Indexed OCR Text
Pages 61-64
الزهر ولأهمية الدين في حياة البشر فقد ذم والإنصاف، ولو عقل أولئك الأمم لأدركوا بعقولهم صدق الرسل في دعوتهم، ولنبذوا معبوداتهم من دونه جل وعلا، وأجابوا الرسل، فلم يهلكوا، ولكنهم انحرفوا عن میدان الإنصاف والعقل، فکذبوا فهلکوا. القرآن الكريم الكفار والمنافقين، وبين حقيقة حالهم وقبح أعمالهم، وما يعقبها من الفساد والضرر بهم وسخط الله تعالى عليهم، واستحقاقهم لعقابه، وبعدهم من رحمته وثوابه؛ بقصد الإنذار والوعظ، لأجل التنفير والزجر، ولذلك تراها موجهة إليهم بوصفهم أو إلى وصفهم العام: المشركين، الكافرين، المنافقين، الفاسقين، الظالمين، المجرمين، المفسدين، أو الخاص بطائفة منهم، كبعض الأحبار والرهبان لا كلهم دون الأشخاص المعينين بأسمائهم وألقابهم، مهما يكن من شدة كفرهم وإيذائهم للنبي صلى الله عليه وسلم، والمؤمنين، كعبد الله بن أبي ابن سلول رئيس المنافقين الذي كان شرهم وأجرأهم على الضرر، فقد كان ضرره في المدينة أشد من ضرر أئمة الكفر والشرك في مکة؛ کأبي جهل(١). ثانيًا: الذم للحفاظ على العقل: ومن مقاصد الذم في القرآن الكريم: الحفاظ على العقل، فقد ذم القرآن الكريم کل ما کان ضارًا بالأفراد في عقولهم، وإنما أتى على ذم من قدم ذكره من الشخصيات والأمم المكذبة لعدولهم عن النظر السديد، اعتمادًا على الأهواء والتقليد، ونبذًا للعقل (١) انظر: تفسير المنار، محمد رشيد ١٠٦/١١. ثالثًا: الذم للحفاظ على النفس: ومن مقاصد الذم: الحفاظ على النفس وصيانتها من الاعتداء عليها، وشمل الذم في القرآن الكريم كل ما كان يعمله أهل الجاهلية، فكانت الجاهلية تقتل أولادها خشية كثرة العيلة، ودخول الفقر عليهم إذا كثروا، فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوّا أَوْلَدَكُمْ مِنْ إِمْلَقِ﴾ [الأنعام: ١٥١]. وقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّنَّكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ نَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١]. أي: حرم قتلها بأن عصمها بالإسلام أو بالعهد، فيخرج الحربي ويدخل الذمي، فما روي عن ابن جبير من كون المراد بالنفس المذكورة النفس المؤمنة ليس في محله، ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، استثناء مفرغ من أعم الأحوال، أي: لا تقتلوها في حال من الأحوال إلا حال ملابستکم بالحق الذي هو أمر الشرع بقتلها. وذلك كما جاء من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول www. modoee.com ٢٣٩ حرف الذال الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل دم المعاملات، التي قامت على أكل المال بالباطل، كالربا والميسر والغش وبيع الغرر، امرئ مسلم یشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق الجماعة)(١). وستر العيب، وغيرها مما ينطوي على الظلم، وتحريم تطفيف المكيال والميزان، ووجوب الصدق والبيان، وتحریم الكذب والخيانة. أو من أعم الأسباب، أي: لا تقتلوها بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق وهو ما في الخبر، أو من أعم المصادر، أي: لا تقتلوها قتلًا إلا قتلًا كائنًا وهو القتل بأحد المذكورات(٢). والحفاظ على النفس يشيع في المجتمع الأمن والسلام ويقضي على كل مظاهر العنف، ويحفظ التعايش مع جميع المجتمعات والأمم والشعوب، فالإسلام دين السلام والتعايش والقبول بالآخر، ويرفض كل أشكال