Indexed OCR Text
Pages 21-40
الرحمى
السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ عن الشعبي عن علي وابن مسعود رضي
الله عنهم: ((﴿وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَ﴾ يعني:
مَن كَانَ مُخْتَالًاً فَخُورًا ﴾ [النساء:
٣٦](١).
المرأة)»، وقال مجاهد أيضًا في قوله:
(﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ يعني: الرفيق في
السفر))(٣).
وإنما أمر بالإحسان إلى ذي القربى
استبقاءً لأواصر الود بين الأقارب، إذ كان
العرب في الجاهلية قد حرفوا حقوق القرابة،
فجعلوها سبب تنافس وتحاسد وتقاتل(٢).
كما أمر الله تعالى بالإحسان إلى
﴿ وَاعْبُدُوا
الجيران، فقال سبحانه:
اَللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ، سَيْئًا وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَئِنًا
وَبِذِى الْقُرْبَ وَاَلْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَاَلْجَارِ
ذِى الْقُرْبَ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ
بِأَلْجَنْبٍ وَأَبْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمُّ
إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا
[النساء: ٣٦].
٣٦
والجار قد أمر الله تعالى بحفظه، والقيام
بحقه، والوصاة برعي ذمته في كتابه، وعلى
لسان نبيه، والله سبحانه أکد ذکر الجار بعد
الوالدين والأقربين، فقال تعالى: ﴿وَالْجَارِ
ذِى الْقُرْبَ ﴾، أي: القريب، يعني الذي
بينك وبينه قرابة، ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾، أي:
الغريب الذي ليس بينك وبينه قرابة، قاله
ابن عباس، وقال نوف الشامي: ((﴿وَالْجَارِ
ذِى الْقُرْبَ﴾ المسلم، ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾
اليهودي والنصراني))، وقال جابر الجعفي
(١) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٢/ ٥٠،
تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٧٨.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور٥/ ٤٩.
قال القرطبي: ((وعلى هذا فالوصاة
بالجار مأمور بها، مندوب إليها، مسلمًا
کان أو كافرًا، وهو الصحيح، والإحسان قد
يكون بمعنى المواساة، وقد يكون بمعنى
حسن العشرة وكف الأذى والمحاماة دونه،
روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها
عن النبي صلی الله عليه وسلم قال: (ما
زال يوصيني جبريل بالجار، حتى ظننت أنه
سيورثه)(٤)))(٥)
.
والجوار ضرب من ضروب القرابة، فهو
قرب بالمكان والسكن، وقد یأنس الإنسان
بجاره القريب أكثر مما يأنس بالنسيب،
فیحسن أن يتعاون الجاران، ویکون بينهما
الرحمة والإحسان، فإذا لم يحسن أحدهما
إلى الآخر فلا خير فيهما لسائر الناس، وقد
حث الدين على الإحسان في معاملة الجار،
عن أبي شريح الخزاعي رضي الله عنه،
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٢٦١.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب،
باب الوصاة بالجار، رقم ٦٠١٤، ١٠/٨،
ومسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة
والآداب، باب الوصية بالجار والإحسان إليه،
رقم ٢٠٢٥/٤،٢٦٢٥.
(٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن ١٨٣/٥.
www. modoee.com
٩٣
حرف الراء
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من علم الله، وبسطة سلطانه، حتى يعبده عن
علم به، ومعرفة بما ينبغي له من كمال
کان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى
جارە)(١).
وجلال (٤).
وإكرام الجار من شيم العرب قبل
الإسلام، وزاده الإسلام توكيدًا بما جاء في
الكتاب والسنة، ومن إكرامه إرسال الهدايا
إليه، ودعوته إلى الطعام، وتعاهده بالزيارة
والعيادة إلى نحو ذلك(٢).
٢. حق التربية لذوي الأرحام.
إن حق التربية لذوي الأرحام حق كامل
يشمل تربية النفس، وتكون من خلال غرس
عقيدة التوحيد في نفوس ذوي الأرحام.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَنُ لِأَبْنِهِ، وَهُوَ
يَعِظُهُ, يَبْنَىَّ لَا تُشْرِكْ بِلَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ
عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: ١٣](٣).
ويدخل في تربية النفس: التربية
على مراقبة الله تعالى في كافة الأحوال
والأعمال، قال تعالى: ﴿يَبُنَّ إِنَّهَ إِن تَكُ
مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِ صَخْرَةِ أَوْ فِی
السَّمَوَّتِ أَوْ فِ اْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اَللَّهَ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفُّ
خَبِيرٌ ﴾ [لقمان: ١٦].
وفي هذه الآية يكشف لقمان لابنه عن
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب الحث على إكرام الجار والضيف، رقم
٦٩/١،٤٨.
(٢) انظر: تفسير المراغي ٣٦/٥.
(٣) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٣٠/٨،
تفسير المراغي ٢١/ ٨٤.
وكذلك التربية على أداء العبادات، قال
تعالى: ﴿يَلْبُنَّ أَقِمِ الصَلَوَةَ ﴾ [لقمان: ١٧].
وتعتبر الصلاة الركن الثاني من أركان
الإسلام، وهي عماد الدين، أمر الله تعالى
عباده بالمحافظة عليها حال السفر والحضر،
حالة الصحة والسقم، والأمن والخوف،
وإقامتها تعني أداءها في وقتها بأركانها
وواجباتها بخشوع، على النحو المرضي، لما
فيها من رضا الرب بالإقبال عليه والإخبات
له، ولما فيها من النهي عن الفحشاء والمنكر،
وإذا تم ذلك صفت النفس وأنابت إلى بارئها
في السراء والضراء (٥).
والتربية على العبادة يشمل كل ما يحبه
الله ويرضاه: من الأقوال، والأعمال الباطنة
والظاهرة؛ فالصلاة، والزكاة، والصيام،
والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة وير
الوالدين، وصلة الأرحام والوفاء بالعهود،
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
والجهاد الكفار والمنافقين، والإحسان
إلى الجار واليتيم، والمسكين، وابن السبيل
والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء،
والذكر، والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة.
(٤) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب
١١/ ٥٧٠.
(٥) تفسير المراغي ٨٤/٢١.
جَوَسُولَة التَّقِينَ
القرآن الكريم
٩٤
الرحمى
وكذلك حب الله ورسوله، وخشية الله آخر، وهو مشتق من الصعر بالتحريك
لداء يصيب البعير فيلوي منه عنقه، فكأنه
صيغ له صيغة تكلف، بمعنى تكلف إظهار
الصعر وهو تمثيل للاحتقار؛ لأن مصاعرة
الخد هيئة المحتقر المستخف في غالب
الأحوال (٤).
والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر
لحكمه، والشكر لنعمه، والرضا بقضائه،
والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف
لعذابه وأمثال ذلك هي من العبادة لله
تعالى(١).
والتربية الأخلاقية: والخلق هو: عبارة
عن هيئة في النفس راسخة عنها تصدر
الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى
فكر وروية(٢).
والآيات التي تمثل التربية الأخلاقية
كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ
لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلّ
مُخَْالِ فَخُورٍ ﴿ وَأَقْصِدْ فِ مَشِْكَ وَأَغْضُضْ مِن
صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَتِ لَصَوْتُ لْصِيرِ؟
[لقمان: ١٨- ١٩].
فقوله: ﴿وَلَا تُصَعِرْ خَذَّكَ لِلنَّاسِ﴾ [لقمان:
١٨].
قرأ الجمهور (ولا تصاعر)، وقرأ ابن
كثير وابن عامر وعاصم وأبو جعفر ويعقوب
(ولا تصعر)(٣)، يقال: صاعر وصعر، إذا
أمال عنقه إلى جانب ليعرض عن جانب
(١) مجموع فتاوى ابن تيمية ١٠/ ١٤٩.
(٢) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن
الأثير ٢/ ٧٠، المعجم الوسيط، مجمع اللغة
العربية ١/ ٢٥٢.
(٣) انظر: النشر في القراءات العشر، ابن
الجزري ٣٤٦/٢.
