Indexed OCR Text
Pages 21-38
الرزق المغفرة كثيرها للتائبين، ووعدهم أنهم إن الآخرة حسنةً، وقنا عذاب النّار)(٣). آمنوا يرزقهم الله تعالى الخصب ويدفع عنهم ما هم فيه(١)، فالآيات تدل على أن الاشتغال بالطاعة سبب لانفتاح أبواب الخيرات، ويحكي لنا القرآن الكريم أن نبي الله هود عليه السلام قد تفطن الثمرة الاستغفار، وأنه من أسباب الرزق والعز والقوة؛ حيث قال عز وجل على لسانه: ﴿وَيَقَوْمِ أَسْتَغْفِرُ واْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَآَةَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا نَنَوَلَوْمُجْرِمِينَ﴾ [هود: ٥٢]. والمعني: كما يقول السعدي: ((﴿أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ﴾ عما مضى منكم ﴿ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ﴾ فيما تستقبلونه، بالتوبة النصوح، والإنابة إلى الله تعالى، فإنكم إذا فعلتم ذلك ﴿يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا﴾ بكثرة الأمطار التي تخصب بها الأرض، ويكثر خيرها، ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ فإنهم كانوا من أقوى الناس، ولهذا قالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةٌ﴾ [فصلت: ١٥]. فوعدهم أنهم إن آمنوا، زادهم قوة إلى قوتهم، أي: عزّا مضمومًا إلى عزكم أو مع عزکم»(٢). وكان أكثر دعاء نبينا صلي الله عليه وسلم: (اللّهمّ ربّنا آتنا في الدنيا حسنةً، وفي (١) روح المعاني، الألوسي ٣١٣/٢١. (٢) تيسير الكريم الرحمن ص ٣٨٣. قال ابن حجر رحمه الله تعالى: «قال ابن كثير: الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي، من عافية، ودار رحبة، وزوجة حسنة، وولد بار، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هنيء، وثناء جميل، إلى غير ذلك مما شملته عباراتهم، فإنها كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا، وأما الحسنة في الآخرة فأعلاها دخول الجنة، وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر في العرصات، وتيسير الحساب وغير ذلك من أمور الآخرة)» (٤). فإذا ما استغفر المسلم ولم يجد نتيجة، فليتذكر أنه ليس المراد بالاستغفار مجرد قول ((استغفر الله)) بل الرجوع عن الذنوب وتطهير الألسنة والقلوب (٥). وليعلم أن الخلل فيه هو لا في غيره، وأن استغفاره لم يتجاوز لسانه، وأن استغفاره دون وعي، ودون عمل یحتاج إلى استغفار. قال تعالى حاكيًا قول شعيب عليه السلام (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، ٨/ ٨٣، رقم ٦٣٨٩، ومسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل الدعاء باللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، ٤ / ٢٠٧٠، رقم ٢٦٩٠. (٤) فتح الباري ١٨٤/١٨. (٥) إعراب القرآن وبيانه، الدرويش ٢٢٧/١٠ www. modoee.com ١٩٥ حرف الراء لقومه: ﴿وَأَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّ رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هود: ٩٠]. قال السعدي في سرده لفوائد قصة شعيب: ((ومنها: أن التائب من الذنب كما يسمح له عن ذنبه ويعفى عنه، فإن الله تعالى يحبه ويودّه ولا عبرة بقول من قال: (إن التائب إذا تاب فحسبه أن يغفر له ويعود عليه بالعفو، وأما عود الود والحب فإنه لا يعود)، فإن الله تعالى قال: ﴿وَأَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبٍِّ رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هود: ٩٠]»(١). رابعًا: الدعاء: لقد أمر الله تعالى عباده بأن يدعوه وحضهم على الدعاء وسماه عبادة، ووعدهم بأن يستجيب لهم، وأخبرهم بأنه قریب یجیب دعوة من دعاه، ويستحي أن یرد یدي عبده خالیتین. قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍّ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى وَلْيُؤْمِنُواْ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦]. وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (إن ربكم تبارك وتعالى حيي کریم، يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرًا)(٢). (١) تيسير الكريم الرحمن ص٣٨٩. وللدعاء أهمية کبری، وثمرات جليلة، وفضائل عظيمة، وأسرار بديعة منها (٣): ١. الدعاء طاعة لله وامتثال لأمره عز وجل. قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُوَ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِ سَيَدْ خُلُونَ جَهَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]. وقال تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ بَنِّ بِالْقِسْطٌ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَأَدْعُوهُ ◌ُخْلِصِينَ لَهُ الذِينَّ كُمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩]. ٢. الداعي مطيع لله، مستجيب لأمره، السلامة من الكبر. قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ اُدْعُونيّ أَسْتَجِبْ لَكُوَإِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِ سَيَدْ خُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]. قال الإمام الشوكاني في هذه الآية: ((والآية الكريمة دلت على أن الدعاء من العبادة؛ فإنه سبحانه وتعالى أمر عباده أن يدعوه، ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِ﴾. فأفاد ذلك أن الدعاء عبادة، وأن ترك دعاء الرب سبحانه استكبار)) (٤) الدعاء، ٧٨/٢، رقم ١٤٨٨، والترمذي في أبواب الدعوات، ٥٥٦/٥، رقم ٣٥٥٦. وصححه الألباني في صحيح الجامع، ٣٦٢/١، رقم ١٧٥٧. (٣) أهمية الدعاء وكيفيته في السنة النبوية، محمد بن إبراهيم الحمد ١-٢. (٢) أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب (٤) تحفة الذاكرين ص٢٨. ١٩٦ جوي القرآن الكريم الرزق ويجمع خيري الدنيا والآخرة سؤال الله حسنة في الدنيا، وفي الآخرة حسنة، فهذا من جوامع الدّعاء؛ سأل قتادة أنسًا: أي دعوة کان يدعو بها النبيّ صلى الله عليه وسلم أکثر؟ قال: کان أکثر دعوة يدعو بها، يقول: (اللهمّ آتنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقنا عذاب النار)، قال: وكان أنسُ إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها، فإذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها فيه(١). قال ابن كثير: ((جمعت هذه الدعوة كلّ خيرِ في الدنيا، وصرفت كلّ شرِّ، فإنّ الحسنة في الدنیا تشمل كلّ مطلوب دنيوي؛ من عافية، ودار رحبة، وزوجة حسنة، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومرکب هنيء، وثناء جميل، إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عبارات المفسّرین، ولا منافاة بينها، فإنّها كلها مندرجةٌ في الحسنة في الدنيا))(٢). وقال الله تعالى: ﴿قَالَ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ اللَّهُوَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَآيِدَةً مِنَ السَّمَاءِتَكُونُ لَنَا (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، ٨٣/٨، رقم ٦٣٨٩، ومسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل الدعاء باللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، ٢٠٧٠/٤، رقم ٢٦٩٠. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥٥٨/١. عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَءَاخِنَا وَءَايَّةً مِّنْكٌ وَأَرْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الزَّزِقِينَ ﴿ قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِّ أَعَذِّبُ عَذَابًا لَّ أُعَذِّبُهُ: أَحَدًا مِّنَ الْعَلَمِينَ (٣)﴾[المائدة: ١١٤ - ١١٥]. والمعنى: ((﴿قَالَ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ اَللَّهُوَّ رَبَّنَا﴾ أي: يا الله المطلوب لكل مهمّ، الجامع للكمالات، الذي ربانا بها، ناداه سبحانه وتعالى مرتين بوصف الألوهية والربوبية، إظهارًا لغاية التضرع ومبالغةً في الاستدعاء، ﴿أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَآيِدَةً مِنَ السَّمَآِ﴾ أي: التي فيها ما تعدنا من نعيم الجنة، ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَءَاخِنَا﴾ أي: یکون یوم نزولها عیدًا نعظمه ونسرّ به، نحن الذین یدرکونها. ومن بعدنا الذين يسمعونها فيتقوّون في دينهم، (العيد) العائد، مشتق من (العود) لعوده في كل عام بالفرح والسرور، وکل ما عاد عليك في وقت فهو عید، وقيل: العيد: ما اعتادك من هم أو مرض أو حزن ونحوه، كل يوم فيه جمع، ﴿وَءَايَّةً مِّنْكَ ﴾ أي: على كمال قدرتك وصدق وعدك وتصديقك إياي، ﴿وَأَرْزُقْنَا﴾ أي: أعطنا ما سألناك، ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الزَّزِقِينَ﴾ أي: خير من يرزق، لأنه خالق الرزق ومعطيه بلا عوض(٣). ومن صور الدعاء: الاستعاذة بالله من المأثم والمغرم: (٣) محاسن التأويل، القاسمي ٢٩٧/٤. www. modoee.com ١٩٧ حرف الراء عن عائشة رضي الله عنها أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يدعو في الصّلاة: (اللّهمّ إنّي أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجّال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، اللّهمّ! إنّي أعوذ بك من المأثم والمغرم). قالت: فقال له قائلٌ: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم يا رسول الله! فقال: (إنّ الرّجل إذا غرم، حدّث فكذب، ووعد فأخلف)(١). خامسًا: الإنفاق: ومن صوره: ١-الإنفاق في سبيل الله تعالى: قال الله تعالى: ﴿وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّن شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِّفُةٌ، وَهُوَ خَيْرُ الزَّزِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩]. والمعنى: ﴿وَمَآ أَنفَقْتُم مِّنْ شَىْءٍ﴾ في فعل الخيرات التي أمر الله بها في كتابه وبيّنها رسوله صلّى الله عليه وسلّم، ﴿فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ أي: يعوضه عليكم إما في الدنيا وإما في الآخرة، ﴿وَهُوَ خَيْرُ الزَّزِقِنَ﴾ أي: إن الناس مجرد وسطاء، فإن رزق العباد لبعضهم بعضًا إنما هو بتيسير الله وتقديره، (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، باب الدعاء قبل السلام، رقم ٨٣٢، ومسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب التعوذ من عذاب القبر وعذاب جهنم وفتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال ومن المأثم والمغرم بين التشهد والتسليم، ٤١٢/١، رقم ٥٨٩. وليسوا برازقين على الحقيقة، وإنما الرازق الحقيقي هو الله تعالى (٢). وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله تبارك وتعالى: يا ابن آدم أنفق أنفق عليك)(٣). ٢- الإنفاق على أهل العلم: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان أخوان على عهد النّبيّ صلى الله عليه وسلم فکان أحدهما يأتي النّبيّ صلى الله علیه وسلم والآخر یحترف فشكا المحترف أخاه إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: (لعلّك ترزق به)(٤). ٣- إكرام الضعفاء والإحسان إليهم: عن مصعب بن سعدٍ قال: رأى سعدٌ رضي الله عنه أنّ له فضلًا على من دونه، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: (هل تنصرون وترزقون إلاّ بضعفائکم)(٥). وفي الصحيح عن أبي هريرة أنّ النبي (٢) التفسير المنير، الزحيلي ١٩٣/٢٢. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النفقات، باب فضل النفقة على الأهل، ٤٩٧/٧، رقم ٥٣٥٢، ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب الحث على النفقة وتبشير المنفق بالخلف، ٢/ ٦٩٠، رقم ٩٩٣. (٤) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الزهد، باب في التوكل على الله، ١٥٢/٤، رقم ٢٣٤٥. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، ٦٣٦/٦، رقم ٢٧٦٩. (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب من استعان بالضعفاء والصالحين في الحرب، رقم ٢٨٩٦. جَوَسُولَة الصـ لِلْقُرآن الكَرِيمِ ١٩٨ الرزق صلی الله عليه وسلم قال: (ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفًا)(١). ویکون الخلف بعدة وجوه: بالأجر والثواب. قال اللّه تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَأَنْتَشِرُواْ فِ الْأَرْضِ وَأَبْثَغُواْ مِن فَضْلِ اَللَّهِ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠]. إن المنهج الإسلامي يتسم بالتوازن بين العمل لمقتضيات الحياة في الأرض، وبين العمل في تهذيب النفس، والاتصال بالله تعالى وابتغاء رضوانه، وإلى ذلك يشير (٢) القرآن الكريم(٢). قال تعالى: ﴿وَأَبْتَغْ فِيمَآ ءَاتَنْكَ اللَّهُ (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب قول الله تعالى: (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى)، رقم ١٤٤٢، ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب في المنفق والممسك رقم ١٠١٠. (٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٠٨/٧. الدَّارَ الْآَخِرَةٌ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَّاً وَأَحْسِنْ كَمَآ أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكٌ وَلَا تَبْعَ الْفَسَادَ فِىِ الْأَرْضِّ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٧٧]. والمعنى: قد حصل عندك من وسائل يخلفه في الدنيا، إذا رأى ذلك صلاحًا، الآخرة ما ليس عند غيرك من الأموال، فابتغ فيعوّضه مثل ما أنفق وأزيد يخلفه في الآخرة بها ما عند الله، وتصدق ولا تقتصر على مجرد نیل الشهوات، وتحصیل اللذات، ولا نأمرك أن تتصدق بجميع مالك وتبقى ضائعًا، سادسًا: السعي في الأرض: بل أنفق لآخرتك، واستمتع بدنياك استمتاعًا لا یثلم دینك، ولا یضر بآخرتك، وأحسن لقد أعلن القرآن الكريم دعوته الأكيدة على ضرورة العمل، وعلى الكسب، وبذل الجهد. إلى عباد اللّه كما أحسن اللّه إليك بهذه الأموال، ولا تبغ الفساد في الأرض بالتكبر والعمل بمعاصي اللّه والاشتغال بالنعم عن المنعم، إنّ اللّه لا یحبّ المفسدين بل يعاقبهم على ذلك، أشد العقوبة(٣). قال تعالى: ﴿فَأَمْشُواْ فِىِ مَنَاكِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ* وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: ١٥]. لما ذكر سبحانه أنه يسرها للمشي، ذكرهم بأنه سهلها لإخراج الخيرات والبركات فقال: ﴿وَكُلُواْ﴾ ودل على أن الرزق فوق الكفاية بقوله: ﴿مِنْ رِّزْقِهِ،﴾ أي: الذي أودعه لكم فيها، وأمكنكم من إخراجه بضد ما تعرفون من أحوالكم، فإن الدفن في الأرض مما يفسد المدفون ويحيله إلى جوهرها كما يكون لمن قبرتموه فيها، ومع (٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٩٠٨. www. modoee.com ١٩٩ حرف الراء ذلك فأنتم تدفنون الحب وغيره مما ينفعكم فیخر جه لکم سبحانه على أحسن ما تريدون ويخرج لكم من الأقوات والفواكه والأدهان والملابس ما تعلمون، وكذلك النفوس هي صعبة کالجبال وإن قدتها للخير انقادت لك، کما قیل: (هي النفس ما عودتها تتعود)، ولما کان التقدير للبعث على الشكر والتحذير من الكفر: واعبدوه جزاءً على إحسانه إليكم وتربيته لكم. فمنه مبدأ جميع ذلك، عطف عليه ما يدعو إلى الحياء من السيد والخجل من توبيخه عند لقائه فقال: ﴿وَإِلَيْهِ﴾ أي: وحده ﴿النُُّورُ﴾ وهو إخراج جمیع الحيوانات التي أكلتها الأرض وأفسدتها، يخرجها في الوقت الذي يريده(١). والكد والعمل -طلبًا للرزق- من سنن الأنبياء، قال عليه الصلاة والسلام: (ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده) (٢). وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ((لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق وهو يقول: اللهم ارزقني، وقد علم أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضةً))(٣) (١) نظم الدرر، البقاعي ٢٤٦/٢٠. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب كسب الرجل وعمله، رقم ٢٠٧٢، ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب كراهة المسألة للناس، رقم ١٠٤٢. (٣) تاريخ عمر بن الخطاب، ابن الجوزي ص٢٠٢. وخلاصة القول: أن الحياة جهاد وكفاح، فليس طلب المعيشة بالتمني ولكن بالعمل، وعجز المرء وكسله سبب البلاء والتأخير، وقد تعوذ النبي صلى الله عليه وسلم من الكسل فقال: (اللهم إني أعوذ بك من الكسل والجبن والبخل، ومن غلبة الدين وقهر الرجال) (٤). وقد قال صلى الله عليه وسلم: (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تکسل)(٥). فسبحان من أخرج الناس من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئًا، وجعل لهم السمع والأبصار والأفئدة، وأمرهم باستعمالها، وهداهم إلى أسباب الرزق، ويسرها لمن طلبها. ومن آداب السعي لطلب الرزق وزيادته وحصول البركة فيه: التبكير في طلب الرزق: عن صخر الغامديّ رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: (اللّهمّ بارك لأمتي في بكورها)، وكان إذا بعث سريّةً أو جيشًا بعثهم من أوّل النّهار، وكان صخرٌ (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات، باب التعوذ من غلبة الرجال، رقم ٦٣٦٣. (٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة بالله، وتفويض المقادير لله، ٢٠٥٢/٤، رقم ٢٦٦٤، عن أبي هريرة رضي الله عنه. ٢٠٠ جَوَسُورُ القرآن الكريم الرزق رجلًا تاجرًا، وكان يبعث تجارته من أوّل تقول: ((الثناء يضارع الخلود))، كما يسمى النّهار، فأثری و کثر ماله حتی کان لا يدري أين يضع ماله(١). قال الإمام الشوكاني: (وحدیث صخر المذكور فيه مشروعية التبكير من غير تقیید بيوم مخصوص سواءً كان ذلك في سفر جهاد أو حج أو تجارة أو في الخروج إلى عمل من الأعمال ولو في الحضر))(٢). سابعًا: صلة الرحم: إن من أعظم الطاعات التي تزيد في الرزق هي صلة الرحم؛ كما روي عن أنس ابن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلی الله عليه وسلم يقول: (من سرّه أن يبسط له في رزقه، أو ينسأله في أثره، فليصل رحمه)(٣). ومعنى قوله: (وينسأ له في أثره) أي: يبقى ذكره الطيب وثناؤه الجميل مذكورًا على الألسنة، فكأنه لم يمت، والعرب (١) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب البيوع، باب التبكير في التجارة، ٥١٧/٣، رقم ١٢١٢، وابن ماجه في سننه، كتاب التجارات، باب ما البركة في البكور، ٢/ ٧٥٢. وصححه الألباني في صحيح الجامع، ٢٧٨/١، رقم ١٣٠٠. (٢) نيل الأوطار، الشوكاني ٢٧٤/٧. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب من بسط له في الرزق بصلة الرحم، ٤٢٩/١٠، رقم ٥٩٨٦، ومسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب صلة الرحم، ٩/ ٣٦٨٧، رقم ٤٦٠٤. الذم موتًا، وقال سابق البربري: موت التّقيّ حياةٌ لا انقطاع لها، قد مات قومٌ وهم في النّاس أحياء (٤). یعنی: بسوء أفعالهم وقبح ذکرهم، وفي الحديث السابق: إباحة اختيار الغنى على الفقر، فإن قيل: هذا الحدیث یعارض قوله عليه السلام: (يجمع خلق أحدكم في بطن أمّه أربعين يومًا مضغة ... ) وفيه: (فيكتب رزقه وأجله)(٥). قال المهلب: اختلف العلماء في وجه الجمع بينهما علی قولین: القول الأول: معنى البسط في رزقه: البركة؛ لأن صلته أقاربه صدقة، والصدقة تربي المال وتزيد فيه، فینمو بها ویزکو. والقول الثاني: أنه يجوز أن يكتب في بطن أمه أنه إن وصل رحمه فإن رزقه وأجله كذا، وإن لم يصل رحمه فكذا؛ بدلالة قوله تعالى في قصة نوح: ﴿يَغْفِرْ لَكُم مِّنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّىَّ إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَآءَ لَا يُؤَخّ لَوْكُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [نوح: ٣- ٤]. يريد: أجلًا قد قضى به لكم إن أطعتم، (٤) زهر الأكم في الأمثال والحكم، اليوسي ١/ ٧٢. (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، رقم ٣٢٠٨، ومسلم في صحيحه، كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته، رقم ٢٦٤٣. www. modoee.com ٢٠١ حرف الراء يؤخّركم إليه؛ لأن أجل الله إذا جاء في حال معصيتكم لا يؤخّر عنكم (١). قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةُ ءَامَنَتْ فَتَفَعَهَآ إِيَمَنُّهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّاَ ءَامَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِرِيِ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَمَثَّعْنَهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨]؛ وهو الهلاك على الكفر، ﴿وَمَتَّقْنَهُإِلَى حِينٍ ﴾ فهذا كله من المكتوب في بطن أمه؛ أي الأجلين استحقّ لا يؤخّر عنه، ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتٌ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَبِ ﴾ [الرعد: ٣٩]. وقد روي عن عمر بن الخطاب ما هو تفسيرٌ لهذه الآية؛ كان يقول: ((اللهم إن كنت كتبتني عندك شقيًّا، فامحني واكتبني سعيدًا؛ فإنك تقول: ﴿يَمْحُواْ اللّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَبِ﴾ [الرعد: ٣٩])). (١) انظر: شرح صحيح البخاري، ابن بطال ٢٠٦/٦. علاقة المعاصي بالرزق لا شك أن المعاصي جميعًا سواءً كانت في حق الله أو في حقوق العباد من أسباب ضيق الرزق ونكد العيش، وعن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يزيد في العمر إلا البر، ولا يردّ القدر إلّ الدّعاء، وإنّ الرجل ليحرم الرّزق بالذنب يصيبه)(٢). حتى وإن أنعم الله سبحانه على العاصي ببعض النعم استدراجًا له فإنها لا تأتيه إلا منغصةً منزوعة البركة بسبب ذنوبه ومخالفته. يقول ابن القيم في كتابه الجواب الكافي: ((ومن عقوباتها -المعاصي -: أنها تمحق بركة العمر، وبركة الرزق، وبركة العلم، وبركة العمل، وبركة الطاعة، وبالجملة أنها تمحق بركة الدين والدنيا، فلا تجد أقل برکة في عمره و دینه و دنیاه ممن عصی الله، وما محيت البركة من الأرض إلا بمعاصي الخلق))(٣). قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىّ ءَامَنُواْ (٢) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب القدر، باب ما جاء لا يرد القدر إلا الدعاء، رقم ٢١٣٩، وابن ماجه في سننه، المقدمة، باب العقوبات، ٢/ ١٣٣٤، رقم ٤٠٢٢. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع، رقم ١٤٥٢. (٣) الجواب الكافي ص ٥٨. ٢٠٢ مَشَارَةُ النَّسَيَدْ جُوَسَق القرآن الكريم الرزق وَأَتَّقَوْاْ لَفَنَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَتٍ مِّنَ السَّمَاِ وَالْأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٦]. قال ابن عباس رضي الله عنهما: ((أي: لوسّعنا عليهم الخير، ويسّرناه لهم من كل جانب)»(١). قال تعالى: ﴿وَأَلَّوٍ أَسْتَقَمُواْ عَلَى الَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَهُم مَّهُ غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦]. وفي الحديث: (إنّ روح القدس نفٹ في رومي أنّ نفسًا لن تموت حتّی تستكمل أجلها وتستوعب رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطّلب، ولا يحملنّ أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله، فإنّ الله تعالى لا ينال ما عنده إلاّ بطاعته)(٢). وإن الله جعل الروح والفرح في الرضا واليقين، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط. وقال تعالى: ﴿وَ إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَین شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَيِنِ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِى ◌َشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧]. والمعنى: لئن شكرتم إنعامي عليكم بما ذكر لأزيدنّكم نعمةً إلى نعمة؛ تفضّلًا منّي، وقيل: لأزيدنکم من طاعتي، وقيل: (١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢٥٣/٣. (٢) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء، ١٠/ ٢٧. وصححه الألباني في صحيح الجامع، ١/ ٤٢٠، رقم ٢٠٨٥. لأزيدنّكم من الثواب(٣). المعاصي تمحق الأرزاق: قد ینخدع الناس بزيادة خيرات الدنيا مع معاصيهم؛ فيظنوا ذلك بسطًا في الرزق فيزدادوا غيًّا وإعراضًا، ولكن اقتران المعاصي مع فيض النعم يعني الإمهال من الله تعالى لحصول التوبة، فإذا تعدى ذلك حدود الإياب والتوبة؛ فإنه يكون الاستدراج الذي يليه الهلاك والعذاب. وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في عدة مواضع، ولعل من أوضحها دلالة ما جاء في سورة الكهف -في قصة صاحب الجنتين- حيث يقول تعالى: ﴿وَأَضْرِبْ لَمُ مَّثَلَا تَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّنَيْنِ مِنْ أَعْنَبٍ وَحَفَفْتَهَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا كِلْنَا الْجَنََّيْنِ ءَانَتْ أُكُلَهَا ٣٣ وَلَمْ تَظْلِ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَرْنَا خِلَلَهُمَا نَهْرًا فَ وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَحِبِهِ، وَهُوَ يُحَاوِرُهُ، أَنَاْ أَكْثَرُ مِنْكَ مَالَّا وَأَعَزُّ نَفَرًّا () وَدَخَلَ جَنَّتَهُ، وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَآ أَعُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًّا) وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآئِمَةً وَلَپن ◌ُِدُ إِلَى رَبِّ قَالَ لَهُ, صَاحِبَهُ, لَأَجِدَنَ خَيْراً مِنْهَا مُنْقَلَبًا وَهُوَ يُحَاوِرُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِى خَلَفَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن تُظْفَةٍ ثُمَّ سَوَّلِكَ رَجُلًا ◌ٌ لَكِنَّا هُوَ اَللَّهُ رَبِّ وَلَآ أُشْرِكُ بِرَبِ أَحَدًا ﴾ وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنََّكَ قُلْتَ مَا شَآءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِّ إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا ، فَعَسَى رَبِّ أَنْ يُؤْتِّيَنِ (٣) فتح القدير، الشوكاني ٣/ ٩٦. www. modoee.com ٢٠٣ حرف الراء خَيْرًا مِّن جَنَّئِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ قيام الليل، وإن العبد ليذنب الذنب فيحرم به رزقًا کان قد هيئ له. السَّمَآءِ فَنُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا) أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا وَأُحِيطَ بِشَرِهِ. فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كُفَّيْهِ عَلَى مَّا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَيْنَفِى لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّ أَحَدًا (٢) وَلَمْ تَكُن لَّهُفِتَةٌ يَصُرُونَهُ, مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنَصِرًا هُنَالِكَ الْوَةُ لِلَّهِ الْحَقّ هُوَ خَيْرٌ نَّوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا ٤٣ [الكهف: ٣٢ - ٤٤]. تجيء قصة الرجلين والجنتين تضرب مثلًا للقيم الزائلة والقيم الباقية، وترسم نموذجين واضحين للنفس المعتزة بزينة الحياة، والنفس المعتزة بالله، وكلاهما نموذج إنساني لطائفة من الناس: صاحب الجنتين نموذج للرجل الثري، تذهله الثروة، وتبطره النعمة، فينسى القوة الكبرى التي تسيطر على أقدار الناس والحياة، ويحسب هذه النعمة خالدة لا تفنى، فلن تخذله القوة ولا الجاه، وصاحبه نموذج للرجل المؤمن المعتز بإيمانه، الذاكر لربه، يرى النعمة دليلاً على المنعم، موجبةً لحمده وذكره، لا لجحوده و کفره(١). إن الوقوع في المعاصي والآثام يؤدي إلی محق الرزق وإهلاکه، وتهلك أصحابها ذلًا وضيقًا وعذابًا في الدنيا والآخرة. إن العبد ليذنب الذنب الواحد فينسى به الباب من العلم، وإن العبد ليذنب الذنب فيحرم (١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٤/ ٢٢٧٠. جوبيه الْقُرآن الكَرِيمِ فانظر رعاك الله إلى قول الله عز وجل: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَيِفٌ مِّن رَِّكَ وَهُمْ نَّيِمُونَ(١ ) فَأَصْبَحَتْ كالصَّرِيمٍ ﴾ [القلم: ١٩ - ٢٠]. قال ابن كثير: ((عوقبوا بنقيض قصدهم، فأذهب اللّه ما بأيديهم بالكلية: رأس المال، الربح، والصّدقة، فلم يبق لهم شيءٌ، قد حرموا خیر جنتهم بذنبهم»(٢). فما محقت البركة من الأرض إلا بمعاصي الخلق، وليست سعة الرزق والعمل بكثرته، ولا طول العمر بكثرة الشهور والأعوام، ولكن سعة الرزق وطول العمر بالبركة فيه، ومعلوم أن عمر العبد: مدة حياته، ولا حياة لمن أعرض عن الله واشتغل بغيره، بل حياة البهائم خير من حياته؛ فإن حياة الإنسان بحياة قلبه وروحه، ولا حياة لقلبه إلا بمعرفة فاطره، ومحبّته، وعبادته وحده، والإنابة إليه، والطمأنينة بذكره، والأنس بقربه، ومن فقد هذه الحياة فقد الخير كله(٣). (٢) تفسير القرآن العظيم ١٩٦/٨. (٣) الجواب الكافي، ابن القيم، ص٨٤. ٢٠٤ الرزق الرزق في الآخرة لقد شاءت حكمة الله تعالى أن يكون رزقه لعباده في الدنيا محدودًا، وعلى دفعات. قال تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اَللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ. ◌َبَغَوْ فِ الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ، خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧]. ولو بسط الله الرزق لعباده، فوسّعه وكثّره عندهم لبغوا؛ فتجاوزوا الحد الذي حدّه الله لهم إلى غير الذي حده لهم في بلاده بركوبهم في الأرض ما حظره عليهم، ولكنه ينزل رزقهم بقدر؛ لكفايتهم الذي يشاء منه، فالله يعلم أن عباده -هؤلاء البشر- لا يطيقون الغنى إلا بقدر. وفي قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاِلَةَ عَبَّلْنَا لَهُ, فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَنْ تُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَتَّمَ يَصْلَئِهَا مَذْمُومًا مَّدْخُورًا () وَمَنْ أَرَادَ اُلْأَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ﴾ [الإسراء: ١٨- ١٩]. وهكذا الحال: ترى كثيرًا من هؤلاء يتمنون ما يتمنون ولا يعطون إلا بعضًا منه، وكثيرًا منهم يتمنون ذلك البعض وقد حرموه، فاجتمع عليهم فقر الدنيا وفقر الآخرة، وأمّا المؤمن التقي فقد اختار مراده وهو غنى الآخرة، فما يبالى: أوتي حظًّا من الدنیا أو لم يؤت، فإن أوتي فيها وإلا فربما كان الفقر خيرًا له وأعون على مراده(١). ومن عظيم رزقه تعالى في الآخرة الجنة: الجنة هي الجزاء العظيم، والثواب الجزيل، الذي أعده الله لأوليائه وأهل طاعته، وهي نعيم كامل لا يشوبه نقص، ولا يعكر صفوه کدر، وما حدثنا الله به عنها، وما أخبرنا به الرسول صلى الله عليه وسلم يحير العقل ويذهله، لأن تصور عظمة ذلك النعيم يعجز العقل عن إدراكه واستيعابه، وهي دار النعيم الأبدي بعد دار التعب والنصب والعمل، ولا يمكن بحال مقارنة نعيمها بنعيم الدنيا وإن اشتركا في الاسم، إذ بينهما فرق أعظم مما بين السماء والأرض، سواءً في المساكن، أو النساء، أو الطعام، أو المراكب. قال ابن عباس رضي الله عنهما: ليس في الجنة شيء يشبه ما في الدنيا إلا الأسماء(٢). ونعيم الجنة يفوق الوصف، ويقصر دونه الخيال، ليس لنعيمها نظير فيما يعلمه أهل الدنيا، ومهما ترقى الناس في دنياهم، فسيبقى