بأكثر من تفويض العلم فيها لرب العباد.
ثانيًا: صفات الروح:
ونتناول هنا الصفات التى اتصفت بها
(١) إعانة الطالبين على حل ألفاظ فتح المعين،
الدمياطي ١٢٢/٢.
(٢) غاية البيان شرح زبد ابن رسلان، شهاب
الدين الرملي ص١٨.
(٣) لوامع الأنوار البهية، السفاريني الحنبلي
٢٦٦/١.
الروح بناءً على النصوص الشرعية التي
تحدثت عن ذلك، فمن النصوص الثابتة
القوية في وصف الروح الإنسانية، ما ثبت
في صحيح البخاري ومسلم والمسند وسنن
أبي داود عن أبي هريرة رضي الله عنه
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها
ائتلف، وما تناكر منها اختلف) (٤).
وقال صاحب التحفة المهدية، معددًا
الصفات التي اتصفت بها روح الإنسان:
«فإن روح ابن آدم تسمع، وتبصر، وتتكلم،
وتنزل، وتصعد، كما ثبت ذلك بالنصوص
الصحيحة، والمعقولات الصريحة، ومع
ذلك فليست صفاتها وأفعالها كصفات
البدن وأفعاله))(٥).
وجاء في كشاف اصطلاحات الفنون
والعلوم: ((ومذهب أهل السنة والجماعة: أنّ
الروح والعقل من الأعيان، وليسا بعرضين
كما ظّته المعتزلة وغيرهم، وأنهما يقبلان
الزيادة من الصفات الحسنة والقبيحة، كما
تقبل العين الناظر غشاوة ورمدًا، والشمس
انكسافًا؛ ولهذا وصف الروح بالأمّارة
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث
الأنبياء، باب الأرواح جنود مجندة، ١٣٣/٤،
رقم ٣٣٣٦، ومسلم في صحيحه، كتاب البر
والصلة والآداب، باب الأرواح جنود مجندة،
٢٠٣١/٤، رقم ٢٦٣٨.
(٥) التحفة المهدية شرح العقيدة التدمرية، فالح
بن مهدي الدوسري ١ / ١٠٧.
www. modoee.com
٣٣٥

حرف الراء
بالسوء مرة، وبالمطمئنّة أخرى»(١).
وقال ابن القيم في كتاب الروح: ((وقد
وصفها الله سبحانه وتعالى بالدخول،
والخروج، والقبض، والتوفي والرجوع،
وصعودها إلى السماء، وفتح أبوابها لها
وغلقها عنها، فقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ
الظَّالِمُونَ فِ غَمَرَتِ الْمُوْتِ وَالْمَلَئِكَةُ بَاسِطُواْ
أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ﴾ [الأنعام: ٩٣].
٢٧
وقال تعالى: ﴿يَأَيَُّهَا النَّفْسُ الْمُعْمَيَنَّةُ
أَرْجِعِيّ إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَّةً مَرْضِيَّةً (٥) فَادْخُلِ فِي عِبَدِى
وَأَدْخُلِ جَنَِّ﴾﴾ [الفجر: ٢٧ -٣٠].
وهذا يقال لها عند المفارقة للجسد،
وقال تعالى: ﴿وَنَفْسِ وَمَا سَوَّنَهَا فَأَهْمَهَا
◌ُورَهَا وَتَقْوَنهَا﴾ [الشمس: ٧-٨].
فأخبر أنه سوّى النفس، كما أخبر أنه
سوّى البدن في قوله: ﴿الَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّنِكَ
فَعَدَ لَكَ﴾ [الانفطار: ٧].
فهو سبحانه سوّى نفس الإنسان كما
سوّی بدنه، بل سوّى بدنه كالقالب لنفسه،
فتسوية البدن تابع لتسوية النفس، والبدن
موضوع لها كالقالب لما هو موضوع
له))(٢) . هذا ما قيل في الصفات التي اتصفت
بها الروح ونلحظ أنها جميعًا مما أثبتته
النصوص الشرعية.
(١) كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، التهانوي
٨٨٣/١.
(٢) الروح، ابن القيم ص٣٨.
جوبسين جر
القرآن الكريم
الموصفون بالروح في القرآن
من خلال تتبع الآيات نجد أنها وصفت
بعض الأشياء بالروح، ومن ذلك:
أولًا: جبريل عليه السلام:
قال الله تعالى: ﴿نَزَّلَ بِهِ الرُُّعُ آلْأَمِينُ﴾
[الشعراء: ١٩٣] . والروح الأمين الذي نزل
بالقرآن على محمد صلى الله عليه وسلم،
هو جبريل عليه السلام.
وقال تعالى: ﴿فَرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾
[مريم: ١٧]، أرسل إليها جبريل عليه السلام.
وقال تعالى: ﴿فَنَزَّلُ الْمَلَتِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا
بِإِذْنِ رَبِهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾ [القدر: ٤].
أي: تنزل الملائكة وجبريل معهم، وهو
الروح في ليلة القدر(٣).
وفي قوله تعالى: ﴿يُلْقِى الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ،﴾
[غافر: ١٥]، أي: يرسل جبريل.
والمراد بالروح في قوله تعالى : ﴿يَومَ
يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَئِكَةُ ﴾ [النبأ: ٣٨]: جبريل عليه
السلام(٤).
وفي قوله تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ
الرُّوح﴾ [الإسراء: ٨٥]، قال قتادة والحسن:
هو جبريل(٥).
وفي قوله تعالى: ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٧/ ٥٤٤.
(٤) انظر: غرائب التفسير، الكرماني ٦٤٠/١.
(٥) تفسير عبد الرزاق الصنعاني ٢/ ٣١٣.
٣٣٦