ثانيًا: الحقوق المالية:
إن الحقوق المالية المترتبة على الرحم
والقرابة تتمثل في: الميراث المستحق
بسبب الرحم والقرابة، وكذلك النفقة
الواجبة والمندوبة، بالإضافة إلى الوصية
والصدقة لذوي الرحم، وكذلك حق ذوي
القربى الغنيمة والفيء، وبيان ذلك في
الفقرات الآتية:
١. الميراث.
يترتب على القرابة أحكام شرعية نص
عليها القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة،
ومن هذه الأحكام: الميراث، فالأقارب
يجمعهم أصل واحد، ويلتزمون بحقوق
وواجبات، ويتعاونون فيما بينهم في تحمل
النفقات؛ لذا كانوا أحق بمال قريبهم بعد
موته، مع اختلاف نصیب کل قریب بحسب
درجة القرابة بينه وبين الميت (٥).
وقد بين الله تعالى حق الميراث في
(٤) انظر: التفسير الوسيط، الواحدي ٤٤٤/٣.
(٥) ذوو القربى والأرحام في ضوء القرآن الكريم،
مها سكيك ص١٣٥.
www. modoee.com
٩٥
حرف الراء
قوله تعالى: ﴿لِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ اَلْوَلِدَانِ
وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلِسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَلِدَانِ
وَالْأَقْبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْكَثُ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا
﴾ [النساء: ٧].
٧
﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِيّ
وقوله تعالى:
أَوْلَئِ كُمَّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْشَبَيْنِّ فَإِن كُنَّ
نِسَآءُ فَوْقَ أَثْنَتَيْنٍ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكٌ وَإِن كَانَتْ
وَحِدَةٌ فَلَهَا الْنِصْفُّ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ
مِنْهُمَا اُلسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ
يَكُن لَّهُوَلَّدٌ وَوَرِئَّهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمَّهِ الثُّلْثُّ فَإِن كَانَ لَهُ:
إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسَُّ مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَآ
أَوْدَيْنُ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَّدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ
لَكُ نَفْعَأَ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا
حَكِيمًا ﴾ [النساء: ١١].
وَلَكُمْ نِصْفُ
و قوله سبحانه:
مَا تَرَكَ أَزْوَجُكُمْ إِن أَوْ يَكُنْ لَّهُنَّ وَلَدْ
فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا
تَرَكْنَّ مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا
أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ
يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَّدٌ
فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةِ
تُوُصُونَ بِهَا أَوْدَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ
كَلَلَةَّ أَوِ أَمْرَأَةٌ وَلَهُ وَأَخُ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ
مِنْهُمَا السُّدُسَُّ فَإِن كَانُواْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ
فَهُمْ شُرَكَآءُ فِى الثُّلُثِّ مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ
يُؤْصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍ وَصِيَّةٌ مِّنَ اللّهُ
وَاَللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ ﴾ [النساء: ١٢].
٢. النفقة.
أوجبت الشريعة الإسلامية على المسلم
القادر أن ينفق على أقاربه الذين تلزمه نفقتهم
كالزوجة والأولاد والوالدين، وأن يوفر لهم
ما یکفیھم من طعام وكسوة وسکنی، وحق
النفقة بسبب القرابة يكون واجبًا لبعض
الأقارب، ويكون غير واجب لبعضهم،
وسيتم توضيح ذلك في الفقرات الآتية:
نفقة الأقارب الواجبة.
تكون نفقة الأقارب الواجبة على القريب
الموسر للزوجة والأولاد والآباء كما يأتي:
١. نفقة الزوجة.
نفقة الزوجة وكسوتها وطعامها وسكناها
واجبة على زوجها لقاء احتباسها في بيت
زوجها ومشاطرته تربية الأبناء ورعايتهم،
فإنها تستحق كل ما تحتاج من نفقات
سواءً أكانت غنيةً أم فقيرةً، وكذلك تستحق
الزوجة المطلقة النفقة، إذا كانت مطلقة في
حال حملها أو رضاعها لأولادها أو كونها
في العدة، قال تعالى: ﴿وَعَلَى ◌َلْوَلُودِ لَّهُ رِزْقُهُنَّ
وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْعْرُوفِّ لَا تُكَلَّفُ نَفْسُ إِلَّا وُسْعَهَاَ لَا
تُضَارَّ وَلِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ، وَعَلى
اَلْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
وقال سبحانه: ﴿أَشْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم
مِّنِ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَتِنَّ وَإِنٍ كُنَّ
أُوْلَتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُواْ عَلَتِهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَلَهُنَّ فَإِنْ
أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَاتُهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتِمِرُواْ بَتْنَكُم بِمِعْرُوفٍ
٩٦
القرآن الكريم
الرحمى
لِيُّفِقْ ذُو
وَإِن تَعَسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُهُ أُخْرَى )
سَعَةٍ مِّن سَعَتِةِ، وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُّهُ، فَلْيُنفِقْ مِمَّا
ءَائَنَهُ اَللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَآ ءَاتَنِهَاَ سَيَجْعَلُ
اللَّهُ بَعْدَ عُسْرِ بُشْرًا ﴾ [الطلاق: ٦-٧].
والنفقة من حقوق الزوجة، وبسببها
يكتسب الزوج حق القوامة عليها، قال
تعالى: ﴿اَلْرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِسَآءِ بِمَا
فَضَّلَ اَللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنَفَقُواْ مِنْ
أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤](١).
قال أبو جعفر الطبري: ((الرجال أهل
قيام على نسائهم، في تأديبهن والأخذ على
أيديهن فيما يجب عليهن لله ولأنفسهم
﴿بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، يعني:
بما فضل الله به الرجال على أزواجهم: من
سوقهم إليهن مهورهن، وإنفاقهم عليهن
أموالهم وكفايتهم إياهن مؤنهن، وذلك
تفضيل الله تبارك وتعالى إياهم عليهن،
ولذلك صاروا قوامًا عليهن، نافذي الأمر
عليهن فيما جعل الله إليهم من أمورهن))(٢).
٢. نفقة الوالدين.
يجب على المسلم الموسر نفقة
الوالدین، ولو کانا کافرین وبرهما وخدمتهما
وزيارتهما إلا أن يخاف أن يجلباه إلى
الكفر (٣)، ويدل على ذلك قوله تعالى:
(١) انظر: أحكام القرآن، الجصاص ١/ ٤٥٣.
(٢) جامع البيان ٢٩٠/٨.
(٣) انظر: روح البيان، إسماعيل حقي ٧٩/٧.
يَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونٌّ قُلْ مَآ أَنفَقْتُم مِّنْ
خَيْرٍ فَلِلْوَ لِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْتَنَ وَالْسَلِكِينِ وَأَيْنِ
السَّبِيلِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ
[البقرة: ٢١٥].
وقوله تعالى: ﴿وَأَعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ
بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَلِدَ يْنِ إِحْسَنًا﴾ [النساء: ٣٦].
مع بيان النبي صلى الله عليه وسلم لمراد
الله بقوله: فيما رواه طارق المحاربي، قال:
قدمنا المدينة فإذا رسول الله صلى الله عليه
وسلم قائم على المنبر يخطب الناس وهو
يقول: (يد المعطي العليا، وابدأ بمن تعول:
أمك، وأباك، وأختك، وأخاك، ثم أدناك،
أدناك) (٤)، وفيه الدلالة على وجوب نفقة
الوالدين، والأقربين عليه(٥).
وقد أجمع العلماء على وجوب النفقة
للوالدين اللذين لا کسب لهما ولا مال، سواءً
أكان الوالدان مسلمين أو كافرين، وسواءً
كان الفرع ذكرًا أم أنثى، قال الشربيني: ((قال
ابن المنذر: وأجمعوا على أن نفقة الوالدين
اللذين لا كسب لهما ولا مال واجبة في مال
الولد، والأجداد والجدات ملحقون بهما إن
لم يدخلوا في عموم ذلك، كما ألحقوا بهما
(٤) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأدب،
باب في بر الوالدين، رقم ٥١٤٠، ٣٣٦/٤،
والنسائي في سننه، كتاب الزكاة، باب أيتهما
اليد العليا، رقم ٢٥٣٢، ٦١/٥.
وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم
٠١٣٤١/٢،٨٠٦٧
(٥) انظر: روح البيان، إسماعيل حقي ٧٩/٧.
www. modoee.com
٩٧
حرف الراء
في العتق والملك، وعدم القود، ورد الشهادة فهل علي في ذلك من جناح؟ فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: (خذي من ماله
بالمعروف ما یکفیك ویکفي بنيك)(٤).
وغيرهما))(١)، ويشترط لوجوب النفقة يسار
المنفق، وإعسار المنفق عليه، واحتياجه إلى
النفقة، وهذا باتفاق العلماء في الجملة(٢).
٣. نفقة الأولاد.
يجب على الوالد الموسر النفقة على
أولاده الصغار؛ لأن الأولاد جزء منه،
فالإنفاق عليهم كالإنفاق على نفسه،
وإحيائهم كإحياء نفسه، ونفقة الأولاد
واجبة بالكتاب والسنة والإجماع، فمن
الكتاب قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَاتُوهُنَّ
أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦].
وقوله تعالى: ﴿وَعَلى المَؤُلُودِ لَّهُ رِزْقُهُنَّ
وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
وفي الآيتين دليل على وجوب نفقة الولد
على الوالد لعجزه وضعفه؛ فجعل الله تعالى
ذلك على يدي أبيه؛ لقرابته منه وشفقته
علیه(٣).
ومن السنة النبوية ما روته عائشة رضي
الله عنها، قالت: دخلت هند بنت عتبة امرأة
أبي سفيان على رسول الله صلى الله عليه
وسلم، فقالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان
رجل شحيح، لا يعطيني من النفقة ما يكفيني
ویکفي بني إلا ما أخذت من ماله بغير علمه،
(١) مغني المحتاج، الشربيني ٥/ ١٨٣.
(٢) انظر: المغني، ابن قدامة ٢١١/٨، الموسوعة
الفقهية الكويتية ٣٩/ ٢٣.
(٣) أحكام القرآن، ابن العربي ١/ ٢٧٤.
أما الإجماع: فقد حكى الإجماع على
ذلك ابن قدامة وقال: «وأما الإجماع، فحکی
ابن المنذر قال: أجمع أهل العلم على أن
نفقة الوالدين الفقيرين اللذين لا كسب
لهما، ولا مال، واجبة في مال الولد، وأجمع
كل من نحفظ عنه من أهل العلم، على أن
على المرء نفقة أولاده الأطفال الذين لا مال
لهم، ولأن ولد الإنسان بعضه، وهو بعض
والده، فكما يجب عليه أن ينفق على نفسه
وأهله کذلك علی بعضه وأصله»(٥).
٤. نفقة باقي الأقارب.
أما نفقة باقي الأقارب فقد اختلف
المفسرون والفقهاء في حكم النفقة عليهم
على أقوال، والراجح أن النفقة تجب على
الأقارب العاجزين عن الكسب إذا كان
القریب موسرًا (٦).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع،
باب من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون
بينهم في البيوع والإجارة والمكيال والوزن،
وسنتهم على نياتهم ومذاهبهم المشهورة،
رقم ٢٢١١، ٧٩/٣، ومسلم في صحيحه،
كتاب الحدود، باب قضية هند، رقم ١٧١٤،
١٣٣٨/٣.
(٥) المغني، ابن قدامة ٨/ ٢١٢.
(٦) انظر:" أحكام القرآن، الجصاص١/ ٤٩٢،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٦٨/٣،
تفسير القرآن، السمعاني ٢٣٧/١، تفسير
٩٨
جوية
القرآن الكريمِ
لحمى
فتجب النفقة لكل قريب وارث من ومدعاة للتألف (٤)، قال تعالى: ﴿كُتِبَ
عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَّكَ خَيْرًا
اَلْوَصِيَّةُ لِلْوَلِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا
· فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ، فَإِنَّمَا
عَلَى الْمُنَّقِينَ ()
إِثْمُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ؟ إِنَّ اللّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ (٥)
[البقرة: ١٨٠-١٨١].
الأصول والفروع والحواشي، كالإخوة
والأعمام وأبنائهم، ودليل ذلك قوله تعالى:
﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣](١)،
قال ابن كثير: «وقد استدل بذلك من ذهب
إلى وجوب نفقة الأقارب بعضهم على
بعض، وهو مروي عن عمر بن الخطاب
وجمهور السلف، ويرجح ذلك بحديث
الحسن عن سمرة مرفوعًا (من ملك ذا رحم
محرم، عتق عليه)(٢) (٣).
٣. الوصية.
الوصية مشروعة في وجوه الخير
المتعددة، ولكنها تستحب للأقارب غير
الوارثين؛ لأن الوصية لهم لون من ألوان البر
والإحسان الذي أمر الله به لذوي القربى؛
لأن ذلك نوع من أنواع التكافل والتعاضد
الراغب الأصفهاني ٤٨٣/١، التحرير
والتنوير، ابن عاشور ٤٣٥/٢.
(١) انظر: أحكام القرآن، الجصاص ٤٩٢/١،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٦٨/٣،
التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٣٥/٢.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب العتق باب
فيمن ملك ذا رحم محرم، رقم ٣٩٤٩،
٢٦/٤، والترمذي في سننه، أبواب الأحكام،
باب ما جاء فيمن ملك ذا رحم محرم، رقم
١٣٦٥، ٦٣٨/٣، وابن ماجه في سننه، كتاب
العتق، باب من ملك ذا رحم محرم فهو حر،
رقم ٢٥٢٤، ٢/ ٠٨٤٣
وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم
٠١١١٦/٢،٦٥٥٧
(٣) تفسير القرآن العظيم ١/ ٤٧٩.
قال أبو جعفر الطبري: ((يعني بقوله
تعالى ذكره: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾، فرض
عليكم، أيها المؤمنون، ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ
اُلْمَوْتُ إِن تَّرَكَ خَيْرًّا أَلْوَصِيَّةُ ﴾ والخير:
المال، الوالدين والأقربين الذين لا يرثونه،
﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾: وهو ما أذن الله فيه وأجازه
في الوصية مما لم يجاوز الثلث، ولم يتعمد
الموصي ظلم ورثته، ﴿حَقًّا عَلَى الْمُنَّقِينَ﴾
يعني بذلك: فرض عليكم هذا وأوجبه،
وجعله حقًا واجبًا على من اتقى الله فأطاعه
أن یعمل به(٥) .
قال ابن كثير: ((اشتملت هذه الآية الكريمة
على الأمر بالوصية للوالدين والأقربين،
وقد كان ذلك واجبًا على أصح القولين قبل
نزول آية المواريث، فلما نزلت آية الفرائض
نسخت هذه، وصارت المواريث المقدرة
فريضة من الله يأخذها أهلوها حتمًا من
غير وصية ولا تحمل منة الموصي، ولهذا
جاء في الحديث الذي في السنن وغيرها
(٤) ذوو القربى والأرحام في ضوء القرآن الكريم،
مها سكيك ص ١٤٠ .
(٥) جامع البيان ٣٨٤/٣.
www. modoee.com
٩٩
حرف الراء
عن عمرو بن خارجة رضي الله عنه قال:
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يخطب وهو يقول: (إن الله قد أعطى كل
ذي حق حقه، فلا وصية لوارث)(١))(٢).
ومن خلال هذه النصوص يتبين أن
الوصية للأقارب غير الوارثين مستحبة،
وليست واجبة(٣).
٤ . الصدقة.
من حقوق الرحم المالية: الصدقة لهم
والمواساة بالمال.
قال تعالى: ﴿﴿ لَيْسَ آلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ
قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ
وَأَلْيَوْمِ الْآَخِ وَالْمَلَبِكَةِ وَالْكِنَبِ وَالنَّبْنَ
وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ، ذَوِى الْقُرْبَ وَاَلْيَتَمِىّ
وَاَلْمَسَكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآيَلِينَ وَفِىِ
الْرِقَابٍ﴾ [البقرة: ١٧٧].
والبر: التوسع في الخير، وفي لسان
الشرع: كل ما يتقرب به إلى الله من الإيمان
به وصالح الأعمال وفاضل الأخلاق،
(١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الوصايا،
باب ما جاء في الوصية للوارث، رقم ٢٨٧٠،
١١٤/٣، والنسائي في سننه، كتاب الوصايا،
باب إبطال الوصية للوارث، رقم ٣٦٤١،
٢٤٧/٦، وابن ماجه في سننه، کتاب الوصايا،
باب لا وصية لوارث، رقم ٢٧١٣، ٩٠٥/٢.
وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم
٠٣٦٨/١٠١٧٨٩
(٢) تفسير القرآن العظيم ١/ ٣٦٠.
(٣) انظر: أحكام القرآن، ابن العربي ١٠٣/١.
﴿قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَاَلْمَغْرِبِ﴾ أي: ناحیتیهما،
﴿وَءَاتَى الْمَالَ﴾ أي: أعطاه(٤)، وذوو
القربي: المحتاجون، وهم أحق الناس بالبر،
إذ المركوز في الفطرة أن الإنسان يألم لفاقة
ذوي رحمه وعدمهم أشد مما یألم لغيرهم،
فهو يرى أن هوانه بهوانهم وعزه بعزهم،
فمن قطع رحمه وامتنع عن مساعدتهم، وهم
بائسون وهو في نعمة من الله وفضل، فقد
بعد عن الدين والفطرة، وجاء في الحديث
الذي رواه سلمان بن عامر رضي الله عنه،
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن
الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي
الرحم اثنتان صدقة وصلة)(٥)، أي: صدقة
وصلة رحم(٦).
وقد حضّ سبحانه على صلة القرابة وبر
الأقارب والإحسان إليهم، وإيتاء حقوقهم
من البر والصلة.
﴿ وَجَاتٍ ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ,
قال تعالى:
(٤) انظر: تفسير المراغي ٥٣/٢.
(٥) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ١٦٢٢٦،
٢٦/ ١٦٤، والترمذي في سننه، أبواب الزكاة
عن رسول الله صلی الله علیه وسلم، باب ما
جاء في الصدقة على ذي القرابة، رقم ٦٥٨،
٣٧/٣، والنسائي في سننه، كتاب الزكاة، باب
الصدقة على الأقارب، رقم ٢٥٨٢، ٩٢/٥،
وابن ماجه في سننه، كتاب الزكاة، باب فضل
الصدقة، رقم ١،١٨٤٤ / ٥٩١.
وصححه ابن الملقن في البدر المنير ٧/ ٤١١،
والألباني في صحيح الجامع، رقم ٣٨٥٨،
٠٧١٧/٢
(٦) انظر: تفسير المراغي ٥٦/٢.
١٠٠
القرآن الكريم
الرحمى
وَأَلْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْدِيًّا (٢)﴾
[الإسراء: ٢٦].
وقال تعالى: ﴿فَاتِ ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ.
وَاَلْمِسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِّ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَِّنَ
يُرِيدُونَ وَحْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ {
٣٨
[الروم: ٣٨](١).
کما أمر تعالی نبيه صلى الله عليه وسلم
أمرًا تدخل الأمة فيه، وهذا على جهة الندب
إلى إيتاء ذي القربى حقه من صلة المال
وحسن المعاشرة ولين القول، قال الحسن:
حقه المواساة في اليسر، وقول ميسور في
العسر (٢).
وقال الشوكاني: ((لما بين سبحانه كيفية
التعظيم لأمر الله أشار إلى ما ينبغي من
مواساة القرابة، وأهل الحاجات ممن بسط
الله له في رزقه، فقال: ﴿فَاتِ ذَا الْقُرْبَى
حَقَّهُ﴾، والخطاب للنبي صلى الله عليه
وسلم، وأمته أسوته، أو لكل مكلف له
مال وسع الله به عليه، وقدم الإحسان إلى
القرابة؛ لأن خير الصدقة ما كان على قريب،
فهو صدقة مضاعفة، وصلة رحم مرغب
فيها، والمراد: الإحسان إليهم بالصدقة،
والصلة، والبر)) (٣)
٥. الغنيمة والفيء.
(١) انظر: التفسير الوسيط، الواحدي ٤٣٤/٣،
الكشاف، الزمخشري ٣/ ٤٨٠.
(٢) المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٣٨/٤.
(٣) فتح القدير، الشوكاني ٤ / ٢٦١.
إن الغنيمة والفيء من الحقوق المالية
لذوي القربى قال تعالى: ﴿﴿ وَأَعْلَمُوا أَنَّمَا
غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ، وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى
الْقُرْبَ وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ
إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ
الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْثَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَ كُلِّ
شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [الأنفال: ٤١].
وقوله تعالى: ﴿مََّ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولهِ،
مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَ وَالْبَنَّمَى
وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ كَ لَا يَكُونَ دُولَةٌ بَيْنَ
اٌلْأَغْنِيَِّ مِنْكُمْ وَمَآ ءَالَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ
وَمَا تَهَنَّكُمْ عَنْهُ فَأَنَهُواْ وَأَنَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدٌ
الْعِقَابِ ﴾ [الحشر: ٧].
والغنيمة هى: المال المأخوذ من الكفار،
بإيجاف الخيل والركاب، والفيء ما أخذ
منهم بغير ذلك، كالأموال التي يصالحون
عليها أو يتوفون عنها، ولا وارث لهم،
والجزية والخراج ونحو ذلك، هذا مذهب
الإمام الشافعي في طائفة من علماء السلف
والخلف. ومن العلماء من يطلق الفيء: على
ما تطلق عليه الغنيمة، وبالعكس أيضًا (٤).
والمراد ب (ذوي القربى): قرابته صلى
الله عليه وسلم، وذهب الجمهور إلى أن
سهم ذوي القربى يصرف إلى بني هاشم
وبني المطلب خاصة؛ لأن بني المطلب
وازروا بني هاشم في الجاهلية، وفي أول
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/ ٥٢.
www. modoee.com
١٠١
حرف الراء
الإسلام، ودخلوا معهم في الشعب غضبًا في حياته صلى الله عليه وسلم.
لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وحمايةً
له، مسلمهم طاعةً لله ولرسوله، وكافرهم
حميةً للعشيرة، وأنفةً، وطاعةً لأبي طالب
عم رسول الله صلى الله عليه وسلم،
وأما بنو عبد شمس، وبنو نوفل، وإن كانوا
ابني عمهم، فلم يوافقوهم، بل حاربوهم
ونابذوهم(١)؛ ولأنهم قد منعوا الصدقة،
فجعل لهم حق في الفيء(٢).
وفي هذا روی جبير بن مطعم رضي الله
عنه قال: مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى
رسول الله صلی الله عليه وسلم، فقلنا: يا
رسول الله أعطيت بني المطلب وتركتنا،
ونحن وهم منك بمنزلة واحدة؟ فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: (إنما بنو المطلب،
وبنو هاشم شيء واحد) قال الليث: حدثني
یونس، وزاد، قال جبير: ولم یقسم النبي
صلی الله عليه وسلم لبني عبد شمس، ولا
(٣)
لبني نوفل(٣).
وبهذا يكون لقرابة النبي صلى الله عليه
وسلم خمس خمس الغنيمة، وخمس الفيء
(١) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٢٩٧/٥.
(٢) التفسير الوسيط، الواحدي ٢٧٢/٤.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فرض
الخمس، باب ومن الدليل على أن الخمس
للإمام وأنه يعطي بعض قرابته دون بعض
ما قسم النبي صلى الله عليه وسلم لبني
المطلب، وبني هاشم من خمس خيبر، رقم
٣١٤٠، ٠٩١/٤
أما بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه
وسلم فقد اختلف أهل العلم في سهم ذوي
القربى هل هو ثابت اليوم أم لا؟
فذهب الجمهور إلى أنه ثابت فيعطى
فقراؤهم وأغنياؤهم من خمس الخمس،
للذكر مثل حظ الأنثيين، وهو قول مالك
والشافعي، وذهب أبو حنيفة وأصحاب
الرأي إلى أنه غير ثابت، وقالوا سهم النبي
صلى الله عليه وسلم، وسهم ذوي القربى
مردود في الخمس، فيقسم خمس الغنيمة
على ثلاثة أصناف اليتامى والمساكين وابن
السبيل، فيصرف إلى فقراء ذوي القربى
مع هذه الأصناف دون أغنيائهم، وحجة
الجمهور أن الكتاب والسنة يدلان على
ثبوت سهم ذوي القربى، ولأن الخلفاء
بعد رسول الله صلی الله عليه وسلم كانوا
يعطون ذوي القربى، ولا يفضلون فقيرًا على
غني؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى
العباس بن عبد المطلب مع كثرة ماله، وكذا
الخلفاء بعده كانوا يعطونه، والحقه الشافعى
بالميراث الذي يستحق باسم القرابة غير
أنهم يعطون القريب والبعيد، وقال: ويفضل
الذكر على الأنثى فيعطى الذكر سهمين
والأنثى سهمًا (٤).