ما يبلغونه أمرًا هينًا بالنسبة لنعيم الآخرة، فالجنة: نور يتلألأ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد وفاكهة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، في (١) الكشاف، الزمخشري ٢/ ٦٥٦. (٢) أخرجه ابن عساكر في تاريخه، رقم ١١٩٤. وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم ٥٤١٠. www. modoee.com ٢٠٥ حرف الراء مقام أبدًا، في حبرة ونضرة، في دور عالية سليمة بهية. ومن أعظم فضل الله ورزقه وعطائه في الآخرة: النظر إلى وجهه الكريم يوم القيامة؛ قال تعالى: ﴿وُجُورَةٌ يَؤْمَيْدٍ نَاضِرَةً ) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةً • [القيامة: ٢٢ - ٢٣]. ٢٣ روی صھیب عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: (إذا دخل أهل الجنّة الجنّة يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئًا أزيدكم. فيقولون: ألم تبيّض وجوهنا، ألم تدخلنا الجنّة وتنجّنا من النّار. قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئًا أحبّ إليهم من النّظر إلى ربّهم عزّ وجلّ)(١). وذكر القرآن أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة في المحشر، وفي الجنة. قال تعالى عن الكفار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِهِمْ يَوْمَیذٍ لَّحْبُولُونَ﴾ [المطففين: ١٥]. فدل على المؤمنین يرونه يوم القيامة، و قال تعالى: ﴿لَمُ مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥]. وفسّر النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم الحسنى: بأنها الجنّة، وفسّر الزّيادة بأنها: النظر إلى وجه الله الكريم، وهو ثابتٌ في صحيح مسلم(٢). (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم سبحانه وتعالى، ١/ ٦٣، رقم ١٨١. (٢) أخرج مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، جوبير القرآن الكريم وفيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. إن مما لا شك أن في الجنة فوق ما يخطر بالبال، أو يدور في الخيال، مما لا يوجد مثله في الدنیا، فقد قال رسول الله صلی الله عليه وسلم: (قال الله: أعددت لعبادي الصّالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشرٍ، اقرءوا إن شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةٍ أَعْيُنٍ جَزَآءُ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾، ولموضع سوط أحدكم في الجنّة خيرٌ من الدّنيا وما فيها، فاقرءوا إن شئتم: كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْثِّ وَإِنَّمَا تُوَقَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْرِجَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازُ وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَعُ الْغُرُورِ﴾، وإنّ في الجنّة لشجرةً يسير الراكب في ظلّها مائة عام فما يقطعها، اقرءوا إن شئتم: ﴿وَظِلِ مَدُورِ﴾﴾ (٣). وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يومًا يحدّث وعنده رجلٌ من أهل البادية، أنّ رجلًا من أهل الجنّة استأذن ربّه في الزّرع، فقال له: ألست فيما شئت؟ قال: بلى، ولكنّي أحبّ باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم سبحانه وتعالى رقم ١٨١. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، رقم ٣٠٧٢، ومسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، رقم ٢٨٢٤. ٢٠٦ الرزق أن أزرع، قال: فبذر فبادر الطّرف نباته واستواؤه واستحصاده فكان أمثال الجبال، فیقول الله تعالى: دونك يا ابن آدم، فإنّه لا يشبعك شيءٌ، فقال الأعرابيّ: والله لا تجده إلاّ قرشيًا أو أنصاريًّا فإنهم أصحاب زرعٍ، وأما نحن فلسنا بأصحاب زرعٍ، فضحك النبيّ صلی الله عليه وسلم)(١). متعددة. وجاء في مساكنها: ما في سنن الترمذي روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الجنة وبنائها فقال: (الجنّة بناؤها لبنةٌ من فضّةٍ، ولبنةٌ من ذهبٍ، وملاطها المسك الأذفر، وحصباؤها اللّؤلؤ والياقوت، وتربتها الزّعفران، من دخلها ينعم لا يبأس، ویخلد لا يموت، لا تبلی ثیابهم، ولا يفنى شبابهم) (٤). وأما غرف الجنة وخيامها، فذكر القرآن أن لأهل الجنة مساكن وبيوتًا وغرفًا مبنيةً بعضها فوق بعض. قال تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ أَنَّقَوَّ رَبَّهُمْ لَهُمْ عُرَفُ مِن فَوْقِهَا عُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ﴾ [الزمر: ٢٠]. (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المزارعة، باب كراء الأرض بالذهب والفضة، ١٠٨/٣، رقم ٢٣٤٨. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد، باب درجات المجاهدين في سبيل الله، ٤ /١٦، رقم ٢٧٩٠. النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وقد هلك حارثة يوم بدرٍ، أصابه سهمٌ غربٌ، فقتله، فقالت: يا رسول اللّه، قد علمت موضع حارثة من قلبي، فإن كان في الجنّة، لم أبك علیه، وإلا سوف تری ما أصنع، فقال رسول الله صلّی اللّه عليه وسلّم: (هبلت أوجنّةٌ واحدةٌ هي؟ إنّما هي جنانٌ كثيرةٌ، وإنّه لفي الفردوس وهي ليست جنة واحدة، بل جنان الأعلى)(٣). عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من آمن بالله وبرسوله، وأقام الصّلاة، وصام رمضان كان حقًّا على اللّه، أن يدخله الجنّة جاهد في سبيل اللّه، أو جلس في أرضه الّتي ولد فيها)، فقالوا: يا رسول اللّه، أفلا نبشّر النّاس، قال: (إنّ في الجنّة مائة درجةٍ أعدّها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدّرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم اللّه فاسألوه الفردوس، فإنّه أوسط الجنّة، وأعلى الجنّة أراه فوقه عرش الرّحمن، ومنه تفجّر أنهار الجنة)(٢) وثبت في الصحيح أيضًا عن أنس أنّ أمّ حارثة أتت (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب فضل من شهد بدرًا، ٧٧/٥، رقم ٣٩٨٢، عن أنسٍ رضي الله عنه. (٤) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب صفة الجنة، باب ما جاء في صفة الجنة ونعيمها، ٤/ ٥٨٠، ٢٥٢٦. وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم ٣١١٦. www. modoee.com ٢٠٧ حرف الراء وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَ لُكُمْ وَلَا أَوْلَدُكُمُ يَأَلَّتِى تُقَرِّيَّكُمْ عِندَنَا زُلْفَىَ إِلَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأَوْلَكَ لَهُمْ جَزَّةُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمْفِ اَلْغُرُفَتِ ءَامِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧]. وقال تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبِكُمْ وَيُدْ خِلَكُمْ جَثَّتٍ تَجْرِى مِن تَمْنِهَا الْأَنْهَرُ وَمُسَكِنَ طَِّبَةً فِ جَنَّتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْغَوْزُ اَلْعَظِيمُ﴾ [الصف: ١٢]. وقال تعالى عن امرأة فرعون أنها قالت: ﴿رَبِّ أَبْنِ لِ عِندَكَ بَيْتًا فِ اُلْجَنَّةِ وَبِ مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ، وَنَجِّى مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم: ١١]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنّ في الجنّة غرفةً يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدّها اللّه لمن أطعم الطّعام، وألان الكلام، وتابع الصّيام، وصلّى والنّاس نيامٌ) (١). وقال تعالى: ﴿حُرٌ مَّقْصُورَاتٌ فِ اَلِيَامِ﴾ [الرحمن: ٧٢]. وفي الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنّ للمؤمن في الجنّة لخيمةً من لؤلؤةٍ واحدةٍ مجوّفةٍ طولها ستّون ميلًا، للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم (١) أخرجه أحمد في مسنده، ٣٧، ٥٣٩، رقم ٢٢٩٠٥. وحسنه الألباني في صحيح الجامع، رقم ٢١٢٣. المؤمن فلا يرى بعضهم بعضًا)(٢). وهذه الخيام غير الغرف والقصور، بل هي خيام منصوبة في البساتين، وعلى شواطئ الأنهار. وأما طعام أهل الجنة وشرابهم، فأشجار الجنة وثمارها، وقطوفها الدانية المذللة تذليلًا، واختيار أهل الجنة من ثمارها ما يريدون ويشتهون، وفي الجنة ما تشتهيه الأنفس من المآكل والمشارب. قال تعالى: ﴿وَفَكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَُّونَ (٢) وَحْمِ طَيْرٍ مِمَا يَشْتَهُونَ ﴾ [الواقعة: ٢٠ - ٢١]. وقال تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍّ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِبِهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ اُلْأَعْيُنُّ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧١]. وقد أباح الله لهم أن يتناولوا من خيراتها، وألوان طعامها وشرابها ما یشتهون. قال تعالى: ﴿كُلُواْ وَأَشْرَبُواْ هَنِيَا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ لَْالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤]. وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِ وُعِدَ الْمُتَّقُونٌ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرٌ أُكُلُهَا دَآبٌِ وَظِلُّهَاْ تِلْكَ عُقْبَ الَّذِينَ أَتَّقَواْ وَعُقْبَ اَلْكَفِرِينَ النَّارُ﴾ [الرعد: ٣٥]. وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ أَلَّتِى وَعِدَ الْمُنَّقُونَ (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، سورة الرحمن، باب ٢، رقم ٤٨٧٩، ومسلم في صحيحه، كتاب الجنة، باب صفة خيام الجنة، ٤ /٢١٨٢، رقم ٢٨٣٨. ٢٠٨ القرآن الكريمِ الرزق فِيهَا أَنْهَرٌ مِن ◌َِّ غَيْرِ ءَاسِنٍ وَأَنْهَرٌ مِّنِ لَّبٍَ لَّمْ يَنْغَيِّرْ ◌َعْمُهُ، وَأَنْهَرٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلِشَّرِبِنَ وَأَنْهَرٌ مِّنْ عَسَلِ ◌ُصَفِىّ وَلَمْ فِبِهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كُمَنْ هُوَخَلِدٌ فِ النَّارِ وَسُقُوا مَآءَ حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَلَّمَهْ﴾ [محمد: ١٥]. وقد يتبادر إلى الذهن: أن الطعام والشراب في الجنة ينتج عنه ما ينتج عن طعام أهل الدنيا وشرابهم من البول والغائط والمخاط والبزاق ونحو ذلك، والأمر ليس كذلك، فالجنة دار خالصة من الأذى. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنّ أوّل زمرةٍ يدخلون الجنّة على صورة القمر ليلة البدر، ثمّ الذين يلونهم على أشدّ كوكب درّيٍّ في السّماء إضاءةً، لا يبولون ولا يتغوّطون، ولا يتفلون ولا يمتخطون، أمشاطهم الذّهب، ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوّة -الألنجوج، عود الطّيب- وأزواجهم الحور العين، على خلق رجلٍ في السّماء)(١). وأهل الجنة خالدون فيها، ونعیھم دائم. ففي صحيح مسلم عن أنس بن مالك أن (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بد الخلق، باب خلق آدم، ١٣٢/٤، رقم ٣٣٢٧، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة، باب أول زمرة تدخل الجنة، ٢١٧٨/٤، رقم ٢٨٣٤. رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنّ في الجنّة لسوقًا يأتونها كلّ جمعةٍ فتهبّ ربح الشّمال فتحثو في وجوههم وثيابهم فيزدادون حسنًا وجمالًا، فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسنًا وجمالًا، فيقول لهم أهلوهم: والله لقد ازددتم بعدنا حسنًا وجمالًا، فيقولون: وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسنًا وجمالًا)(٢). قال النووي: ((المراد بالسوق: مجمع لهم يجتمعون کما يجتمع الناس في الدنيا في السوق، ومعنى يأتونها كل جمعة: أي في مقدار كل جمعة أي أسبوع، وليس هناك حقيقة أسبوع؟ لفقد الشمس والليل والنهار. وقال القاضي: وخص ريح الجنة بالشمال؛ لأنها ريح المطر عند العرب، كانت تهب من جهة الشام، وبها يأتي سحاب المطر، وكانوا يرجون السحابة الشامية، وجاءت في الأحاديث تسمية هذه))(٣). قال صلی الله عليه وسلم: (ينادي مناد: واحدٍ، على صورة أبيهم آدم، ستّون ذراعًا إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدًا، وإن لكم أن تنعموا فلا تباسوا أبدًا، فذلك قوله عز وجل: مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ عِلِّ تَّجْرِى مِن تَحْنِمُ الأَنْهَرُ وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى هَدَنَنَا لِهَذَا وَمَا كُنَا لِنَهْتَدِىَ (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمه، ٢١٧٨/٤، رقم ٢٨٣٣. (٣) شرح النووي على صحيح مسلم ١٧/ ١٧٠. www. modoee.com ٢٠٩ حرف الراء لَوْلَا أَنْ هَدَ نَا ◌َلّه لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَيْنَابِالْقِّ وَنُودُوّا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣]) (١). وأما لباس أهل الجنة وحليهم، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْالصَّلِحَتِ إِنَّا لَا تُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ﴿ أُوْلَيْكَ لَّمْ جَنَّتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن ◌َخْنِهِمُ الْأَنْهَرُ لُحُلَوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسِ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِينَ فِيَهَا عَلَى الْأَرَابِّ نِعْمَ [الكهف: ٣٠- الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (٦)﴾ ٣١]. يقول السعدي: ((أولئك الموصوفون بالإيمان والعمل الصالح، لهم الجنات العاليات التي قد كثرت أشجارها، فأجنت من فيها، وكثرت أنهارها، فصارت تجري من تحت تلك الأشجار الأنيقة، والمنازل الرفيعة، وحليتهم فيها الذهب، ولباسهم فيها الحرير الأخضر من السندس، وهو الغليظ من الديباج، والإستبرق، وهو ما رق منه، متكئين فيها على الأرائك، وهي السرر المزينة، المجملة بالثياب الفاخرة فإنها لا تسمی أریکة حتی تکون كذلك، وفي اتكائهم على الأرائك، ما يدل على كمال الراحة، وزوال النصب والتعب، وكون الخدم یسعون علیھم بما یشتهون. وتمام ذلك الخلود الدائم والإقامة الأبدية، فهذه الدار الجليلة ﴿نِعْمَ الثَّوَابُ﴾ للعاملين ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ يرتفقون بها، ويتمتعون بما فيها، مما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، من الحبرة والسرور، والفرح الدائم، واللذات المتواترة، والنعم المتوافرة، وأي مرتفق أحسن من دار، أدنى أهلها، يسير في ملكه ونعيمه وقصوره وبساتينه ألفي سنة، ولا يرى فوق ما هو فيه من النعيم، قد أعطى جميع أمانيه ومطالبه، وزيد من المطالب، ما قصرت عنه الأماني، ومع ذلك، فنعیمهم على الدوام متزايد في أوصافه وحسنه، فنسأل الله الكريم، أن لا يحرمنا خير ما عنده من الإحسان، بشر ما عندنا من التقصير والعصيان، ودلت الآية الكريمة وما أشبهها، على أن الحلية، عامة للذكور والإناث، كما ورد في الأحاديث الصحيحة؛ لأنه أطلقها في قوله ﴿مُحَلَّوْنَ﴾ وكذلك الحرير ونحوه)» (٢). وثياب أهل الجنة وحليهم لا تبلی ولا تفنى، فعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من يدخل الجثّة ينعم لا یبأس، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه)(٣). (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب في دوام نعيم أهل الجنة وقوله تعالى: (ونودوا أن تلكم الجنة)، رقم ٢٨٣٧. (٢) تيسير الكريم الرحمن ص ٤٧٥. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب في دوام نعيم أهل الجنة، رقم ٢٨٣٦. ٢١٠ جوبيه الْقُرْآن الكَرِيْمِ الرزق وأما غلمان أهل الجنة، فقال تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ تُخَلَّدُونَ ( بِأَكْوَبٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسِ مِّن مَّعِينٍ﴾ [الواقعة: ١٧-١٨]. قال تعالى: ﴿وَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَيَهُمْ حَسِبْنَهُمْ لُوْلُؤٌ مَّنْتُورًا﴾ [الإنسان: ١٩]. قال ابن عاشور: ((وأحسن من يتّخذ للخدمة الولدان؛ لأنّهم أخفّ حرکةٍ وأسرع مشيًا، ولأنّ المخدوم لا يتحرّج إذا أمرهم أو نهاهم، ووصفوا بأنهم مخلّدون للاحتراس ممّا قد یوهمه اشتقاق ولدانٌ من آنّھم یشبّون ويكتهلون، أي: لا تتغيّر صفاتهم، فهم ولدانٌ دومًا، وإلّا فإنّ خلود الذّوات في الجنّة معلومٌ فما كان ذكره إلّا لأنّه تخليدٌ خاصٌّ، وشبّهوا باللّؤلؤ المنثور تشبيهًا مقيّدًا فيه المشبّه بحالٍ خاصٍّ لآنهم شبهوا به في حسن المنظر مع التّفرّق))(١). ويزوج الله المؤمنين في الجنة بزوجات جميلات غير زوجاتهم اللواتي في الدنيا، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَھُم ◌ُودٍ عِينٍ﴾ [الدخان: ٥٤]. والحور: جمع حوراء، وهي التي يكون بیاض عينها شدید البياض، وسواده شدید السواد. والعين: جمع عيناء، والعيناء: واسعة العين، وقد ورد ذكر الحور منكّرة في القرآن الكريم في أربعة مواضع: قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَهُم بِحُورٍ (١) التحرير والتنوير ٣٩٧/٢٩. عِينٍ ﴾ [الدخان: ٥٤]. وقال تعالى: ﴿مُتَّكِينَ عَلَى سُرُرٍ مَّصْفُوفَّةٍ وَزَقَّحْنَهُمْ بُورٍ عِينٍ﴾ [الطور: ٢٠]. وقال تعالى: ﴿حُرٌ مَّقْصُورَاتٌ فِ الْخِيَامِ﴾ [الرحمن: ٧٢]. وقال تعالى: ﴿وَحُورُ عِينٌ كَأَمْثَلِ اللُّؤْلُمِ [الواقعة: ٢٢- ٢٣]. الْمَكْنُونِ﴾ وقد وصف الله أزواج أهل الجنة، فقال سبحانه: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَجٌ مُطَهَّرَاً وَهُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥]. فهن مطهرات الأخلاق، مطهرات الخلق، مطهرات اللسان، مطهرات الأبصار، فأخلاقهن أنهن عرب متحببات إلى أزواجهن بالخلق الحسن، وحسن التبعل، والأدب القولي والفعلي، ومطهر خلقهن من الحيض والنفاس والمني، والبول والغائط، والمخاط والبصاق، والرائحة الكريهة، ومطهرات الخلق أيضا، بكمال الجمال، فلیس فیهن عيب، ولا دمامة خلق، بل هن خيرات حسان، مطهرات اللسان والطرف، قاصرات طرفهن على أزواجهن، وقاصرات ألسنتهن عن كل كلام قبيح(٢). الفرق بين رزق الدنيا ورزق الآخرة: هناك عدة فروق بينهما، منها: رزق الدنیا قلیل ومنقطع وزائل، بينما رزق الآخرة کثیر و دائم وخالد. (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٦. www. modoee.com ٢١١ حرف الراء رزق الدنيا يحصل لصاحبه بتكلف، ومشقة، رزق الآخرة بلا تكلف ولا مشقة. رزق الدنيا مشوب بالهموم والغموم والمكاره، أما رزق الآخرة خالص من الأنكاد. رزق الدنيا يعتريه النقص وتشويه الآفات، بينما رزق الآخرة في زيادة واستمرار. رزق الدنيا ليس مقياسًا للمنزلة عند الله بخلاف الرزق في الآخر. موضوعات ذات صلة: الإنفاق، البخل، التوكل، الزكاة، السؤال، السير، العطاء، المن جوي ٢١٢ النفسية لِلْقُرْآن الكَرِيمِ قَضوري