العنف والتطرف بجميع أشکاله وأنواعه وصوره. رابعًا: الذم للحفاظ على المال: ومن مقاصد الذم: الحفاظ على الأموال، فقد ذم القرآن الكريم كل ما كان ضارًا بالأفراد في أموالهم، وقد نهى الإسلام عن (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحدود، باب قول الله تعالى: (أن النفس بالنفس .. )، رقم ٦٨٧٨، ٥/٩، ومسلم في صحيحه، كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب ما يباح به دم المسلم، رقم ١٣٠٢/٣،١٦٧٦. (٢) انظر: روح المعاني، الألوسي ٢٩٨/٤. وهذا المنهج الإسلامي في بناء الأخلاق يقتضي أيضًا الفضائل والقضاء على الرذائل، بأن تقوم المعاملات على تزكية الإنسان بالآداب الكريمة والأخلاق الفاضلة، وعلى المحافظة على الشعائر والقيم الإسلامية النبيلة، وإلا اهتز نظام المجتمع، وتدموت حياة الفرد، لفقدان الثقة، وغروب الأمن والطمأنينة، فتستعر المعاملات بالرشوة، والاختلاس والغش. ولذلك وصف الله عباده المؤمنين في تجارتهم وبيعهم ومعاملاتهم بقوله تعالى: وْرِجَالٌ لَّا نُلْهِمْ تِرَةٌ وَلَا بَيْعُ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَإِقَامِ الصَّلَوْةِ وَإِنَِّ الزَّكَوَةٌ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَرُ ، لِيَجْزِيَهُمُ اللّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُمْ مِّن فَضْلِهُ وَاللّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [النور: ٣٧-٣٨]. فحفظ القرآن الكريم أموال الناس من الضياع، وحذر أصحاب النفوس الضعيفة من المساس بها، وحفظ الموازين في التجارة لتستقيم المعاملات، وعمل على حفظ مال الفرد والجماعة والأمة، وأشير جَوَسُولَةُ النَّفي القرآن الكريمِ ٢٤٠ الزهر لذلك في قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ وَإِذَا الَّذِينَ إِذَا أَكْثَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ )) كَالُوهُمْ أَو ◌َّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ، أَلَا يَظُنُّ أُوْلَكَ أَنَّهُم مَّبْعُوتُونَ (٥)، لِيَوْمٍ عَظِيمِ ، يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ (١)﴾ [المطففين: ١ -٦]. خامسًا: الذم للحفاظ على النسل: ومن مقاصد الذم في القرآن الكريم: الحفاظ على النسل والعرض، فقد ذم القرآن الكريم كل ما كان ضارًا بالأفراد في أنفسهم وأعراضهم. وأشير إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ: أَتَأْتُونَ الْفَحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٨٠ مِنْ أَحَدٍمِنَ الْعَلَمِينَ الْرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِقُونَ (١)﴾ [الأعراف: ٨٠-٨١]. والإسراف الذي يدمغهم به لوط هو الإسراف في تجاوز منهج الله الممثل في الفطرة السوية، والإسراف في الطاقة التي وهبهم الله إياها، لأداء دورهم في امتداد البشرية ونمو الحياة، فإذا هم يريقونها ويبعثرونها في غير موضع الإخصاب، فهي مجرد ((شهوة» شاذة؛ لأن الله جعل لذة الفطرة الصادقة في تحقيق سنة الله الطبيعية، فإذا وجدت نفس لذتها في نقيض هذه السنة، فهو الشذوذ إذن والانحراف والفساد الفطري، قبل أن يكون فساد الأخلاق، ولا فرق في الحقيقة. فالأخلاق الإسلامية هي الأخلاق الفطرية، بلا انحراف ولا فساد(١). وإنما ذمهم وعيرهم ووبخهم بهذا الفعل الخبيث، لأن الله تعالى خلق الإنسان وركب فيه شهوة النكاح لبقاء النسل وعمران الدنيا، وجعل