بل قد حكى بعض العلماء الإجماع على
(٤) لباب التأويل، الخازن ٣١٣/٢.
١٠٢
مَشْبِالَرَ النَّفْسِيْ
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
الرحم
أن ذلك السهم يكون في الكراع والسلاح لقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَيِنَ
١٠)﴾ [الشعراء: ٢١٤].
في سبيل الله، فقد أخرج النسائي وغيره عن
قیس بن مسلم، عن الحسن بن محمد بن
الحنفية قال: ((اختلف الناس بعد وفاة النبي
صلی الله عليه وسلم في هذين السهمين:
سهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم
وسهم لذوي القربى، فقالت طائفة: سهم
رسول الله صلى الله عليه وسلم للخليفة
من بعده، وقالت طائفة: سهم لذوي القربى
لقرابة الخليفة، فأجمعوا على أن يجعلوا
هذين السهمين في الكراع وفي العدة في
سبيل الله))(١).
وبهذا يمكن القول بأن سهم ذوي القربى
يصرف في المصالح العامة وخاصة في هذا
العصر؛ لتعذر معرفة قرابات النبي صلى الله
عليه وسلم، وبعدهم عن عصره صلی الله
علیه وسلم، مع الحب والتقدير لمن ينتسب
إلی آل النبي صلى الله عليه وسلم.
ثالثًا: حقوق دعوية:
يجب على المسلم أن يخص أقاربه
بالدعوة إلى الله تعالى والنصح والإرشاد
كونه يتحمل المسؤلية تجاههم، بل إن تلك
الدعوة والنصح والإرشاد من حقوق القرابة
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، رقم ٣٣٤٥،
٥١٧/١٦، والنسائي في سننه، كتاب قسم
الفيء، باب بدون، رقم ٤١٤٣، ١٣٣/٧،
والطبري في تفسيره ١٣ / ٥٥٧.
فقد أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه
وسلم أن يدعو الأقربين من عشيرته إلى
الدين الإسلامي، وخصهم بالدعوة؛ لأنه
یمکنه أن یجمعهم، أو لأن الإنسان یساهل
قرابته، فأمر بإنذارهم من غير تليين، أو
ليعلموا أنه لا يغني عنهم من الله شيئًا(٢)؛
لتنحسم أطماع سائر عشيرته وأطماع
الأجانب في مفارقته إياهم على الشرك،
وعشيرته الأقربون هم قریش، وقيل: بنو عبد
مناف (٣).
وقد بينت السنة النبوية كيف دعا النبي
صلی الله عليه وسلم عشيرته، وذلك فيما
رواه أبو هريرة رضي الله عنه، قال: لما أنزلت
هذه الآية: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرِينَ
٢١٤
[الشعراء: ٢١٤]، دعا رسول الله صلى الله
عليه وسلم قريشًا، فاجتمعوا فعم وخص،
فقال: (يا بني كعب بن لؤي، أنقذوا أنفسكم
من النار، يا بني مرة بن كعب، أنقذوا أنفسكم
من النار، يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم
من النار، يا بني عبد مناف، أنقذوا أنفسكم
من النار، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من
النار، يا بني عبد المطلب، أنقذوا أنفسكم
من النار، يا فاطمة، أنقذي نفسك من النار،
(٢) إيجاز البيان عن معاني القرآن، نجم الدين
النيسابوري ٢/ ٦٢٧.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٣/ ١٤٣.
www. modoee.com
١٠٣
حرف الراء
فإني لا أملك لكم من الله شيئًا، غير أن لكم
رحمًا سأبلها بيلالها)(١).
ومعنى: سأبلها بيلالها، أي: سأصلها،
فقد شبهت قطيعة الرحم بالحرارة، ووصلها
بالماء الذي يطفئ ببرده الحرارة، ومنه
حديث: (بلوا أرحامكم ولو بالسلام) (٢) (٣)،
أي: صلوا أرحامكم، قال ابن حجر: (وقال
الطيبي وغيره شبه الرحم بالأرض التي
إذا وقع عليها الماء وسقاها حتى سقيها
أزهرت ورؤيت فيها النضارة فأثمرت
المحبة والصفاء، وإذا تركت بغير سقي
يبست وبطلت منفعتها فلا تثمر إلا البغضاء
والجفاء)) (٤).
كما قال تعالى: ﴿وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوةِ
وَأَصْطَيِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢].
وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فُواْ
أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَاَلْحِجَارَةُ
عَلَيْهَا مَلَتِكَةُ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَّا
[التحريم: ٦].
أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَّرُونَ ﴾
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوصايا،
باب هل يدخل النساء والولد في الأقارب؟،
رقم ٢٧٥٣، ٦/٤، ومسلم في صحيحه،
كتاب الإيمان، باب قوله تعالى: (وأنذر
عشيرتك الأقربين)، رقم ١،٢٠٤/ ١٩٢.
(٢) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، رقم
٣٤٦/١٠،٧٦٠٢.
وحسنه الألباني في صحيح الجامع، رقم
٠٥٤٦/١،٢٨٣٨
(٣) شرح النووي على صحيح مسلم ٣/ ٨٠.
(٤) فتح الباري ١٠/ ٤٢٣.
ووقاية النفس عن النار بترك المعاصي
وفعل الطاعات، ووقاية الأهل بحملهم
على ذلك بالنصح والتأديب(٥)، وأيضًا فهم
أحق أن يتصدق عليهم، فوجب أن يكونوا
بالإحسان الديني أولى(٦).
ومن خلال هذه النصوص يتبين أن
من حقوق القريب على قريبه دعوته إلى
الإيمان والتقوى والاستقامة بما يقيه من
النار يوم القيامة، كما يجب على القريب
نصح وإرشاد قريبه للخير والصلاح الديني
والدنيوي.
(٥) انظر: روح المعاني، الألوسي ٣٥١/١٤.
(٦) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٥٤٩/٢١.
جَوَسُولَةُ النَّصـ
القرآن الكريمِ
١٠٤
الرحمى
قطيعة الرحم وعاقبته
سيكون هذا المبحث في بيان معنى
قطيعة الرحم، وصورها، وكيفية صلتها،
وعاقبة قطيعة الرحم في الدنيا والآخرة،
وذلك في النقاط الآتية:
أولًا: قطيعة الرحم:
إن قطيعة الرحم من الكبائر العظيمة التي
توجب لعنة الله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن
تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُواْ فِ الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُواْ أَرْحَامَكُمْ
أُوْ لَيْكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمٌَ
أَبْصَرَهُمْ ﴾ [محمد: ٢٢ -٢٣].
قال ابن كثير: ((ولهذا قال تعالى: ﴿أُوْلَيْكَ
اَلَّذِينَ لَعَنَهُمُ اَللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىَ أَبْصَرَهُمْ﴾
وهذا نهي عن الإفساد في الأرض عمومًا،
وعن قطع الأرحام خصوصًا، بل قد أمر
الله تعالى بالإصلاح في الأرض وصلة
الأرحام، وهو الإحسان إلى الأقارب في
المقال والأفعال وبذل الأموال، وقد وردت
الأحاديث الصحاح والحسان بذلك عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم من طرق
عديدة ووجوه كثيرة»(١).
وقد أجمع العلماء على حرمة قطيعة
الرحم، قال القرطبي: ((اتفقت الملة على أن
صلة الرحم واجبة وأن قطيعتها محرمة))(٢).
(١) تفسير القرآن العظيم ٢٩٣/٧.
(٢) الجامع لأحكام القرآن ٥/ ٦.
وقطيعة الرحم تكون: بالإساءة إلى
الرحم، وتكون بترك الإحسان؛ لأن
الأحاديث آمرة بالصلة ناهية عن القطيعة
فلا واسطة بينهما، والصلة نوع من الإحسان
كما فسرها بذلك غير واحد من العلماء،
والقطيعة ضدها، وهي ترك الإحسان(٣).
قال القرطبي: ((وبالجملة فالرحم على
وجهين: عامة وخاصة، فالعامة: رحم
الدين، ويجب مواصلتها بملازمة الإيمان،
والمحبة لأهله ونصرتهم، والنصيحة
وترك مضارتهم، والعدل بينهم، والنصفة
في معاملتهم، والقيام بحقوقهم الواجبة،
كتمريض المرضى، وحقوق الموتى من
غسلهم والصلاة عليهم ودفنهم، وغير
ذلك من الحقوق المترتبة لهم، وأما الرحم
الخاصة: وهي رحم القرابة من طرفي
الرجل أبيه وأمه، فتجب لهم الحقوق
الخاصة وزيادة، كالنفقة، وتفقد أحوالهم،
وترك التغافل عن تعاهدهم في أوقات
ضروراتهم، وتتأكد في حقهم حقوق الرحم
العامة، حتى إذا تزاحمت الحقوق بدئ
بالأقرب فالأقرب)) (٤).
وتكون صلة الرحم بالمال وبالعون على
الحاجة، وبدفع الضرر، وبطلاقة الوجه،
وبالدعاء، والمعنى الجامع: إيصال ما أمكن
(٣) انظر: سبل السلام، الصنعانى ٦٢٩/٢.
(٤) الجامع لأحكام القرآن ٢٤٧/١٦.
www. modoee.com
١٠٥
حرف الراء
من الخير، ودفع ما أمكن من الشر بحسب
الطاقة، وهذا إنما يستمر إذا كان أهل الرحم
أهل استقامة، فإن كانوا كفارًا أو فجارًا
فمقاطعتهم في الله هي صلتهم، بشرط بذل
الجهد في وعظهم، ثم إعلامهم إذا أصروا
أن ذلك بسبب تخلفهم عن الحق، ولا يسقط
مع ذلك صلتهم بالدعاء لهم بظهر الغيب أن
يعودوا إلى الطريق المثلى (١).
والخلاصة أن صلة الرحم: هي الإحسان
إلى الأقارب على حسب حال الواصل
والموصول، فتارةً تكون بالمال، وتارةً
بالخدمة، وتارةً بالزيارة، والسلام، وغير
ذلك(٢)، أي: أن صلة الرحم: مشاركة ذوي
القرابة في الخيرات(٣).
ثانيًا: عاقبة قطيعة الرحم:
توجب قطيعة الرحم عددًا من العقوبات
والعواقب يمكن بيانها في الفقرات الآتية:
١. اللعنة من الله.
قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَيْتُمْ
أَنْ تُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُواْ أَرْحَامَكُمْ
أُوْلَيْكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىَ
٢٢
﴾ [محمد: ٢٢ - ٢٣].
أَبْصَرَهُمْ )
(١) انظر: فتح الباري، ابن حجر ٤١٨/١٠.
(٢) انظر: القاموس الفقهي، سعدي أبو جيب ص
١٤٥.
(٣) انظر: التوقيف على مهمات التعاريف،
المناوي ص٢١٨.
والمعنى: أن هؤلاء الذين يفسدون
ويقطعون الأرحام لعنهم الله، فأبعدهم
من رحمته، ﴿فَأَصَمَّهُمْ﴾، أي: فسلبهم
فهم ما يسمعون بآذانهم من مواعظ الله في
تنزيله، ﴿وَأَعْمَىَ أَبْصَرَهُمْ ﴾ يقول: وسلبهم
عقولهم، فلا يتبينون حجج الله، ولا
یتذکرون ما یرون من عبره وأدلته (٤).
٢. القطع من الله.
القطع من الله عاقبة من عواقب قطيعة
الرحم؛ لما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الرحم
شجنة من الرحمن، فقال الله: من وصلك
وصلته، ومن قطعك قطعته)(٥).
ومعنى: الرحم شجنة من الرحمن،
أي: قرابة مشتبكة كاشتباك العروق، شبهه
بذلك مجازًا واتساعًا، وأصل الشجنة
بالكسر والضم: شعبة في غصن من غصون
الشجرة (٦).
((والمراد منها هنا: أنها مشتقة (من
الرحمن)، أي: من الرحم المشتق من اسم
الرحمن، فكأنها مشتبکة به اشتباك العروق،
وقيل: في وجه الشجنة أن حروف الرحم
موجودة في اسم الرحمن، ومتداخلة فيه
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٢/ ١٧٨.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب،
باب من وصل وصله الله، رقم ٦/٨،٥٩٨٨.
(٦) النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن
الأثير ٢/ ٤٤٧.
ضـ
جَوَنُوبَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكريم
١٠٦
الرحم
كتداخل العروق لكونها من أصل واحد، والثاني: معناه ولا يدخلها في أول الأمر
مع السابقين، بل يعاقب بتأخره القدر الذي
یریدە الله تعالی»(٥).
والمعنى: أنها أثر من آثار رحمة الله مشتبكة
بها، فالقاطع فيها مقطوع من رحمة الله،
والواصل فيها واصل إلى رحمته)) (١).
والقطع من الله كناية عن حرمان
الإحسان، والوصل من الله تعالى كناية عن
عظيم إحسانه (٢)، بل قد يكون القطع حقيقةً
بأن يقطع الله من عمره ورزقه، كما أن في
الوصل زيادة في العمر والرزق.
٣. الحجب من دخول الجنة.
من عواقب قطيعة الرحم الحجب من
دخول الجنة، لما رواه جبير بن مطعم رضي
الله عنه: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم
يقول: (لا يدخل الجنة قاطع)(٣).
قال ابن أبي عمر: قال سفيان: يعني قاطع
(٤)
رحم(٤).
قال الإمام النووي: «هذا الحديث يتأول
تأویلین سبقا في نظائره في كتاب الإيمان،
أحدهما: حمله على من يستحل القطيعة
بلا سبب ولا شبهة مع علمه بتحريمها فهذا
كافر يخلد في النار، ولا يدخل الجنة أبدًا،
(١) مرقاة المفاتيح، الملا علي القاري ٧/ ٣٠٨٥.
(٢) انظر: شرح صحيح البخارى، ابن بطال
٩/ ٢٠٥، عمدة القاري، العيني ٩٣/٢٢.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب،
باب إثم القاطع، رقم ٥/٨،٥٩٨٤.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة
والآداب، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها،
رقم ١٩٨١/٤،٢٥٥٦.
٤. تعجيل العقوبة في الدنيا مع ما
يؤجل في الآخرة.
من عواقب قطيعة الرحم تعجيل العقوبة
في الدنيا مع ما يؤجل في الآخرة ويدل على
ذلك ما رواه أبو بكرة رضي الله عنه، قال:
قال رسول الله صلی الله عليه وسلم: (ما
من ذنب أجدر أن يعجل الله تعالى لصاحبه
العقوبة في الدنيا، مع ما يدخر له في الآخرة
مثل البغي وقطيعة الرحم) (٦).
٥. الخسران في الدنيا والآخرة.
رتب الله تعالى على نقض العهود
وقطيعة الرحم والفساد في الأرض الخسارة
في الدنيا والآخرة.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ
مِنْ بَعْدٍ مِيثَقِهِ، وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اَللّهُ بِهِ أَنْ
يُؤْصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضِّ أُوْلَكَ هُمُ
الْخَسِرُونَ
﴾ [البقرة: ٢٧].
٢٧
(٥) شرح النووي على صحيح مسلم ١٦ / ١١٣.
(٦) أخرجه أبي داود في سننه، كتاب الأدب، باب
في النهي عن البغي، رقم ٤٩٠٢، ٤ / ٢٧٦،
والترمذي في سننه، أبواب صفة القيامة
والرقائق والورع، رقم ٢٥١١، ٤ / ٦٦٤، وابن
ماجه في سننه، كتاب الزهد، باب البغي، رقم
١٤٠٨/٢،٤٢١١.
وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم
٥٧٠٥، ٠٩٩٥/٢
www. modoee.com
١٠٧
حرف الراء
والخاسرون هم: الهالكون والناقصون
أنفسهم حظوظها من رحمة الله بمعصیتھم
له، كما يخسر الرجل في تجارته، بأن
یوضع من رأس ماله في بيعه، فكذلك
الكافر والمنافق، وقاطع الرحم خسر
بحرمان الله إياه رحمته التي خلقها لعباده
في القيامة، أحوج ما كان إلى رحمته(١)،
وخسر بإهمال العقل عن النظر واقتناص
ما يفيدهم الحياة الأبدية، واستبدال الإنكار
والطعن في الآيات بالإيمان بها، والنظر في
حقائقها والاقتباس من أنوارها، واشتراء
النقص بالوفاء، والفساد بالصلاح، والعقاب
بالثواب(٢).
٦. الحرمان من قبول العمل.
الحرمان من قبول العمل من عواقب
قطيعة الرحم، لما رواه أبو هريرة رضي الله
عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: (إن أعمال بني آدم تعرض كل
خميس ليلة الجمعة، فلا يقبل عمل قاطع
رحم)(٣).
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١ / ٤١٧.
(٢) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ١/ ٦٥.
(٣) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ١٠٢٧٢،
١٦/ ١٩١، والبيهقي في شعب الإيمان، رقم
٣٤١/١٠،٧٥٩٥.
قال الهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد
رقم ١٣٤٥٠٨/ ١٥١: أخرجه أحمد، ورجاله
ثقات.
وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب،
والمعنى: أن من قطع رحمه بنحو
إساءة أو هجر، فعمله لا ثواب فيه، وإن
كان صحيحًا، ولا تلازم بين الصحة وعدم
القبول، وهذا وعيد شديد يفيد أن قطعها
كبيرة، بخلاف قطعها بترك الإحسان أو
نحوه فليس بكبيرة بل ولا صغيرة، ويحتمل
كونه صغيرة في بعض الأحوال (٤).
مَؤُوابَرُ الْتَسْنِ وَصوي
الْقُرآن الكَرِيمِ
رقم ٣٣٩/٢،٢٥٣٨.
(٤) انظر: فيض القدير، المناوي ٤٢٦/٢.
١٠٨
الرحم
حقوق الرحم من غير المسلمين
إن الرحم من غير المسلمين إما أن
يكونوا مسالمين وإما أن يكونوا محاربين،
ولكل نوع من هؤلاء الرحم حقوق يمكن
بيانها في النقاط الآتية:
قال الطبري: ((وأولى الأقوال في ذلك
بالصواب قول من قال: عني بذلك: لا
أولًا: حقوق الرحم المسالمين من غير ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدین،
المسلمين:
رخص الله سبحانه في صلة الرحم
المسالمين من غير المسلمين الذين لم
يقاتلوا المؤمنين، ولم يخرجوا من ديارهم
بالإحسان والبر، والقسط إليهم، والعدل
معهم، قال تعالى: ﴿لَا يَنْهَنَكُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ
لَمْ يُقَتِلُوكُمْ فِ الدِّينِ وَلَوْ نُخْرِجُوكُمْ مِن دِيَِّكُمْ أَنْ تَبُوهُتْ
وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾
[الممتحنة: ٨] (١).
واختلف العلماء فيمن نزلت فيهم هذه
الآية:
فقال ابن عباس رضي الله عنه: نزلت
في خزاعة، منهم: هلال بن عدیم، وخزيمة،
ومزلقة بن مالك بن جعشم، وبنو مدلج،
وکانوا صالحوا النبي صلى الله عليه وسلم
على أن لا يقاتلوه ولا يعينوا عليه أحدًا.
وعن هشام بن عروة عن أبيه عن أسماء
بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: قدمت
علي أمي وهي مشركة في عهد قريش إذ
(١) التفسير الوسيط، الواحدي ٢٨٥/٤.
عاهدوا رسول الله صلی الله عليه وسلم،
فاستفتیت رسول الله صلی الله عليه وسلم
فقلت: يا رسول الله إن أمي قدمت علي وهي
راغبة أفأصلها؟ قال: (نعم صليها)(٢) (٣).
من جميع أصناف الملل والأديان أن تبروهم
وتصلوهم، وتقسطوا إليهم، إن الله عز وجل
عم بقوله: ﴿الَّذِينَ لَمْ يُقَتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَوْ يُخْرِجُوكُم
مِّندِیرِكُمْ﴾ جميع من كان ذلك صفته، فلم
يخصص به بعضًا دون بعض، ولا معنى
لقول من قال: ذلك منسوخ؛ لأن بر المؤمن
من أهل الحرب ممن بينه وبينه قرابة نسب،
أو ممن لا قرابة بينه وبينه ولا نسب غير
محرم، ولا منھي عنه إذا لم يكن في ذلك
دلالة له، أو لأهل الحرب على عورة لأهل
الإسلام، أو تقویة لھم بکراع أو سلاح، قد
بین صحة ما قلنا في ذلك، الخبر الذي ذكرناه
عن ابن الزبير في قصة أسماء وأمها. وقوله:
﴿إِنَّ اللَّهَ مُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ يقول: إن الله يحب
المنصفين الذين ينصفون الناس، ويعطونهم
الحق والعدل من أنفسهم، فيبرون من برهم،
ويحسنون إلى من أحسن إليهم)» (٤).
ومما يؤيد قول الطبري بأن الآية محكمة
(٢) سبق تخريجه.
(٣) معالم التنزيل، البغوي ٧١/٥.
(٤) جامع البيان ٣٢٣/٢٣.
www. modoee.com
١٠٩
حرف الراء
ومن أدلتهم: أنها نزلت في أم أسماء بنت أبي
بكر رضي الله عنهما جاءت إليها وهي لم
تسلم بعد وكان بعد الهجرة، وجاءت لابنتها
بهدايا فأبت أن تقبلها منها وأن تستقبلها حتى
تستأذن رسول الله صلی الله عليه وسلم،
فأذن لها وأمرها بصلتها(١) (٢).
ومما ينفي النسخ عدم التعارض بين هذا
المعنى، وبين آية السيف؛ لأن شرط النسخ
التعارض، وعدم إمكان الجمع، ومعرفة
التاريخ، والجمع هنا ممكن والتعارض
منفي، وذلك لأن الأمر بالقتال لا يمنع
الإحسان قبله، كما أن المسلمين ما كانوا
ليفاجئوا قومًا بقتال حتى يدعوهم إلى
الإسلام، وهذا من الإحسان قطعًا، ولأنهم
قبلوا من أهل الكتاب الجزية، وعاملوا أهل
الذمة بكل إحسان وعدالة(٣).
ومفهومه: أن المؤمنین إذا كانوا في حالة
قوة وعدم خوف وفي مأمن منهم، وليس
منهم قتال، وهم في غاية من المسالمة فلا
مانع من برهم بالعدل والإقساط معهم، وهذا
مما يرفع من شأن الإسلام والمسلمين، بل
وفيه دعوة إلى الإسلام بحسن المعاملة،
وتأليف القلوب بالإحسان إلى من أحسن
إليهم، وعدم معاداة من لم يعادهم، ومما
(١) سبق تخريجه.
(٢) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٩٢/٨.
(٣) انظر: المصدر السابق ٩٣/٨.
غير منسوخة أن هذا قول جمهور المفسرين، يدل لذلك من القرائن ما جاء في التذييل لهذه
الآية بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾،
كما قابل هذا بالتذييل على الآية الأخرى:
﴿وَمَنْ يَنَوَلَُّمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الَّتِسُونَ﴾، ففيه مقابلة
بين العدل والظلم، فالعدل في الإحسان،
والقسط لمن يسالم القريب، والظلم ممن
یوالي من يعادي قومه (٤).
وقد أوصى الله تعالى بالإحسان إلى
الوالدين الكافرين في قوله تعالى: ﴿وَإِن
جَهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلِمٌ
فَلاَ تُطِعْهُمَاً وَصَاحِبْهُمَا فِ الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾
[لقمان: ١٥].