النساء محلًا للشهوة وموضعًا للنسل، فإذا تركهن الإنسان وعدل عنهن إلى غيرهن من الرجال فقد أسرف وجاوز واعتدى، لأنه وضع الشيء في غير محله وموضعه الذي خلق له، لأن أدبار الرجال ليست محلّا للولادة التي هي مقصودة بتلك الشهوة للإنسان (٢). والقاعدة الأساسية التي يقوم عليها المجتمع، وهي قاعدة النظافة والطهارة والعفة والأخلاق، فنهاهم عن الفواحش ظاهرها وخافيها؛ لأنه لا يمكن قيام أمة، ولا استقامة مجتمع، ولا أسرة في وحل الفواحش ما ظهر منها وما بطن، إنه لا بد من طهارة ونظافة وعفة لتقوم الأسرة وليقوم المجتمع، والذين يحبون أن تشيع الفاحشة هم الذين يحبون أن تتزعزع قوائم الأسرة وأن ينهار المجتمع، والجماعة التي تشيع فيها الفاحشة جماعة ميتة، منتهية حتمًا إلى الدمار، والحضارة الإغريقية والحضارة الرومانية والحضارة الفارسية، شواهد من (١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ١٣١٥/٣. (٢) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ٣١٦/٥. www. modoee.com ٢٤١ حرف الذال التاريخ، ومقدمات الدمار والانهيار في في الأمة الخير، وندر فيها وقوع الشر، وانتلفت قلوب أهليها، وسعدوا في دنياهم الحضارة الغربية تنبئ بالمصير المرتقب لأمم ينخر فيها كل هذا الفساد، والمجتمع الذي تشيع فيه المقاتل والثارات، مجتمع مهدد بالدمار. وآخرتهم، وإصلاح الله تعالى لحال البشر كان بهداية الدين وإرسال الرسل، وتمم ذلك ببعثة خاتم الأنبياء والمرسلين الذي كان رحمة للعالمين، فبه أصلحت عقائد ومن ثم يجعل الإسلام عقوبة هذه الجرائم هي أقسى العقوبات، لأنه يريد حماية مجتمعه من عوامل الدمار، وأشير إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ اُلزِّفَ إِنَّهُ، كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا ٣٢ [الإسراء: ٣٢]. البشر، وهذبت أخلاقهم وآدابهم بما جمع لهم فيها من مصالح الروح والجسد، وما شرع لهم من التعاون والتراحم، وبما حفظ لهم من العدل والمساواة، وبما شرع لهم من الشورى المقيدة بقاعدة درء المفاسد وحفظ المصالح، وبذا امتاز به دينهم عن بقية الأديان (٢). وقوله سبحانه: ﴿﴿ قُلْ تَعَالُوا أَتْلُ مَا حَزَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمَّ أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَأَلْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَّاً وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَدَكُمْ مِّنْ إِمْلَقِّ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَاهُمٌّ وَلَا تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنٌَ وَلَا تَقُّْلُواْ النَّفْسَ أَلَّتِ حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِأَلْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّنَكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ ثَّعْقِلُونَ (٥) [الأنعام: ١٥١](١). موضوعات ذات صلة: الحمد، المدح والخلاصة: أن الذم في القرآن الكريم من أجل الحفاظ على الكليات الضرورية للفرد والمجتمع، وهي: الدين والنفس والعرض والمال والعقل، وكل ما فيه صلاح المجتمع وسلامته، والحفاظ على أمنه ووحدته واستقراره بما يكفل له سبل الحياة الكريمة، فإذا هم اجتنبوا ذلك كثر (١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٣/ ١٢٣٠. (٢) انظر: تفسير المراغي ١٧٨/٨. ٢٤٢ لِلْقُرآن الكْرِيْمِ