أي: صاحبها في الدنيا بالبر والصلة،
والعشرة الجميلة وهو المعروف من غير أن
تطيعهما في معصيتي (٥).
ومن الإحسان إليهما أيضًا: النفقة عليهما
كما سبق في حق القرابة في النفقة، ولیس من
الصحبة بالمعروف تركه جائعًا مع القدرة
على سد جوعته، وهذه الصلة والإحسان
إليهما واجبة بالإجماع إذا كانا مسالمين (٦).
ثانيًا: حقوق الرحم المحاربين:
أما حقوق الرحم المحاربين فهو
بمعادتهم ومقاطعتهم وهجرهم، وهذا هو
(٤) انظر: المصدر السابق.
(٥) انظر: تفسير القرآن، السمعاني ٢٣١/٤،
معالم التنزيل، البغوي ٥٨٨/٣.
(٦) انظر: أحكام القرآن، الجصاص ١/ ٤٩٤.
١١٠
جوبيه
القرآن الكريمِ
الرحمى
صلة الرحم بهم قال تعالى: ﴿إِنََّا يَتَنَّكُمُ اللهُ
عَنِ الَّذِينَ قَتَلُوكُمْ فِ الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم ◌ِّنِ دِيَرِكُمْ
وَظَهَرُواْ عَلَ إِخْرَاِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمَّ وَمَنْ يَنَوَلَكُمْفَوَْكَهُمُ
الظَّالِمُونَ ﴾ [الممتحنة: ٩].
والمعنى: إنما ينهاكم عن موالاة
هؤلاء الذين ناصبوكم بالعداوة فقاتلوکم،
وأخرجوكم، وعاونوا على إخراجكم،
ينهاكم الله عز وجل عن موالاتهم، ويأمركم
بمعاداتهم، ثم أكد الوعيد على موالاتهم
فقال: ﴿وَمَّنْ يَنَوَُّمْ فَأُوْلَكَ هُمُ الَّتِمُونَ﴾ كقوله
تعالى: ﴿﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ أَلْيُّهُودَ
وَالنَّصَرَّ أَوْلِيَاءُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍِّ وَمَن يَتَوَلَُّم مِّنَكُمْ
فَإِنَّهُ مِنْهُمُّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى أَلْقَوْمَ الَِّمِينَ
[المائدة: ٥١] (١).
من أجل الدين، وأخرجوهم من ديارهم،
﴿وَظَهَرُواْ﴾، أي: أعانوا على إخراجهم،
أما هؤلاء فهم الذين ينهى الله المؤمنين
عن توليهم لهم، أي: موالاتهم وبرهم،
والإحسان إليهم، ووصل حبال المودة بهم.
﴿وَمَنيَنَوَلَّم﴾، أي: یقیم ولاءً معهم، ويبقى
على صلة بهم، ﴿فَأَوْلَكَ هُمُ الْقَلِمُونَ﴾، أي:
الذين اعتدوا على حق الله، وظلموا أنفسهم
بما حملوها من أوزار (٢).
ولا يجوز اتخاذ الأولياء والأنصار
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١١٩/٨.
(٢) انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم
الخطيب ١٤ / ٩٠٤.
والأحباب من الذين قاتلوا المسلمين على
الدين، وأخرجوهم من ديارهم، وعاونوا
على إخراجهم، وهم مشركو أهل مكة، ومن
يفعل ذلك بأن يواليهم، فأولئك هم الظلمة
المستحقون للعقاب الشديد، والخلاصة: لا
ينهى الله عن مبرة الفريق الأول، وإنما ينهى
عن تولي الفريق الثاني (٣).
وقد أمر تعالی بمباینة الكفار به وإن كانوا
آباء أو أبناء، ونهى عن موالاتهم إن اختاروا
الكفر علی الإیمان، وتوعد علی ذلك.
قال تعالى: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ
◌ِلَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَآَدُونَ مَنْ حَادّ ◌ُللَّهَ
وَرَسُولَهُ، وَلَوْ كَانُّوْ ءَابَآءَ هُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ
أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ
فالذين قاتلوا المؤمنين في الدين، أي: فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوجٍ مِّنْهُ
" وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَّحْنِهَا الْأَنْهَرُ
خَلِدِينَ فِيهَاْ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ
أُوْلَيْكَ حِزْبُ اللهِّ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
٢﴾ [المجادلة: ٢٢].
وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
لَا تَتَّخِذُوَأْ ءَابَآءَكُمْ وَإِخْوَتَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ
اسْتَحَبُواْ الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَنِّ وَمَن يَتَوْلَّهُم
مِّنْكُمْ فَأُوْلَكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [التوبة:
٢٣].
والمعنى كما قال الرازي: ((أنه لا يجتمع
الإيمان مع وداد أعداء الله، وذلك لأن من
(٣) التفسير المنير، الزحيلي ٢٨/ ١٣٧.
www. modoee.com
١١١
حرف الراء
أحب أحدًا امتنع أن یحب مع ذلك عدوه،
وهذاعلى وجهین أحدهما: أنهما لا يجتمعان
في القلب، فإذا حصل في القلب وداد أعداء
الله، لم يحصل فيه الإيمان، فيكون صاحبه
منافقًا، والثاني: أنهما يجتمعان ولكنه معصية
و كبيرة، وعلى هذا الوجه لا يكون صاحب
هذا الوداد کافرًا بسبب هذا الوداد، بل كان
عاصيًا في الله، فإن قيل: أجمعت الأمة على
أنه تجوز مخالطتهم ومعاشرتهم، فما هذه
المودة المحرمة المحظورة؟ قلنا: المودة
المحظورة هي إرادة منافسه دينًا ودنيًا مع
کونه كافرًا، فأما ما سوى ذلك فلا حظر فيه،
ثم إنه تعالى بالغ في المنع من هذه المودة
من وجوه أولها: ما ذكر أن هذه المودة مع
الإیمان لا يجتمعان، وثانيها: قوله: ﴿وَلَوْ
كَانُّوْ ءَبَآءَ هُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ
أَوْ عَشِيرَتَّهُمْ﴾ والمراد أن الميل إلى هؤلاء
أعظم أنواع المیل، ومع هذا فیجب أن یکون
هذا الميل مغلوبًا مطروحًا بسبب الدين))(١).
ثم أمر تعالى رسوله أن يتوعد من آثر
أهله وقرابته وعشيرته على الله ورسوله
وجهاد في سبيله فقال: ﴿قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ
وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَتُكُمْ وَأَزْوَجَّكُمْ وَعَشِيرَتَّكُو
وَأَمْوَلُ أَقْتَرَفْتُمُوهَا وَتْجَرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا
وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِّنَ
اَللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُواْ
(١) مفاتيح الغيب ٤٩٩/٢٩.
جَوُورُ
القرآن الكريم
حَتَّى يَأْتِ اَللَّهُ بِأَمْيِهُ وَاَللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ
اَلْفَسِقِينَ ﴾ [التوبة: ٢٤].
أي: إن كانت هذه الأشياء أحب إليكم
من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا،
أي: فانتظروا ماذا يحل بكم من عقابه ونكاله
بكم، ولهذا قال: ﴿حَتَّى يَأْتِىَ اللَّهُ بِأَمْرُِ
وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ اَلْفَسِقِينَ﴾(٢).
وقد أمر الله تعالى بقطع موالاة الكفار
حيهم وميتهم، فإن الله لم يجعل للمؤمنين
أن يستغفروا للمشركين، فطلب الغفران
للمشرك مما لا يجوز.
قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَِّّ وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ
أُوْلِ قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَ لَهُمْ أَنَّهُمْ
أَصْحَبُ الْجَحِيمِ (٣)﴾ [التوبة: ١١٣] (٣).
وعن سعید بن المسیب، عن أبيه، قال:
لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله
صلى الله عليه وسلم، فوجد عنده أبا جهل،
وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا عم،
قل: لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند
الله)، فقال أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية:
يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟
فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم
پعرضها علیه، ويعيد له تلك المقالة حتى قال
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٠٨/٤.
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٢٧٢/٨.
١١٢